هاشم علي… تجربة متفردة بعيدًا من صخب الألوان
تقدم تجربة الرسام اليمني الراحل هاشم علي وحياته، نموذجًا للكيفية التي يتأثر فيها الفن ببيئته الاجتماعية ويؤثر فيها. فالمعلم الأول للفن التشكيلي اليمني، يُعد، شخصية استثنائية كما يرى كثر إلا أنها لم تخرج من قماشة الأساطير كما فعل بروميثيوس، بل بدأ طفلًا يتيمًا حمل دم أبيه بيده ومضى يبحث عن بقية الألوان.
ولد هاشم في جزيرة جاوا الإندونيسية، لأب مهاجر من محافظة حضرموت شرقي اليمن، وأم إندونيسية. عمل الأب بائعًا جوالًا وكان من الإسلاميين الذين تصدوا حينها للمد الشيوعي، وهو ما أدى إلى مقتله وهو يصلي على يد مجموعة إندونيسية يسارية مسلحة، حسب سيرة موجزة للفنان كتبها نجله الأكبر علي هاشم، ونشرتها مجلة العربي الكويتية في 2012م.
صدمة قتل الأب ستلازم حياة هاشم الذي قدم إلى اليمن وهو في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة تقريبًا حسبما يرجح نجله علي، فأخذ يتنقل ما بين حضرموت وأبين وعدن والحديدة بحثًا عن أمان الطفولة التي عاشها في جزيرة جاوا إلى أن وجده في تعز المعروفة بالحالمة، المدينة ذاتها التي اختارها ملك المملكة المتوكلية اليمنية، الإمام أحمد حميد الدين، عاصمة له بعد مقتل والده في صنعاء عام 1948م على أيدي المعارضة.
تقدم لوحة «بائعة الورود» وهي من الأعمال المبكرة، مثالًا معبرًا لحاجة الفنان للطمأنينة «فهاشم لم يحب الضجيج داخل اللوحة، أي اكتظاظها بالتفاصيل، بل كان يحرص على فضاءات ملونة نقية، بعيدة من الصخب اللوني، تسودها درجات الأخضر أو الأصفر أو البرتقالي مع البياض» حسبما تقول لـ«الفيصل» أستاذة علم الجمال في كلية الآداب بجامعة صنعاء الدكتورة آمنة النصيري.
جمهورية اللون
في ستينيات القرن العشرين، وبينما كان اليمن يخوض مرحلة ثورة سعت إلى التحرر من الاستعمار في الجنوب وتبديد ظلام عزلة وتخلف، راكمه على مدى مئات السنين، حكم نظام الإمامة لشمال اليمن؛ كان الرسام الشاب هاشم علي، يرسم طريقًا للنور ويرسي اللبنات الأولى للفن التشكيلي. في واحدة من تجارب الريادة الفنية الفريدة التي أطل اليمن من خلالها على ذاته وعلى العالم الخارجي.
على مدى نصف قرن عكست أعمال هاشم، تحولات شتى، بينها تطور، الفنان نفسه، الذي بدأ مسيرته متأثرًا بالمدرسة الواقعية لينتقل إلى التكعيبية والتجريدية، قبل أن يستقر على أسلوب مزج بين الواقعية والتجريد خالقًا تكويناته الخاصة. فالفن وإن عُد ساحة صراع رمزي حسب «بيير بورديو». فإنه أيضًا يعيد إنتاج الذات والواقع.
سنة 1967م، أقام هاشم معرضه الشخصي الأول في تعز، وهو أول معرض شخصي لفنان تشكيلي على مستوى اليمن شماله وجنوبه، حينها لم تكن ملامح مدينة تعز الجديدة الواقعة خارج سور المدينة القديمة قد تشكلت بعد. كان هناك شارعان فقط أحدهما شارع 26 سبتمبر، الذي حمل اسم الثورة، وفيه استأجر الفنان الشاب بيتًا استقر فيه إلى يوم مماته، واستمرت أسرته تقطنه ولم تغادره إلا في أثناء الحرب الأخيرة.

في ذلك المعرض، وضع هاشم اللبنة الأولى للهوية البصرية للجمهورية الفتية، بحيث غدت الفنون التشكيلية جزءًا من الحياة الجديدة للمجتمع اليمني. وبحلول سنة 1970م افتتح مرسمه الخاص ليسد نقصًا في القدرات التشكيلية ومواطن الدراسة المنظمة، فكان مرسمه متنفسًا للهواة الراغبين في مزاولة الرسم، فقد تتلمذ على يده كثير من فناني جيله والجيل الثاني والثالث.
تشكل تعز وجبلها (صبر) ذاكرة هاشم علي البصرية وثيمة رئيسة في أعماله، فهاشم كان «شديد الولع بتعز وأهلها ووجوه بسطائها وحركتهم اليومية»، لكن «منجزه الفني لم يكن مجرد تصوير للواقع، بل دعوة للتأمل والتمرد على السكون، ففي لوحاته حث على إعادة اكتشاف الذات والبيئة»، تقول النصيري، مشيرة إلى بُعد فلسفي في الخطاب البصري لهاشم.
أكثر معرفة من فنانين أوربيين
ينتمي هاشم إلى الجيل المؤسس للجمهورية في اليمن، وهو جيل عصامي بامتياز، فعلى الرغم من ترك هاشم التعليم بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، فإنه عمل على تطوير نفسه ذاتيًّا مستفيدًا من اللغة الإنجليزية التي أتقنها بجهود فردية، حتى بدا للكاتبة والمصورة السويسرية «لورانس ديونا» أغزر معرفة من «كثير من الأوربيين المثقفين، ممن يحوزون مكتبة ومتحفًا»، حسبما تذكر، ديونا، في كتابها «اليمن التي شاهدت».
قبل أن يتفرغ كليًّا للرسم، انخرط هاشم علي في حركة القوميين العرب، وعمل في مهن عدة مثل البناء وفني عرض سينمائي في صالة عرض في مدينة الحديدة، حسبما يذكر لـ«الفيصل» الرسام حكيم العاقل وهو من تلاميذ هاشم ومن أبرز المقربين إليه.
ويرشح من مقابلاته الصحفية المنشورة، أن معايرة الأطفال له بالفشل التعليمي ظل يدفعه لتحقيق ذاته وإثبات تميزه، فقد «جمع بين منحى واقعي وآخر سحري ورمزي مقدمًا توليفة عجيبة، أخاذة لا تمثل غير هاشم علي وحده»، وفق تعبير النصيري.
منزع إثبات الذات المبدعة وتميزها سيبلغ عند هاشم حد مهاجمته مدارس الرسم الأوربية التي عدّها «نتاجًا لأفكار تدور في دائرة مفرغة للبحث عن حلول لمشاكل المجتمعات عن طريق أشكال تقليدية ومهترئة»، وفق ما جاء في أحد حواراته الصحافية. ووفقًا للدكتورة النصيري، سعى هاشم إلى «تصميم عالم جديد يتحول فيه الجزئي إلى كلي، والمادي إلى روحي ما يجعل المشاهد لأعماله يتعامل مع المشهد الواقعي كما لو كان يكتشف حياة لا واقعية».
لكن «الصياد المملوءة أقفاص ألوانه بالعصافير» كما تصفه قصيدة للشاعر الراحل عبدالله القاضي، بعنوان «قبوة كاذي لهاشم علي»، عاش حياة بائسة شبيهة بحياة الرسام الهولندي فان جوخ. يتذكر الرسام طلال النجار بأسى ما قاله هاشم في مقابلة صحافية: إنه أب فاشل. ويقول النجار وهو من تلاميذ هاشم علي، ممن رافقوه في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين: «إن ريادة هاشم علي واستمرارية تجربته جاءت على حساب حياته العائلية». ويذكر النجار لـ«الفيصل»، أن وفاة الزوجة الأولى لهاشم شكلت صدمة كبيرة «فبدأت مرحلة جديدة، تغير فيها هاشم ولم يعد كما كان، فقرر إرسال أطفاله الخمسة إلى خالتهم في محافظة أبين جنوب اليمن». ولم يتمكنوا من العودة إلى تعز سوى عشية تحقيق الوحدة بين الشطرين حسبما أفاد لـ«الفيصل» نجله علي.

وكان لتجذر النظام المركزي أن صارت صنعاء نقطة جذب ثقافي واقتصادي، يقصدها مثقفون ورسامون كثر، فيما بقي المعلم الأول مقيمًا جسديًّا وروحيًّا في تعز يتقاسم مع مدينته التهميش. وعلى الرغم من شهرة هاشم وحصوله على أوسمة وجوائز عدة مثل وسام الفنون ووسام صنعاء، «لكن المفارقة أن القصر الجمهوري لم يقتنِ عملًا واحدًا منه (هاشم)، فكل لوحات القصر الجمهوري كانت لوحات لعبدالجبار نعمان، بمعنى أن التشريف المعنوي لهاشم والفلوس لعبدالجبار» يقول النجار.
وهو ما يؤكده أيضًا النجل الأكبر لهاشم علي الذي اشتكى من تهميش رسمي متعمد لوالده، لكنّ حكيمًا العاقل أَرجعَ ذلك إلى رفض هاشم إنجاز لوحات حسب ذائقة القصر الجمهوري، مشيرًا إلى لوحات عدة لهاشم موجودة في سفارات اليمن في الخارج وعدد من المؤسسات.
كلنا هاشم علي
غداة وفاته في نوفمبر 2009م متأثرًا بعدد من الأمراض المزمنة وكعادة الوسط الثقافي اليمني، برزت أصوات وكتابات تطالب بالاهتمام بأسرة هاشم علي والحفاظ على تراثه الفني، مقترحة تخصيص متحف لأعماله وإطلاق اسمه على شارع ونصب مجسمات له تمثله، بيد أن شيئًا من ذلك لم يتحقق. حتى تلك الجداريات التي نفذها سنة 2012م رسامون شبان تخليدًا لذكراه تعرضت لتشويه من مجهولين يعتقد أنهم متشددون.
ومع قصف القوات الانقلابية مدينة تعز وحصارها، بدءًا من ربيع 2015م كانت أسرة هاشم علي، ضمن المتضررين، وهو ما اضطرها إلى مغادرة المنزل المؤجر وعرض بعض أعمال ومقتنيات الراحل للبيع لتوفير لقمة العيش. ولم تمتلك العائلة منزلًا خاصًّا بها سوى بعد 2019م إثر حملة جمع تبرعات أطلقها مجموعة من الفنانين عبر معرض بعنوان «كلنا هاشم علي»؛ إلا أن موقع المنزل الجديد وضع الأسرة في غربة وحصار جديد، فكما كانت جزيرة جاوا بمنزلة الفردوس المفقود لهاشم علي، كذلك صار البيت القديم الجنة المفقودة، حسب تعبير ابنته دمون هاشم علي التي أكدت لـ«الفيصل» استمرار معاناة الأسرة جراء وقوع المنزل بعيدًا من الخدمات وضآلة راتب والدها.
بعد 15 عامًا من رحيل هاشم علي ما زالت تجربته تحمل أهمية معاصرة، ليس فقط في السياق اليمني، بل في فهم الفن بوصفه أداة للتغيير الإنساني والاجتماعي. وما زالت بصمته حاضرة، بدرجة أو بأخرى في أعمال عدد من تلامذته مثل حكيم العاقل وردفان المحمدي، حسبما تؤكد النصيري وهي واحدة من تلامذة هاشم ومن أبرز الدارسين لتجربته. وكان هاشم علي جمد نشاطه السياسي وأبقى على ثقافته اليسارية ومنها عَدُّه الفنَّ رسالةً. وينقل حكيم العاقل عن الرسام الراحل قصة مقال للكاتب المصري الراحل محمد جلال كشك بعنوان: «ريشة ماركسية في بلد القاضي الأرياني»، نشر في مجلة العربي عام 1973م وهو المقال الذي بسببه استدعاه الرئيس عبدالرحمن الأرياني لا ليوبخه بل ليطمئنه بألّا يقلق وفق ما ينقل العاقل.
وما يميز المعلم الأول للتشكيل اليمني أنه «لم يتبع منهجًا فنيًّا ثابتًا، بل خاض مغامرة تشكيلية غنية بالتجريب، مزج فيها بين الواقعية والتكعيبية والتجريد؛ ليصنع أسلوبًا بصريًّا فريدًا يُعيد تشكيل الواقع برؤية روحية»، كما تقول الناقدة آمنة النصيري.