تعليق جيل دولوز على قاعدة أخلاقية لفوفنارغ

تعليق جيل دولوز على قاعدة أخلاقية لفوفنارغ

تمثل السيرة الذاتية بأحداثها وتفاصيلها، منجمًا غنيًّا ينقب فيها الباحثون عن تفسيرات لمواهب أو عبقريات خلدها التاريخ. وغالبًا ما يُلتَفَتُ إلى رسومات أو كتابات الطفولة للبحث عن إرهاصات أولية دالة عن ميول الشخص وتوجهه المبكر نحو هذا الفن أو ذاك. وفي هذا الصدد، تُعَدُّ الواجبات المدرسية متنًا مهمًّا، يقف فيه المؤرخون وكتاب السيرة على علامات النبوغ والتفوق.

كمثال على ذلك، جواب للمترشح جيل دولوز، الذي اجتاز امتحان بكالوريا الشعبة الأدبية سنة 1942م، عن سؤال طلب التعليق على حكمة لأحد مفكري القرن الثامن عشر. وكما لا يخفى على أحد، فجيل دولوز (1925- 1995م)، اشتهر فيما بعد فيلسوفًا كبيرًا، كان له الأثر البالغ ليس فقط في الفلسفة الفرنسية، بل في الفكر العالمي. فبعد تعليمه الثانوي في ليسي كارنو، التحق دولوز سنة 1944م بالسوربون لدراسة الفلسفة، ليحصل على درجة التبريز سنة 1948م. ما سمح له بالاشتغال مدرسًا للمادة نفسها في ثانويات عدة، في مدن مختلفة (أميان، باريس، ليون). وعلى الرغم من أنه انتسب إلى السوربون أستاذًا مساعدًا، وإلى المركز الفرنسي للبحث العلمي مكلفًا بأبحاث، فإنه لم يصبح أستاذًا جامعيًّا إلا بعد حصوله عن درجة الدكتوراه عن أطروحته «الاختلاف والتكرار» سنة 1969م. وبذلك تحول إلى صرح من فلسفة، وساهم إلى جانب ميشيل فوكو في تشبيب الفلسفة الجامعية.

نال إنشاء دولوز -موضوع هذه الترجمة- 17 نقطة من أصل 20، مع التقييمات التالية من المصحح: «موهبة لا يمكن إنكارها. إنشاء واضح وحازم، مكتوب بشكل مقبول. يلحظ افتقار الإنشاء إلى التواضع أو الاعتدال».

موضوع الاختبار:

عَلِّقْ على الحكم التالي لفوفنارغ: «لكي ينجز المرء أشياء عظيمة، عليه أن يعيش كما لو أنه لن يموت أبدًا».

جواب دولوز:

غالبًا ما كتب فوفنارغ، كتعليق على كتاب للاروشفوكو، الكلمتين التاليتين: «قاعدة للرواية»(1). وبهذا أراد القول بدقة شديدة: إن قواعد لاروشفوكو ترتبط بحالات معينة، وإنها قواعد تجربة ما. (مثلما أن روايات ستندال هي روايات تجربة ما). منذ الآن، تعدّ قواعد فوفنارغ هي أيضًا قواعد تجربة ما. لكن تجربة فوفنارغ هذه، بدلًا من أن تتغذى على مثال الآخر، فإنها تتقوى بمثالها الخاص. وبهذا الشكل، ففي قاعدة كهذه: «لكي ينجز المرء أشياء عظيمة، عليه أن يعيش كما لو أنه لن يموت أبدًا» يوجد الشخص فوفنارغ بتمامه.

لندع التعليق عليها الآن: ينبغي قبل ذلك أن نفكر في كل عظمتها وجمالها. ولا سيما أنها خرجت من شفاه رجل ظل طوال حياته في المنتصف بين الحياة والموت، رجل كان عليه أن يموت، وكان يعرف ذلك. لقد كان يعرف أن الأشياء العظيمة- أي آفاق واسعة تكشفها كلمة «أشياء» هذه! – كان يعرف أن الأشياء التي حلم بها سوف يقطع الموت إنجازها، فجأة، وبكيفية عنيفة!

هل من اعتراض؟ – ولكن إذا حيينا كما لو أننا لن نموت أبدًا، فهل سيندفع الأشرار، أو فقط الخجولون الذين تكبلهم فكرة الموت، نحو إتيان أعظم التجاوزات؟ دون ضبط، ودون ندم؟ – قد يكون ذلك ممكنًا. لكن فوفنارغ لم يكن يفكر في هؤلاء، لقد كان يفكر في أولئك القادرين على إنجاز أشياء عظيمة؛ في أولئك الذين لا يخشون السير خلف اندفاع القلب والهوى. ينتمي فوفنارغ بالكامل إلى القرن الثامن عشر!(2) «إن الأفكار العظيمة، كما قال، تأتي من القلب». الأهواء جيدة، إنها تسمح لنا بإنجاز أشياء عظيمة- شريطة أن نستسلم لقوة حركتها النشطة، وشريطة أن نحيا كما لو أننا لن نموت أبدًا.

اعتراض آخر: إن فوفنارغ بمنزلة باسكال مخفَّف (كما قال سانت بوف) لكنه غير ضعيف. أي، باسكال من دون الهاوية. لكن باسكال مسيحي في عمقه وحميميته: فهل كان فوفنارغ مسيحيًّا؟ وهل هذه القاعدة هي أيضًا قاعدة مسيحية؟ ألا يجب على المسيحي أن يفكر في الموت، وأن يتأمل فيه ويتدبره، بل يعيش منتظرًا قدومه؟ لا! إن أفضل طريقة للاستعداد له هي عدم التفكير فيه، والعمل كما لو أنه لن يحضر أبدًا. لقد فهم فوفنارغ هذا الأمر بشكل رائع. إنه مسيحي أكثر بكثير مما نعتقد -وهذه القاعدة تثبت ذلك- إنه مسيحي في أعماق روحه.

ما الهدف من الحياة بالنسبة للمسيحي، وبالنسبة لفوفنارغ؟ إنه دخول كل واحد بحسب دوره -و»من أجل إسماع صوته» كما قال بيغي- في الحفل الأبدي للأرواح القوية: إنه ترك شيء من ذاته، بعد ذاته. (ألا يموت كليةً؛ كان هذا هو هوس فوفنارغ). إنه ترك منجز على الأرض، والتضحية بالنفس، ووهب حياته لهذا المنجز.

هل يمكن للمرء أن يترك منجزًا -منجزًا إنسانيًّا، أرضيًّا- إذا كان يفكر فقط في الموت؟ انظروا إلى أمييل: لقد كان مهووسًا بفكرة الموت، وبضعف كياننا وعبثه. في انطواء مطلق على نفسه، كان يدرس ذاته ويحللها، وكان يخاطب نفسه قائلًا: أنت ضعيف، ومن تكون؟ قريبًا سوف تتحول إلى عدم. ومن هنا عجزه الشهير عن إنجاز أدنى شيء. إن أمييل عبارة عن هزيمة الإرادة في مواجهة أضرار التحليل، وأيضًا في مواجهة هذا الهوس بالفناء. مجدَّدًا، كيف كان بإمكانه أن يترك أدنى منجز؟ من المستحيل، من الناحية الرياضياتية، أن يكون هناك رجل اعتاد على التفكير بالشكل الآتي: «بالكاد لدينا الوقت للعثور على ما نبحث عنه، وليس لدينا الوقت لقول ذلك، بما أننا يجب أن نموت في الحال»، من المستحيل أن يقوم مثل هذا الرجل بإنجاز أشياء عظيمة. ولماذا ينجز تلك الأشياء، وهو مقتنع بأنه لا يستطيع، قبل موته، حتى ينقل إلى الناس نتائج أعماله؟

انظروا إلى جوبير، هذا العبقري «الأمييلي»! هذا الرجل، مثل فوفنارغ، كان الطموح يجتاحه لترك شيء ما، لكنه، مثل أمييل، كان الموت يمْثُل دومًا أمام عينيه، إنه لم ينجز سوى كتاب صغير من مئة صفحة(3).

ما هدف الفن؟

إنه إعادة خلق أشكال الحياة الكاملة بأشكال الحياة غير الكاملة، إنه إعادة بعض الجمال إلى الأرض. إنه، إذا اعتُبِر المجتمع الحديث كقصيدة مصوغة على نحو سيئ، الرغبة في إعادة صياغة هذه القصيدة. لا يمكن الشروع في هذا المنجز إذا كنا لا نعرف كيف نحرر أنفسنا من قبضة الأخلاق، من أثر الموت؛ ذلك أن فكرة الموت هي شيء حصري. لا يقدر شيء مهما كان، أن يدوم بجانبها. إنها بالنسبة للفكر مثل الشبقية بالنسبة للحواس: إنها لا تحتمل شيئًا آخر سوى نفسها. إنها تقتل كل رقة، وكل حب للجمال(4). لماذا إعادة بعض الجمال إلى الأرض إذا كنا مقتنعين بأننا سنرحل سريعًا؟ لماذا الشعور بالحاجة إلى تجاوز الذات -هذا هو الفن- إذا كنا نعتقد أن الموت سيقطع هذا الزخم عما قريب؟

لإنجاز أشياء عظيمة، يجب على المرء أن يعيش كما لو أنه لن يموت أبدًا- في هذا الصدد، لا ينبغي أن يساء الفهم، كأن نعتقد بأن فوفنارغ كان يعني أنه لا ينبغي للمرء أن يتعجل، وأننا يجب أن نتصرف كما لو كان الخلود متاحًا لنا. لا، لم يقصد فوفنارغ ذلك. ليس لأن الإنسان استطاع، من خلال قوة طاقته، أن يعيش كما لو أنه لن يموت أبدًا، وأن بمستطاعه نسيان الوقت والتأخر. إن هناك عملًا ينتظره، يجب أن يعرف ذلك، عمل يتطلب منه ألا يضيع ولو دقيقة واحدة.

وهكذا مع موليير: لقد قيل إن موليير أدى مسرحية «المتحذلقتان السخيفتان»؛ لأنها تسيء إلى العقل. بلا شك! ولكنّ هناك سببًا أعمق بكثير، كان موليير ممتلئًا عنفوانًا وحيوية فاعلة دفعاه إلى إنجاز أشياء عظيمة (وأنا لا أظن، مهما قيل، أن موليير كان حبيس هوس الموت). يمكن القول: إن جوهر طبعه كان نفاد الصبر. ويمثل التأخر جوهر طبع مسرحية «المتحذلقتان السخيفتان»: فهل هناك سبب آخر لامتناعهما عن تسمية الأشياء بأسمائها، غير التأخر؟ لذلك، بكيفية ما، وبسبب عدم توافق الطبع، أدى موليير مسرحية «المتحذلقتان السخيفتان»- ويُظهر مثاله أن الرجل المنشغل بإنجاز أشياء عظيمة، أي الرجل الذي يعيش كما لو أنه لن يموت أبدًا، هو في الحقيقة رجل مستعجل.

ألخص قولي: لا يمكن للمرء أن يكون فنانًا إلا إذا كان يحيا وكأنه لن يموت أبدًا، إذا بذل قصارى جهده في التفوق على ذاته، كما لو كان خالدًا. انظروا إلى رونسار: لم يجد شيئًا يتفوق عليه مرة أخرى إلا بعدما تقدم به العمر. انظروا إلى هوغو: تفوق مستمر على الذات- كان يعتقد بالتأكيد أنه لن يموت، وكانت غنائية شعره تتجدد دومًا بعناصر جديدة: «وأضيف إلى قيثارتي وترًا من نحاس».

انظروا إلى ستندال: لقد استسلم لاعتقاده بأنه لن يُفهم إلا نحو عام 1880م، ولكن في الحقيقة، لم يكن متأكدًا تمامًا من بقائه حتى تلك المدة على قيد الحياة.

وماذا عن فوفنارغ؟ كان يعلم أنه سيموت مبكرًا -«قبل النضج»- لكنه نسي أمر موته، وكرس حياته لعمل هائل: «مدخل إلى معرفة الفكر الإنساني». لم يتوافر له سوى وقت قصير لفعل القليل، ولكن هذا القليل الذي نعده ثمينًا جدًّا، ندين به إلى كونه قد عاش كما لو أنه لن يموت أبدًا(5).

وبالفعل، لم يمت: إن الذين يعيشون مثل فوفنارغ يلجون حياة مكتملة أكثر ومطلقة أكثر، أعني أنهم يلجون التراث الخالد.


المصدر:

الفيغارو الأدبي عدد 4 أغسطس 1942م صفحة 3. Le Figaro Littéraire.


هوامش دولوز:

(1) علاوة على ذلك، خطرت لدى السيد دي لاكريتيل فكرة كتابة روايات تستمد موادها من بعض مواعظ لاروشفوكو.

(2) لا ينتمي إلى زمن فولتير، برغم الصداقة الشهيرة التي جمعت بين الرجلين، بل إلى زمن روسو.

(3) صحيح أنه كتاب رقيق، ولذيذ: أكثر الكتب الفرنسية اتصافًا بالطابع الآثيني.

(4) مثال على ذلك: مسرحية «مريض الوهم».

(5) عبَّر مؤلف، نسيت اسمه، بشكل مثير للإعجاب عن الارتياح الذي يمكن أن تجلبه لنا حياة فوفنارغ ومنجزه: إنه مثال مثير للإعجاب، إنه منجز يجب قراءته في كل مكان، وبخاصة، كما قال المؤلف، خلال الحرب في الخنادق.

هوامش المترجم:

– لوك دو كلابيي، ماركي دو فوفنارغ (5غشت 1715- 28 مايو 1747م)، فرنسي، كاتب ومؤلِّف لمصنفات في الأخلاق والحِكم.

– فرانسوا السادس دوق لاروشفوكو الثاني، أمير مارسياك (1613-1680م)، فرنسي، كاتب ومؤلف لمذكرات ومواعظ أخلاقية.

– ماري هنري بيل والمشهور بستندال (1783-1842م)، فرنسي، روائي وكاتب مصنفات.

– شارل أوغستان سانت بوف (1804-1869م)، فرنسي، كاتب، وناقد أدبي، ومؤرخ للأدب…

– شارل بيير بيغي (1873-1914م)، فرنسي، كاتب، وشاعر ومؤلف مصنفات.

– هنري فريدريك أمييل (1821-1881م)، سويسري، كاتب، وفيلسوف.

– جوزيف جوبير (1754-1824م)، فرنسي، كاتب، ومؤلف مصنفات في الأخلاق.

– جون باتيست بوكلان، الملقب بموليير، (1622-1673م)، فرنسي، مؤلف مسرحي وممثل.

– بيير دو رونسار (1524-1585م)، فرنسي، شاعر.