قرار

قرار

سكون رابض ومفاجئ وغريب لم يعتده البيت ولا اعتادته العائلة، مذ عدّة أيّام والأب ينكفئ كليًّا داخل نفْسه، فتزول علائم الفرح المعتادة وتغيب البهجة والأصوات المنغّمة، بل تغيب الموسيقا التي تضجّ في صالة البيت حين يستغرق الأب في لحظات طرِبة وهو يمجّ سيجارته وينفث دخانها وقد ذاب مع صدح أغنية قديمة كانت تلازم أوقات شبابه.

كلّ شيء صَمَت تمامًا، ظنّ ابنه اليافع أن والده يشكو من شيء خفي، أومأت أمّه بحسرة وهي تهزّ رأسها وتجعّد جبهتها دهشة واستغرابًا.

سأله ما بكَ يا أبي؟

مدّ الأب نظرة طويلة متصلة عميقة غرزها في عيني ابنه، نظرة امتدّت أبعد من مكانهما وراحت تعبر الصور البعاد وتفاقم السنين على ملامح الابن اليافع، برهات قليلة مضت ونظرة الأب توغل في مسارب أيّام ابنه اليافع، رسمتْ طريقًا واضحًا مقنعًا ربما لن يحيد عنه مستقبل ابنه، هنا عمّ الرضا نظرات الأب المطمئنة فانسحبت بعفوية وودّ ورحمة من عيني ابنه، شعر بها ابنه أخيرًا؛ مما أمكنه من إعادة السؤال.

غالب الأب دمعه، وهامت نظراته بعيدة، يعيد غرز نظراته في ملامح ابنه مستدعيًا يوم ولادته، كانت فرحة باذخة لم يحتملها صباحه في ذلك اليوم، ولد ذكر بعد ثلاث بنات، سارت به الأيّام تنقله من عهد إلى عهد حتى أناخت به أخيرًا إلى يومه هذا، شعر برغبة قويّة في حضن ابنه وتفجير كمائن صدره، لكن خشي من أن يشقى معه في مخاوفه من يوم يراه قريبًا بيّن المعالم.

اقتربَتِ الأمُّ طافحة بعاطفة لم يعهدها، وضعت باطن كفّها أعلى جبينه مطمئنة على صحته، استكان لها وكأنّه تمنى ألّا تنزعها أبد الدهر، سألته أتشكو من مرض؟

هل يقول: إنّ الأيّام الشاحبة التي يعيشها ستفضي به قريبًا إلى الفناء، هل يقول: إنه فقد تعلّقه بالحياة، وإنه يشعر أن الحياة ذاتها تخلّت عنه، أشاح بوجهه عنها كي لا تنظر إلى عينيه تحديدًا، فينفجر أمامها، تمتم بكلمات يُشعرها أن الأمر أهون مما تعتقد، وأنه فقط مرهق في عمله.

طوّحت به ظنون ثقال، نازعها حياته وانتصر راكلًا لبرهة سواده، مردّدًا: وماذا لو كان وهمًا، طرِب لهذا الهاجس اللذيذ، استغرق فيه ناهلًا لحظاته الفارهة، لم تدم بهجته، عادت الذكرى مثل نصل حاد أعاده إلى هاجسه الأول.

وحين يهمي المطر يستبشر، فيخرج دون أن يحمل المظلة، يقف تحت المطر رافعًا وجهه إلى السماء في لحظات ابتهال خفي، يلحظ تلصص العيون المتهمة، فيعود إلى سيارته ويمكث هناك بصمت وترقّب وذهول.

وعندما يعود إلى بيته مبلّلًا، تعلو زوجته الدهشة من فعله، تذهب به إلى الحمام ليجفّف جسده ويغيّر لباسه، في غرفة نومه تأتي له بعشاء ساخن، يلتهم الطعام وهي جالسة أمام المرآة تسرّح شعرها وتخلط على جسدها عدّة عطور، صمّمت هذه المرّة أن تعرف ماذا طرأ عليه، هل يُخفي مرضًا أصابه؟ هل طُرد من عمله؟ لماذا يبدو هكذا تائهًا زائغ النظرات؟

بعد العشاء، جلسا بجانب بعضهما، ولمّا ألحّت في سؤاله؛ قال: ستعلمين قريبًا كلّ شيء! قالت: وما هو هذا الشيء؟

أجاب مردّدًا: هذا الشيء… هذا الشيء… وللحظة استحضر هول ما يفكّر فيه، فتشتت نفْسه واحترقت نشوته بعذاب خوف مفاجئ.

تعبر به الأيّام ولا يعبرها إلا بمشقة، يدفع نفْسه للمضي إلى الأمام، يستبطئ السير خشية من بلوغ خطواته نهاياتها.

شعاع الشمس، وجوه الأصدقاء… عبثهم، رائحة الليل، لذّة السهر، كلّ المعاني فقدتْ ظلالها على نفسه، ذراعاه تدليا بجانبه واحدودب ظهره قليلًا، ومع كلّ ذلك لم يزل يصارع ظنًّا استقرّ في ذهنه وبدت له دلائله.

صمّما على أخذه إلى الطبيب مهما تمنّع وأبى، بين تضرّع ابنه اليافع وقسوة تصميم زوجته جلس أمام الطبيب، وفي أروقة المستشفى الكبير تنقّل بين المختبرات وأقسام الأشعة، كان الأمل والقنوط يتدافعان داخله ويمنحانه فرصة أخرى للحياة.

في مساء يوم آخر جلس ثانية أمام الطبيب، أحاطه ابنه اليافع بذراعه الصغير بينما كانت زوجته تُشرق بوجه يملؤه التفاؤل والابتسام، أمّا هو فمنطفئ إلا من أمل طفيف.

قرأ الطبيب نتائج الفحوصات وهو ينقّل نظره في شاشة الجهاز، لحظات وعيناه تنهبان وجه الطبيب، رفع الطبيب رأسه مبتسمًا، وقال: كلّ الفحوصات أظهرت أنك بكامل عافيتك، ثم قال له ممازحًا: «حتعيش الخمسين سنة التانية بصحة كاملة».

صدح الراديو في صالة البيت ثانية، وجلس في متكئه الخاص وقد نزعتْ نفسه إلى الحياة من جديد، وطافت زوجته وابنه يعدّون حفلة حياته ونجاته من نفْسه، كانت سعادته غامرة يخمشها ظنّ طفيف يتنامى، لكنه علم كيف يركله ويشيح عنه.

بعد سهرة فاتنة لم يكن يحتاج إلا إليها، قام إلى النوم، وقبل أن يلج النعاس عينيه تسلّط عليه ظنّه القديم، وكان يظن أنه ابتعد عنه وانكفأ، لكنه هذه المرّة كان أشدّ وأمضى، بل خالطه صوت كأنّه وحي يلج في سمعه ويوعده بغدٍ آخر، نضحت قطرات العرق أعلى جبينه رغم برودة الطقس، انتفض جسده وكأنّ حمّى أرهقته، أسدل على وجهه الغطاء ونام، في الصباح أتت زوجته لتوقظه، رأت زبدًا رغا على جوانب فمه وانطفأت شعلة حياته.