«برج الفنون» لعبدالناصر غارم ارتفاع صوت الفن الحديث

«برج الفنون» لعبدالناصر غارم

ارتفاع صوت الفن الحديث

في انتشار الأعمال الفنية في الميادين والشوارع العامة دلالة واضحة على الازدهار والنمو، وفيه إشارة غير مباشرة إلى الاستقرار. فالدول والبلدان التي تمر بتقهقر أو تأزم سياسي واقتصادي -في العادة- لا تشهد تفاعلًا فنيًّا واسع النطاق على شكل أعمال ميدانية ضخمة، لما تتطلبه هذه الأعمال من تنسيق وتعاون بين جهات متعددة مهتمة بالثقافة والفنون، حكومية كانت أم أهلية، مثل المعارض الفنية والمتاحف. يختلف التعاطي مع الفن في المناطق التي يتأزم فيها الوضع العام؛ إذ تميل أشكال التعبير الفني فيها إلى أن تكون أكثر تطرفًا، مثل فن الغرافيتي، أما الاهتمام بالميادين والمسارات والطرق والتقاطعات المرورية العامة فيأتي للدلالة على الاستقرار والنمو كما أسلفنا.

تبادر إلى ذهني هذا التصور الفلسفي الواقعي لماهية تلقي الفن المعاصر، وأنا أشاهد العمل الفني الجديد للفنان السعودي عبدالناصر غارم، الذي أطلق عليه اسم «برج الفنون».

يأتي هذا العمل ضمن أحد المشروعات الفنية الخاصة بالمسار الرياضي، أحد المشروعات الكبرى الأربعة التي أُطلقت في مدينة الرياض. ويهدف المشروع إلى رفع تصنيف مدينة الرياض بين نظيراتها من مدن العالم، من خلال تشجيع السكان على اتباع أنماط حياة صحية في التنقل، وحَفْزهم على ممارسة الرياضات المتنوعة، بما يعزز جودة الحياة ويدعم التفاعل مع الفضاء العام بوصفه مساحة مشتركة للفن والحياة.

ونُصِّبَ «برج الفنون» مؤخرًا في المسار الرياضي، تحديدًا على تقاطع طريق الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز مع طريق الأمير تركي بن عبدالعزيز الأول. وهو عمل مفاهيمي تركيبي، لا يخرج فيه غارم عن أنماط أعماله الفنية السابقة، التي يستلهمها من خلال ما تقع عليه عين السائر المتأمل في المدن الحديثة. وعندما أقول ذلك، قد يتبادر إلى ذهن المتابع لأعماله مباشرة عدد من أهم أعماله السابقة، مثل: «كتلة خرسانية» (٢٠١٠م)، و«تحويلة» (٢٠١١م)، و«الطريق إلى مكة المكرمة» (٢٠١٤م)، وغيرها من أعماله المفاهيمية التي يصدق معها التصور المفاهيمي الحديث لفكرة (أنا أجد) أو (أنا ألتقط)؛ أي التعبير من خلال موجودات المكان نفسه، وكأن الفنان من خلال هذا التصور التعبيري الحديث ليس إلا أحد السائرين المتأملين، الذين يحرك مشاعرهم الواقع الآني، فلا يحاولون هدمه أو إزالته بعنف، هم فقط ينتبهون إلى جمال وجوده، أو يتفاعلون معه إذا ما عكس وجوده في نفوسهم شيئًا من الاستفزاز الإيجابي أو حتى السلبي. وبهذه الكيفية من التفاعل تكون الفلسفة حاضرة بشكلها الطبيعي، والوجود الإنساني ضرورة من ضرورات المكان.

من الاستهلاك العملي إلى التعبير الفني

قرأت في مكان ما عبارة «الفن هو تحريك شيء من مكان إلى آخر»، وأذكر مدى تطابق هذا الوصف لماهية الفن، على الأقل كما أفهمه بشكل شخصي؛ لأن كل جسم فني هو مكون من مجموعة جسوم متباينة، جُمِّعَت أو أُخِذَت بحالتها وتكوينها نفسه الموجود لغرض حياتي أو عملي. المهم في هذا الفعل هو إعادة تصدير الجسم السابق، وتقديمه أو نقله من منطقة الاستهلاك العملي إلى منطقة التعبير الفني، من العالم إلى الغاليري، ومن مستودعات التخزين (السيكراب) إلى ميدان أو طريق أو تقاطع تلتقي فيه أقدام العابرين، ونظراتهم الفاحصة والمتأملة.

وهذا بالتحديد ما يمثله عمل عبدالناصر غارم «برج الفنون»، بهذا الاسم المراوغ الذي يدعي الوداعة واللطف والمباشرة كذلك. لو تأملنا الاسم جيدًا سنلحظ أنه اسم اختزالي، فيه إحالة إلى أن هذا العمل الضخم، والمزركش بشتى الألوان اللافتة للانتباه، والمنتصب في سماء الرياض بطول أكثر من ٨٤ مترًا، الذي يراه الرائح والغادي، يحيل إلى ارتفاع وحضور صوت الفن الحديث، وكأنه يمثل رمزية المئذنة في الثقافة الإسلامية، وتكوينها الطبيعي المرتفع ودورها في وصول النداء إلى أبعد الأماكن.

ولأن الطبيعة المرتفعة للمئذنة تساعد بمعية الهواء على نقل الصوت إلى المكان البعيد، استبدل غارم مكون الصوت بمكون بصري لافت هو الآخر، أعني الألواح الملونة بمختلف الألوان، التي ستتفاعل هي الأخرى مع المكونات الضوئية الطبيعية (الشمس في النهار)، والصناعية (أضواء المدينة)، فيكون بهذه الطريقة وعلى هذا النحو، قد اختزل باسم العمل دلالة تجمع الفن في مكان واحد، وهو مكان النداء له.

في هذا الفعل استحواذ على دلالة الفن بأجمعه، إلا أننا لو تعاطينا مع العمل بطريقة أكثر لطفًا سنجد أنه يحمل معنى الدلالة الاستعارية أو المجازية، وأن فيه أيضًا معنى التنبيه لأهمية وجود الفن في فضاء المدينة. فإضافة إلى أهمية التذكير بأن الفن ممارسة يومية، لا بأس بأن ينتدب أحد الفنانين نفسه للعب دور الإشارة إلى مكان هذا الفن في قلب المدينة النابض بالحياة.

طبقات من القصدية

وإضافة إلى الدلالة المفاهيمية لاسم العمل الفني «برج الفنون»، هناك طبقات من القصدية سنجدها داخل تكوينه التركيبي. فمن المعروف أن أبراج نقل الضغط العالي قد تحولت من السماء إلى دفنها داخل طبقات الأرض. وهذا التحول التقني له أسباب اقتصادية وأسباب هندسية بطبيعة الحال، لكننا سنجد الفنان هنا يتفاعل مع هذا التحول التقني، ويستثمره لصالح الرؤية الفنية، ويكون له أيضًا خطابًا وبيانًا فلسفيًّا يستحق التأمل.

لو عدنا إلى مرحلة فنية سابقة وقدمنا هذا الجسم الفولاذي لفنان قديم؛ لفكر في صهره وإعادة تشكيله على هيئة موضوع فني، لكنَّ غارمًا يعرف تمامًا ما الذي يعنيه الخطاب الفني المفاهيمي الحديث، وينطلق من خلال تصوراته؛ لذلك مثَّل له البرج الحديدي، بتكوينه العملي السابق، فرصة فنية حقيقية، لا بالاستفادة من مادته الصلبة بشكل تقليدي، بل باستثمار تاريخ وجوده السابق؛ أي من خلال سحب تاريخه كما هو. وكان المطلوب منه، كفنان مفاهيمي، هو إعادة تعريفه، وتقديمه على أنه مكون فني، من خلال إعادة تعريف برج الضغط العالي، وبخاصة بعد الاستغناء عن خدماته العملية.

عوضًا عن صهره، أسوة بالآلاف من إخوته المتطابقين في الشكل والحجم والطول والوزن، أُنقِذَ من خلال تغيير دوره، وليس شكله، بل جعله دلالة جمالية اختزالية. فبعد أن كان موصلًا لكابلات الطاقة، أصبح دلالة إشارية على الفن المعاصر، وما إضافة الألواح الملونة له إلا محاولة لاستفزاز المارين ولفت النظر إليه. وكأن الفنان بهذا الفعل يدعونا إلى محاولة إعادة التفكير في الموجودات، والتأمل من خلالها في ضرورة وجود الفن، بل وجوده الفاعل في حياتنا اليومية. كل هذه الطبقات من القصدية لم تكن تحتاج إلا لرؤية فنان، يشير إلى الجمال ولا يخلقه، يعيد تدوير الفكرة ولا يحاول أن يستنبتها من العدم. ففكرة الخلق قديمة في التعاطي مع الفن، والفن اليوم لا يعدو كونه مجرد انتباه للموجودات، تمامًا كما فعل دوشامب.

«كتاب الفل» لعبدالرحمن موكلي… محاولة التأريخ للفل كبنت لاهية

«كتاب الفل» لعبدالرحمن موكلي… محاولة التأريخ للفل كبنت لاهية

في «كتاب الفل» للشاعر عبدالرحمن موكلي، الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر ٢٠٢٣م، تبرز البطولة لوردة الفل البيضاء، المشتهرة في جازان، بلد إقامة موكلي، وبلد الفل في آن، وتبرز الهروج -الكلام والحديث بين شخصين أو أكثر، ولها أصل فصيح مرتبط بصوت القوم المختلط في أثناء التقاتل، وهي أيضًا من الكثرة في الشيء- كأسلوب من أساليب السرد الشعبي، الذي يميل كل الميل إلى الحديث الشفاهي المرسل. كأن موكلي منذ عنوان كتابه يود أن يبلغنا عن مستوى كتابي معين يقوم على أُنس الكتابة عن هذه البنت اللاهية، على حساب الموثوقية القائمة على البحث والتنقيب في المراجع.

في مديح البُعد الجمالي

في بداية الكتاب نجد الكاتب يعترف بعدم موثوقية المعلومات الواردة فيه، ويحيل ما سيأتي لاحقًا إلى التأريخ الشفاهي القائم على إعمال الحدس والشعور لا المعلومة الموثقة، وهذا اعتراف شجاع منه، قلما نجده لدى مَن يدَّعي صدق ما يرد في مصنفه. ومن لطيف ما فعل تصديره للكتاب بمقولة أمبرتو إيكو من رواية «اسم الوردة»: «الكتب لا تكتب لتصدق، ولكنها عرضة للمساءلة، عندما نفكر في الكتاب، يجب ألا نسأل أنفسنا ماذا يقول، ولكن ماذا يعني»، كأن موكلي بهذا التصدير يود منَّا ألَّا ننساق وراء سطوة الحقيقة، بقدر إعمالنا لقيمة وجمال المعنى المُراد من وراء تأليفه لهذا الكتاب عن وردة (أو بنت) الفل.

ومن خلال هذا الفعل التعاقدي بين المؤلف والقارئ يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن نتلمس البعد الجمالي، ونُقصي البعد المعرفي، على الأقل في شكله الذي يحملنا على التدقيق والبحث. والحقيقة أن ذلك ممكن جدًّا إذا ما نظرنا إلى فداحة ما سنخسره من أبعاد جمالية لو طالبنا كل كاتب ألَّا يؤلف أو يصنف خارج حدود المعلومة الموثقة، وبخاصة موضوعات مثل موضوع هذا الكتاب، الذي يجنح بشكل متعمد إلى التاريخ الاجتماعي للظواهر والأفعال المرتبطة بالبهجة والجمال في حياة الناس.

وبخلاف موضوع الكتاب الذي يتحمل إقصاء ضغط الحقيقة في صالح رحابة البهجة والجمال، هناك أمور أخرى تشفع للكتاب تمسكه بالبعد الجمالي جاعلًا منه قيمة عليا، من قبيل تقسيمات فصول الكتاب، التي جاءت على طريقة رؤية الشاعر لا الباحث، من فصول تتبع أشكال الاحتفال بالفل، وعلاقته بالأنثى، والجغرافيا الطرية التي تتقبل زراعته، وطقوس التعامل الأنثوي معه، وفصول أخرى تتبع ورد الفل في الأغاني الشعبية، إضافة إلى اللغة السردية الجمالية التي تتناول كل هذه الفصول، وهي لغة متفاوتة بطبيعة الحال بسبب حجم وطبيعة الفصل، لكنها في مجملها لغة مختارة بعناية لا تذهب للمعنى كما يذهب الباحث والمحقق، بل تخاطب الوجدان والقلب كما يليق بشاعر، وهذه مزية من مزايا الكتاب.

ولو تتبعنا معجم موكلي في فصول كتابه من دون أن ندري أنه شاعر، لجزمنا بشاعريته، فمفردات الحب والصبابة والفرح والبهجة والجمال والموسيقا حاضرة بتنويعاتها في لغة السرد، بل إن التراكيب المجازية صفة غالبة على طبيعة التناول من ناحية التصور الموضوعي لكثير من مفاصل الكتاب، حتى طريقة المقاطع التي بنى الموكلي عليها جل كتابه، طريقة رقراقة تنساب فيها الأفكار والرؤى على هيئة دفقات شِعرية في غاية الجمال والرقة، وليس هذا بمستغرب على الشاعر حين يتناول موضوعًا تأمليًّا وثيق الصلة بالأفراح والمباهج.

قد يظن بعضهم أن الكتاب بصفته الشِّعرية التي ذكرنا لا يقدم الفائدة والإضافة. والحقيقة خلاف ذلك؛ فالسرد اللطيف واللغة المجازية مرتبطان كل الارتباط بالمادة المعرفية، لكن الفارق يكمن في أن كل معلومة مقدمة من خلال نظرة تأملية، تغلف المعلومة وتزفها للقارئ بأسلوب احتفالي، مليء بالفخر والفرح والابتهاج والاحتفال بالحياة. حتى عندما تحدث عن الأحزان التي تصحب مواسم العزاء وفراق الأحبة، كانت لمسة محبة الحياة موجودة وحاضرة، وهذا الملمح يشي بمدى تعلق الكاتب بالبعد الشِّعري الذي دفعه لتأليف الكتاب، وتأمل تاريخ زهرة الفل البيضاء، وكما لو أن الموكلي يؤرخ لبنت لاهية لا لنبته مهاجرة من الهند.

الفل من البيت إلى المزرعة

وعن هجرة هذه البنت اللاهية، يزف لنا الكاتب المعلومات التي تتبع من خلالها بداية ظهورها في جازان، ثم يسمي لنا بدقة متناهية كل نوع من أنواعها، وكل شكل من أشكال الاحتفال بها، ثم ينفذ من خلال هذه التنوعات إلى تأملاته الخاصة، ورؤيته لارتباطها بالأمم الأخرى، من خلال نظرة بانورامية لا ينقصها الارتباط بالتاريخ ولا الجغرافيا ولا البعد الميثولوجي لارتباط الإنسان بها، سواء في الوقت الحاضر، أو عبر التاريخ العريق بالمنطقة، وإمكانية وجود البعد الإنساني والتواصلي.

وما بدأه الكاتب بالتاريخ والارتباط بين الأمم والشعوب من خلال تتبع تاريخ الفل، يلحقه الارتباط الاجتماعي والمحلي بها، يفعل ذلك من خلال أول شجرة (رديمة) فل جاءت بها سمية أمه إلى بيتهم، حيث تعرف موكلي بهذه الوردة الجميلة، التي بدأ يلاحظ ارتباطها بإنسان المكان (جازان)، سواء الأنثى التي بدأت في زراعتها ورعايتها، وانتهت بالرجل الذي واصل العناية بها كرمز من رموز المنطقة، ومن التعامل العائلي الرقيق معها، إلى لحظة تحويلها إلى سلعة تجارية مربحة، جعل لها مزارع خاصة، بعد أن كانت بنت البيوت الرقيقة، التي وصفها بأنها بنت ليلتها، كدلالة على ضرورة التعامل اللطيف معها.

وكما أن الفل هدية جازان لبقية مناطق المملكة في الوقت الحاضر، نرى الكاتب يتتبع فكرتها الأساسية كهدية. فلديه أن بنت الفل، الغصن الذي يُقص بلطف من الرديمة (اسم شجرة الفل)، تأتي مع هدايا النساء للعروس في ليلة زفافها. ويقول: إنها هدية أساسية من هدايا البيت الجديد، وهذا ما يبرر وجودها الأصيل في كل بيت من بيوت أهل جازان؛ إذ ترعى المرأة شجرتها، وتهتم بها كما تهتم بزوجها وأبنائها، ويفصل في ذلك تفصيلًا في غاية الجمال، مرتبطًا بطريقة زراعتها، وموقعها من فناء البيت، ثم أسلوب التعامل معها في الري والعناية، كأنها جزء لا يتجزأ من معمار البيوت هناك. كل ذلك من دون إغفال اللغة الشِّعرية، والسرد القصصي الذي يجعل القارئ يسابق السطور جراء لذة وجمال الموضوع.

إننا من خلال هذا الكتاب لا نتعرف فقط إلى بنت الفل، وتاريخها في المكان، بل نتعرف إلى شخصية الكاتب وثقافته من خلال الفل، فكثير من المعلومات والإضافات والفوائد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة المؤلف نفسه، فهو أحد منطلقات الكتابة، وهو عنصر رئيس من عناصر حكاية الفل. وحين أتأمل ما قرأته من خلال الكتاب، أتساءل عن كثير مما يمكن أن نتحصل عليه لو أن كل ذات مهمومة بالجمال تناولت موضوعًا حيويًّا مرتبطًا بمكون جمالي في منطقته، بِمَ يمكن أن نخرج؟ لعلنا سنشيع من خلال ذلك البعد الجمالي، تمامًا كما فعل موكلي من خلال تتبع بنت الفل الأثيرة لديه.

دعوة ضمنية للبهجة

إن كل مكون جمالي مهما بدا ضئيلًا في حياة المجتمعات المحلية، هو فرصة سانحة لتأمل جمال الحياة، وعلاقة الإنسان الأصيلة به، وهو فرصة ثمينة لتكوين علاقات قد تبدو من الوهلة الأولى متباعدة، ولكن ما إن نشرع في تناولها ومحاولة قراءتها، حتى تنفتح أمامنا الآفاق وتتقارب الرؤى. تمامًا كما حصل مع تجربة موكلي مع الفل في كتابه الجميل هذا، فقد استطاع ببراعة متناهية أن يتنقل بنا بين الواقعي والأسطوري، وبين الآني والتاريخي، بين علاقتنا المحلية بالفل، وعلاقة بقية الشعوب به، سواء الشعوب المجاورة أم تلك الضاربة في القدم. وهذا الفعل بلا شك يضيف القيمة الحضارية لإنسان المكان، ويجعل منه صانعًا للحضارة الإنسانية لا مستهلكًا سلبيًّا لها، كما أنه يوضح مدى ارتباطه الدائم بالقيم البيئية المهمة، التي تُعلي من وجوده وتفاعله الإيجابي مع مكونات بيئته.

إن في هذا البحث الجمالي -إن صح تسميته بذلك- تعرُّضًا لموضوع في غاية الأهمية بالنسبة للبحوث المتعلقة بالبيئة، التي تزايد الاهتمام بها في الآونة الأخيرة على مستوى الدراسات الثقافية. والأجمل من الولوج إلى مناطق البحث الحديث: تعرضه لذلك من خلال البعد الشاعري والجمالي، ولا أدل على ذلك من فصل الكتاب الأخير الذي تناول فيه ورد الفل في الغناء الشعبي. فلطالما عبر الغناء عن الضمير الحي لدى الناس، ولطالما كون وجدانهم وصنعه. فمَن ذا الذي لا تؤثر فيه رائعة إبراهيم خفاجي ومحمد عبده «مثل صبيا في الغواني ما تشوف»؟ ومَن يستطيع أن ينكر قدرة الأغاني على التأريخ للمكونات المحلية والوطنية؟ فمن طبيعة الغناء السفر بهذه المكونات وخلق حيوات جديدة لها، تؤكد ارتباطها بالذهن، وتخلق لها وجودًا حيويًّا يتجاوز معناها التداولي، وينقلها إلى مرحلة أعلى وأرحب.

إن في كتاب موكلي البديع هذا دعوة ضمنية لتأمل موجودات حياتنا التي تبث البهجة، وتؤكد أصالة إنسان هذا الوطن المتنوع والمختلف أيما اختلاف في حضارته. فكتاب مثل هذا يمكن أن يقدم بنعومة بالغة الصورة المثالية لحياة إنسان المكان، كما أن فيه مساحة رحبة للتأمل في تاريخه الضارب في القدم، والمرتبط بعلاقات قديمة مع حضارات مجاورة وأخرى بعيدة، والإقدام على مثل هذا الفعل التأملي والشاعري فيما يخص مكونات المكان البيئية ما هو إلا مصافحة لطيفة ليد العالم الصديقة، وصورة فوتوغرافية بالغة الجمال للمكان، يمكنها أن تختصر كثيرًا من خطب وبيانات التعريف بالذات.