سكوت فيتزجيرالد في أستوديوهات هوليوود.. إظلام تدريجي

سكوت فيتزجيرالد في أستوديوهات هوليوود.. إظلام تدريجي

في بدايات يوليو عام 1937م وصل فيتزجيرالد إلى هوليوود لتسلّم وظيفة في أستوديوهات مترو غولدوين ماير M-G-M. وقد شغل مكتبًا صغيرًا في الطابق الثالث من مبنى الكُتاب، حيث كان يمارس عمله على السيناريوهات من العاشرة صباحًا حتى السادسة مساءً، يتجرَّع الكوكا كولا طوال النهار، ويرتّب الزجاجات الفارغة بعناية في أنحاء الغرفة. استمر فيتزجيرالد عامًا ونصف العام في أستوديوهات مترو، عمل خلالها على تعديل خمسة سيناريوهات، وكتب بالتقريب سيناريو كاملًا، وخلق كومةً من الحواشي والملحوظات. وعند تعرُّض عمله للتعديل أو الرفض، كان يردّ برسائل يدافع فيها عن وجهة نظره. وهناك كثير من مثل هذه الرسائل.

لو وصفنا الأمر باعتدال فسنقول: إن فيتزجيرالد لم يحظَ بإعجاب مديري الأستوديو. كان النقد الموجَّه له أن حبكاته مُطوّلة من دون هدف؛ وحواره مراوغ أو عاطفي؛ وأسلوبه جاد للغاية- في بعض اﻷحيان، قاتم تمامًا. وقد شبَّهه المخرج والكاتب بيلي وايلدر، المولع بأدبه، بـ«نحّات عظيم جرى التعاقد معه للقيام بمهمة سباكة»- من دون أن تكون لديه أدنى فكرة عن كيفية القيام بتوصيل الأنابيب وجعل الماء يتدفق.

كان من المتوقع أن يُزلزل فيتزجيرالد هوليوود: فهو يكتب قصصًا ناجحة تجاريًّا؛ يعرف كيف يرسم مشهدًا؛ وأن يكتب حوارًا ذكيًّا ومُعبرًا. ومن بين كل الروائيين الأميركيين الذين برزوا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كهيمنغواي ودوس باسوس وشتاينبيك، كان فيتزجيرالد الأكثر ارتباطًا بهوليوود. فمنذ صباه كان شغوفًا بارتياد دور السينما؛ وأَخرجَ ومثَّل في مسرحيات طلابية. وقد بدأ فيتزجيرالد محاولة الكتابة للسينما مبكرًا منذ عام 1922م، ولكن، مع ما بذله من جهد كبير، كان كلّ ما تحقق له هو ظهور اسمه مرة واحدة فقط ككاتب سيناريو مشارك في شارات فِلْم «ثلاثة رفاق» «Three Comrades»، عام 1938م. فماذا كانت المشكلة إذن؟

مخطوطات منسية

قبل سنوات، أُعيد فتح ملف فيتزجيرالد في هوليوود من جديد، عندما اشترت جامعة ساوث كارولينا معظم إنتاجه لدى شركة مترو مقابل أربع مئة وخمسة وسبعين ألفًا من الدولارات. كانت تلك المخطوطات منسيةً يعلوها الغبار في أرشيف الشركة، حتى عثر عليها موظفٌ يُدعى مارتن كريغل في أوائل السبعينيات حين بدأت الشركة في دمج أصولها. بعد ذلك احتفظ كريغل بالوثائق لثلاثة عقود أخرى لبيعها (ما يقرب من ألفي صفحة، بعضها مخطوطات بالقلم الرصاص). لكن الشركة لم تكن تملك الحقوق الفكرية للوثائق ولا هي كانت ملكًا لورثة فيتزجيرالد. قرر المحامون، بما أن المخطوطات نتجت عن «وظيفة مقابل أجر»، فستكون مثل هذه الحقوق مملوكة لشركة تايم وارنر، التي كانت قد اشترت Turner Broadcasting System، في عام 1996م، والتي بدورها، كانت قد امتلكت مكتبة أفلام مترو غولدوين ماير منذ عام 1986م.

حقَّق تلك المخطوطات ماثيو جوزيف بروكولي، الأستاذ بجامعة ساوث كارولينا والجامع المثابر لتراث فيتزجيرالد. وفي إبريل 2004م ساعد في التوصل إلى اتفاق آلت بموجبه المخطوطات إلى تلك الجامعة، وأُطلق عليها مجموعة سيناريوهات فرانسيس سكوت فيتزجيرالد (وارنر بروس/ تيرنر إنترتينمنت).

وعلى الرغم من تناول العديد من الكُتاب لمرحلة فيتزجيرالد في هوليوود، فإن كُتاب سيرته بصورة عامة لم يعيروا اهتمامًا للسيناريوهات بزعم أنّه كتبها فقط من أجل المال. وهل حقًّا كان الأمر كذلك، كما فعل وليام فوكنر، وألدوس هكسلي وشخصيات أدبية لامعة أخرى؟ أما فيتزجيرالد فلم يكن الأمر يتعلّق بالمال فقط. فمن المؤكد أنه كان أول روائي أميركي يأخذ الأفلام على محمل الجد، وأول من رأى أن موهبته الخاصة على توافق فطري مع هوليوود. يمكننا أيضًا أن نضيف أن حياته كانت مثالًا على انقلاب الحظ التام الذي كانت أستوديوهات هوليوود مولعة به.

صعود وأفول سريعان

لم يحقق كاتب أميركي قبل فيتزجيرالد نجاحًا وهو بعد شاب صغير أو يفقد حظوته بهذه السرعة الكبيرة. وُلد عام 1896م في ولاية مينيسوتا، والتحق بجامعة برينستون في عام 1913م، لكنه لم يستمر حتى التخرج؛ التحق بالجيش عام 1917م، لكنه لم يذهب مطلقًا إلى ما وراء البحار؛ ثم استيقظ ذات صباح ليجد نفسه مشهورًا، بعد صدور روايته الأولى «هذا الجانب من الفردوس» (1920م)، وقد ضربت على وتر حساس مصورة مشاعر الطلبة المرفهين في الجامعات المرموقة من أبناء «الجيل الضائع». وفي العقد اللاحق، في عشرينيات القرن الماضي، تجوّل هو وزوجته المتقلّبة زيلدا فيتزجيرالد في عواصم أوربا وكؤوس الخمر لا تفارق أيديهما تقريبًا. كانت العشرينيات عقد ازدهار فيتزجيرالد، حين كانت الأمّة، على حد تعبيره، «تمرّ بأكبر فورة للمرح الصاخب في التاريخ». سُمّيت هذه الفورة بـ «عصر الجاز» وارتبطت سيرته هو وزيلدا بحفلاتها الفاخرة، وفيوض الخمر والنساء المتأنقات.

يرجع افتتاننا بفيتزجيرالد، في جانب منه، لأفول نجمه السريع. فالكساد الكبير في الثلاثينيات لم يدمِّر عصر الجاز وحسب، ولكنه دمَّر أيضا الكاتب الأكثر ارتباطًا به. أصبح الرجل الذي كان يتقاضى بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف دولار مقابل قصة قصيرة واحدة أواخر عام 1930م منسيًّا من جمهور القراء بعد ست سنوات فقط؛ في عام 1936م، بلغ إجمالي عائدات كتبه ما يزيد قليلًا على ثمانين دولارًا. وكانت مشكلات المال أقل ما في الأمر. في أوائل الثلاثينيات، سببت له محاولته الرابعة لكتابة رواية كثيرًا من الكرب وهي المدة التي تمخضت في آخر الأمر عن رواية «رقيق هو الليل». كان يتجرَّع كثيرًا من الخمر ويتناول أقراصًا كي ينام وليستيقظ على حد سواء.

وكانت هوليوود فرصته الأخيرة: فإذا استطاع تثبيت وضعه في صناعة السينما، فربما تعود إليه عافيته وطاقته الإبداعية. كان قد قام بالرحلة إلى هوليوود مرتين من قبل: المرة الأولى في عام 1927م، ومرة ثانية، في عام 1931م، عندما طُلب منه معالجة رواية ذاع صيتها في تلك المدة. لم تنجح أي من المغامرتين، وعاد فيتزجيرالد إلى الشرق مُحبطًا من شخصيات الأستوديو البارزة.

وفي 1937م لم تكن هوليوود في عجلة من أمرها لاستعادته. فقط عبر وساطة صديق قديم قبلت شركة مترو التعاقد معه لمدة ستة أشهر نظير ألف دولار في الأسبوع. على الرغم من أنه كان، على حد تعبيره لاحقًا، «شبه محطم وشائخًا قبل الأوان، ﻻ يملك فلسًا عدا ما يستطيع إخراجه من ذهن مُنهك وجسد مريض». استقل فيتزجيرالد القطار إلى لوس أنجليس بدرجة من التفاؤل. كانت لديه خطة. ودائمًا ما كانت لديه خططه. وبالنسبة لرجل عاش واحدة من أكثر الحيوات فوضوية في التاريخ الأدبي، فعلى الورق كان منظمًا لدرجة الوسواس. كتب لابنته سكوتي، من القطار، «يجب أن أكون لبقًا للغاية وأظل مسيطرًا على الموقف، أكتشفُ الرجل المهم بين الرؤساء والأكثر مرونة بين المتعاونين. لو مُنحت الفرصة لاستطعت حملهم على مضاعفة قيمة هذا العقد في أقل من عامين».

وقد صادفت هذا المخزون الفريد عندما قمت بزيارة جامعة ساوث كارولينا. وأردت أن أرى بنفسي ما كان ينوي فيتزجيرالد أن يفعله في أرض العجائب، وما إن جلست أتفحّص الوثائق المحررة من قبو مترو غولدوين ماير، حتى اكتشفت من فوري الجهد الشاق الذي بذله في عمله. مارس فيتزجيرالد مهامه بدقة لا بد أنها حيَّرت رؤساءه. عند إعطائه سيناريو لمراجعته، كان يرده إلى عناصره، يضع له خلفيةً درامية، يُطلع المنتجين على إمكانياته، ثم يبدأ في إضافة طبقات للنص.

فمثلًا: من غير الممكن أن يكون سيناريو «أميركي في جامعة أُكسفورد» «A Yank at Oxford» مجرد قصة بريئة، يجب أن يكشف الصلة بين اللغة والعادات. وفِلْم «مدام كوري» «Madame Curie» (عن الفيزيائية الفرنسية الشهيرة وأول امرأة تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء) ﻻ يمكن أن يكون مجرد قصة امرأة تتغلب على الصعاب؛ يجب أن يكشف عن تعقيدات الزواج بين اثنين متكافئين من العلماء. بطبيعة الحال، فقد أصبح مُنغمسًا بكل مشاعره في العمل، وهو ما جعل من الصعب التخلّي عن تحكمه الكامل فيه.

سلسلة من الإحباطات

بدأ فيتزجيرالد مهمته الأخيرة كاتب سيناريو «خلف» كاتب آخر على فِلْم «أميركي في جامعة أكسفورد»، وبعد انتهاء دوره، تولى المهمة كاتبان آخران تخلّصا من كثير من حواره. في ذلك الوقت تَسلَّم نصًّا سينمائيًّا قيد التنفيذ لرواية إريش ماريا ريمارك ذائعة الصيت «ثلاثة رفاق». وبعد تسليم مسودته إلى المنتج جوزيف مانكيفيتش علم أنه سوف يُقرَن بالعمل مع كاتب سيناريو أكثر خبرة فسلَّم نفسه للتعاون محبطًا، ولمدة خمسة أشهر عمل الرجلان معًا، حتى أصبح لديهما نص مكتمل. لكن المنتج لم يُعجب بالنتيجة، وقرر أن يمد يده في النص. روعت تغييراته فيتزجيرالد، الذي كتب رسالة وأرسلها مِن فورِه:

«إذا قلت: إنني محبط فهو تعبير مخفّف. لمدة تسعة عشر عامًا، سوى عامين من الغياب بسبب المرض، كتبت أعمالًا شديدة الرواج، وحواري من المفترض أنّه على الدرجة نفسها من التفوق… إنني بائس تمامًا لرؤية شهور من العمل والتفكير تُلغى بتعجل في أسبوع واحد. آمل أن تكون كبيرًا بالقدر الكافي لتفهم أن هذه الرسالة هي التماس يائس لإعادة الحوار إلى طبيعته السابقة… عذرًا، جو، ألا يمكن للمنتجين أن يكونوا على خطأ قط؟ إنني كاتب جيد، بصدق».

في 1938م، اختير «ثلاثة رفاق» كواحد من أفضل عشرة أفلام لذلك العام، لكن فيتزجيرالد لم يُسَرّ بهذا. اعتقد أن مانكيفيتش شخص سوقي انتهك رُوح رواية ريمارك ونصّه السينمائي. تجاهل مانكيفيتش اتهامات فيتزجيرالد، حتى إنه زعم أنه لم يتسلّم مطلقًا تلك الرسالة المثيرة للشفقة. مع تجدد الاهتمام النقدي بفيتزجيرالد، وكان هذا بعد عقود عدة، شعر مانكيفيتش أنه مُضطر للدفاع عن فعلته. «أنا شخصيًّا هوجمت وكأني بصقت على العلم الأميركي لأنني أعدت ذات مرة كتابة جزء من حوار كتبه فرانسيس سكوت فيتزجيرالد. لكن في الحقيقة كان الحوار في حاجه إلى ذلك!… لقد كان حوارًا أدبيًّا للغاية، حوارًا روائيًّا افتقد كل الصفات المطلوبة لحوار الشاشة».

على الرغم من تنقيحات مانكيفيتش، فقد جرى تمديد عقد فيتزجيرالد لمدة عام وزاد راتبه إلى ألف ومئتين وخمسين دولارًا في الأسبوع. علق فيتزجيرالد ساخرًا، «الآن أُعَدُّ ناجحًا في هوليوود؛ لأن الشيء الذي لم أكتبه مستمر تحت اسمي، والشيء الذي كتبته دُفن بهدوء من دون أي ضجة أو جدل- ولا حتى كلمة صغيرة من جانبي. لقد بدأ التحول من عدّ هذا فنًّا محتملًا إلى النظر إليه كمجرد عمل تجاري. لكني ما زلت أعتقد أنه في يوم ما خلال بقائي هنا سأتمكن من أن يكون لي شيء خاص بي على الشاشة أستطيع أن أطلب من أصدقائي مشاهدته».

اعتقد فيتزجيرالد أن الفرصة قد أتت عندما طُلب منه أن يكتب سيناريو للممثلة جوان كراوفورد. لم ينل نصه السينمائي «خيانة» «Infidelity» رضا منتجه ولا مكتب الرقابة، ووضعه المشروع على الرف. بعد ذلك عمل على سيناريو «ماري أنطوانيت»، تبعته معالجة لمسرحية كلير بوث لوس «النساء» «The Women»، ولم ير أيًّا منهما يُنجز حتى النهاية. قضى ثلاثة أشهر يعمل على سيناريو «مدام كوري» (من معالجة قام بها ألدوس هكسلي)، وبعد ذلك، في أوائل يناير عام 1939م، أُعِيرَ إلى المنتج دافيد أُو. سلزنيك لتنقيح سيناريو «ذهب مع الريح». بعد أسبوع واحد كان قد غادر؛ وفي هذه الأثناء أنهتْ شركة مترو عقدَه من دون تفسير.

بعد الرحيل عن مترو غولدوين ماير، أصبح فيتزجيرالد يعمل بشكل حرّ، ومن فوره تقريبًا انضم إلى الكاتب بَد شولبيرغ للعمل على سيناريو عن قصة حب تدور خلال الكرنفال الشتوي في جامعة دارتموث التي تخرج فيها شولبيرغ نفسه. وعندما سافرا إلى الساحل الشرقي لإجراء البحث اللازم للكتابة، كان فيتزجيرالد يشرب تقريبًا طوال الوقت؛ فطُردا قبل أن يضعا الخطوط العريضة للقصة. بعد سنوات، كتب شولبيرغ، عن تعاونهما التعس في روايته «المُحبطون» «The Disenchanted»، وأيضًا في مقالة لمجلة إسكواير مصوّرًا فيتزجيرالد كشخص «منهك ومريض وفخور بنفسه وواعيًا بصورة مؤلمة بسقوطه من الشهرة والثروة والإنتاجية الإبداعية».

خلال ربيع عام 1939م، مع ثقل كارثة دارتموث عليه، أفرط فيتزجيرالد في تناول الشراب، وسافر مع زيلدا في رحلة فوضوية إلى كوبا حيث تعرَّض للضرب بعد محاولته إيقاف مصارعة للديوك. ومع عدم وجود عمل منتظم في صناعة السينما بدأ في كتابة قصص عن كاتب سيناريو فاشل. بعد ذلك، في يوم ما من مارس 1940م، اتصل به منتج مستقل يُدعى ليستر كوان، كان قد اشترى حقوق قصته «إعادة النظر في بابل» «Babylon Revisited» وطلب منه أن يحوّلها بنفسه إلى نص سينمائي. على فيتزجيرالد على تكييف النص، وأطلق عليه «كوزموبوليتان»، من أجل النجمة المراهقة شيرلي تيمبل Shirley Temple، وبعد ذلك قضى ظهيرة يحاول إقناع والدتها بالفكرة.

حين انتشر خبر أن تيمبل تفكر في «كوزموبوليتان»، ارتفعت أسهم فيتزجيرالد. تعاقدت معه شركة Twentieth Century Fox، لمعالجة نص مسرحي بعنوان «نور القلب» «The Light of Heart» سينمائيًّا.

متفائلًا بهذا الاهتمام، بدأ فيتزجيرالد يشير إلى «كوزموبوليتان» بوصفه «أمله الكبير في اكتساب مكانة حقيقة كسينمائي ﻻ كروائي». كتب في أكتوبر 1940م، «لو حصلت على مكانة عن أي من المجهودين الأخيرين، لن تبدو الأمور مطلقًا حالكة السواد كما بدت قبل عام حين شعرت بأن هوليوود أسقطتني من حساباتها كرجل محطم- وَصمة لم أفعل شيئًا لأستحقها». لكن والدة شيرلي تيمبل غيَّرت رأيها ومات مشروع «كوزموبوليتان»، وفي نوفمبر مرر زانوك تعديله لنص «نور القلب».

أسلوب فيتزجيرالد

ولأن فيتزجيرالد كان يتعامل مع عمله بجدية، فغريزته التعليمية كانت تنطلق دائمًا، فيسهب في الكتابة والشروح. ولنتأمل مشهد من سيناريو «كوزموبوليتان»:

88. لقطة واسعة- السفينة ترسو- تصوير من زاوية المنتظرين على الرصيف. فرقة موسيقية بصوت عال مفعم بالحيوية.

89. خلف السياج. بيير وماريون بيتري ينتظران وسط الزحام. هو رجل فرنسي ذو خلفية عسكرية تجعله متباه ومولع بالرسميات- لكن عندما ترك الجيش، في عام 1919م كان واضحًا أن الطبيعة قد أعدته ليصبح مجرد موظف صغير.

«في عام 1919م»؟ أي تفصيلة تلك لتوضع في نص سينمائي؟ الآن نتابع وصفًا نثريًّا مسهبًا لشخصية وسلوكيات ماريون بيتري، التي كان من الممكن التعبير عنها كلها في بضع جمل من الحوار بدلًا من فقرات مطولة:

زوجته ماريون… امرأة أميركية بالغة الجمال في الثانية والثلاثين وهي من المؤكد كانت تأمل في زوج أفضل. هي الآن في حالة من التأثر الشديد. استطاعت السيطرة عليها بالكاد. توترت لدرجة الانهيار تقريبًا من خبر انتحار شقيقتها الذي وصلها الليلة الماضية في باريس. قبل هذا دائمًا ما كانت تشعر بنوع من الغيرة الخفية من شقيقتها، التي كان لديها ثروة عظيمة وتعيش بفخامة.

ولا يعدم فيتزجيرالد المدافعين عنه. فيؤكد ويلر وينستون ديكسون، أستاذ دراسات الفِلْم في جامعة نبراسكا، في كتابه «الرؤية السينمائية لفرانسيس سكوت فيتزجيرالد» أن فيتزجيرالد « قد طور ببراعة حساسية بصرية معقدة تورط المتفرج» استنادًا إلى حركة كاميرا انسيابية وقطع متداخل ذكي. لكن، حجة ديكسون تستند برمتها إلى سيناريو «خيانة» الذي، باعتراف الجميع، يجعل الأولوية للبصري على اللفظي. في الواقع، دفع فيتزجيرالد بالكاميرا إلى الجنون قليلًا في هذ السيناريو، ففي اهتمامه بتسجيل تغير الحالات المزاجية للعلاقة، جعل الكاميرا تصعد وتهبط، وتتحرك من اليسار إلى اليمين أفقيًا، وتتوغل، وتنتقل من لقطة ثنائية تقليدية إلى لقطة وجهة النظر، بشكل متواصل. وعندما يدرك عاشقان فجأة أنهما كانا مراقبان، يصرُّ فيتزجيرالد على أن نرى ردود أفعالهما:

(لقطة قريبة ﻹيريس: تنظر عيناها ﻷسفل، ثم ﻷعلى ثانية، ثم تحدق.

لقطة ثنائية ﻹيريس ونيكولاس. نيكوﻻس ينظر ﻷعلى ويرى تعبير وجه إيريس. وهو يلتفت ليرى فيما تحدق، تسقطهم الكاميرا وتدور ببطء شديد في جميع أنحاء الغرفة، بما في ذلك الخزانة الجانبية، تمر بها وتصل إلى الباب. حيث تقف ألثيا، بلا حراك، تنظر إليهما. نراها في لقطة متوسطة من زاويتهما ونثبت عليها للحظة قصيرة.

لقطة ثنائية لنيكوﻻس وإيريس من زاوية ألثيا. وجهيهما في حالة صدمة ويحدقان.

لقطة متوسطة ﻷلثيا من زاويتهما…).

وهكذا دواليك، نصف دُزِّينة سطور أخرى من التوجيه قبل أن يكتمل ما بين القوسين. رغم أن كُتَّاب السيناريو الطموحين يُنصَحُونَ بـ«أن يروه» قبل أن يصفوه، فإنهم سرعان ما يتعلمون، أن يصنعوا سيناريو قابل للإنتاج، وأنهم غير مطالبين بالتوجيه البصري للمخرج في كتابة مشهد. من المؤكد أن فيتزجيرالد عمل تجسيدًا بصريًّا لـ«خيانة»، لكن، بعد كل هذا، فإن السيناريو الذي لم يكتمل قط اعتمد بصورة مفرطة على العودة إلى الوراء (الفلاش باك) لنقل إحساس ما فُقِد..

غير أنه، بين حين وآخر كان يكتب موقفًا كان ليبدو ناجحًا على نحو مثالي لو جُسد على الشاشة. ففي سيناريو «كوزموبوليتان» مثلًا، توجد لحظة حين تتسلل فيكتوريا، فتاة في الحادية عشرة من عمرها، داخل قطار متوجه إلى سويسرا، فتدخل مقصورة كانت تشغلها سيدة شركسية بصحبتها ثلاثة أطفال. وعندما يطلب ضابط سويسري أن يرى جواز سفر السيدة الأم، «تأخذ في الحديث برطانة غير مفهومة»، وعندما يحوِّل الضابط انتباهه إلى فيكتوريا، التي لم تكن تحمل بدورها جواز سفر، «تتصنع الرطانة، أيضًا، بلغة تشبه تمامًا لغة الأسرة الشركسية». في لحظة، يرسم فيتزجيرالد ذكاء الفتاة الصغيرة.

تكمن صعوبة تقويم فيتزجيرالد بوصفه كاتب سيناريو في الطبيعة الإشكالية لكتابة السيناريو نفسه. فالسيناريو المتقن لا ينبئ بوضوح عن النجاح سواء الفني أو التجاري. السيناريو على نحو بسيط ما هو إلا مخطط عمل، تقع إمكانية ظهوره بنتيجة رائعة خارج نطاق عمل كاتب السيناريو؛ فكثير من الأشياء تتوقف على عناصر أخرى: الإخراج، التصوير السينمائي، التمثيل، الموسيقا، المونتاج. الطبيعة غير المكتملة لهذا الشكل من الكتابة هي ما لم يستوعبه فيتزجيرالد. وبإمكاننا ملاحظة هذا في الإسهاب في سيناريوهاته وفي ملحوظاته المحفورة بالقلم الرصاص: لقد أراد لكل سيناريو أن ينقل درسًا أخلاقيًّا بينما يكشف عن الجوانب الخفية لشخصياته.

وقد تعثرت سيناريوهات فيتزجيرالد بفضل الصفة ذاتها التي سمت عاليًا بفنه الروائي: الطبيعة المعقدة لذهنه. لقد بدأ الكتابة معتقدًا أنه صاحب مصير فريد، وكان هذا الإيمان بنسخة مثالية من ذاته؛ إذ خرج في شكل سرد روائي، هو ما أكسبه جمهورًا عريضًا وتقديرًا نقديًّا على حد سواء. غير أن تلك الذات المثالية استعصت عليه في كل النواحي الأخرى، ليس بسبب أنّه كان يشرب بإفراط أو يسلك سلوكًا سيئًا، لكن لأنه كان كاتبًا في حرب مع ميوله الخاصة. اعترف فيتزجيرالد بأنه «أخلاقي في صميم قلبه»، أراد أيضًا أن يكون بعين لحكيم وأخرى لفنان ترفيهي. على الرغم من أنه أصبح مقتنعًا بأن «الحياة خدعة في الأساس… وأن الخلاص ليس في السعادة والمتعة لكن في الرضا العميق عن الذات الناجم عن الكفاح»، فإنه ظلّ دائمًا الشخص الذي يعتمد على نحو مَرَضي على رأي الآخرين. وكان هذا الانشطار بين التقبُّل لأكثر دروس الحياة عمقًا والحاجة إلى كسب الدنيا بقوة شخصيته هو ما جعله، بالقدر نفسه، متشددًا جماليًّا ولعبيًّا على نحو صارخ.

صراع المتناقضات

في النهاية، فإن موقف فيتزجيرالد من هوليوود لم يكن متسقًا شأنه شأن مواقفه تجاه كل الأمور. وقد قال: إنّه عرف عن الحياة في كتبه أكثر مما عرف في الحياة الواقعية، وكان على صواب.. لم يكن كتلةً من المتناقضات بقدر ما كان مزيجًا متذبذبًا من الأحلام والطموحات التي تتوقف على شعوره اللحظي، ومع من كان يتحدث. وذكرت أنيتا لوس أول كاتبة سيناريو امرأة في هوليوود: «أن الناس في هوليوود تعاملوا معه على أنه شخص عاجز». ووصفه الكاتب البريطاني أنتوني باول بعد تناوله الغداء معه في مقصف مترو غولدوين ماير، بأن له «ملامح مدرّس، وإن كانت في الوقت نفسه جذابة، وبه حماس، وبساطة في التمظهر، كانت قد تؤهله لمهنة أستاذ جامعي». أما كريستيان جوس، أستاذ فيتزجيرالد نفسه في جامعة برينستون فلم يُفاجأ بهذه الآراء المتباينة. وقال: إن فيتزجيرالد كان يذكّره بالإخوة كارامازوف جميعهم في وقت واحد.

وفي هوليوود، كان الإخوة المتناقضون داخله يتبادلون المواقع بعنف. ففي يوم، من الممكن أن تكون كتابة السيناريو، «لعبة كلمات متقاطعة مثيرة… وللدهشة هي تدريب ذهني مشوق»؛ في اليوم التالي يراها «إذلالًا مؤلمًا». ولم تهدأ تلك المشاعر وظلت متأججةً داخله حتى النهاية. في عام 1940م كتب إلى أحد أصدقائه: «أليست هوليوود مكبًّا للنفايات، بالمعنى الإنساني للكلمة. مدينة بشعة، تحيق بها حدائق أغنيائها المُستفزة، وهي موطن لنوع جديد من الروح البشرية على درجة غير مسبوقة من الانحطاط». بالتأكيد كانت كذلك، لكنها كانت أيضًا، كما عرف جيدًا، جزءًا من الشخصية الأميركية. لقد كانت هي هوليوود نفسها التي امتدت أمامه عندما دَوَّن في ملحوظاته لروايته الأخيرة غير المكتملة «التايكون الأخير»: «أتطلع إليها، وأفكر أنها أجمل تاريخ في العالم. إنها تاريخي وتاريخ شعبي… إنها تاريخ كل طموح، أنها ليست الحلم الأميركي وحسب لكن الحلم الإنساني وإن كنتُ أتيت في نهايته، فذلك أيضًا يضعني بين صفوف الرواد».

تذكّرنا مثل تلك الكلمات بأن فيتزجيرالد لم يصوّر رؤاه بزوايا الكاميرا أو حتى بالحبكات الدرامية، ولكن باللغة؛ وما يجذبنا بقوة لعمله هو تناوله الحساس لمشاعر التوق والندم. عندما كان يراجع رواية «جاتسبي العظيم» وصف الصراع الأساسي في الرواية بأنه «فقدان تلك الأوهام التي تُضفي على العالم تلك الصبغة اللامعة التي تجعلك غير مكترث ما إذا كانت الأمور حقيقية أو زائفة طالما أنها تشارك في صنع المجد السحري». ربما تمكَّن فيتزجيرالد من القبض على هذه الحالة العميقة من الوعي في أحد السيناريوهات، لكن أهذا ما كانت تبحث عنه هوليوود؟ لم يكن حلمه في أن يصبح كاتب سيناريو عظيمًا قابلًا للتحقق، مع ذلك، لم يكن فيتزجيرالد ممَّن يتخلّون عن الأحلام؛ لو كان قد فعل، لما كان باستطاعته الكتابة عن فقدانها بهذا القدر من الجمال والعمق.


المصدر : عن النيويوركر The New Yorker، عدد 16 نوفمبر 2009م.