هوركهايمر وأدورنو وغادامير في محاورة حول «عبوة الديناميت» نحن ونيتشه  ما هو عابرٌ وزائل مضمون الحقيقة وليس ما هو أبديّ ومستمرّ

هوركهايمر وأدورنو وغادامير في محاورة حول «عبوة الديناميت» نحن ونيتشه ما هو عابرٌ وزائل مضمون الحقيقة وليس ما هو أبديّ ومستمرّ

«نحن ونيتشه»: عنوان المحاورة الشهيرة حول أفكار نيتشه وفلسفته، حول الاستعمالات المتعددة لأفكاره ومقولاته من أطراف وأنظمة، إلى حد أضحى مسؤولًا عن الأشياء الفظيعة التي حدثت. محاورة تجدد التأكيد على الحاجة إلى نيتشه بصفته الممجد لما هو عابر وزائل وليس ما هو أبدي ومستمر. أما أطراف المحاورة فهم نخبة من أهم المفكرين والفلاسفة في القرن العشرين: ماكس هوركهايمر (1895- 1973م) فيلسوف وعالم اجتماع ألمانيّ، عرف بكونه مديرًا لمعهد الأبحاث الاجتماعيّة، وهو أحد أبرز أعلام ومؤسّسي مدرسة فرانكفورت الفلسفيّة، صحبة زميله ثيودور أدورنو الذي شاركه كتابة مؤلّف «جدل التنوير»، أحد أهم النصوص الممثلة للنظرية النقدية التي أرستها هذه المدرسة. وتتمسّك هذه النظرية من الماركسية وتراث التنوير بالفكرة الرئيسة التي تجعل الفلسفة نقدًا اجتماعيًّا للرأسمالية مؤسّسًا للتحوّل بدل أن تكون تبريرًا وشرعنة للنظام القائم. من بين أعماله الرئيسة المترجمة إلى العربية، نذكر «النظرية التقليدية والنظرية النقدية» (ترجمة وتقديم ناجي العونلّي).

ماكس هوركهايمر

ويشترك ثيودور أدورنو (1903- 1969م) مع هوركهايمر في كونه فيلسوفًا وعالم اجتماع في نظر كثير من الباحثين، إضافة إلى كونه مؤلّفًا موسيقيًّا ودارسًا نظريًّا لعلمها. لقد شارك بوصفه فيلسوفًا في تأسيس مدرسة فرانكفورت وتطوير أبحاثها، كما ذكرنا سلفًا. لكنه انتمى بوصفه موسيقيًّا إلى مدرسة فيينا الثانية، وبوصفه باحثًا فيها إلى موجة الموسيقا الجديدة. ومن خلال هذا الجمع بين صناعات فكرية وفنية مختلفة، استطاع أن يقدّم صحبة هوركهايمر مفهوم «الصناعة الثقافيّة» في كتابهما المذكور آنفًا. له أعمال كثيرة توزّعت بين الفلسفة (دراسات عن هيغل وكانط…) والموسيقا وشملت التفكير في الأدب ومختلف الفنون وكتابة الرّسائل وتدوين أحلامه. نذكر من بين هذه الأعمال، «مدخل إلى السوسيولوجيا»، و«ملاحظات في الأدب»، و«رسائل إلى توماس مان»، و«التّاريخ والحرّيّة».

أمّا هانس غيورغ غادامير (1900- 2002م) فهو أيضًا أحد أبرز الفلاسفة الألمان في القرن العشرين. وقد اعتبر أبا الهرمينوطيقا/ التأويلية الفلسفيّة ومعلّمها الأكبر في السياق المعاصر. كتابه العمدة هو «الحقيقة والمنهج». حصل على الدكتوراه الأولى بإشراف بول ناتورب. لكنّ تتلمذه على يد هايدغر الذي أشرف على أطروحته الثانية «الإيتيقا الجدليّة لدى أفلاطون»، قد مثّل منعطفًا حاسمًا في تجربته الفلسفيّة الممتدّة حتّى نهايات القرن المنصرم وشملت كذلك دراسات حول غوته وهيغل ونيتشه:

هوركهايمر: كان نيتشه قد تنبّأ من قبلُ بأنّ آثارًا ومعالم ستقام له في ألمانيا، عندما لن يكون بإمكانه أن يعارض ذلك. لكن، لم يكن بإمكانه أيضًا أن يتنبّأ بالراديو. فما الذي كان ليقوله لو أحسّ سلفًا أنّنا، أنا وأنت سيّد غادامير وأنت سيّد أدورنو، سنكون جالسين هنا والآن، كي نتحاور على نحو رسميّ عنه، بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين؟ لماذا نحن مجتمعون هنا إذن؟

أدورنو: سأجيب عن هذا السّؤال قائلًا: إنّه لا شيء يمكنه أن يشغلنا هنا سوى المحاولة المتواضعة لإزاحة بعض الصّور الكاريكاتيريّة على الأقلّ، التي يرزح نيتشه تحت ثقلها اليوم، في مستوى الرّأي العامّ. فمن جهة، جرَت مصادرة نيتشه من قبل القوميّين الاشتراكيّين (النّازيّين)، وتحويله حرفيًّا لمحامي الشّقراء الغاشمة ومحامي الإمبرياليّة الألمانيّة. لقد اعتُقد أنّه بالإمكان أن يُستنتج من أثره أنّ القوّة وحدها وإرادة القوّة يمكن لهما أن يصيرا المعيار الموجّه للسّلوك البشريّ. وعليه، نشأ الاعتقاد في قدرة استخدامه لتسويغ هذا النوع من الاعتباط والعنف. في المقابل، نجد محاولةً لرفع نيتشه وتحويله إلى واحد من أولئك المفكّرين الرّسميّين الذين حاربهم بدوره طيلة حياته بحماس شديد، تمامًا مثل معلّمه شوبنهاور. لقد جرى تفقيره وإدراجه حرفيًّا في صفوف الفلاسفة الكبار، في حين لا يمثّل كلّ أثره سوى رفضٍ للتّقليد الرّسميّ للفلسفة باسم ما يلقّبه بالحياة.

أقترح إذن أن نتساءل هنا على نحو وجيز، إن كان لنا أن نقتضي، في حالة نيتشه، استعادة صورة المفكّر الحقيقيّة، أي إن كان ممكنا مقابلة هاتين الصّورتين الكاريكاتيريّتين بصورة للمفكّر تجعله محرَّرًا من هذا التّشويه الفظيع الذي ألحقه به الفكر النّازيّ، من دون أن يُحيَّد في الآن نفسه ويُحوَّل إلى عضو من أعضاء البانثيون (مقبرة العظماء في باريس) الذي يُدفن فيه المفكّرون أحياء.

غادامير: أجد أنّ ما قدّمته هو بمثابة مختصر سليم للمهمّة الوحيدة المتاحة لنا هنا، سيّد أدورنو. وأريد أن ألاحظ أنّنا فعلًا إزاء هذا السّؤال: «ما الذي جعل عمليّة تشويه صورة نيتشه بهذا الشّكل المربك والوحشيّ ممكنةً؟». هذا السّؤال هو ما يجب أن يشغلنا في المقام الأوّل.

وأعتقد أنّنا من أجل أن نشرع في ذلك، من دون أن نَلِج على نحو أعمق في المسألة، ينبغي لنا أن نستخرج من أسلوب الفكر النّيتشويّ ذاته عنصرًا مؤسِّسًا يضيء بشكل جيّد هذا الأمر. سأسمّيه عنصر المحاكاة السّاخرة (الباروديا). فنيتشه نفسه كان قد قال عن قصيدته «زرادشت»: إنّ زرادشت يتصرّف على نحو المحاكاة السّاخرة إزاء جميع القِيَم. إنّ لحظة المحاكاة السّاخرة تبدو لي في الحقيقة عنصرًا جوهريًّا في الفكر النّيتشويّ. لم يملك نيتشه قط ادّعاء إرساء قيمة ما، من دون أن يكون له في الوقت نفسه ما يعارضه. وإجمالًا، تبدو لي المحاكاة السّاخرة الشّكل الأساس الذي يمكن من خلاله قراءة نيتشه وتحديد وضعه الاجتماعيّ والتّاريخيّ الحقيقيّ.

هوركهايمر: أعتقد، سيّد غادامير، أنّ هذا هو أيضًا أحد الأسباب التي جعلت من العسير فهم نيتشه في الخارج. لقد تُقُبّل كلّ ما قاله بشكل حرفيّ ومن دون مساءلة. ولذلك، صُيّر نيتشه المسؤول عن الأشياء الفظيعة التي حدثت في ألمانيا. في أميركا مثلًا، تطوّرت اللغة في اتّجاه أسمائيّ. هناك، يصلح أساسًا لتعيين الأشياء- statements, propositions كما نقول في أميركا. ولذلك يعسر فهم قابليّة اللعب مع اللغة مثلما فعل ذلك نيتشه، وكما صرّح بذلك هو نفسه قائلًا: إنّ الأثير الذي يتحرّك فيه فكره عسير الفهم: «كلُّ فكرٍ دمٌ. ومن الصّعب فهم دمٍ أجنبيّ». ونحن نعرف أنّ شخصًا ما يمكن أن يُقتل في روسيا بسبب كلّ كلمة يتلفّظ بها. كلّ شيء ينبغي له أن يكون أطروحةً، ملفوظ أطروحة فلسفيّة. هناك، الناس منشدّون إلى الكلمة. وهذا تحديدًا ما لا يمكن فعله مع نيتشه.

ثيودور أدورنو

الاحتفاء بالوحشية

أدورنو: وينطبق هذا بشكل خاصّ على النّقطة الأساسيّة في الفلسفة النّيتشويّة، أي فيما يتعلّق بموقعه إزاء العنف، سيّد هوركهايمر. إذا لم يكن هناك ما يقال على نحو حرفيّ عند نيتشه، فإنّ هذا لا يعني أنّ الفكر يحافظ على مسافة محدّدة تفصله عن الواقع العينيّ والمعطى الخبريّ للمحافظة على حرّيته فحسبُ، وإنّما يدلّ أيضًا بشكل أكثر عموميّة على كوننا نجد موضوعيًّا، لدى نيتشه، ما هو نقيضُ ما يريد قوله. ولهذا السّبب، يصحّ القول: إنّه ما من مفكِّر يحتاج إلى التأويل بقدر حاجة نيتشه إلى ذلك. وليس من المصادفة إن كان فكره مطبوعًا أكثر من أيّ فلسفة أخرى بنمط عرض السّخرية. أفكّر اللّحظةَ في هذا الأمر وفي الوحشيّة النّيتشويّة المزعومة، وكذلك في تمجيد شخصيّات مثل سيزار بورجيا… وهو ما صار الجميع اليومَ يدرك معناه. ويبدو لي أنّه يوجد هنا ما يتجاوز حقيقة بيوغرافيّة بسيطة: فوراء هذه الوحشيّة تحتجبُ رقّة قصوى. إنّ أوّل ظهور لمرض نيتشه قد وقع، كما نعلم، في تورينو، عندما رأى حوذيًّا يضرب حصانًا مسكينًا بعصاه. لم يتحمّل ذلك. وقد انهار في تلك اللحظة لأوّل مرّة. ومع ذلك، فقد كان المفكّرَ الذي سمّى الشّفقة، في زرادشت، آخر الذنوب. كيف يمكن لنا في النهاية فهم هذا التناقض؟

أقول ببساطة من خلال التفكير في تمثيل الإنسان العادل الذي تنبّأ به نيتشه وهو ليس شخصًا آخر غير الإنسان المحرّر. يفكّر نيتشه في الإنسان المحرّر بوصفه الإنسان المخلّص من الكذب والأيديولوجيا. وحين احتفى بالوحشيّة، كان ذلك من خلال التفكير في أنّ البشر ما أن يتخلّصوا من كلّ الأخلاق التقليدية المتواضَع عليها والنّواهي وعمليّات العقلنة التي تلجمُ، إذا جازت العبارة، غريزَتهم، حتى يحلّ الحقّ فيما بينهم، وهو الأمر الذي يعني أنّه ما أن يُخضع البشر أنفسهم لحوافزهم ودوافعهم المدمّرة حتّى تفقد هذه الحوافز والدوافع بُعدها العنيف ويحلّ بدل إنسان الحقد المكبوت الذي يكون سيّئًا (شرّيرًا) لأنّه لا يستطيع أن يتّبع دوافعه، الإنسانُ الذي لن يكون، بالمعنى الدقيق للكلمة، سيّئًا ولا حسنًا، لأنّه لن يملك بعدُ ما يكبته أو يقمعه. بلغة أخرى، إنّ الصّورة الموجّهة للحرّيّة هي التي تظهر خلف تمجيد القمع الذي نراه في المستوى الأوّل.

غادامير: إنّ هذا التأويل لاهتمامات نيتشه الملحّة يبدو، بالنّسبة إليّ، متضمّنا لنوع من الإجابة على أكثر سؤال يؤثّر فيّ شخصيًّا، من بين جميع الأسئلة المتعلّقة بنيتشه. تعرفون جميعًا أنّ نيتشه قد أعلن ظهور العدميّة الأوربيّة. والسّؤال الحاسم الذي ينبغي طرحُه فيما يتعلّق بهذا التوقّع، في سياق محاكمة تاريخ العالم الغربيّ، هو فيما يبدو لي، السّؤال التّالي: ما هي دلالة إعلان توقّع مثل هذا وصياغته؟ هل هي طريقة لشرعنة ما يدفع للتّفكير فيه قبليًّا وتأسيسه في العقل؟ أم يكون الأمر، وهذا ما يبدو لي أنه رأيك سيّد أدورنو، طريقةً للاستعداد من أجل التّصدّي لما يطرأ ويكون حتميًّا؟

هوركهايمر: أعتقد أنّنا سوف نفهم بشكل أفضل هذه الإشكاليّة إذا ما فكّرنا في منهج نيتشه. أرى في هذا المنهج نقصًا، نقصًا في الجدليّة. رأى نيتشه أنّ المسيحيّة لن تشفي العالم. إذن، أصبح هو نقيض المسيح. وسجّل على الفور نقض المسيحيّة على رايته. ورأى أنّ البرجوازيّة لم تكن قادرة على حلّ جميع الإشكاليّات الاجتماعيّة. وعليه، التفت نحو الإقطاعيّة والأرستقراطيّة، مسجِّلًا الأرستقراطيّة على رايته. ولقد رأى أيضًا أنّنا كنّا قد مضينا من حيث العلم بعيدًا جدًّا في معرفة الحقيقة. ولكنّه لاحظ جيّدًا أنّه رغم هذا، فإنّ جميع المسائل المزعجة لم تختف. إذن، تساءل إن كانت الحقيقة في نهاية المطاف ذات قيمة. لو كان قد فهم أنّ تنسيب المسيحيّة ومعرفة العجز عن تغيير العالم فورًا، يمكن أن يؤسّسا مهمّة فلسفيّة، لكان إذن في حِلٍّ من الحاجة إلى التّمجيد الفوريّ لنقض المسيحيّة. لو كان قد رأى أيّ ظروف لم تسمح للبرجوازيّة لأن تحقّق جميع المهامّ التي اقترحتها على نفسها في فلسفتها، لكان قد حاول أن يفكّر في الاقتراحات العمليّة والاجتماعيّة التي تقدّمت بها. إنّه بقدر ما فشل نيتشه في تقديم هذا التأويل الجدليّ، بقدر ما صار من الأيسر توظيفه بشكل سيئ.

غادامير: هذا مؤكّد. قد أملك نزعة للتّفكير في أنّ ما سمّيتموه نقصًا جدليًّا لدى نيتشه، هو ذاته شكلُ علم غير جدليّ، علم، هو بالنسبة إليه، قطعًا، جدليّ. أنتم تشيرون إلى الأمر التالي: كم قلّ تنبّؤ نيتشه بأنّ أطروحاته ومعتقداته ستوضع ذات يوم في مسار عمليّ. يبدو لي هذا الأمر أحد أكثر آثار فعل نيتشه في تاريخ العالم حتميّةً، وهو أنّه لم يتعرَّف الوضع العمليّ لما أبرزه هو في هذا النقص الجدليّ للجدليّة.

هوركهايمر: وهذا يحدث حين لا ندرك بما فيه الكفاية منهجه.

أدورنو: إنّ ما تعيبه عليه سيّد هوركهايمر، يتأتّى ممّا يمكن تسميته بلغة الفلسفة الهيغليّة أنّه كان ينقصه مفهوم النّفي المحدّد، أي تلك الفكرة التي تقضي بأنّه إذا ما عارضنا شيئًا ما، بوصفه سلبيًّا وقابلناه بشيء آخر، فإنّ ما هو منفيّ في الشيء الأوّل يجبُ أن يكون متضمّنًا على نحوٍ آخر في الشيء الثاني. لكن لدى نيتشه، يتعلّق الأمر حقيقةً، بالإثبات ومقابلة ما قد تُعُرِّف عليه على نحو جليّ بوصفه سلبيًّا، بنظام جديد وقيم جديدة، كما يسمّيها هو، انطلاقًا من العدم. يمكننا القول: إنّه فكرٌ يلاحق دون كلل جذور الهواء. وإن كان صحيحًا أنّ نيتشه يملك صلة من نوع ما بـالـ Jugendstil الذي عاصره، فإنّه هنا تتجلّى هذه الصّلة. لقد كان حقًّا سيّد البنّائين Solness للفلسفة، الذي بنى برجًا في الفراغ، فقط انطلاقًا من إرادته في البناء، من دون أن يستند هذا البرج إلى أساس معيّن في المجتمع. هذا يعني إذن أنّه لا يوجد لديه نفي محدّد وأنّ هذا الفكر في نقده للعالم البرجوازيّ، لا يحمل في ذاته عنف نزعة تاريخيّة واقعيّة. وهذا ما يصنع في الآن ذاته قوّته وضعفه: أمّا القوّة، فمردّها أنّ هذا ما منعه من القيام بأيّ تنازل أو تسوية من أيّ نوع كانت -وهذا بشكل واعٍ على كلّ حال- مع ما هو موجود، رغم أنّه في قفا هذا الفكر، تتحقّق نزعات ناشئة عن النّظام القائم حتّى في فلسفته. أمّا الضّعفُ، فمردّه أنّ هذا الأمر يطبع في فكره لحظة الهجران ذاتها التي نلاحظها في الـ Jugendstil حين يتخيّل عبر اليأس، وما وراء فقدان الجمال في المجتمعات الصناعية على نحو مفرط للغاية، مبدأ زخرفيًّا للجمال، لا يكون ناشئًا عن لغة شكليّة معتبرة. وشيء ما من هذا الضّعف وهذا الهجران ينتمي إلى نيتشه الذي يأتي هنا ليضع موائد جديدة، وهو ملزم رغم ذلك أن يقول عن نفسه: «لا شيء سوى مهرّج مخبول. لا شيء سوى شاعر».

هوركهايمر: إنّ جذور الهواء هذه والقيم الموضوعة على نحو حرّ، قد حُوِّلت لاحقًا إلى العلم الألمانيّ لدى ماكس فيبر، في سياق وضعيّة Positivisme تؤمن بأنّ كلّ الغايات قد وُضعت سلفًا على نحو اعتباطيّ وبأنّ العلم في مجمله لا يملك ما يكتشفه فيما هو مفارق لهذه الغايات. وقد كان هذا علامة إعلان لسوء الفهم الفظيع الذي حدث آنذاك.

فريدريك نيتشه

آفاق في فهم الروح

غادامير: في الحقيقة، أتذكّر ظهور تأويل لنيتشه، في ألمانيا، نحو سنة 1930م، من قبل ألفريد باوملير Alfred Bäumler، ضمن كتيّب من منشورات رِكْلام Reclam. وقد اختزل هذا التأويل، نيتشه، بطريقة واعية تمامًا، في مقالة إرادة القوّة، معتبرًا أنّ كلّ ما تبقّى من فلسفته محض تصوّف. أعتقد الآن أنّ الوقت قد حان لقياس التأثير العالميّ الذي أحدثه نيتشه بوصفه عالم نفس، والآفاق التي فتحها في فهم الرُّوح من خلال طريقته في تأويل الظواهر الأخلاقيّة. وهذا تحديدًا ما جذبه في دوستويفسكي: لقد تعرّف فيه إلى طبيعة ذات قرابة بطبيعته وموجّهة إلى استكناه خلفيّة الدوافع التي تمثّل أصل أفعال الناس وأصل غيابها.

هوركهايمر: لم يكن نيتشه ذا قرابة تصله بدوستويفسكي فحسبُ. إذ أنت تعرف سيّد غادامير إلى أيّ حدّ كان سلفًا لفرويد، بالمعنى الذي جعله يخضّب فلسفته، من قبله، باللاوعي، وبالمعنى الذي كتب وفقه: «لقد فعلتُ ذلك، تقول ذاكرتي. لا يمكن لي أن أكون قد فعلت ذلك، يقول كبريائي وهو لا يتزحزح. وفي النهاية، الذاكرة هي من يتنازل». إنها طريقة رائعة ومختزلة في التعبير عن مقالة اللاوعي. لكنّني أريد الحديث عن عالم نفس عظيم آخر تصله بنيتشه قرابة من نوع ما، وهو الماركيز دو ساد Marquis de Sade، الذي تمتح منه الساديّة اسمها. لقد كشفتَ سيّد أدورنو سابقًا أنّ نيتشه، في عمقه، قد رأى نفسه في الضعفاء. وهذا هو السبب الذي جعله قادرًا على رؤية ما حدث لهم. وهو السبب نفسه الذي جعل كلّ ما قاله عن القسوة صحيحًا على نحو عميق. إنّ «ساد» نفسه قد شرح الأمر ذات يوم: «القتال لا يمنح لذّة إلّا حيث توجد دموع».

أدورنو: يقول نيتشه: «ما يقع، ينبغي لنا أن ندفعه مجدّدًا من فوق السّوق».

هوركهايمر: إنّهما معًا عالما نفس للقسوة عظيمان. ومهما تكن أطروحتاهما، فقد ساهما بشكل عظيم في معرفة هذه الآليّة النفسيّة.

أدورنو: إنّ ما قاله كلّ منكما سيّد هوركهايمر وسيّد غادامير يبدو بالنّسبة إليّ متّصلًا بعضه ببعض. وهو فيما أرى، يميّز نيتشه من هذه الصّور الكاريكاتيريّة المشوّهة له التي انطلقنا منها في البداية. علينا أن نقرّ مرّة وإلى الأبد، أنّ نيتشه هو رجل أنوار وأنّه ينتمي إلى تقليد فكر الأنوار. فهو لم يناصر اللّاعقلانيّة بالمعنى الذي يجعله يقدّر أنّ على الفكر أن ينسحب تاركًا مكانه لقوى اللّاوعي، وإنّما تبنّى، بشكل لا يجعله في هذا المستوى تحديدًا يختلف مطلقًا عن فرويد، الفكرةَ التي تقضي بأنّ على الوعي أن يحرّر الدوافع وأنّه في حال لم تقمع هذه الدوافع، فهي لا تظلّ في حاجة إلى أن تنكر، ومن ثم تفقد حقًّا طابعها الشيطانيّ. ويكون كذلك المجال الذي يتجلّى فيه الدافع حاملًا للمعنى نفسه الذي يملكه ذاك الذي يستعيد فيه الوعي الدافع. لن يكون هناك بعدُ أيّ مكان لإدانة الدافع بتركه لا واعيًا. لكنّ هذا القصد على وجه التخصيص هو بصمة طابع فلسفيّ مميّز، قد يكون متاحًا لنا بعد أن نتحدّث فيه.

إنّ موقف نيتشه من الفلسفة وكراهيته للفلسفة التقليدية قد كانا، بعبارة حديثة، كراهية للأنطولوجيا. ليس هناك من مفكِّر -وليس هيغل، ربّما، استثناء في هذه النقطة- تصدَّى بالمعارضة وبالحماسة نفسها التي كانت لنيتشه لعقيدة الثوابت، عقيدة الخصال غير المتبدّلة للكائن، عقائد الكينونة، وما قيل في ثبوت الحقيقة والفكرة الأفلاطونيّة. إنّ تحليلاته العظيمة في هذا المجال، وخصوصًا تلك التي تتعلّق بالطور الأخير، تؤسّس على وجه الدقة تفكيكًا لهذه الأخطاء. إنّ ما يجدر بنا تعلّمه من نيتشه أكثر من أيّ مفكّر آخر، في ألمانيا، اليوم، هو أنّه من الضّروريّ اعتبارُ ما هو عابرٌ وزائل مضمونَ الحقيقة بعينه، وليس ما هو أبديّ ومستمرّ في الحياة.

هانس غيورغ غادامير

هوركهايمر: إذا كنّا لا نستطيع استدعاء الثوابت ضدّ التحوّل، فإنّ فلسفة نيتشه إذن لا تكون محافظة فحسبُ، إنّما تريد كذلك تحقيق التغيير الاجتماعيّ. وفي ضوء القطع مع الطريقة التي أُوِّلت فلسفته وفقها، يمكننا القول: إنّ بين المحافظة القصوى لنيتشه والتمرّد تناسقًا وارتباطًا وثيقًا.

غادامير: من دون شكّ. ولكن لا تنسيا سيّداي، الباثوس التراجيديّ Pathos الذي تحتوي عليه العقيدة المركزيّة للعَوْد الأبديّ لدى نيتشه: الطابع الحتميّ للأشياء الضّروريّة، استحالة تفادي الدائرة المحدّدة… إنّه في مستوى هذه النقاط تحديدًا، ينماز نيتشه من المُصلِح الاجتماعيّ، بواسطة البعد التراجيديّ، على نحو جوهريّ، لوعيه.

أدورنو: نحن لا نريد بالأخصّ أن نجعل من نيتشه مصلحًا اجتماعيًّا. لكنّني أعتقد أنّ الاقتضاء الذي صغناه معًا في البداية والمتمثل في أنّه لدى نيتشه، لا شيء يُحمل على حرفيّته، ينبغي أن يجرى كذلك فيما يتعلّق بمفهوم محبّة القدر L’amor Fati الذي ألمعتَ إليه للتوّ، سيّد غادامير. فلطالما شعرتُ أنّ تمجيد القدر ومعه أسطورة العود الأبديّ للشيء نفسه، كما بناه نيتشه -وهي أسطورة تعود في النهاية إلى تمثيلات هيرقليطس والرواقيّين- إنّما يعكس الوضع اليائس لمن هو حبيس لسجنٍ، هو سجن المجتمع البرجوازيّ. إنّه لا يملك أيّ صلة بالقوى الاجتماعيّة الواقعيّة، ونظرًا إلى وضعيّة وعيه، فهو لا يمكن أن يملك أيّ واحدة من هذه الصلات. إذا كان يريد أن يحبّ شيئًا ما، فإنّ هذا الرجل لا يمكن أن يحبّ في النهاية سوى الزنزانة التي يمكث حبيسًا لها. وأقتنص هذه الفرصة لأذكّر أنّ الثوريّ الفوضويّ (الأناركيّ) الفرنسيّ الكبير، أوغوست بلانكي، قد كتب، قبل سنة من تطوير نيتشه لعقيدة العود الأبديّ في زرادشت، وهو داخل السّجن، كتابًا عرض فيه، بنبرة اليأس الشيطانيّ، فكرة العود للشيء نفسه، سواء من خلال الكلّيّة الكونيّة أم من خلال الأفراد.

غادامير: نعم. هذا صحيح من دون شكّ. ويكفي أن نسوق كلمات نيتشه التّالية: «أنا عبوة ديناميت». لا أعرف سيّداي إن كنتما قد ذهبتما من قبل لزيارة قبر نيتشه، الذي نحتفل اليوم، وبشكل وجيز، بالذكرى الخمسين لوفاته. لقد ذهبتُ إليه مرّة، في روكن، القرية الصغيرة التي ولد فيها، في أنحاء لايبزيغ، ضمن منطقة منكوبة، لم يهتمّ بها تاريخ العالم، كما نعرف، إلّا ليمنحها المعارك. ثمّت إوزٌّ في أنحاء القرية، بلدة صغيرة ضيّقة، وكنيسة ضيّقة هي الأخرى. وعند أسفل جدار الكنيسة، توجد ثلاثة نُصُب شواهد من حديد الزّهر: نيتشه مُحاطٌ بوالديه. لا يمكن للمرء أن ينظر إليهم من دون أن تتملّكه القشعريرة، وأن يفكّر أنّ ابن قسّ من هذه القرية الساكسونيّة، قد قال ذات يوم: «أنا عبوة ديناميت» ولم يكن، مطلقا، مخطئًا.