مقابر على امتداد الذاكرة… وإسطنبول تخفف من آلام المنفى

مقابر على امتداد الذاكرة… وإسطنبول تخفف من آلام المنفى

قبل خمس سنوات قرر السوريون بناء وطن أفضل، وبعد خمس سنوات ما زال كفاح السوريين يدور حول الهدف نفسه بثبات وآلام كبيرة، مع دخول شرط آخر لاستمرارية الهدف الأول: البحث عن منفى أفضل، تارة عبر الانتقال من بلد إلى آخر، وتارة أخرى بتحويل الاضطرار (اللجوء إلى تركيا) اختيارًا. تركيا التي يقيم فيها قرابة مليوني سوري والذين باتوا مرة أخرى مادة تجارية في لعبة الأمم خارج بلادهم.

بين الوطن القريب والمنفى الجديد مساحة شاسعة لآلام تنهش يوميات السوريين وذاكرتهم، وحاضر مسكون بالهلع قانونيًّا ونفسيًّا. انطباعات رحلة الخروج الأولى المفترض أن تكون قصيرة، حتّمت عليهم عملية تكيّف مرهقة عبر إعادة تعريف دائم لكافة مناحي الحياة، تعريفات تتحايل على «المؤقّت» لتشمل خمس سنوات وما يأتي من بعده، وتتحايل على الديمومة حتى حين باتت مقابر السوريين ممن فارقوا الحياة في تركيا بمساحة بلدات سورية كبيرة، على أمل أن يتحول درب الآلام الذي سلكوه إلى الخارج هو نفسه طريق الحرير الذي سيعيدهم إلى الداخل. إسطنبول بهذا المعنى منفى أعاد السوريون بناء صورته لتطويعه، بحيث يخفف من وطأة شعور السوري بأنه «غريب». ويشكل البحث عن الخصائص المرغوبة للمكان موضوعًا فكريًّا، فإسطنبول بالنسبة للشاعر والكاتب علي سفر: منفى، لكن في الوقت نفسه «هذا المنفى نفسه حادث وليس اختيارًا، مثل أي شخص يتعرض لحادث ما». ويروي سفر لـ«الفيصل» بعض مزايا هذه المدينة؛ منها أنها تخفف عن المنفيّ قليلًا، «فهي مدينة مانحة للطاقة، تدفع بفتنتها إلى العقل، وتجبر الإنسان على الغرق فيها وبتفاصيلها».

العلاج بالكتابة

ويرصد الكاتب والشاعر السوري علي سفر الكيفية التي تخفف بها إسطنبول من وطأة آلام المنفى فهي المدينة «القريبة جدًّا من دمشق حيث يلمح السوري صورته في الكثير من زوايا المدينة وحاراتها ومعالمها التاريخية، ويمكن للمصابين بالنوستالجيا أن يجدوا قُوتًا لمعاناتهم، وهي المدينة التي تنقل السوري من أنموذجه الذهني، إلى شكل آخر لمعنى المدينة، يقترن بالحداثة، وإمكانية الحفاظ على التراث بالتجاور مع غزو حداثي». لا خلاف على أنّ هناك قسمًا كبيرًا من السوريين في تركيا قرروا عدم ترك المكان حتى لو أتيحت لهم فرصة الهجرة إلى أوربا، وهؤلاء بالضرورة أكثر أملًا، وأمهر في تطويع الألم، وكما يقول سفر: إن «الكتابة عن الأمكنة جزء من العلاج»، ولا تفوته الإشارة إلى أن «الأمكنة المشتهاة ليست بعيدة، وإحالاتها تقترن الآن بالموت، ولهذا يصبح التفكير بالأمكنة الجديدة هو تفكير بالحياة، لهذا ليس لدي خيار سوى أن أنتمي للمكان الجديد». وتحتضن تركيا الجزء الأكبر من المؤسسات السياسية المعارضة للنظام السوري، وكذلك أنشطة المنظمات غير الحكومية المنتشرة بكثافة في الولايات الحدودية. ونظرًا لأن فكرة العودة إلى الوطن باتت شأنًا سياسيًّا، فإن الشاعر علي سفر، مثله مثل الكثير من السوريين البارزين في الحقل الثقافي، بات يكتب في الشؤون السياسية، وهو ما لم يفعله مطلقًا قبل الثورة، فالأولوية ترتبط بـ«مسألة العودة، وكل المخططات الشخصية مبنية على مفترقات الطرق السياسية».

حق العودة

لكن انخراط المثقف في العمل السياسي يعني أيضًا ظهور خصوم جدد وقتلة محترفين أمامه، فالكاتب السوري خطيب بدلة، خرج من سوريا في عام 2012م مرغمًا بسبب النظام، وأضيف اليوم إلى سلسلة خصومه من يسميهم: اللصوص والمتطرفون، ومطلوب من جهات عدة. ومن بين العيّنة الثقافية التي التقتها «الفيصل» يعد خطيب بدلة أكثر المتأقلمين مع الحياة الجديدة في إسطنبول مستندًا في ذلك على عنصر أساسي وفرته له تركيا وهو الأمان والاحترام. ويقول: إنه قابل للتكيّف مع الأماكن الجديدة بسرعة، ويفسر ذلك بتنقله المتكرر أثناء الثورة بين عدة مدن وقرى وبيوت وبيئات، وفي تركيا عاش في الريحانية وغازي عنتاب وإسطنبول. ويضيف: «في الريحانية، حيث الحياة بسيطة والوقت طويل، أنجزتُ كتابين ومجلة كش ملك، وفتحت مشاريع أخرى. في إسطنبول أوزع الوقت القليل بين العمل السياسي، والإعلامي والإبداعي». ويعمل بدلة حاليًا على مشروع قصة طويلة بعنوان: «صعود نجم عبدالحميد الفارط».كما حاول تجربة العيش في ألمانيا، وأقام شهرين في ريف هامبورغ، لكن «الحياة في ألمانيا تخلو من المشاكل على نحو مرعب، ولذلك عدتُ إلى تركيا». لكن هل تركيا هي المحطة الأخيرة؟ يجيب بدلة بأنه قبل أيام قليلة طالب المعارضة السورية بأن ترفع شعار «عودة السوريين إلى ديارهم».

علي-خطيبالذاكرة المزدوجة

الحديث عن الذاكرة لدى السوريين المقيمين خارج بلادهم بات يشبه الحديث عن المقبرة، وبقدر المجازر التي ارتكبها النظام، يواجه السوريون آلام الذاكرة الشخصية أيضًا بمجازر من نوع آخر، فيها الكثير من المكابرة المثمرة في طرد تفاصيل «الشخص السابق» الذي «كانه». استدعاء أي تفصيل للحظات يعني عويلًا مُرًّا. الغرق في هذه الحالة كفيل بحفر خطوط على الوجه على مسار الدموع. قد يكون التفصيل المؤلم مجرد اجتماع للعائلة حول مائدة الطعام. أمام هذه الحالة لجأت الكاتبة فاطمة ياسين إلى اعتماد ذاكرة مزدوجة، كل منها في ملف مستقل مثل أي ملف على جهاز الكومبيوتر «الذاكرة الدمشقية في ملف، والذاكرة الإسطنبولية في ملف آخر». وتضيف: «توقفَ التحميل على الملف الأول، وبقي محتفظًا بالأرصفة وأعمدة الكهرباء وصياح أمّي لحثّي على الاستيقاظ المبكر، أما الملف الثاني (الإسطنبولي) فمليء بحوارات الواتساب مع دمشق وجلسات السكايب في ساعات توافر الكهرباء هناك».

عقدت فاطمة «هدنة طويلة الأمد مع المدينة الجميلة بشقيها الأوربي والآسيوي» وتحاول اكتشاف الجانب الدمشقي في إسطنبول، لكن تبقى جوانب لا يمكن تعويضها، فهنا للبحث والتناص المكاني حدود «إذ لا غوطة هنا». وما الذي أخذته منها سوريا؟ تجيب فاطمة: «الكثير من الملابس التي لم أستطع حشرها في الحقيبة الوحيدة، ومجموعة شعرية لرياض الصالح الحسين، تخليت عنها على أمل العودة السريعة لمطالعتها». ورغم الصعوبات البيروقراطية في المجال الإداري، شكّلت إسطنبول على مدار سنوات بيئةً لتقديم العديد من السوريين أنفسهم بطريقة أفضل مما كانوا عليها في سوريا، خصوصًا في مجالات إبداعية، وينطبق الأمر على الكاتبة فاطمة ياسين التي أتاح وجودها في إسطنبول ولقاءاتها مع المثقفين السوريين بأن تدخل عالم الكتابة، وتتناول مجالات السياسة والأدب في صحف عربية مرموقة.

لاج١تناقص الصحون

يبقى الموت هو الجزء الأكثر هلعًا في آلام السوريين. أن يموت أحد أفراد العائلة داخل سوريا، فتسمع خبر الوفاة عبر مكالمة أو رسالة، فيدفن الفقيد فيما أقرب الناس إليه لا يعرف حتى كيف سارت طقوس الدفن، فيكون الموت في دمشق والتعازي في إسطنبول. هذا السيناريو بات يتكرر في حياة السوريين في الخارج. والتقت «الفيصل» حالتين من هذه الفواجع: فاطمة ياسين وأيضًا الإعلامية (ولاء…) التي كان على طاولة عائلتها في دمشق صحن زائد دائمًا للضيف. وتقول: «اليوم اختفى هذا الصحن، وكذلك صحن أبي، وسُرقت الطاولة». أتاح وجود ولاء في إسطنبول خوض مجال عمل جديد في الإعلام، وتعتقد أنه ما كان لها أن تنال هذه الفرصة في سوريا. وتكتشف في إسطنبول أن الجاذبية الأرضية خفيفة أثناء سيرها في أزقة هذه المدينة مقارنة بدمشق، وهي التي كان يلاحقها وصف «النازحة الجولانية» طيلة حياتها في سوريا. هي لا تنتمي إلى هذا المكان الذي يتوسط آسيا وأوربا حيث تختبر لأول مرة «حياة الإقامات»، هنا تعيش مستأجِرة: تستأجر أسرة وعملًا ومنزلًا وأصدقاء. ومثلها مثل كل من التقتهم «الفيصل»، لم تتعلم حتى الآن اللغة التركية، وتبرر ذلك بأن هذه اللغة يلزمها عمق أكبر لتكون أخف على اللسان.

الكثيرون ممن رفضوا التوجه إلى أوربا رغم الموجة المثيرة للجدل من اللاجئين، يحصون الأيام من أجل العودة إلى سوريا. وتركيا بلد جيد للعودة السريعة كما تقول ولاء، حتى لو لم تمتلك ثمن تذكرة الطائرة، فإن خبرة السوريين في اجتياز الأسلاك الحدودية تسهل من الأمر كثيرًا، على حد وصفها. والمفارقة أن الإعلامية الشابة تخشى من فكرة أن توثَّق كلاجئة في أوربا، ورغم إقامتها الطويلة في تركيا إلا أنه لا شيء يثبت رسميًّا أنها لاجئة فضلًا عن هاجس الغرق في البحر. وتوجه ولاء نقدًا لاذعًا لمن يصوّر السوريين في تركيا وكأنهم يعيشون على حساب الرئيس التركي أو معوناته، بل ترى أن هؤلاء قاموا بضخ أموال هائلة في سوق العمل التركي، ولم يحصل السوريون إلى الآن على وثيقة عمل لضمان حقوقهم التي تتعرض للانتهاك، فضلًا عن القوانين غير السلسة بخصوص الإقامة.

خزان المياه

ولاء-فاطمةمهما بلغت درجة «السلام الداخلي» للسوريين في تركيا، تبقى الجوانب الإدارية في هذا الانتقال مبعثًا لحالة خوف وقلق وتوتر دائم، وكل فترة تصدر قوانين جديدة بخصوص السوريين لا يمكن الإحاطة بها، خصوصًا لمن لا يتقن اللغة التركية، وهي حال معظم السوريين، ومن بينهم الإعلامي مهند منصور. يكشف منصور عن غصّة يشعر بها بتركه البلد: «تركنا تاريخنا وماضينا هناك، لدي ملفات عملي القديم وبدايات مهنتي، فيديوهات وبرامج وملفات ومجموعة من الكتب، جاءت عناصر الأمن إلى المنزل ولم أكن حينها هناك، فقام أخي برمي جهاز كومبيوتري الذي يحتوي على كل هذه الملفات، في خزان المياه.. ليتني استطعت أن أجلب معي خزان المياه ذاك». الألفة مع إسطنبول «ألفة خجولة» وكثير منه ادعاء بالألفة كما يقول الإعلامي السوري. الإحساس بالإقامة المؤقتة تبرر له عدم قيامه بمتطلبات المقيم الدائم مثل تعلم اللغة التركية. بإمكان منصور الاتخاذ من إسطنبول قاعدة لنشاطه المهني، وأيضًا مكانًا للمساهمة في ثورة شعبه ضد الأسد. ويقول: إنه بالرغم من وجوده في إسطنبول، لكنه يشعر بأنه على حدود الوطن. «هنا رائحة الشرق، أما الذهاب إلى أوربا يعني نهاية حلم العودة». وينتقد منصور الذي يعمل في حقل الإعلام منذ عشر سنوات، حالة الانفلات الإعلامي في أوساط المعارضة السورية، المتحررة من الانضباط والمعايير المهنية. عن سؤاله: أين الوطن الحقيقي؟ يجيب منصور: «حيث لك أموات وطنك الحقيقي». ورغم أن الإجابة تضمر احتمالًا واحدًا، وهو سوريا، إلا أن طول إقامة السوريين في المنافي الاضطرارية جعلت مقابرهم تمتد على قارات العالم أجمع.

لاج٢جمهورية الغرق

ليس الثبات في تركيا ديْدَن السوريين طالما أنهم كانوا مادة لأكبر موجة لجوء إلى أوربا تسببت انعكاساتها بأزمة ما زالت تهدد وجود الاتحاد الأوربي نفسه. في تجربة المنافي المتعددة، يرصد الشاعر عارف حمزة نوعًا من إعادة بناء الهوية السورية في الخارج. ويقول الشاعر المقيم في ألمانيا: «حكمنا أناس لعشرات السنوات لم يجعلوا من مواطني هذا البلد أهلًا لبعضهم حتى تحدث هذه الحرب الأهليّة. ولكن كنا أهلًا لبعضنا في المنفى وخلال الغرق في البحر الأبيض المتوسط». ويحسب حمزة للنظام السوري حسنة وحيدة انعكست عليه إيجابيًّا، وهي منحه الإحساس بأنه عاش في المنفى وهو داخل سوريا؛ مما جعل خروجه إلى تركيا في الأول من سبتمبر عام 2013م «خفيف الوطأة». ويروي كيف أنه كان يحرص على الاحتفاظ بتخطيطات الرسامين من أجل الكتابة عند العودة للبلد، لكن «فجأة غادرتُ إلى أوربا وحدي. وهناك استقبلني المنفى بذراعين واسعتين. وظلّ صاحبي الصامت في كلّ مكان. حتى إنّه يُشغّل المنامات التي عليّ رؤيتها هنا وأنا أتقلّب في سرير نام عليه شعب كامل من منبوذي هذه الأرض». لم ينقطع حمزة عن كتابة الشعر سواء في تركيا أو ألمانيا رغم أنّ استدراج ما تخلى عنه سابقًا إلى الأماكن الجديدة صار أمرًا مريرًا. ويوضح ذلك بالقول: «لم يتغيّر عليّ شيء بالنسبة لكتابة الشعر. هناك صور جديدة حولي؛ نعم، وعمران وطبيعة وحجارة سميكة بسبب الحياة، ولكن لا أفهم معاناة الناس الذين يسكنون هذه البلاد، لا أعرف قصصهم، ولم أنجح في مراقبة حياتهم الخفيفة. ليس هناك كلمات جديدة أحصل عليها حتى الآن، بقدر ما صارت كلماتي القديمة تعيش حياتها هنا أيضًا، ولكن بروح قد تبدو مغايرة». يرسم عارف حمزة مشهد عودة السوريين كما يتمنى بصورة شعرية: «أنْ يعودوا في نفس اللحظة إلى داخل البلد البعيد. أنْ يدخل فجأة خمسة ملايين شخص دفعة واحدة؛ لرفع أنقاض هذا البلد الوحيد».