القصيدة

القصيدة

القصيدةُ تبكي وتضحكُ

تغفو وتصحو

القصيدةُ تُثبتُ

ما شاءت المفرداتُ لها من ظلالٍ وتمحو

من ملامح شاعرها ما تشاءُ

القصيدة نار وماءُ

يولدان معًا

ويظلان مشتعلين ومندفقينِ معًا

والقصيدة ذاك الملاك الذي قد نفته السماءُ

إلى الأَرْضِ، تلك التي احتضنته

لينبتَ من رحمِ الأَرْضِ قمحُ

ليحصده الجائعونْ

والقصيدة تلك الوساوسُ، تلك الهواجسُ

تعبرُ كالبرقِ في القلبِ

تلك الظنونْ

التي لم تزل منذ كانت تلحُّ

لنتبعها في الظلامْ

القصيدةُ عينُ الحروفِ التي لا تنامْ

والقصيدةُ ما يتفتّقُ في القلبِ

إذ يتصارعُ فينا ضمادٌ وجرحُ

فيعزبُ عنّا حسابُ الزمانِ، لننسى عبورَ الدقائقِ

ننسى مرورَ الثواني

القصيدةُ تبحرُ من دونما أملٍ في الوصولِ

إلى ضفةٍ أو مواني

والقصيدة تلقي بصنارة الكلمات ببحر المعاني

لترجع في آخر اليوم (إن رجعت)

وهي تحملُ في قعرِ جَعْبَتِها حفنةً من أغاني

القصيدة تمشي على الشوكِ

حافيةَ الروحِ

لكنها لا تصيخ لصوتِ الألمْ

القصيدةُ مولعةٌ بالضلالِ

وكم أوشكت أن تتوه ببرِّيَّة الكلماتِ

فما دلَّ من خرجوا يقتفون خطاها عليها

سوى خيطِ دمْ

سائلًا من حشاشة شاعرها

ليبلَّ عروقَ الورقْ

لكأنَّ القصيدةَ نارٌ متى لامست كفَّ شاعرها

في الظلامِ احترقْ

أم تراه يضيءُ!

القصيدةُ رشقُ المطرْ،

وهو يصعدُ نحو السَّمَاءِ، وطفلٌ بريءُ

يتسلقُ في نشوةٍ درجَ الليلِ نحو القمرْ

القصيدةُ ما لا يغيبُ وما لا يجيءُ!

شاعر المتاهة وشاعر الراية

شاعر المتاهة وشاعر الراية

فوزي كريم

فوزي كريم، الشاعر والناقد العراقي المعروف، من الشعراء والكتاب الذين أحرص دائمًا على اقتناء كل كتاب له تقع عليه يداي. وقد قرأت له عددًا من الكتب المهمة، من بينها مجموعته الشعرية الكاملة الصادرة عن دار المدى عام 2000م، وكتابه النقدي الذي كان مفصليًّا في تشكيل تجربتي الشعرية الشخصية، «ثياب الإمبراطور»، الصادر في طبعته الأولى في العام ذاته، و«تهافت الستينيين» (2006م) و«العودة إلى كاردينيا»(2004م). آخر ما قرأته له هو كتابه الصادر حديثًا «شاعر المتاهة وشاعر الراية: الشعر وجذور الكراهية»، الصادر عن منشورات المتوسط، 2017م، الذي يشكل على نحو من الأنحاء امتدادًا لأطروحته النقدية في كتابه «ثياب الإمبراطور» بشكل أساس، ومن ثم كتابه الآخر «تهافت الستينيين».

شاعر الأسطورة وشاعر التاريخ

كان من الممكن أن يختار المؤلف «شاعر الأسطورة وشاعر التاريخ» عنوانًا لكتابه، لكن ثنائية المتاهة والراية تبدو أكثر لفتًا للسمع، ودغدغة للحس، وأبعد من تقليدية ومألوفية ثنائية الأسطورة والتاريخ. يورد كريم في مطلع الفصل الأول من كتابه، الذي جاء تحت عنوان: «الشعر والتاريخ»، عبارة أثيرة لديه وهي أن «الشاعر ينتسب للأسطورة، لا للتاريخ». والشاعر المعني هنا هو الشاعر كما ينبغي أن يكون وليس كما هو كائن، أي أنه الشاعر المثال الذي يتحقق به وفيه المعنى الحقيقي للشعر. فما الذي يعنيه انتساب الشاعر للأسطورة في مقابل انتسابه للتاريخ. الأسطورة المعنية هنا ليست الأسطورة بمعناها الظاهر والمألوف الذي نجده لدى شاعر مثل السياب الذي استحضر الأساطير اليونانية وغيرها في شعره، على سبيل المثال، بل هي الأسطورة الشخصية التي يشكلها الشاعر في شعره بعيدًا من الواقع وحقائق التاريخ، وتحويله وارتقائه بمفردات وأماكن وشخوص حياته إلى مقام الأسطورة كما فعل السياب مع جيكور وبويب ووفيقة. أما التاريخ، الأقل التباسًا، فهو التاريخ بقبضة أحداثه الصارمة التي تناصب الخيال العداء، وتجنح للواقع المدبب والفظ الذي يجعل من القصيدة بوقًا ينفخ فيه رسائله وإشاراته.

شاعر الأسطورة أو المتاهة هو كائن «ينصرف في كتابة قصيدته إلى معتركه الداخلي»، في حين أن شاعر التاريخ أو الراية «ينصرف إلى معتركه مع الآخر؛ شخصًا كان هذا الآخر، حزبًا، عقيدة، فكرة أو تاريخًا». ولا يعني هذا بالطبع أن شاعر المتاهة منفصل عن تاريخه وأحداث زمانه وهموم شعبه وأمته، وهو قد يعبر عنها في شعره، أو لنقل: إنها تتسلل إلى شعره، لكنها لا تفرض منطقها وأبجديتها عليه، بل هو من يطوعها ويعيد تشكيلها وصوغها لتتلاءم مع مزاجه الشعري الذي يتعالى على شروط الزمن وإملاءاته الضيقة. ولا يقتصر مفهوم شاعر الراية على الشعراء الذين تطغى السياسة والأيدلوجيا أو الحزبية أو ما عرف لاحقًا بالالتزام في شعرهم، بل إنه يمتد أيضًا ليشمل شعراء رفعوا راية الحداثة الشكلية، المفتونة باللغة والمجاز والشكل الشعري أكثر من اهتمامها بالتجربة الإنسانية والروحية التي لا يصبح الشعر شعرًا إذا تخفف منها وتخلى عنها. والرائد الأول أو ربما الأبرز لهذا النوع من الشعر وهذا الضرب من الرايات عربيًّا هو أدونيس، بحسب ما يرى فوزي كريم، والمثال الأبرز عراقيًّا من شعراء الستينيات العراقية هو فاضل العزاوي.

جذور الكراهية

فيما يخص الشعر العراقي تحديدًا، وفيما يرتبط بفكرة «جذور الكراهية» التي ترد في العنوان الفرعي للكتاب، يطرح الكاتب ويناقش فكرة مثيرة للجدل حول طبيعة الشخصية العراقية والشعر العراقي في آخر فصول الكتاب تحت عنوان: «الشعر والكراهية»؛ إذ يشير إلى أن الشخصية العراقية «تتصف بتعارضات داخلية محتدمة»، محيلًا إلى كتابات علي الوردي بهذا الشأن. هذه التعارضات وجدت لها انعكاسًا لدى أبرز الشعراء العراقيين كالجواهري الذي يعجز الكاتب كما يقول عن إحصاء «قطرات الدماء، وفيض الكراهية» فيه، وذلك انطلاقًا من ونتيجة لانغماس الجواهري في تعارضات «المعترك السياسي» الذي طالما كان محتدمًا في المشهد في التاريخ العراقي المعاصر.

موجة شعراء المتاهة الأولى تمثلت في كل من نازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري وحسين مردان ومحمود البريكان، الذين خص المؤلف كل واحد منهم بدراسة خاصة ووافية يبسط فيها الأوجه التي تبرر إدراجهم ضمن هذه الفئة من الشعراء. أما «ستينيو المتاهة» فكان هو عنوان الفصل الذي تضمن أسماء الموجة الثانية من شعراء المتاهة، (والشاعر فوزي كريم واحد منهم بالتأكيد) وهم كل من حسب الشيخ جعفر وياسين طه حافظ وسركون بولص. أما شعراء الراية فتمثلوا في كل من عبدالوهاب البياتي، الشاعر الأممي الذي كان رائدًا في هذا المجال، وسعدي يوسف، الشاعر الذي رفع الراية القومية زمنًا طويلًا فعرف بها وعرفت به. «ستينيو المتاهة» بدورهم تمثلوا بشاعرين هما سامي مهدي وفاضل العزاوي الذي سبق أن احتل فصلًا موسعًا في كتاب «ثياب الإمبراطور»، مما حدا بالمؤلف للاكتفاء بسامي مهدي كنموذج ممثل لهؤلاء الشعراء في كتابه الجديد.

ولا يعني كونك «شاعر راية» أن تظل كذلك إلى الأبد، فالشاعر الحقيقي يمر بمراحل مختلفة من التحولات والتقلبات وربما الانقلابات الجمالية، إن صح التعبير. فالبياتي مثلًا، وبعد انحسار موجة الأممية التي سادت في خمسينيات القرن العشرين وأوائل الستينيات طغت على شعره مسحة صوفية، وأصبح أقرب إلى أن يكون «شاعر متاهة»، وكذلك الأمر مع سعدي يوسف الذي خفت نبرة القومية العربية والنضال اليساري في شعره في مراحل متأخرة من تجربته الشعرية الغنية بتنوعها وغزارة إنتاجها. وإذا ما خرجنا قليلًا عن إطار الشعر العراقي، فإن شاعرًا كبيرًا مثل محمود درويش، على سبيل المثال، كان «شاعر راية» في مطلع تجربته الشعرية، وظل كذلك حتى مطلع التسعينيات أو قبلها بقليل، ليتحول إلى «شاعر متاهة» بامتياز.

وعلى الرغم من أن الكاتب قد توخى الموضوعية ما استطاع في صفحات كتابه الشائق فإنه فيما بدا لي كان قاسيًا على شعراء الراية إجمالًا، وبخاصة حين يقول: إن «قداسة الفكرة لدى شاعر الراية يمكن الالتفاف حولها ومخاتلتها، ما دام الإنسان عنده رخيص الثمن، ولا يتسم بقداسة»، ص 228. ختامًا، هناك بعض الملحوظات المستغرب وقوعها في دراسة محكمة، وإن لم يكن ذلك بالمعنى الأكاديمي، من كاتب وناقد قدير ذي تجربة طويلة في الكتابة والنشر، ومن ذلك تكرار بعض الفقرات المطولة (صفحتان على وجه التحديد) في موضعين مختلفين من الكتاب، فما أورده الكاتب في مقدمة القسم المخصص للشاعر عبدالوهاب البياتي من تقديم وعرض لمنشأ فكرة الواقعية الاشتراكية والجدانوفية (ص 120-121)، هو بعينه ما ورد في مطلع القسم الذي خصصه للحديث عن تجربة نازك الملائكة (ص 37-38). وهناك أيضًا الخطأ في معلومة أوردها الكاتب في القسم المخصص لسعدي يوسف حين قال: إنه أصدر ديوانه الأول عام 1952م بعد عامين من صدور ديوان البياتي الثاني، والصحيح هو أنه الأول؛ فالبياتي أصدر ديوانه الأول «ملائكة وشياطين» عام 1950م. ثم إن هناك كثيرًا من الأخطاء الطباعية التي، لحسن الحظ، لم تنغص علي متعة قراءة هذا الكتاب الجدير والمستحق للقراءة المتأنية والمتأملة.

الحكايةُ كانت

الحكايةُ كانت

عبدالوهاب أبو زيد

عبدالوهاب أبو زيد

الحكايةُ كانت

تقلّمُ في هدأةِ الصمتِ أظفارها

وتحدّقُ في ليل مرآتها

تحت ضوءٍ نحيلٍ

تسرّب من زيتِ مشكاتها

ليمدَّ عليها غشاءً كثيفًا

من الذكرياتْ

الحكايةُ كانت تعيدُ تفاصيلها

وتضيءُ قناديلها

لقلوبٍ تُرتِّل في السرِّ

أسماءَها والصفاتْ

الحكايةُ وهمُ الحكايةِ

معنى النهايةِ ملتبسًا بالبدايةِ

ما يتسلل من وهجِ الأمسِ

ممتطيًا صهوةَ المفرداتْ

الحكاية-كانتالحكايةُ ظلُّ الحكايةِ

رجعُ صداها البعيدْ

حين يطرقُ أبوابنا

متعبًا مثقلًا بالبريدْ

حاملًا بين كفيه أخبارَها

الحكايةُ

تُبعثُ

حين تخونُ الشفاهُ الشفاها

الحكايةُ تبقى

وإن نسجتْ فوقها العنكبوتْ

بيتها، وتلاشى صداها

الحكايةُ ليستْ تشيخُ

وليستْ تموتْ

الحكايةُ تُسقى

بماءِ الحكايةِ

حتى تعيدَ إلى ما تصحّر

من تربةِ الذكرياتِ الجديبةِ

أشجارها

الحكايةُ تُجري على الأرضِ

(ما أتعسَ الأرضَ لولا الحكايةِ!)

أنهارها

الحكايةُ تؤوي الطيورَ التي بعثرتْ

قبضةُ الريحِ أوكارَها

الحكايةُ تأفلُ كالشمسِ

لكنّ آثارَها…