السعودية و إيران هل هناك أمل؟

السعودية و إيران هل هناك أمل؟

محمد صالح صدقيان

محمد صالح صدقيان

برزت في الأشهر الأخيرة دعوات أميركية وأوربية للحوار بين السعودية وإيران تحت عنوان: تقاسم النفوذ ومراعاة المصالح، ووفق تعبير الرئيس الأميركي باراك أوباما فإن هذا الحوار يجب أن يفضي إلى تعايش أو «سلام بارد».. والمتأمل في أوضاع المنطقة العربية يجد أن صراعات سياسية مختلفة تمزقها في الشرق والغرب، ولم يعد دور إيران خافيًا أو مواربًا في الأزمات العربية دعمًا لميليشيات في لبنان واليمن، وتدخلًا عسكريًّا مباشرًا في العراق وسوريا، وتبرز السعودية في المقابل بوصفها قطبًا عربيًّا صامدًا أمام محاولات تمدّد النفوذ الإيراني الطامع في التوسّع..

على ضوء هذه الدعوات والخلفيات تستشرف «الفيصل» مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية وتطرح على باحثين مختصين سؤال الحوار وإمكانيته.

اتسمت العلاقة الإيرانية السعودية بحال من التذبذب منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979م حتى الآن. وقد مرت هذه العلاقة بمراحل متعددة تبعًا للظروف والتطورات التي مرت بها المنطقة. وقد ساهمت الجهود الشخصية التي بذلها القادة في كلا البلدين في تحسين مؤقت للعلاقات الثنائية في عهد الرئيسين السابقين أكبر هاشمي رفسنجاني «1989 – 1997م» ومحمد خاتمي « 1997 – 2005م» لكن الخلافات والمشاكل ظلت مخيمة علی العلاقات الثنائية بين البلدين، ولم ينجح البلدان في إيجاد طريقة لإدارة الخلافات علی أقل تقدير ناهيك عن حلها.

وبعيدًا من التفاصيل والجزئيات التي شابت هذه العلاقة، والتقاطعات التي شهدها البلدان في شكل خاص، والمنطقة في شكل عام، نتيجة السياسات المطروحة في شأن القضايا كافة في المنطقة، بات واضحًا وقوف طهران والرياض علی طرفي نقيض في شأن كل قضية رئيسية تقريبًا في الشرق الأوسط.

لقد كان لانتهاء الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق، الأثر البالغ في أوضاع المنطقة والتطورات التي تشهدها في المرحلة الراهنة.

عاشت هذه المنطقة خلال العقود الماضية حتی عام 1990م حالًا من التوازن الأمني والسياسي، فرضتها قوانين الحرب الباردة. لكن انهيار تلك المرحلة، ودخول المنطقة في إرهاصات الفراغ الأمني مهدا للعديد من النزاعات والتطورات كان أولها غزو العراق لدولة الكويت في 2 آب (أغسطس) 1990م الذي ساهم في تصدع النظام الرسمي العربي الذي سقط باحتلال العراق من القوات الأميركية عام 2003م، حيث افتقدت المنطقة -إضافة إلی النظام الأمني- نظامًا سياسيًّا موحدًا يحفظ مصالح دول المنطقة.

وفي ظل الفراغ الأمني والسياسي الذي عاشته المنطقة بعد انهيار الحرب الباردة، شعرت الأنظمة السياسية في هذه المنطقة بضرورة المشاركة في صياغة النظام الأمني والسياسي بالشكل الذي يصبّ في مصالحها ونظرتها إلى تطورات الأوضاع ومستقبلها.

تعاريف خاصة للأمن الوطني

من الطبيعي جدًّا أن تمتلك دول المنطقة تعاريف خاصة لأمنها الوطني والأمن الإقليمي؛ إذ بدت الحاجة إلی إعادة صياغة هذه التعاريف استنادًا إلى المرحلة الجديدة والدور الذي يمكن أن تلعبه من أجل المشاركة في صياغة الأمن الإقليمي الذي يستطيع حماية المصالح والنظم السياسية. وما تشهده المنطقة حاليًا هو في حقيقة الأمر تقاطع هذه المصالح والتعاريف الخاصة بنظم الأمن الإقليمي، في ظل غياب النظام الأمني الإقليمي، الذي سقط بسقوط الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي.

ولا نبالغ إذا قلنا: إن منطقة الشرق الأوسط حاليًا تشهد مرحلة تشبه إلی حد بعيد مرحلة بداية القرن الماضي، وما نتج عنها من اتفاقيات كاتفاقية سايكس بيكو الموقعة عام 1916م. وفي ظل الواقع الحالي فإن المنطقة تشهد صراعًا واضحًا بين المشاريع المطروحة في المنطقة، وهي: المشروع التركي، والمشروع الإيراني، والمشروع الإسرائيلي، إضافة إلی المشروع العربي الذي بدأ بالتبلور بقيادة المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وإذا ما استُثني المشروعان التركي والإسرائيلي، فإن المشروعين الإيراني والعربي بقيادة المملكة العربية السعودية يصيران المشروعين اللذين يستطيعان بلورة صورة المنطقة للمرحلة المقبلة؛ لأن المشروع التركي يمكن له أن ينسجم مع المشروع الذي تتبناه المملكة العربية السعودية، على حين أن المشروع الإسرائيلي هو المشروع الوحيد الذي يريد الهيمنة علی هذه المنطقة، ويهمه إثارة النعرات القومية والطائفية؛ لأنها تساهم في نهاية المطاف في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.

ولا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا: إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية قوتان جيوسياسيتان كبيرتان متنافستان علی السلطة والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلی أنهما تتبنيان أشكالًا مختلفة كليًّا من النظم السياسية والاجتماعية، وتقدمان رؤيتين متباينتين لنظام شرق أوسطي.

وإذا ما صحت مثل هذه القاعدة فنحن أمام اختلافات وتباينات واضحة حيال جميع القضايا المطروحة انطلاقًا من التعريف الذي يضعه البلدان لأمنهما القومي والوطني، ومن المرجح أن يظل البلدان متنافسين دائمًا. لكن السؤال هو: ماذا لو كان ينبغي أن تتجلی المنافسة بينهما في صراع طويل الأمد بالوكالة، أو ماذا لو كان في وسع الدولتين –علی غرار فرنسا وألمانيا في أوربا– أن تتفقا علی أسلوب عمل سلمي قد يساعد على تهدئة التوترات الطائفية في كل أنحاء المنطقة، لكنه لا يصل إلی مرحلة الصداقة الحقيقية. وبعبارة أخری: هل من الممكن إعادة ترتيب رقعة الشطرنج الجيوسياسية في المنطقة بما يحقق الأهداف الإستراتيجية لكل دول المنطقة ونظمها السياسية بما في ذلك السعودية وإيران؟

Saudi-Iran2

خياران لا ثالث لهما

إن أمام دول المنطقة وتحديدًا المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية التركية خيارين لا ثالث لهما؛ إما إبقاء المواجهة مفتوحة، وهذا يعني إبقاء الباب مفتوحًا أمام جميع الاحتمالات في ظل غياب حال إدارة المصالح والصراع، أو التفكير بآلية لإيجاد حال من التقارب والتوصل إلی أنصاف الحلول؛ من أجل صياغة نظم أمنية وسياسية، تشارك فيها إيران والسعودية وتركيا ومعها جميع دول المنطقة علی أساس «رابح رابح» وتستفيد منها كل دول المنطقة وشعوبها؛ لوضع حد لكل التقاطعات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.

إن الحتمية الجغرافية والتاريخية لهذه المنطقة تضغط علی إيران والسعودية من أجل العيش المشترك. لا تستطيع إيران أن تزيح السعودية عن خارطة الإقليم، كما أن السعودية لن تتمكن من إلغاء إيران من هذه الخارطة. وبالتالي ليس أمام البلدين إلا الاعتراف بالآخر، الآخر المختلف سياسيًّا ومذهبيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا من أجل منطقة يسودها الأمن والاستقرار.

إن البلدين في حاجة إلی حوار واضح وشفاف وإستراتيجي يناقش كل القضايا المختلف عليها؛ من أجل التوصل إلی آلية تستطيع إدارة الخلافات بينهما إذا لم تنجح في إزالة هذه الخلافات.