جمعية الثقافة والفنون بجدة تحلم بالعودة إلى العصر الذهبي موسيقيًّا وفنيًّا

جمعية الثقافة والفنون بجدة تحلم بالعودة إلى العصر الذهبي موسيقيًّا وفنيًّا

عبدالله التعزي

عبدالله التعزي

مثلت المدة التي اشتغلت خلالها في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة تجربة مختلفة، بها كثير من الأمور الجديدة عليّ شخصيًّا. بعضها يحمل الفرح وبعضها الآخر به بعض الألم، لكن في المجمل كانت تجربة جميلة، تعرفت خلالها إلى كثير من الشخصيات الفنية والإنسانية الرائعة.

خلال الثلاث سنوات والنصف التي عملت فيها في الجمعية، وإن كانت في الحقيقة سنتين فقط، فقد اضطرتني ظروفي الخاصة إلى السفر خارج المملكة والإشراف على إدارة الجمعية عن بعد إلى أن تقدمت باستقالتي في نهاية عام ٢٠١٤م من إدارة ال

فرع بناء على رغبة الإدارة العامة، وحاجة الجمعية للوجود المستمر للإدارة.

هنا سأقوم بعرض سريع لبعض الأنشطة التي نظمت خلال إدارتي، مع العلم أن هناك أنشطة لم تذكر هنا على الرغم من كونها أنشطة مميزة، مارست تأثيرًا قويًّا في الساحة الثقافية، مثل: أنشطة اللجنة الثقافية التي كان خالد الكديسي مشرفًا عليها، ومنها أمسيات قصصية وشعرية، إضافة إلى استضافة أسماء مهمة في المشهد الأدبي مثل: الشاعر عبدالله الصيخان، والقاص على حسون وآخرين، ومن الاحتفاليات التي نظمت في الجمعية احتفالية موقع سين الإلكتروني الشعرية مرتين على التوالي، واستقطبت مجموعة من الشعراء الشباب من داخل المملكة وخارجها، وكانت مميزة بكل المقاييس.

فن الصهبة يقاوم الاندثار

بعد الانتهاء من عمل بعض الترتيبات الإدارية كان الرمز الشعبي محمد سليم الشخص المهم والمحور الكبير في عمل لجنة الفنون، والتنسيق مع جميع الفرق الشعبية. وقد كان دور اللجنة غير مفعل، لكن بجهود سليم تم تفعيل الدور، وجعله أكثر تأثيرًا وعدل بما يتناسب وتراث جدة والمنطقة الحجازية بصورة عامة. كان تصريح الفرق الشعبية يحتاج إلى بعض الأمور الإدارية بالتنسيق مع محافظ جدة الأمير مشعل بن ماجد بن عبدالعزيز، من خلال وكيل المحافظ محمد الوافي الذي كان متعاونًا ولديه الرغبة في مدّ يد العون؛ لتكون الجمعية في الإطار النظامي حتى تقدم مدينة جدة وفنونها بالصورة المناسبة، إضافة إلى المحافظة على الفن الشعبي من التشويه غير المقصود من بعض الفرق.

من-حفلات-نادي-الطرب-في-جدة

وقد نظمت الجمعية أمسية لفن الصهبة الشعبي الحجازي في المنطقة التاريخية بالبلد وسط جدة، تقاطر إليها كل رجالات هذا الفن الأصيل، الذي يعد شبه مندثر، وتم توثيقه. وقد كان حضور الجمهور كبيرًا؛ إذ إنها المرة الأولى منذ مدة طويلة تقام أمسية في الهواء الطلق. وقد كان لمجهود عبدالله أبكر في التنسيق مع أهل هذا الفن وأساطينه أكبر الأثر في إنجاح الأمسية وإخراجها بالصورة الممتعة التي قدمت بها. ومن الأسماء المهمة التي أسهمت في العمل بلجنة الفنون خلال تلك المدة: محمد سليم، وعبدالله أبكر، وعمدة حارة الشام ملاك باعيسى، وكثير من رجالات حارات جدة المشهورين بنشاطهم الشعبي على مدى عقود سابقة من الزمن.

أمسيات وفاء لعبدالله محمد وفوزي محسون وسندي وكدرس

كان الطموح أن يكون جزء من نشاط الجمعية تدريبيًّا؛ ليكون المستقبل هو الأمل في إنتاج حس جمالي عالٍ لدى المهتمين بالفن، سواء كان موسيقا أم عزفًا أم فنونًا تشكيلية أم تصويرًا أم فنونًا شعبية.

بدأت أمسيات الوفاء في المقرّ القديم بحي المنار بجوار مطابع جريدة عكاظ، وقبل الانتقال إلى المقر الجديد في الكورنيش. فقد كانت هناك ميزانية مرصودة لعمل دورة موسيقية قصيرة، وكان حسين الأهدل وهو رئيس فرقة الإذاعة والتلفزيون قد نسق لقيام هذه الدورة، لكن لظروف خارجة عن إرادته لم يتم التنسيق في الوقت المناسب. واقتُرح أن تقام بميزانية الدورة نفسها أمسية فنية أطلق عليها حسين الأهدل «أمسية وفاء للفنان عبدالله محمد». وبهذا انطلقت أمسيات الوفاء للعديد من الفنانين الرموز في المسيرة الفنية السعودية. فقدمت أمسيات وفاء للفنان فوزي محسون، ومحمد علي سندي، وعمر كدرس رحمهم الله، كما قدمت أمسية وفاء للمونولوغست حسن دردير المشهور باسم «مشقاص»، وقدمت له الهدايا التذكارية اعترافًا بدوره الريادي في الحركة الفنية في المملكة.

لجنة الموسيقا يرأسها سامي إحسان وسراج عمر

في تلك المدة كانت اللجنة الموسيقية في حاجة إلى العودة إلى نشاطها الرائع الذي كان في بداياته. وقد ترأس اللجنة الموسيقية رموز الفن في المملكة؛ منهم: الفنان سامي إحسان وسراج عمر، وجرى من خلال الجمعية تقديم أصوات مهمة للساحة الفنية، فالفنان عبدالمجيد عبدالله أحد اكتشافات الموسيقار سامي إحسان من خلال جمعية الثقافة والفنون بجدة، وأيضًا الفنانون محمد عمر وعلي عبدالكريم وكثير من الموسيقيين الذين كانت الجمعية بالنسبة لهم نقطة انطلاق، مثل أهم عازف قانون في المملكة، إن لم يكن في العالم العربي، الفنان مدني عبادي، وعازف الكمان الدكتور محمد أمين قاري، وآخرين.

الفنان-حسن-خيرات

من حفلات نادي الطرب

التشكيلي-أحمد-فلمبان-يعزف-في-جمعية-جدة

التشكيلي أحمد فلمبان يعزف في جمعية جدة

لقاء سامي إحسان

خدمتني الصدف بأن ألتقي رئيس اللجنة الموسيقية في الجمعية سابقًا الفنان سامي إحسان، كان ذلك في مقر العزاء بوفاة الفنان طارق عبدالحكيم، حينها تحدثنا باقتضاب بعد تأدية واجب العزاء. لم يكن الجو مناسبًا للحديث في كل شيء لكن افترقنا على أن نتقابل في وقت آخر للتحدث والتشاور. وقد كانت مفاجأة لي اهتمام الفنان سامي إحسان ومتابعته أمور الجمعية؛ إذ لم يستغرق التعارف وقتًا، فهو يعرف كل التفاصيل عن الجمعية وتغيراتها ونشاطاتها. ثم كان اللقاء الثاني في منزله وبحضور سهيل طاشكندي مسؤول العلاقات العامة والإعلام بالجمعية بجدة الذي رتّب اللقاء. وطاشكندي يتمتع بذائقة موسيقية جميلة، وعلاقاته في الساحة الفنية والموسيقية جيدة. وكانت نتيجة اللقاء عودة الفنان سامي إحسان إلى قسم الموسيقا بجمعية الثقافة والفنون بجدة مرة أخرى، بعد أن طلبته وألححت في طلبي عليه من أجل العودة.

جمعية-الثقافة-والفنون-بجدة-١

من حفلات نادي الطرب في جدة

في البداية كنت قد أدركت الإحباط العام لدى الساحة الفنية من خلال بعض الأشخاص الذين نقلوا إليّ شعورًا سلبيًّا نحو الجمعية، وما تستطيع أن تقدمه للفنانين. وقد كنت شبه متأكد أن هذا الشعور نفسه لدى الفنان سامي إحسان، إلا أنني في الوقت نفسه، كنت قد لمست التقدير الكبير للدور الذي لعبته الجمعية لأعوام طويلة في مرحلة الثمانينيات وبداية التسعينيات، وكان تقديرًا وشعورًا بالفخر يكتسي كل الذين اشتغلوا في الجمعية تلك الحقبة الفنية الذهبية، كما يسمونها في أوقات احتدام الحديث. عندما كنت أنظر إلى الفنان سامي إحسان كنت ألمس بعض هذا التقدير، وإن كان مغلفًا بالإحباط من دور الجمعية المفقود لاحقًا.

وفاة سامي إحسان تبدد آمالًا كبيرة

وافق سامي إحسان على العودة إلى الجمعية لكن بشرط واحد. قبل أن أعرف شرطه اعتراني خوف كبير، إلا أنه سرعان ما تلاشى، وتحول إلى تقدير هائل؛ إذ كان شرطه عدم أخذ أي مقابل مادي، مثل راتب أو مكافأة مالية مقطوعة من الجمعية، عندها شعرت بفرح كبير، وبالطبع باتفاقنا، ووعد الفنان سامي إحسان بأن يقوم بزيارة مقر الجمعية الجديد. وبالفعل بعد أسبوعين قام الفنان سامي إحسان بزيارة سريعة للمقر، وشاهد الإمكانيات المتوافرة في ذلك الوقت. وتم الاتفاق على أن يتم الترتيب مع حسين الأهدل من جانب الفنان سامي إحسان.

ومن ضمن النقاط التي ناقشناها مع الفنان سامي إحسان:

• مكان لجنة الموسيقا.

• الآلات الموسيقية وأماكنها.

• اختبارات الأداء للموسيقيين الراغبين في التعلم.

• تحديد مواعيد التعلم والتدريب.

• وضع نظام واضح للبروفات المشتركة مع فرقة الإذاعة والتلفزيون.

إضافة إلى نقاط أخرى، مثل: استضافة الفنانين المشهورين، والتنسيق مع التلفزيون والفضائيات.

ومع شديد الأسف تُوفي الفنان سامي إحسان بعد زيارته لفرع الجمعية بأسبوع. كانت وفاته صدمة شديدة لم أكن أتوقعها، فقد كانت صحته جيدة جدًّا، ولم تبدُ عليه أي علامات المرض، فقد جاء إلى مقر الجمعية في الكورنيش سائقًا سيارته بنفسه، وليس معه أحد من أبنائه. وجال في مقر الجمعية وهو ممتلئ صحةً وطموحًا وفنًّا. وبوفاته أسدل الستار على كثير من الطموحات الموسيقية، التي كانت من الممكن أن تختصر كثيرًا من الزمن في المسيرة الفنية في مدينة جدة، إن لم يكن في المملكة كلها.

تم الاتفاق مع نادي الطرب بقيادة الفنان فيصل العمري، وإدارة أحمد كابلي، على أن تقدم أنشطة النادي على مسرح الجمعية. وقدم النادي العديد من الحفلات الغنائية والموسيقية المميزة التي حركت الراكد في الساحة الموسيقية؛ إذ استقطبت المواهب والمهتمين بالفن وكثيرًا من المستمعين. وقد تسابقت القنوات الفضائية إلى عمل اللقاءات المباشرة مع الشباب في نادي الطرب، ودعمتهم، ومنحتهم الفرصة لشرح فكرة نادي الطرب وأهدافه الفنية الجميلة.

كما اشترك فرع الجمعية مع القنصلية الأميركية بجدة في تقديم حفلات موسيقية مشتركة بين فرق أميركية وموسيقيين سعوديين أنتجت بعض المقاطع المشتركة والمميزة، مما هو موجود على اليوتيوب في الإنترنت، يتداولها المتذوقون من وقت لآخر. ومن الأسماء المهمة التي أسهمت في العمل بلجنة الموسيقا في الجمعية، خلال تلك المدة، الفنانون حسين الأهدل، ومحمد خوتاني، وأحمد فلمبان، وسهيل طاشكندي (المسؤول الإعلامي للجمعية بجدة) وإشراف الفنان غازي علي، والفنان طلال باغر وآخرين.