بوتين إستراتيجية ملء الفراغات  وواقعية الطموح

بوتين إستراتيجية ملء الفراغات وواقعية الطموح

في تلك الليلة الهيستيرية المجنونة، جاءت الجموع غضبى، ثائرة، تهمُّ بتكسير واقتحام أسوار وأبواب مقر الاستخبارات الروسية (كي – جي – بي) في مدينة «دريسد» الألمانية بعد أن أجهزت قبل ذلك، على مكاتب جهاز استخبارات ألمانيا الشرقية (شتازي) ومزقت وأحرقت بعض محتوياته. ليلة سقوط جدار برلين، في 9 نوفمبر 1989م، كانت حلقة فاصلة في انهيار الشيوعية وتفكك إمبراطورية الاتحاد السوفييتي. وها هو رمز من رموز النفوذ السوفييتي في أوربا الغربية مهدد بالاقتحام، يلف به متظاهرون يرومون العبث بمخزون مرعب من الأسرار والمعلومات الحساسة. خارج المبنى يزداد الهرج، ويتصاعد التوتر، وفي الداخل يحاول موظفو المخابرات الروسية الاتصال بمقرهم الرئيس في موسكو؛ لتلقي التعليمات عن كيفية التعامل مع هذا الخطر الداهم. لكن موسكو –في تلك الليلة- لم ترد.

فجأة يخرج ضابط من المبنى ويتجه نحو الجموع الهائجة، وبلغة حازمة وهادئة يقول: «أريد منكم التراجع عن اقتحام هذا المبنى. أنا هنا بالداخل ومعي فريق مسلح، على استعداد أن يطلق النار. لا أريد أن يقع ذلك». بعد لحظات من الصمت، يتفرق الجمع وينسحب المتظاهرون. الاسم الكامل لذلك الضابط هو المقدم فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين. ستدوّن الحادثة في الملف الشخصي للضابط والمحفوظ في سجل المخابرات الروسية، ثم تُذيَّل بتقييم مختصر يقول: «لديه القدرة على مواجهة الطوارئ مع إحساس منخفض بالمخاطر». كانت هذه أول مناسبة مشهودة يتاح فيها لضابط الاستخبارات المغمور أن يملأ لحظة فراغ. وستتكرر اللحظات في مناسبات أخرى.

تأتي الثانية منها، بعد ذلك بعشرة أعوام، عندما زار أحد أباطرة المال والأعمال من ذوي النفوذ طوال فترة حكم الرئيس بوريس يلتسين، مدينة بياريتز، في جنوب غرب فرنسا، حيث يقضي مدير خدمة الأمن الفيدرالي، حينها، فلاديمير بوتين إجازته العائلية، فيقدم له عرضًا مفاجئًا. كانت جمهورية روسيا الاتحادية، بعد مرور عقد من الزمان على تفكك الاتحاد السوفييتي، تعيش أواخر حقبة الرئيس بوريس يلتسين (أول رئيس منتخب في الجمهورية الجديدة)، وما طبعها من تدهور اقتصادي فاقمه تفشي الفساد وتحكم رجالات المال والأعمال في مفاصل الدولة. وكانت شلة «الأوليغرشية» المحيطة بيلتسين والممسكة بمقدّرات البلد، تحتاج لخليفة، لديه من الحزم والقوة ما يخرج روسيا من حالة الفوضى والتردي، ومن الوفاء والانصياع، ما يضمن استمرار نفوذ «أولياء نعمه» الجدد. لاحقًا، ستصدق فراستهم في الأولى.. ويخيب ظنهم في الثانية. اختير بوتين ليشغل منصب رئاسة الوزراء، وبدأت نهاية عهد يلتسين تتسارع فقدَّم استقالته فجأة مع نهاية عام 1999م ليتولى ضابط المخابرات السابق، ورئيس الوزراء المعين حديثًا، اختصاصات رئيس روسيا الاتحادية بالوكالة، ثم يُنتخَب رسميًّا، في مارس 2000م، رئيسًا للبلاد.

محطة أخرى من فرص سد الفراغ

دميتري-ميدفيديف

دميتري ميدفيديف

كانت حرب الشيشان مشتعلة، فأتاحت لبوتين في شهوره الأولى أن يميط اللثام عن ملمح من ملامح الشراسة والعنف في تعامله مع الأزمات. ولما تصدى للأوضاع الداخلية، بدأ بالتخلص تدريجيًّا من جميع حلقات النفوذ ومظانّ القوة في هرم السلطة الروسية وعلى رأسها مجموعة رجال المال والأعمال الذين توسموا فيه يومًا، خليفة وديعًا، يحمي الظهر ويؤتمَن على المصالح. وتمضي ولاية بوتين الأولى وتتبعها الثانية. ثماني سنوات أُخرِست خلالها كلُّ الأصوات المناوئة، بالترهيب وبالترغيب، أو بالتصفية الجسدية أحيانًا. فاكتملت كل خيوط السلطة وأدوات النفوذ الإعلامية والسياسية والمالية في يد «قيصر روسيا المعاصر». وأمام استحالة تقدمه لولاية ثالثة، سيحرص بوتين (خريج كلية القانون، في حياة سابقة) على التقيد بحرفية نص الدستور، ويترك كرسي الكرملين لرئيس وزرائه الطيّع، «ميدفيديف» محتفظًا لنفسه برئاسة الوزراء، في لعبة كراسيّ ستتكرر بالمعكوس بعد انقضاء ولاية «ميدفيديف» الأولى، ليستعيد «القيصر» كامل سلطة لم يفقد منها الكثير أصلًا.

كانت فترات بوتين الأولى مخصصة لإرساء قواعد حكمه، و«بناء روسيا من الداخل» وها هو، مع عودته الثانية، يطمح إلى أن يستعيد مكانتها الإقليمية والدولية. وستتيح له الأحداث شيئًا من ذلك. كانت فترة حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ملأى بالفراغات الناجمة عن تخلي أميريكا، في عهده، عن جزء من هويتها الإمبراطورية، فتعددت الساحات الخالية والمساحات الرخوة في الجغرافيا الإستراتيجية للعالم. اتجه بوتين شرقًا ليُرسي شراكة اقتصادية مع الصين، ولوّح بعضلاته غربًا ليحمي خطوط التماس مع أوربا، فكانت أزمة أوكرانيا واحتلال جزيرة القرم. وها هو الشرق الأوسط المُغري دائمًا والملتهِب دومًا، يغريه بأن يضع قدمًا في جحيم الأزمة السورية، قدمًا يحمي خلفه حليفًا أوشك أن تسقطه فرقعات «الربيع العربي» ويستعيد به أوجًا دبلوماسيًّا وإستراتيجيًّا لروسيا، أمام عجز الأوربيين وشلل الأميركان. ملء الفراغ، هذه المرة، سيكون بإراقة مزيد من دماء السوريين، وتهجيرهم، وتدمير مدنهم وقراهم. فما مصدر هذا العنف؟ وما مدى ذلك الحزم؟ وهل يستند إلى رؤية ومنطق يمكن استشراف أبعادهما؟ في اعتقادي: إن بوتين بالرغم من جسارته ليس متهورًا، وفرط طموحه لا يبلغ حد الغباء. ولفهم طوايا شخصيته يجب الخوض في انكسارات وخيبات روسيا كبلد وكأمة. فهو ينتمي إلى جيل عاش تفكك الإمبراطورية السوفييتية كجرح روسي صرف، تجسد بالنسبة لضابط المخابرات، في انهيار جهاز كان بالنسبة له بمنزلة وعاء أمل، ورهان حياة: مؤسسة المخابرات السوفييتية (كي جي بي). ولاستيعاب علاقة بوتين بهذا الجهاز علينا أن نتذكر فلمًا سوفييتيًّا أُنتِج في ستينيات القرن الماضي عنوانه «السيف والدرع» يتحدث عن ضابط مخابرات روسي، تسلل إلى صفوف الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، واستطاع منفردًا، بتصميمه وبسالته أن يغيِّر مجرى الأحداث، ويحقق النصر. الفلم الذي يروِّج لصورة وردية مبهرة عن المخابرات الروسية شكَّل حينها، مصدر انبهار وحماس لدى جيل كامل من الشباب الروس.

كان عمر الفتى بوتين 16 عامًا، عندما قادته قدماه ودفعَه حلمه، في أحد صباحات ستالينغراد الشتوية، إلى طرق باب مبنى المخابرات (كي جي بي) مُعرِبًا عن رغبته في الانضمام للجهاز. ردَّ عليه الموظفون بشيء من الازدراء: «عليك أولًا، أن تتوافر فيك مميزات من أهمها: الممارسة المكثفة للرياضة، والتفوق في الدراسة، والحصول على مؤهل جامعي، وأن تكون لديك نظرة عيون معبرة، عندها نحن من سيأتي إليك». سيتقيد المراهق بوتين بدقة بجميع شروط ومقتضيات النصيحة ليجد نفسه بعد التخرج من كلية الحقوق منخرطًا في صفوف المخابرات الروسية. فيتعلم ويتمرس على جميع فنون التجسس والتمويه وأدوات الاستدراج والتنصت والاستقصاء. انغمس بوتين في وظيفته، وتماهى مع أدوارها كما اكتسب جميع خصوصياتها: العنف، والحيطة والغموض… ونظرة عيون مرعبة.

قيصر يعيد لروسيا مجدها

روبيرت غيتس

روبيرت غيتس

يروي روبيرت غيتس وزير الدفاع الأميركي الأسبق أنه قال لجورج بوش ذات مرة: «لقد حدقت في عيون بوتين فرأيت قاتلًا بدم بارد». أما خلفه في وزارة الدفاع ومدير وكالة الاستخبارات الأميركية الأسبق ليون بانيتا، فيقول: «عندما أنظر إلى عيون بوتين أقرأ: KGB…KGB». يميل المسؤولون الغربيون، في الغالب، إلى شيطنة منافسيهم وإبراز جوانب كاريكاتيرية أو اختزالية من شخصياتهم، فيبالغون في قدراتهم، ويضخمون مخاطر قوتهم. وقد نال بوتين قسطًا كبيرًا من ذلك التهويل، وتعرض لحملة إعلامية صاخبة في الفترات الأخيرة ترى فيه «القيصر الذي استعاد لروسيا مجدها»، و«الرجل الأقوى في العالم» وأمثال ذلك من العناوين التي يصيغها المحللون والخبراء ويتلقفها الإعلام ويمطّطها. إن انخدع الجمهور وتعاطت بعض الدوائر مع هذه الصورة المُطلَقة والمُعلَّبة فإن المعني الأول بها قد لا تختلط عليه الأوراق بشأنها. صحيح أن روسيا لم تعد ذلك البلد المنهك المتداعي الذي استلم فيه بوتين السلطة منذ ست عشرة سنة. وصحيح أيضًا أن تصدر شخصية مثل شخصيته للمشهد، طوال تلك الفترة أعاد لبلاده قدرًا من الحضور وقسطًا من القوة. لكن بوتين يدرك جيدًا حدود تلك القوة، ويميز أيضًا العوامل الخارجية التي أتاحت لها أن تتجسد. فالمساحات الفارغة لا تظل دائمًا كذلك. واقتناص الفرص لا يمكن أن يكون أساسًا لسياسة دائمة وفاعلة.

فروسيا رغم قدراتها العسكرية الكبيرة، تُصنَّف حتى الآن، في المرتبة العاشرة بين اقتصاديات العالم، وتواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، تلزمها الركون إلى شيء من التواضع في طموحها الإمبراطوري المزعوم. أما واقع احتكاكاتها الجيوستراتيجية مع الناتو غربًا، وموروث حساسية جيرتها مع العملاق الصيني شرقًا، فتجعلها غير مطلقة اليدين لا في فضائها القريب، ولا في الفضاءات الجغرافية البعيدة.. مهما ضعف الآخرون أو غفلوا. قد يكون طموح إدارة بوتين، في الوقت الراهن، هو أن تضمن شبه مكتسبات، ساعدت مجريات الأحداث الدولية في تحقيقها وقد تتسبب المتغيرات، بكل سهولة، في نسفها. ومن هنا يأتي تسارع الدبلوماسية الروسية في العمل على فتح آفاق للحل السياسي في سوريا، رغم ما حققته حملتها العسكرية من نتائج ميدانية، ومن هنا أيضًا نفهم مرونة موسكو البادية، في التعامل مع جميع الأقطاب الإقليمية والدولية. أما ما تعجّ به وسائل الإعلام من تهليل روسي لنجاح رئيس أميركي يكرر علنًا، إعجابه بالرئيس بوتين، ويَعِد بفتح تعاون وتنسيق مشترك، فالروس آخر من سيراهن عليه؛ لسبب قريب وبسيط هو أن المصالح الذاتية لكل طرف هي التي ستحدد نوعية وجدية تلك العلاقات. والمعطيات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة لا تُظهِر، حتى الآن، تطابقًا كبيرًا في المصالح بين موسكو وواشنطن. يتاح لبوتين –نظريًّا- أن يبقى في كرسيِّه بالكرملين حتى عام 2024م على الأقل، ويقال عنه: إنه يجيد الإصغاء إلى مستشاريه في الملفات التي لا يتقنها، ومعروف عنه قدرته على انتظار الفرص واقتناصها، وهي ميزات تساعد أصحاب السلطة الذين لا يريدون الابتعاد عنها، في البقاء فيها.. ما شاء الله أن يبقوا.

لكن أحد المؤرخين الروس، يزعم أن فلاديمير بوتين مهووس بالصورة التي سيتذكره بها التاريخ كقائد لروسيا، فمسار الأمة الروسية، عبر العصور، مليء بقادة كبار ذاقوا مرارة الهزيمة أو الفشل. ولم يسلم، تاريخيًّا، أي قائد تقريبًا، من هذه التراجيديا الروسية المؤسفة. هنا يكمن ربما، الهاجس الأهم الذي يؤرّق بوتين ويدفعه إلى شيء من الواقعية ومراجعة الحسابات، في زمان يشهد فوضى تحولات عارمة تجعل كل شيء هشًّا ومتغيرًا ومُبهَم العواقب.