سكرات الصداقة

سكرات الصداقة

في غرة شهر آب حينما بدأت الشمس تلتهب وتذيب ما تحتها، اخترق ضوؤها زجاج أحد مقاهي مدينة الرياض واستقر على منضدة الشابين الجالسين للتو بمحاذاة الزجاج، وهما في هذا المكان الهادئ وحدهما؛ إذ إن الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا، ما يعني ازدحام الطرقات بخروج الموظفين الحكوميين وطلاب المدارس والجامعات من أعمالهم.

وهذان الشابان تنافرت طبائعهما وكان من المحال أن تتلاءم فيما مضى، بيد أن منعطفات القدر جمعتهما وقاربتهما وآلفت بينهما، وخامرهما ما يخامر الأصدقاء مستأنسين بالرفقة ونعيمها، وترسخت أواصرهما وابتهجا بقضاء الوقت معًا، متقاسمين الاهتمامات والهموم، ومتعاضدين في شؤون الحياة كلها، فكانا على شفا الذوبان في ذات واحدة.

وبمرور الأيام وتقادم عهدهما معًا، غشي سامر الشك، الماكث على يمين المنضدة في هذه اللحظة، وصاحب التقاطيع الحادة والرداء المتواضع، الذي آل به الحال إلى تمحيص أفعاله والتدبر فيها، عساه أن يبرئ نفسه مما أصاب صديقه عمر الجالس أمامه، ذا الوجه الطفولي المتزين بهندام راقٍ وسحنة هادئة، وفي الآونة الأخيرة أخرج نفسه من دائرة الاتهام، وطفق يوجه تفكيره إلى منحى آخر.

استهل عمر الحديث:

– أحتاج إلى التركيز فيما سيدور بيننا، وذلك يحدث بوجود مشروب على الأقل.

التفت للنادل وناداه:

– ماذا لديك؟

مشى النادل بخطى وئيدة وبيده القائمة التي جال بصر عمر بها، ثم رفع رأسه وسأل صاحبه:

– ما رأيك؟ بارد أم حار؟

– لا يعنيني ما تختاره، غايتي من الحضور هو النقاش.

– أرجوك، ركز معي قليلًا، بارد أم حار، أيهما أحتسي؟

استنشق سامر الهواء من أنفه إلى أن امتلأ صدره، وصدح قائلًا:

– كفاك تهربًا! طاقتي ضاقت من تسويفك.

– أعلمتك عن رغبتي في مشروب يجعلني متفاعلًا معك، تريث إن سمحت.

– ألم تحتقرني ثلاثة أشهر بتجاهل اتصالاتي ورسائلي؟ وفجأة تخطرني بأن أقابلك هنا، لقد أجبرتني على القدوم بملابس معيبة، وأيضًا انتعلت حذاءين مختلفين عن بعضهما.

– ذكرني أن نتحاور حول هذا الموضوع تحديدًا، ودعني أصارحك، هندامك ليس مخجلًا إلى هذا الحد، ولكن رجاءً ساعدني.

أجاب سامر بنبرة خافتة:

– الله المستعان، اختر أول ما تراه.

– اهخ، تسخر مني القائمة، إنها كعكة بالليمون.

– أستغفر الله، المشروب الذي تنظر إليه اختره.

– ما دمت تصر على مضايقتي، سأفكر بصوت عالٍ، بما أن الطقس في الخارج ساخن، ربما انتقاء ما هو حار يعد قرارًا خاطئًا، مع أن هناك دراسة علمية أوضحت أن المشروبات الساخنة يمكنها تبريد الأجساد.

– أظن أنك الزمهرير بعينه.

– ماذا تعني؟

– لا عليك. أكمل البحث.

أرجع عمر القائمة وطلب من النادل:

– قهوة مثلجة، كم ستستغرق في تجهيزها؟

– خمس عشرة دقيقة.

قاطعهما سامر مدهوشًا:

– إنه بلا ريب جنون واستخفاف بي.

– ماذا أصابك؟

– نعم. أيمكن أن يكون غير ذلك؟ يؤسفني افتقارك للهفة الرابطة بيننا، ويؤلمني حدسي كلما أطلعني على حقيقة ضجرك مني، أتتصور أنني استُهلكت بعدما أشبعت فضولك؟ على أقل تقدير بادلني الاحترام، وبجل السنوات والتجارب التي جمعتنا، أيمكنك فعلها؟

– حيرتني. ابتغيت القهوة لتمنحني النشاط، وبغتة أجدني مدانًا؟

– الموضوع أعمق مما تعتقده.

– كيف؟

– لاحظ فرارك المتكرر مني آخر ثلاث سنوات من أصل ست سنوات، وستعي…

– هل القهوة أنبأتك بهذا؟

– كفاك ثرثرة وأسئلة لا داعي لها، إنني سئمت من افتقارك للمروءة والنبل، ولعلمك… تحققت من أمرك، والتقيت إخوتك، وأكدوا لي ما كنت أتوجس منه، أنت غريب ولم أعد أفهمك؛ تارة تقضي أوقاتًا مع أصدقاء جدد صاحبتهم في الجامعة كما أطلعني أخوك الأصغر، المحترم واللبق، وتارة تمكث في حجرتك أيامًا… ما أغرب أفعالك! ومرة تلزم مرافقتي ولا تنفك عن إعلامي بأنك تسكن إلي؛ أرجو أن تصبح صديقًا ناضجًا، وتكف عن أعمالك القبيحة.

– أترى؟ إنه سيل جارف من التهم، ولا أستطيع مقاومته قبل مجيء الكافيين الذي سينعش قواي.

– لو ناقشنا الموضوع منذ البداية لانتهت المشكلة.

– أنحن هنا لأجل مشكلة؟ كان بإمكانك أن تتأنى ريثما أطلب وآنئذ نتحاور، لقد أهدرت الوقت وما زال المسكين يقف بيننا.

– دعه يذهب، ولكن لديه عشر دقائق لا غير، إنه حليب يمزجه بالإسبريسو… بمقدوري صنعه في ثلاث دقائق.

تبسم عمر في وجه النادل وأذن له بالذهاب، وعقبها تحسس شعر رأسه متأكدًا من تناسق تصفيفه. انتبه له سامر وأعاده إلى مبتغاه:

– هيا كلِّي آذان مصغية، قل لي ما دهاك؟

– ألم أذكر لك أنني سأنتظر القهوة ثم أتحدث؟

قهقه سامر، وحين انتهى أضاف:

– أنت من أراد سلوك الطريق الرديء… لست أنا، وليشهد الله على بذلي قصارى جهدي.

– في الواقع أنهكت من طريقة تعاملك معي.

– فكر بما تشاء.. ولكن فضلًا، كم الساعة الآن؟

نظر عمر إلى ساعة يده، ورد:

– الثانية والثلث وخمس دقائق.

– أستمكث في الخمس والثلاثين دقيقة المتبقية؟

– لا

– وما السبب؟

– نسيت إبلاغك عن الوقت المتاح لي، أنه نصف ساعة فقط؛ إذ دنا موعد الاختبارات النهائية ويتوجب علي مراجعة الدروس بتفانٍ لأحقق أعلى الدرجات، ما عليك إلا رؤية مقرراتنا… وتدرك ما أعنيه، لم أتوقع أن الهندسة صعبة الدراسة، إننا نغور في المواد وجزيئاتها، كما ستتعجب إذا أخبرتك عن الغازات المتطايرة في الهواء، كم هي أعجوبة.

– وتدرس كذلك عملية تشغيل المحركات وطريقة أدائها، وحساب كمية المواد التي تعلكها… أعرف ما ستقوله مسبقًا.

– صحيح… وعودًا على بدء، ها أنا نسيت وعليك تقدير ظرفي، وإن سألتني عما سأفعله، هو أن أحد الأصدقاء سيصطحبني للمذاكرة، وقد أشعرته بوجودي هنا وسيأتي في الموعد المقرر، إنه ضليع في الهندسة وانتفعت منه…

خيم الصمت، وفي أثناء ذلك استقر كوب القهوة بين يدَي عمر الذي شربها متلذذًا، أما سامر فأظلم وجهه، وخالجه ضيق في قلبه، وفراغ في روحه، وشعر بتلاشي المعاني من أمله، واعتصر قلبه من الوجع وعثا به الخذلان… وأخيرًا صفعه على وجهه، فأفاق مصعوقًا، وسرعان ما اندفع بتفكيره يبحث ويفتش عن طريقة يعامل بها البشر بمبادئ مختلفة، علّه أن يهتدي إلى آلية تمنعه من التفكير بإفراط، وتمكنه من السيطرة على نفسه حتى لا تُخيل إليه صفات مثالية بعيدة من البشر أيما بُعد، وإذا به يجاهد عقله لا سيما أن اليأس يتدفق في مناحي أحاسيسه، وبدوره يهاجمه بسلوك لم يعهده على نفسه.

وهو في وسط التفكير، قاطعه عمر:

– يا الله، ما أجملها! أتريد أن أطلب لك؟ أقسم لك بأن مسامات عقلك ستتفتح… لا أدري ما بك واجمًا، ربما عليك تذوق هذا المشروب. إن سمحت لي سأطل من تحت الستارة، من المحتمل أن يصل دون علمي. أوه! نعم. يا للصدفة! أليس أمرًا عجيبًا؟

لملم عمر أغراضه من على المنضدة، واستأذن ملقيًا كلامًا اعتياديًّا من باب الأدب.