فرانسوا جوليان.. نحو تصحيح لمفهوم الكونية

فرانسوا جوليان.. نحو تصحيح لمفهوم الكونية

فرانسوا جوليان، فيلسوف فرنسي معاصر، اشتغل أستاذًا في جامعة السوربون، ومديرًا لمعهد الفكر المعاصر في باريس، كما تولى إدارة المعهد الدولي للفلسفة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي.

أمضى هذا الفيلسوف عشرين عامًا من حياته العلمية في دراسة الفكر الصيني، وأنجز دراسات مهمة في أحضان جامعة بكين، فأضحى من المفكرين الغربيين القلائل المتخصصين في الدراسات الصينية.

أصدر عددًا من المؤلفات الكبرى، حول الفكر الصيني، ومنظومة القيم والأخلاق والفن والإبداع الأدبي، والحوار الحضاري، ومفهوم الآخر، وغير ذلك من الموضوعات الحيوية، وتُرجِمت كتبه إلى أكثر من أربعين لغة.

هذا الفيلسوف، انشغل بمقارنة الحضارة الأوربية بالحضارات الشرقية، وأهمها الصينية وجارتها الهندية، فحلل طرائق التفكير وأنماط العيش والقيم في هذه الحضارات، وتحرى خصوصيات وما يميز المفاهيم الكبرى في كل حضارة. المفاهيم التي شغلت بال جوليان هي «الكونية» و«المشترك» و«الآخر» و«الموحد» و«الهوية»، وبذل جهودًا مهمة وموفقة في دراسة حدود هذه المفاهيم ومدلولاتها، وعيًا منه بأهمية بناء هذه المنظومة المفاهيمية، في هذا العصر الذي اشتد فيه طلبها وتداولها، فأبرز في كتبه الخلافات الكبيرة بين هذه المفاهيم بحسب الحضارات التي تداولتها. وما زال يطالب بضرورة القيام بقراءة نقدية لتاريخ المفاهيم، قراءة مجردة وموضوعية ونزيهة، ومن خارج تلك الحضارات، التي أنتجتها.

إن مؤلفات هذا الفيلسوف جديرة بأن تقرأ وتدرس وتترجم إلى العربية خاصة؛ لأنها تعد محاولة جادة لإرساء جسور الحوار بين الثقافات والحضارات، عبر تذليل العوائق الفكرية الحقيقية والمتوهمة، وتصحيح المفهومات الخاطئة بتدقيق المفاهيم والعبارات تدقيقًا صارمًا، وبخاصة في هذا الوقت الذي تتطاول فيه بعض الأصوات الناشزة لتدعو إلى حرمان بعض الناس من حقهم في الحياة، أو التضييق عليهم بمبررات زائفة وواهية تخفي وراءها نزعة طائفية وميولًا عنصرية إقصائية.

في عام 2008م أصدر كتاب «الكوني، الموحد، المشترك، والحوار بين الحضارات» الذي يعد من أهم كتبه. هذا الكتاب، يتداول فيه المؤلف أسئلة كبرى؛ مثل: هل هناك قيم كونية؟ هل الكونية الأوربية ترقى لمستوى العالمية؟ ما الذي يمكن اعتباره مشتركًا بين البشر؟ هل يمكن أن يقوم حوار حقيقي بين الثقافات السائدة اليوم؟

في مقدمة الكتاب، يلاحظ الكاتب أن البشرية أضحت عاجزةً عن تطوير آليات التبادل الثقافي في العصر الراهن، وصارت مهجوسة بتوحيد المقاييس أو المعايير، وأن هذا الأمر ينطوي على مفارقة غريبة، فالكونية وهي تنميط ثقافي والوجه الفكري للعولمة الاقتصادية، التي يشهد العالم اليوم تأثيراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تسعى بشكل حثيث نحو توحيد العالم، ومحو الثقافات المحلية وتثبيت ثقافة وقيم جديدة تخدم النظام الاقتصادي الإمبريالي الذي تهيمن عليه مصالح العالم المصنِّع الاقتصادية والسياسية، وبهذا تعمل الكونية على تهميش وإقصاء الهويات الثقافية الأخرى للشعوب المحلية. إلا أن هذا السعي نحو توحيد أنماط الحياة والتفكير والإنتاج، ينطوي على نزعة إقصائية، ويهدد بتغطية ومحو كل التنوع الثقافي في مختلف أنحاء العالم، والأخطر أن هذا التنميط يؤدي إلى ردود أفعال وصراعات ثقافية جديدة تحتدم وتقوى، فالثقافات المحلية تتبني تحولًا أيديولوجيًّا، يهدد الإمبريالية نفسها بالتفجير وينذرها بالتدمير (ص10).

مفهوم الكونية

تاريخيًّا، استمد الفكر الأوربي مفاهيمه من مصدرين هامين، وهما التراث اليوناني والمسيحية الأوربية اللذين أضحيا يشكلان طليعته الحضارية، فالمفهوم الأوربي للكونية، يعود إلى هذين الأصلين، فالقيم اليونانية الرومانية والمسيحية هي التي أصبحت قاعدةً لما يسمى بالقيم الحديثة.

يناقش المؤلف المفهوم الأوربي للكونية؛ بالعودة إلى أصوله التاريخية المذكورة التي حاولت تحديد مفهوم «كونية» الإنسان، والإيمان، وحقوق الإنسان، ويقارنه بالمفهوم الشرقي لدى الصينيين والهنود وغيرهم. فأوربا التي كانت تفرض هيمنتها على العالم، بأيديولوجيتها السياسية والدينية، التي فقدتها اليوم، والتي مكنتها من نشر ثقافتها في العالم منذ عصر الاكتشافات الجغرافية، لا تزال تحاول أن تصدر قيمها وأنماط عيشها وتفرضها على العالم؛ بل تزعم قدرتها على فرض ذلك على ثقافات تتمتع بوعي كبير بالانتماء إلى هويتها، وهو ما يجعلها أكثر صلابة من الثقافة الأوربية نفسها. فالحضارات الصينية والهندية واليابانية، عريقة ومتميزة بقيمها المختلفة.

يرى جوليان أن الثقافة الأوربية لا يمكن جعلها كونية؛ لأن النظر إليها من خارجها، يُبيّن أنها متميزة وغير كونية. وإمعانًا في التوضيح يقدم جوليان مقارنةً بين الثقافتين الأوربية والصينية اللتين لم يتحقق التواصل بينهما إلا منذ عصر الكشوفات الجغرافية، فالثقافتان في حقيقتيهما تتناغمان وتنسجمان، والاختلافات هي مجرد تمثلات مركزية، لكنها مشتركة بينهما، لكن الكونية بما أنها تنميط ثقافي فقد خلقت صراعًا بين الثقافتين.

فالثقافة الأوربية ليست الوحيدة في العالم، وتعاني نقاط ضعف كبيرة، وهي واعية بذلك، إلا أن هذه الثقافة ترفض أن تساومها الثقافات الأخرى على قيمها، على الرغم من جدية هذه المساومات أحيانًا. وهو ما يدعو الفيلسوف جوليان للمطالبة بضرورة القيام بمراجعة حقيقية؛ لموضوع فرض مفاهيم الثقافة الأوربية على الثقافات الأخرى؛ مثل: مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ويرى أنه من السذاجة القول بكونية هذه المفاهيم.

الكوني الأوربي

إن أوربا التي أصبحت مرادفًا للحضارة الغربية، تحرص على نشر قيمها ومفاهيمها في العالم، وإضفاء طابع الكونية عليها؛ يؤكد الكاتب أن هذه الكونية الأوربية مرتبطة بسياقها التاريخي الذي تطوّرت فيه وعنه. وهي نتاج لحوار بين موارد ثقافية مختلفة، يحددها في الفلسفة اليونانية والقانون الروماني والدين المسيحي. وهو ما يعني أن فكرة الكونية؛ بالمفهوم الغربي؛ تحيل إلى التنميط، يُضاف إلى ذلك، أن محاولة سيطرتها على الفلسفة، أدّت إلى ظهور ردود أفعال رافضة لها، متمثلة في عدد من الفلاسفة، أسسوا مدارس فلسفية جديدة؛ مثل: فلسفة الحياة التي تتمحور حول الحالة الإنسانية، والشخصانية التي تدعو إلى تقدير الشخصية الإنسانية واحترام حقوق الإنسان بلا إفراط في الجماعية، والوجودية التي تُحمّل الفردَ وحدَه -بغض النظر عن المجتمع أو الدين- مسؤوليةَ إضفاء معنى على حياته الفردية، وهذه كلها فلسفات رافضة لمفهوم الكونية الأوربية، في حين اتجهت الآداب نحو العودة إلى الفردية.

والأدهى أن هذه القيم «الكونية» التي أفرزتها الحضارة الأوربية، تقف اليوم عاجزةً في مواجهة الصعود القويّ لكثير من «الهويات الخاصة»، وانتشار رغبة عارمة في الحاجة إلى الانتماء إلى مجموعات بشرية ما، وهو ما يهدد بالفعل الأفق الإنسانيَّ المشترك، الذي يؤمّل فيه أن يجمع كل الإنسانية على اختلاف خصوصياتها ومشاربها وعقائدها وألوانها ولغاتها في بوتقة واحدة.

الكونية موضوعًا للتفكير

إن الضرورة اليوم تقتضي النظر في مسألة الكونية، والعمل على بنائها المفاهيمي، تفاديًا لكل غموض، إلا أن التفكير في مفهوم الكونية، يستدعي مواجهة ثلاثة مفاهيم متداخلة معه من مستويات متعددة.

أولًا- إن مفهوم «الكوني»، حسب «جوليان» هو بمنزلة وصفة جاهزة مُعَدّة سلفًا، وكأن لسان حالها يقول: (في جميع الحالات هذا ينبغي أن يكون هكذا). وبهذا المعنى فإن فكرة كونية الحقوق في الفلسفة الأوربية تنتمي إلى فكرة التذرع بنوع من «واجب وجود» مجرد، مغاير لكل حكمة ملتحمة بمعطى ملموس من معطيات التجربة الأخلاقية.

ويؤكد «جوليان» أنّ في فلسفة كانط تصورًا متكاملًا حول هذه الفكرة، مؤداه أن الكونية المطروحة هكذا، على نحو قبلي، هي وحدها أساس كل شرعية ومشروعية. هذا ما يجعل الضرورة الطبيعية (الحتمية) كما هي ظاهرة في المعرفة، تأتي لتقابل مبدأ واجب المشروعية الأخلاقية في فعل الإرادة، في قلب الإلزام الموضوعي نفسه. هذه العدة الكانطية تتعالى على التعارض بين الكوني والفرداني، أو الخصوصي، الذي ظل يشكل منذ أرسطو الإطار المنطقي الصوري والوجودي (الأنطولوجي) للفكر الفلسفي الغربي.

يتساءل «جوليان»: أليست هذه الرؤية للكوني وللمطلق هي ذاتها مغامرة خصوصية للفكر؟ ألا تفترض سحقًا لضدها ممثلًا في الوجود الخاص لحساب نظرة «جوهرانية» مجردة عن الحقيقة.

يوضح جوليان أن الرؤية الشاملة والمطلقة تفرض سحقًا مسبقًا لنقيضها، وهو ما أدى، في تاريخ الإنسانية، إلى كثير من المآسي الوجودية الفردية المتمثلة في الذاتية، التي بعثت العداوات التي نشأت في القرون الوسطى بين الكونيات.

ثانيًا- يلاحظ المؤلف أن العالم المعاصر، بتأثير العولمة، يميل إلى الخلط بين الكوني والموحد النمطي. فالعولمة تعمل على تحويل العالم إلى وحدة واحدة، وتتطلع إلى ذلك، وهذا التحويل إلى نمط واحد، هو مجرد تكرار عقيم (ص31)؛ لأن الكوني ينطبق بالتعريف على جميع البشر من دون استثناء، وليس توحيدهم بتكرار نمط مفروض.

والأدهى أن هذا التوحيد الذي يتم في إطار العولمة، يكتسي طابعًا اقتصاديًّا وإداريًّا، هو مبدأ الأداء الوظيفي، ولا يمثل واجبًا رشيدًا عالميًّا (ص33). وهكذا يبدو أن هذا الشكل الموحد يمثل انحرافًا في العالم؛ بقدر ما ينحرف عن المنطق؛ ليتناسب مع عملية وضع المعايير.

يرى جوليان أنه ليس كافيًا المطالبة بالاعتراف بالاختلاف في الهوية؛ للإفلات من إكراه التوحيد النمطي والتسوية المعيارية، فمن الممكن تطوير التوحيد بشكل كامل؛ من خلال التزيين بالطبيعة الغرائبية، وبالتالي يمكنه أن يفرض نفسه؛ بشكل أفضل؛ في كل مكان. إلا أن مثل هذا التوحيد الذي قد يندمج مع الكونية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصبح كونيًّا؛ وإنْ تشبه به.

إن وسيلة مقاومة التوحيد النمطي، هو الكشف عن موارد في ثقافتنا أصيلة وغير مستنبتة أو هجينة، فذلك يسمح لنا بأن نضع أنفسنا في أكبر عدد ممكن من المواضيع التي تنطوي على تنوع حقيقي. إن الموحد يرتبط اليوم باقتصاد العولمة، الذي يهدف إلى رسملة كل العالم والسيطرة عليه، فثقافة «النمط الموحد» في حقيقتها، «فرض كونية السلع». وبالتالي فهو نتاج اقتصادي ومرتبط بظرف زمني راهن، أو «معولم» في السياق الراهن. وهو بهذا المعنى، يمثل تهديدًا للمفهوم الكوني «المطلق».

ثالثًا- لمزيد من تعميق تحديد الكوني، يتصدى المؤلف لمفهوم «المشترك» الذي يعد مفهومًا تكميليًّا للمفاهيم السابقة. فإذا كان الكوني الأوربي ذا طبيعة منطقية، والموحد النمطي ذا طبيعة اقتصادية، فإن مفهوم «المشترك» يتميز بطبيعته السياسية. «فالمشترك هو ما نشاركه أو نشارك فيه أو نتقاسمه أو نسهم فيه».

والمشترك هو أساس جميع تعريفات السياسة منذ أرسطو، فهي لا تنشأ إلا من الوجود المشترك. وانطلاقًا من مفهومه، أسس اليونانيون القدامى؛ لتصورهم عن المدينة. وشهد بداياته الأولى في المدن اليونانية القديمة، وفي مقدمتها أثينا. وكان قاصرًا لمدة من الزمن على «المحاربين»، ثم انتشر شيئًا فشيئًا؛ ليشمل مختلف نواحي الحياة في المدينة اليونانية، وانتقل بعد ذلك إلى خارجها؛ ليتم الحديث عن «العالم المشترك». ولفظ «koinônia» في اليونانية يعني جماعة للانتماء والتبادل، توحد الأفراد في إطار نفس المجموعة البشرية الدامجة. «إن ما هو مشترك هو ما يجعلنا ننتمي إلى نفس المدينة، مهذبين» (ص 39).

لذلك فإن «المشترك»؛ بإيجاز شديد هو «ما يمكن اقتسامه»، فلا يمكن حصره في «المتشابه»؛ لأن المشترك ينطبق حصريًّا على أولئك الذين يقبلون به، وبهذا المعنى، فإنه يتضمن استثناءً لغيرهم، الذين لا يقبلون به، وهذا الأمر يشكل أساس الفكر الطائفي. إن التمسك بالمشترك، الذي يفضي إلى إمكانية قيام المجتمع المدني، لا يشكل بأي حال من الأحوال، تحديد خصوصياتها في الهوية المطلقة الخالصة.

هناك إذن كونية، فكرة عامة مجردة، وهناك من ناحية أخرى تمثيل عكسي للمشترك الذي ينتمي للفرد، ويشارك في وجوده المباشر، ولا يمكن تحويل أحدهما والارتباط بالآخر؛ من دون وساطة، لا تلغي معارضتهما.

لكن ما الذي يستطيع ترجمة المشترك التشاركي، الملموس إلى وصفة كونية مجردة؟ إن الإجابة على هذا السؤال الكبير، هي التي ستقربنا أو تبعدنا عن إنسانيتنا التي ننشدها.

هناك فجوة أخرى في الكونية، تتمثل في التعبير عن حقوق الإنسان؛ لأنها تفترض مسبقًا، إمكانية التفعيل الفوريّ لهذه الحقوق في جميع الثقافات، فضلًا عن ذلك فإنها تقدم نفسها بوصفها حاملة لمناسبة مثالية قادرة على التمدد والانتشار التدريجي غير الرسمي، من خلال التقليد، والتبني، والتحالف، والتحويل، والاستيعاب، وما إلى ذلك. إن نقيض ذلك هو الفردية، الذي يمكن أن يهدد المشترك باستيعابه، وهو الأمر الذي يحصل حين تتأسس جماعة بالضرورة على مشترك، وترى أنها تمتلك السمات المشتركة الخاصة بها التي يمكن مشاركتها. هذا الفعل يرسم الداخل، ويطرد إلى الخارج في آنٍ.

إن هذا المشترك يتسم بالتناقض وثنائية القطبية، فهو شامل وحصري في آنٍ، ولا يمكن مواجهة هذا التراجع إلا بتذكير المجتمع الذي يتطور نحو انغلاقه الحصري، أنه في ذمته دين، وعطايا، من خارجه، وأنه لا يمكنه ولا يستطيع حتى الإحاطة بها، وما كان له أن ينشأ من دونها؛ لذلك لا يمكنه أن يتمسك بمبدأ انتمائه إلى ما هو شائع فقط، ويتوجب خصوصًا في عصر العولمة التأكيد على ذلك. فالمشترك وحدَه في رأيه من يمثل عنصر إغناء للثقافات.

تبقى ملاحظة أن فرانسوا جوليان اجتهد في بناء رؤية للعالم، تراعي اختلاف الثقافات، وتبصر بوضوح التبادلات القائمة بينها. وهو يدعو إلى مراعاة نتاج الحضارات، والتقاليد الثقافية، والبحث عن المشتركات الحضارية التي يمكن تبادلها وتقاسمها؛ لأجل إقامة حوار عادل وجادّ بين الحضارات، يتأسس على النِّدِّيَّة، ومن دون إقصاء. فمثل هذا الحوار، يحرك الثقافات ويُقِيم جسور التواصل فيما بينها، وهو الأداة الناجعة في مواجهة عملية التوحيد النمطي.