قراءة تفكيكية في مسرحيات مختارة لصموئيل بيكيت في ضوء نظرية جورج بتاي حول الأدب والشر

قراءة تفكيكية في مسرحيات مختارة لصموئيل بيكيت

في ضوء نظرية جورج بتاي حول الأدب والشر

في دراستي لمسرحيات مختارة من أعمال صامويل بيكيت استعنت بالنظرية التفكيكية لجاك دريدا وآراء جورج بتاي حول الأدب والشر لدحض المفهوم الخاطئ بأن مسرحيات «في انتظار جودو» و«نهاية اللعبة» و«الأيام السعيدة» هي مسرحيات عبثية. كما نفيت -في دراستي التي حزت بموجبها على درجة الدكتوراة في الأدب الإنجليزي في جامعة الإمام محمد بن سعود- اليقين الموجود في صلب «مسرح العبثية» الذي أسسه مارتن إسلين ويركز على انعدام المعنى وفشل التواصل، وأن الحياة بلا أمل والمجهود البشري ضائع.

تتجاوز الدراسة الثنائيات الضدية في النظرية البنيوية بحجة أنه لا توجد مفاهيم مغلقة وثابتة بل مفاهيم مفتاحية؛ إذ توضح أن الشر مكمل للخير، وأن مفهوم الإنسان متعدد الأوجه، والمعرفة مدنسة باللامعرفة. ولذلك اقترحتُ استبدال «الذات العبثية» المغلقة بتصور بتاي عن «الجسد بلا رأس» لتمثيل الفكر التفكيكي ورؤية «ما بعد الإنسان»، إذ ينبذ هذا التصور ثنائية الجسد والعقل بوصفهما جوهرين منفصلين من أجل إيصال الانفعالات العاطفية الشديدة والتغيرات الفسيولوجية. تبين تلك الانفعالات وحدة العقل والجسد وأهميتهما في أن يتحول المسرح من اهتمامه بالمنطق والخطابة إلى الاهتمام بتعابير الجسد وإيماءاته، إضافة إلى التطرق إلى هوامش اللغة واللامركزية.

الأدب والشر

يؤمن بتاي بالذنب الأدبي وتواطؤ الإبداع والخيال الأدبي مع الشر لتحقيق التواصل «غير البريء» الذي لا ينفي الأخلاق؛ بل يتطلب «ما بعد الأخلاق» الذي يتجاوز الثنائية الهرمية التي تفصل الخير عن الشر. كما يرى بتاي أن الخير مكمل للشر من خلال إثارته لمناقشات حول كيفية مواجهة الخطر. فالشر في مفهوم بتاي هو الإخلاص للتواصل القوي والكامل من أجل تصوير التجارب الداخلية لمواجهة عري الوجود والتعمق في أبعاده وانتهاك حدوده. وضح بتاي أن التجربة الداخلية ليست تجربة ذاتية منغلقة؛ بل هي حالة من السيادية غير الخاضعة للعوامل الخارجية والمتحررة من كل ارتباط منفعي.

وتظهر التجربة الداخلية عندما يخرج الإنسان من عزلته ويتعرى كجرح ويسرف في انغماسه وتصرفاته اللاعقلانية بغية الوصول إلى الآخر واللامعرفة و«مشاركة اللعنة». كما تختبر التجربة الداخلية قدرة اللغة على توصيل اللحظات السيادية عندما يُضحي الكائن البشري بمفهوم الإنسان الكلاسيكي (الرجل الفيتروفي) الذي يرمز للكمال والتوازن والتحكم بالذات ويخرج من سجن الجسد والعقل بحثًا عن الفرصة وإثبات إنسانيته من زوايا امتداداته الوجودية وتوسعاته. فحالة الرأس بلا جسد لا تعني نهاية الإنسان بل نهاية هيمنته ومركزيته الكونية؛ ولذلك تفسح له الطريق ليجد ذاته من خلال الانتماء والتحول إلى الآخر.

في دراستي وضحتُ كيفية مواجهة الشر في مسرحيات بيكيت من خلال اللجوء للتجربة الداخلية التي تظهر إرادة الفرصة واللعب بدلًا من إرادة المعرفة. وتجلّت الحالة بلا رأس عندما خرجت شخصيات بيكيت من وعيها المنعزل لتضفي على معاناتها قيمًا سيادية غير خاضعة للعقل والمنطق. كما أعطت إرادة الفرصة واللعب لشخصيات بيكيت حرية كشف جروحهم وآلامهم من أجل التواصل وتجسيد الفضيحة بدلًا من التركيز على بلاغة المنطق والمعرفة. جسدت إرادة الفرصة واللعب انخراط شخصيات بيكيت في «التحولات غير المسموعة» و«الأفكار المغفول عنها» وكشفت العنف الذي تعرضتْ له من أجل مواجهة الشر ومعرفة مخاطره والبحث عن الخير وتجنب العدمية.

يتناول الفصل الأول من الدراسة مسرحية «في انتظار جودو» ويعمل على تفكيك الشر والإنسانية والذات واللغة والمعرفة. كما يقوم باستكشاف كيف تتعمق الكتابة في الشر لمواجهة الوضع الإنساني. يركز الفصل على التجارب الداخلية لشخصية كل من فلاديمير وإستراجون وبوزو ولاكي، وتجسيدهم حالة بلا رأس واستيقاظهم في اللامعرفة. فهم انخرطوا في تجارب من التساؤل الشديد من دون الوصول إلى أجوبة من خلال استخدامهم اللغة الفوضوية لإيصال المعنى الكامل للشر وجراحهم، وأصبحوا يمضون أوقاتهم في الملهيات اليومية في سبيل إعطاء معاناتهم معاني مستقلة غير خاضعة للعقل والمنطق أو المنفعة.

إن فعل الانتظار لفلاديمير وإستراجون يوضح إرادة الفرصة واللعب. فسمح فعل الانتظار الخاص بهم بتكوين مجتمع «مشاركة المآسي» لمقاومة إبادة قصصهم والبحث عن بصيص من الأمل ليدفعهم إلى عدم أخذ فكرة الانتحار بجدية. يجسد انتظار جودو العملية السيادية وهو رمز للتغيير والتحول إذ ظهرت بعض الأوراق الخضراء على الشجرة القاحلة في الفصل الثاني. وعدم ظهور جودو على المسرح لا يعني العبثية، بل فرصة لمقاومة العدمية والهويات المهيمنة وتأكيد الترابط والتضامن والاهتمام بالآخر. فسمح صمت جودو برفع الأصوات والإيماءات المهمشة وأعطى صوتًا للأفكار المغفول عنها. وتطرقت الدراسة إلى تفكيك علاقة بوزو ولاكي جدلية السيد والعبد لجورج هيغل؛ لكونها علاقة بلا رأس ولا تؤدي إلى وعي منفصل، فلاكي امتداد لشخصية بوزو وعقله اللاواعي. وينغمس بوزو ولاكي في تجربة داخلية تعتمد على الاستهلاك غير محدود لذواتهم واستيقاظهم في اللامعرفة التي تجلت في وصف «وقت الغسق» و«مشهد التفكير»، كما توصلوا في النهاية إلى صداقة من غير خضوع وتشابه غير كامل (بوزو سيد ضعيف، ولاكي عبد قائد)؛ لأجل مواجهة الشر وخوض تجربة الموت معًا.

جورج باتاي

لعبة المتاهة

يبحث الفصل الثاني في مسرحية «نهاية اللعبة» ويواصل تفكيك الشر والإنسانية والذات واللغة والمعرفة. وينصب التركيز هنا على قوة الحوار في تأكيد استمرارية اللعب في متاهة اللامركزية، وهو ما يسهل تأسيس التحولات المتعددة وامتدادات الشخصيات الوجودية. كما أن اللغة قوية وحيوية في مسرحية نهاية اللعبة، حيث تقوم اللغة الشعرية وهي مزيج من اللغة المفيدة واللغة الفوضوية بتصوير تطلع الشخصيات لبصيص من الأمل والنور لمواجهة الشر. فشخصية كل من هام وكلوف وناج ونيل ظهرت بقوة في عملية تحولهم إلى حالة لا مرئية من خلال خلق المعرفة غير المنهجي. فلعبة المتاهة سمحت لهم بتجسيد الفضيحة، فعلاقة هام وكيلوف فككت جدلية السيد والعبد لهيغل لتجسيد الحالة بلا رأس، وكشف العنف الذي تعرض له كلوف بإجباره على استخدام عقله والخضوع للفكر السائد الذي ينزع منه فرديته. فينخرط هام وكلوف في التجربة الداخلية من خلال طرحهم عددًا من الأسئلة عن العالم الخارجي، وإجابتهم عنها تعبر عما يسميه دريدا «نقطة الصفر» التي تتخطى المعارضة الثنائية بين المعنى واللامعنى والنور والظلام.

فتساؤلاتهم جزء من لعبة المتاهة المركزية لإيجاد الفرصة للتحدث وتجنب العدمية والإشارة إلى احتمالية تكاثر البشرية من جديد بعيدًا من أوهام النخبوية المتمركزة حول الإنسان. وتنتهي المسرحية بوجود طفل في الخارج واحتمالية امتلاء المكان بأصوات الأطفال في إشارة إلى أن النهاية تعنى البداية وليست العدمية. إن نهاية مسرحية «نهاية اللعبة» تعطي بصيصًا من الأمل يتجلى في تخلي هام عن صافرته وهيمنته واستعداد كلوف للبحث عن الصحراء البيضاء بعيدًا من هام وانتظار ناجي اليوم الذي يحتاجه ابنه هام كما كان عندما كان صغيرًا.

التجربة النسائية مع الشر

يركز الفصل الثالث على مسرحية « الأيام السعيدة» ويتناول فيها التجربة النسائية مع الشر، كما يستعرض تفكيك الشر والإنسانية والذات واللغة والمعرفة. فيُصوَّر الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له شخصية ويني في الماضي دراميًّا ومواجهته بطريقة إبداعية عن طريق نزع الحدود الجنسية والجسدية. وتدحض الدراسة التفسيرات التي تشير إلى أن دفن ويني في عمق التل دليل على العبثية، من خلال توضيح أن طريقة دفن ويني نوع من التجربة الداخلية التي تسمح لها بتحقيق العملية السيادية، وتمثل ذلك بتمددها أفقيًّا وعموديًّا نحو الأسفل، وهو ما ساهم في تشافي جسدها وحمايته من نظرة الرجال المحدقة. فانتماء ويني إلى الأرض أعطاها الفرصة للتعمق في داخل عقلها الباطن والقدرة على التحدث وكشف الشر وإعادة إحياء الحدث المأسوي وتذكر نجاتها منه.

ويركز الفصل الثالث على الذاتية واللغة كناقلتين لمطالبات ويني بالنجاة من الاعتداء من خلال تحول ويني إلى فم وتحول ويلي إلى أذن. وركزت الدراسة على العملية السيادية وامتدادات ويني وتوسعاتها الوجودية من أجل تفكيك مفهوم السعادة. فعبارات ويني عن سعادة هذا اليوم ليست عشوائية بل نتجت من قدرتها على مواجهة الشر والانتصار عليه والتخلص من العوامل التي آذت جسدها، حيث انتهت المسرحية عندما تحول اسمها من الصيغة التصغيرية («ويني» أو «نويجح») إلى («وين» أو «ناجح»). فشهادة ويلي على أن ويني منتصرة دليل على الفرصة وبصيص من الأمل.

تقر الخاتمة بتواطؤ مسرحيات الكاتب بيكيت «في انتظار جودو» و«نهاية اللعبة» و«الأيام السعيدة» مع الذنب الأدبي، بمعرفتهم الشر وإخلاصهم للتواصل ومقاومة العشوائية. وتنتهي الخاتمة بعرض تجاوز مسرحيات بيكيت التركيز على «الاقتصاد المقيد» الذي يعتمد على مفاهيم مغلقة غير قابلة للمناقشة والتغيير واشتمالها على ما يسميه بتاي ومن بعده دريدا «الاقتصاد العام» الذي يأخذ في الحسبان مجابهة الشخصيات للعبثية والعدمية من خلال إيماءاتهم الجسدية ولغتهم غير المتعارف عليها. وانتهت الدراسة بتوصيات للباحثين في المستقبل بإعادة النظر في الكتاب المدرجين تحت «مسرح العبثية » من خلال الاستعانة بنظرية دريدا التفكيكية وآراء بتاي في الشر والأدب.