«جيلنا» لشياو تشوان.. تغيرات الصين في ملامح البشر

«جيلنا» لشياو تشوان.. تغيرات الصين في ملامح البشر

شياو تشوان

أنا مولعة بالأدب الصيني وترجمته، وكذلك أحب التصوير الفوتوغرافي. منذ مدة طويلة رأيت على مدونة صديقة صينية صورًا لمعرض فوتوغرافي اسمه «جيلنا»، أقيم في متحف مين شينغ ببكين -الذي كان مصنعًا للإلكترونيات في الثمانينيات- ويعرض أعمال المصور الصيني الكبير شياو تشوان، الحاصل على لقب «أفضل مصور للبورتريه في الصين». استطاع شياو تشوان بعدسته توثيق حقبة من تاريخ الصين والتغييرات التي طرأت عليها؛ وذلك من خلال تصويره للأماكن المختلفة في الصين، وملامح الصينيين بمختلف فئاتهم، فضلًا عن أنه صوَّر عددًا كبيرًا من الكتاب، والشعراء، والفنانين الصينيين وغيرهم من الشخصيات البارزة.

فيما بعد عرفتُ أن «جيلنا» ليس مجرد معرض، ولكنه مشروع توثيقي أطلقه المصور شياو تشوان عام 1996م، وصدر أيضًا في كتاب بالعنوان نفسه، وضم أعماله الفوتوغرافية. استغرق منه هذا المشروع عشر سنوات تقريبًا، قام خلالها بتصوير عدد كبير من الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين الصينيين. فكما يقال: إن التسعينيات هي العصر الذهبي للأدباء والفنانين في الصين.

أستاذه الأول.. كاميرته الأولى

وُلد المصور شياو تشوان في 1959م في مقاطعة تشنغدو، وعمل مصورًا لصحيفة «الطريق». تعرفت إليه أكثر من خلال فِلْم قصير يتحدث فيه عن بداية مشواره في التصوير الفوتوغرافي. تخرج شياو من المدرسة الثانوية سنة 1978م، ثم التحق بالجيش، وهذه السنة كانت توافق السنة الأولى للإصلاح والانفتاح في الصين. سنة 1980م أرسل له والده 180 يوانًا، فاشترى بالمال أول كاميرا امتلكها في حياته من شارع تشيان مِن ببكين. وصف هذه اللحظة قائلًا: «تأثرت كثيرًا حينها؛ لأنني انطلاقًا من تلك اللحظة، صرت قادرًا على صناعة صورة».

لدى شياو تشوان طريقة وفلسفة خاصة ومدرسة مختلفة في التقاط الصور، فيقول: «في السنوات التي قضيتها في الجيش، كانت رواتب الجنود زهيدة جدًّا، ومع ذلك كنت أدخر كثيرًا، وأنفق معظم ما أدخره على شراء مجلات وصحف التصوير وغيرها. في ذلك الوقت، علمت أن في فرنسا مصورًا اسمه هنري كارتير بريسون، وكان يستخدم كاميرا ماركتها «لايكا» لتصوير المدن التي يألفها. فسرت أنا أيضًا على خطاه في التصوير، حتى باتت الكاميرا تلازمني أينما ذهبت. وعندما سُرِّحت من الجيش وعدت إلى تشنغدو، سرت على النهج نفسه في التقاط الصور، بل تابعت ملاحظة التغييرات التي بدأت تطرأ على الصين من حولي».

بداية الشغف ومشروع العمر

على الرغم من أن شياو تشوان قد صور عددًا كبيرًا من الأدباء والفنانين الصينيين، فإن تجربته في تصوير الرحالة والكاتبة التايوانية سان ماو ربما تركت أثرًا كبيرًا في نفسه. يحكي شياو تشوان قصة التقائه الكاتبة سان ماو: «جاءت سان ماو إلى تشنغدو وعقدت مؤتمرًا صحافيًّا غير مسبوق هناك. وفي الحال قالت لي صديقتي: «ألا تريد التقاط المزيد من الصور، أتت سان ماو إلى تشنغدو»، ثم قالت لي: إن سان ماو وقتها ضيق جدًّا، وطلبت مني أن أتصل بها مجددًا بعد يوم الأحد، فقلت لها: «لن أفعل، فلنذهب إليها من فورنا».

وصلنا إلى بيت سان ماو، وطرقنا باب بيتها، فدعتنا بنفسها للدخول بمنتهي الأدب، قائلة: «أملك 15 دقيقة فقط». ومن فوري التقطت لها بعض الصور في الشرفة، وبعد انتهاء جلسة التصوير، ألقت سان ماو نظرة على الصور، وقالت: «شياو تشوان مهارته متفردة، لكن هذه ليست سان ماو». حينذاك كانت ترتدي سان ماو قميصًا أبيض، وتعقف شعرها. قُلت لها: «رأيي أن ملابسك غير مناسبة». فقالت: «لدي ملابس أخرى، لكنني لا أجرؤ على ارتدائها». ثم أحضرت سان ماو هذه الملابس، وقالت: إن شقيقتها الكبيرة لا تسمح لها بارتداء ملابس الشحاذين هذه. فقلت لها: «سان ماو، أقسم إنني سألتقط لكِ صورًا رائعة».

اعتذرت سان ماو عن بضع مقابلات كانت ستُجرى معها، وذهبت بصحبتي إلى مكان يسمى شارع ليو يين. كان يومًا غريبًا جدًّا، أشبه بتصوير مشاهد لفِلْم ما، وكان هناك العديد من السيدات المسنات تلعبن الأوراق، وكذلك بعض الأطفال يكتبون واجباتهم. قالت سان ماو: إنه سيكون شيئًا جيدًا إذا لم يُزَلْ هذا المكان.

قالت سان ماو لشياو تشوان: «أتعرف، أن أسفاري هي الأشهر في تايبي، وليست كتاباتي، كنت أتطلع دائمًا إلى أن أجد مصورًا ليتعاون معي. أبوسعك أن تعمل وقتًا إضافيًّا الليلة؟ عندي شغف حقيقي لرؤية مجموعة الصور هذه». وبالفعل كما تمنت سان ماو، التقط لها شياو تشوان صورًا فريدة من نوعها في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي عندما ذهب لتسليمها الصور، أعجبتها الصور كثيرًا، حتى إنها قالت بحماسة «رائع، رائع». ظلت نظرتها معلقة بصورة كانت تجلس فيها على الأرض أمام باب، وقالت: «شياو تشوان، هذه ليست صورة مكتملة، ولكنها لا تقدر بثمن. عندما كنت في العشرينيات كان شعري قصيرًا، أحمل على ظهري حقيبة وأذهب بمفردي إلى بعيد. مرت عشرون سنة، وها أنا وحدي. انظر، يا لها من امرأة عنيدة». وبعد هذا اللقاء بثلاثة أشهر، جاء خبر رحيل سان ماو. وكان صدمة عنيفة لكل محبي سان ماو وقرائها. جمع شياو تشوان كل الصور التي التقطها لها، ثم نشرها مع مقتطفات من قصائدها وكتاباتها في كتاب أطلق عليه اسم «عصفور الجنة»».

إن الصور لا تجمد لحظة بعينها، أو حتى تحتفظ بملامح المكان والبشر وحسب؛ ولكنها توثق المشاعر والتجارب والذكريات وبعض الآمال… والشغف يخلق دروبًا، لم يخطر ببالنا أننا سنسير فيها قط. بل كذلك يدفع المرء لفهم ذاته، ويمنحه طاقة للمواصلة.

وصف شياو تشوان مشروعه قائلًا: «من وجهة نظري الشخصية، إن مشروع «جيلنا» يرمز إلى جيل ترعرع في عصر ماو تسي تونغ، وتطور في عصر دنغ شياو بينغ. التقطت صورًا كثيرة تجسد مشاهد لعامة الناس، وأظن أن هذه المشاهد كانت نموذجية إلى حد ما. إن الفنانين والكتاب الذين قابلتهم هم قدري، وصار جميعهم من صفوة الأدباء والفنانين بعد عصر ماو. وأنا أيضًا ممنون جدًّا؛ لأنه خطرت لي مثل هذه الفكرة في ذلك الوقت، بل لأنني صورت هؤلاء الناس، وكذلك تمسكت بفكرتي لعشر سنوات، حتى أتممتها في النهاية».


هامش: سان ماو كاتبة تايوانية (1943-1991م) عاشت في الصحراء الغربية في المغرب، وتأثرتْ كثيرًا بها، وكتبت واحدًا من أهم مؤلفاتها «قصص الصحراء».