قصة نجاةٍ

قصة نجاةٍ

الساعة تُشيرُ إلى الواحدة ليلًا، توارى القمر بين السحبِ وذهب ضوؤهُ وشحبت النجوم وخبا بريقها، فاكتنفَت المكان ظُلمة غاسقةٌ حالكةُ السواد، وعمَّ الجو سُكونٌ مُوحشٌ مُطبقٌ من كل جانبٍ لا يقطعهُ سوى صوت الريح مُولولةً عابثةً، وهديرُ الموجِ المتلاطمِ يتكسرُ على أطراف قواربِ الصيد المتناثرةِ على حافة شاطئِ «اللفلاف». رنَّ الهاتف ثلاث رنات متقطعة، إنها الإشارة المُتفقُ عليها بين الرايس «صالح» ومجموعة «الحراقة».. تحت جنح الظلام تسلل الشباب بتؤدة وحذرٍ محتمين بسواد الليل وأشجار النخيل التي تغزو المنطقة الفاصلة بين «الڤونة» ونقطة الانطلاق على الشاطئِ، والڤونة في عُرف الهجرة غير النظاميةِ هي قاعة الانتظارِ التي يمكثُ فيها الحراقة ريثما تحينُ ساعة الانطلاق، وهي عبارة عن «حوش» قديم متآكلٍ يتكون من غرفتين ومطبخٍ صغير وحمامٍ يتوسطهم فناء مكشوف غير مبلطٍ، فُرشت كل غرفةٍ بحصير قديم متآكلٍ وبعض الحشايا المهترئة تنبعث منها روائح العطونة.

مضى على وصولهم هذا المكان أربعة أيامٍ لا يُغادرونه ليلًا أو نهارًا، ينتظرون ساعة الإقلاع بفارغ الصبر حتى ملُّوا الانتظار وسئموا قرف المكان وسوء الطعام وشدة البرد ليلًا. كان البحرُ طيلة الليالي الأربع الماضية مضطربًا لا يُشجعُ على الإبحارِ، وقد مَلَّ الجماعة المماطلة والتسويف، فاتفقوا أن يُخيروا منظم «الحرقة» بين أن يُقلع بهم الليلة أو يُعيدَ لهم ما دفعوه «ولا حلت لا ربطت». وأمام إصرار المجموعة وإلحاحهم لم يكُن أمام المُهرب من حل سوى الإذعان لطلبهم وركوب البحر في مثل هذا الطقسِ. وطلب منهم التريث والانتظار ريثما تصل أحدهم الإشارة المتمثلة في الرنات الثلاث المتقطعة.

عند وصولهم حافة الشاطئ تفاجؤوا بفوج آخر يستعدون للإقلاع معهم على القاربِ نفسه، تفاجأ كلا الفوجين بالآخرِ واستغربوا هذا السلوك؛ لأن الوسيط كان يؤكدُ لهم أن المجموعة لا تتجاوز عشرة أنفار ضمانًا لسلامتهم ووصولهم آمنين. تلكأ بعضهم وتبرَّم بعضهم الآخر، لكنهم رضخوا في النهاية مرغمين. أسرعوا بالصعود على ظهر المركب. تراصّ الشباب حتى غص بهم المركب، عشرون شابًّا من أعمار مختلفة جمَعَهم طموح الإبحار إلى الضفة الأخرى من المتوسط بحثًا عن الفردوس المفقود بعد أن لفظتهم مدنهم وعائلاتهم وبلدهم الذي عجز عن استيعاب مطامحهم وتوفير العيش الكريم لهم. أزفت ساعة الانطلاق، فتح بعضهم هواتفهم التي كانت مغلقة يتصلون بأهلهم وأصدقائهم يعلمونهم نيتهم الهجرة نحو السواحل الإيطالية خلسةً، وشرع بعضهم الآخر يرددُ أدعية ويتلو آيات قرآنية، وفتح أحدهم كاميرا هاتفه وأخذ يخلدُ هذه اللحظة التاريخية في فيديو ينزله على صفحته في الفايسبوك. دوى المحركُ وانطلق المركب بطيئًا في سيره متمايلًا، ثم سرعان ما شرع يمخر عباب البحر مسرعًا في سيرهِ.

كان من ضمن الحراقةِ «عادل» وهو فتى لَمَّا يجاوز العشرين، نحيف الجسم أسمر البشرةِ حاد الطباع، نشأ وسط أسرة ريفية وفيرة العدد محدودة الموارد، مؤلفة من أربع بنات وولدين يعاني أحدهما إعاقةً جسمية منذ ولادتهِ، وأم وأب وجدة كسيحةٍ يعولها شخصٌ واحدٌ هو والدُه، غير أن الراتب الذي يتقاضاه من عمله حارسًا في مصنع المشروبات الغازية لا يسع متطلبات هذه العائلة، وهكذا اتسع الخرقُ على الراتقِ فاضطُرَّت كبرى الفتيات للانقطاع عن التعلم حتى توفِّر عن والدها نفقات الدراسة، ولم يُجاوز «عادل» الصف الثامن أساسيًّا وسار في دروب الحياة يبحث عن عمل فتعلم حرفة «الحدادة»، وصار يُتقنها لكنهُ لم يستمر فيها كثيرًا إذْ لم يَرُقْه هذا العمل كثيرًا، وبخاصة الاشتغال تحت إمرة مُشغِّل يأمره وينهاه ويحطُّ من قيمته متى اقتضى الأمرُ، كما كان يظُنّ أنه لم يُخلَق لمثل هذا الشقاء والتعب، وأن له في مكان ما من هذا العالم نصيبًا أفضل ينتظره.

وسُرعان ما عنَّ لهُ خاطرُ الهجرة نحو الضفة الشمالية للمتوسط حيث يُمكنهُ أن يُودعَ الفاقة نهائيًّا، ويعود بجيوب مكتنزة بحزم من «الأورووات» وسيارة فارهة وحسناء أوربية شقراء، فهل «سمير» ابن قريته أفضلُ منه؟ لقد حقق في سنوات وجيزة ما يعجز عن تحقيقه موظف بعد مسيرته المهنية كاملةً. وهكذا عقد العزم وبدأ في تجميع مبلغ الحرقةِ، وقد ساعده على ذلك كثير من معارفه وأصحابهِ، ولبث يبحث عن «خيط صحيح» إلى أن عثرَ على «العصفور»، والعصفور هذا كنية لوسيط يعمل همزة وصل بين منظمي الهجرات السرية والحالمين بالحرقة لا يعرفون له اسمًا ولا كنية أخرى خلاف «العصفور»، وهو يجيد التحيل ونسج الكلام والإيقاع باللاهثين وراء السراب. رتب كل شيء وغادر دون أن يعلم عائلته بذلك. أخبرهم أنه تحصل على عمل في إحدى النزل في جربة، جمع بعض أدباشه في حقيبة ظهر واشترى سترة نجاة من إحدى محلات بيع لوازم الصيد من وسط المدينة وغادر.

كانت السماء متلونةً باللون الأرجواني ما يُنذرُ بأمطار غزيرةٍ، وسرعان ما انطلق البرق يشق بوميضه كبد السماءِ، واشتدت قوة الرياحِ، وأخذت أمواج البحر تتقاذف المركب يَمْنةً ويَسْرةً. لم تمضِ لحظات حتى بدأت المياهُ تغمرُ القارب، وحلَّ الهلعُ بالراكبين، واستبدَّ الخوف بهم، تذكر عادل سترة النجاة التي ألحّ عليه «خالد» صديقه لشرائها تحسُّبًا لأي طارئ. بسرعة ارتداها وقبل أن يرمي بنفسه في اليم كان المركب قد انقلب بهم جميعًا…

بعْد يومٍ كفت العاصفة وهدأ الجو فأبحر صيادو «مليتة»، وإذا بهم يكتشفون الكارثة، دققوا النظر علَّهم يتفطنون لناجٍ يُسعفونه ويحملونه معهم، لكن لا حياة لمن تنادي، لم ينجُ من هذه الكارثة أحد لقد تحطمت ألواح المركب ولم يبقَ إلا بعض الجثث التي تيبَّست أطرافها تطفو على سطح الماءِ. سارع أحدُ البحارة بالاتصال بخفر السواحل يُعلمُ بالحادث، وأرادوا مواصلة طريقهم، وفي لحظة حطَّ أحد النوارسِ على جثة عادل ينهش لحمها بمنقارهِ وإذا بجسد الفتى ينتفضُ بقوةٍ ويستفيق من غفوته.. فاهتز النورسُ مذعورًا يفرد جناحيه في صخبٍ… لاحت التفاتة من أحد البحارةِ وكاد يصعقُ لما رآهُ…