السؤال المفصلي المطروح

السؤال المفصلي المطروح

منذ أزمة 2008م المالية العالمية وكثير من دوائر الفكر والبحوث والإستراتيجيات التنموية تطرح السؤال الآتي: إذا كان الاقتصاد الرأسمالي العولمي المرتبط أشد الارتباط بالفكر النيوليبرالي قد أصبح اقتصاد أزمات متكررة، ما إن تهدأ في مكان حتى تنفجر في مكان آخر، أفلم يحن الوقت لتركه والانتقال منه إلى أفكار وممارسات اقتصادية مختلفة ترتبط تدريجيًّا ببعض مبادئ ومنهجيات الاشتراكية وتقطع علاقاتها مع مبادئ ومنهجيات النيوليبرالية؟

هذا السؤال مطروح الآن بصوت عالٍ، وعلى الأخص من أقلام جادة موضوعية، عبر العالم كله، بما فيه الدول الرأسمالية التاريخية الكبرى التي تكتوي مجتمعاتها في الحاضر بنيران الأزمة تلو الأزمة. وإذا كان منظرو ورافعو راية الاقتصاد الرأسمالي العولمي الحالي، من مثل مدرسة شيكاغو الشهيرة بقيادة عرابيها من مثل فريدرك فريدمان، لا يرون في الأزمات أكثر من نتوءات مرحلية مؤقتة خارجة عن التيار المألوف الاقتصادي العام القادر بصورة تلقائية على الرجوع إلى توازنه بعد كل أزمة، فإن علماء الاجتماع والسياسة يرون غير ذلك، وأن الأزمات المالية تعكس نقاط ضعف عميقة وخطرة في جوهر الفكر والممارسة الرأسمالية النيوليبرالية العولمية.

هناك خلفية وراء واقع الموضوع الاقتصادي الذي نعيشه بحاجة لإبرازها. فأولًا هناك موضوع الخلافات حول العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، ممثلة في العلاقة بالديمقراطية تحديدًا. فمنذ القرن التاسع عشر وجدت طبقة الأغنياء المحافظة، الخائفة دومًا من تطبيق الديمقراطية بسبب إمكان فرض أغلبية المصوتين، وأكثرهم من المواطنين الفقراء ومن هم دون الطبقة الوسطى مطالبهم، والرافضة بشدة مبدأ تدخل الحكومات لضبط حرية الأسواق من جهة ولضبط توزيع الثروة من جهة أخرى. من هنا نبعت فكرة ضرورة استقلال الاقتصاد والأسواق عن أي تدخل حكومي أو سياسي؛ ذلك أن عدالة السوق بالنسبة لهم تغني عن أية عدالة أخرى، بل وصل الأمر إلى رفض تسمية «الرأسمالية الديمقراطية»؛ لأنها تؤكد ضرورة الترابط المحكم فيما بين نظام السوق الاقتصادي الحر من جهة، ولكن الذي تحكمه وتنظمه وتمنع شططه السياسة المتمثلة بنظام ديمقراطي ليبرالي من جهة أخرى.

ولذا، وبديلًا عن ذلك، اقترح عتاة المناصرين للرأسمالية المنفلتة أن يستبدلوا بتركيبة الديمقراطية الانتخابية الجماهيرية السائدة ديمقراطيةً يقودها رجال الأعمال والمال، أي ديمقراطية النخبة.

لكن مجيء الشيوعية وصعودها السريع في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور أحزاب شيوعية متنامية القوة والنفوذ في معاقل الرأسمالية، وعلى الأخص في بلدان أوربا الغربية، قلب المشهد السابق إلى مشهد توافقي. ويقضي هذا المشهد الجديد بقبول العمال وجود النظام الرأسمالي الديمقراطي، بما فيه الملكية الخاصة والأسواق الحرة المحكومة بضوابط، بشرط وجود حكومات تطبق مبدأ الرعاية الاجتماعية في حقول من مثل الصحة والعمل والتعليم والإسكان، بشرط أن تضمن ارتفاع الأجور سنويًّا، والسماح بوجود نقابات عمالية مستقلة قادرة على الدفاع عن المصالح العمالية بشتى الطرق الضاغطة، بما فيها الإضرابات والمساومات الجماعية السلمية، وتقليص نسبة البطالة إلى ما يقرب من الصفر.

لقد نجحت تلك المعادلة التوافقية عبر الثلاثين سنة التالية بسبب النمو الاقتصادي المتنامي وقدرة الرأسمالية الليبرالية على تقاسم بعض من خيراتها مع العمال، إلى أن بدأ النمو الاقتصادي يتباطأ ابتداءً من السبعينيات بسبب التضخم المالي الكبير، وأصبحت الحكومات غير قادرة على تقديم الرعاية الاجتماعية المعقولة والكافية التي ظنت الجماهير والأحزاب اليسارية أنها أصبحت، قانونًا وعرفًا، حقًّا من حقوق الطبقة العاملة.

انتقال كارثي

هنا، وانطلاقًا من معقلي الرأسمالية المحافظة في إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية، انتقلت الرأسمالية الديمقراطية التوافقية إلى وضعها الحالي، وضع الرأسمالية النيوليبرالية العولمية التي تقوم على أسس وممارسات جديدة تحكمها، وتتلخص في الآتي: تقليص دور الدولة في حقلي الاقتصاد والاجتماع إلى أدنى المستويات، وترك إدارتهما وضبطهما إلى قوانين العرض والطلب ومتطلبات الأسواق الحرة المستقلة القادرة على أن تحكم نفسها بنفسها من دون حاجة إلى تدخلات الدولة، وبالتالي، وكنتيجة منطقية، خصخصة الخدمات الاجتماعية والنقل العام وشركات استغلال الثروات الطبيعية العامة، وبالطبع الامتناع عن زيادة الضرائب على الأغنياء، إن لم يكن تخفيضها.

كان الانتقال إلى الرأسمالية النيوليبرالية العولمية كارثيًّا بكل المقاييس. فحرية الأسواق التي قيل: إنها قادرة على ضبط نشاطاتها المالية من الشطط فشلت في أن تفعل ذلك. وكانت النتيجة انفجار أزمات مالية عدة، كانت آخرها وأكبرها أزمة 2008م التي بدأت في الولايات المتحدة الأميركية ثم شملت العالم كله، وما زالت آثارها معنا.

على الرغم من أن تلك الأزمات قد تسببت في تفجرها مؤسسات خاصة كبرى، وأنها كانت أحيانًا نتيجة لمغامرات غير محسوبة، فإن الحكومات اضطرت للتدخل لإنقاذها خوف أن يقود تساقطها إلى إفلاسات ألوف المؤسسات المالية والاقتصادية الصغيرة والمتوسطة الأخرى، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات سياسية وأمنية تؤدي بدورها إلى زوال مجتمعات.

وهكذا أنقذَتها الحكوماتُ من خلال تراكم ديون عامة على الحكومات التي سيتحمل دفعها المواطنون العاديون لسنين طويلة قادمة.

فإذا أضيف إلى ذلك ما قادت إليه هذه الرأسمالية النيوليبرالية من تركز الثروات في أيدي قلة وصلت إلى حدود امتلاك واحد في المئة من سكان الأرض لأكثر من خمسين في المئة من ثروة العالم، وإلى تراجع رهيب في عدد أفراد الطبقة الوسطى ومداخيلها، وإلى تزايد متنامي في عدد فقراء العالم، وإلى تنامي ظاهرة ونسب البطالة، وإلى تراجع في قوة وفاعلية النقابات، وإلى وصول أحزاب اليسار إلى حافَة العجز والانكفاء الانتخابي وصعود الأحزاب اليمينية… إذا أضفنا إلى كل ذلك، كثيرًا من السلبيات، من مثل انتشار وباء الكورونا المفاجئ الذي شل الحياة الاقتصادية الإنتاجية في كل العالم وأفقد الملايين وظائفهم؛ أدركنا سبب الصعود المفاجئ لفكر مراجعة ونقد واتهام الرأسمالية العولمية الحالية وفكرها السياسي النيوليبرالي المُعادي لكثير من القيم، وعلى رأسها قيمة العدالة الاجتماعية والأخلاقية وسلوكيات التعاضد الإنساني.

ولا توجد دلائل على أن توافر المال الرخيص الذي يميز الحاضر، والنمو الاقتصادي المرتبط بوسائل التواصل الإلكتروني ومستجدات تقنية الروبوت والذكاء الاصطناعي ستكون كافية لإصلاح ما دُمّر وتعفن، ولا تدخلات وتوجيهات مؤسسات من مثل البنك الدولي وستكون قادرة على إعادة بناء ما تهدم على مستوى الدول ومستوى العالم. وبالطبع لن ينفع التعويل على النخبة الفائقة الغنى لإنقاذ وإصلاح أوضاع أسهمت في خلقها منذ ثمانينات القرن الماضي، وجنت كل ثمارها، وما زالت تؤمن بمنطلقات رأسمالية متعثرة ومضطربة فكريًّا وقيميًّا. وحتى انتقال الثقل الاقتصادي من معاقله الرأسمالية القديمة إلى معاقل جديدة في آسيا لن يغير الصورة الكالحة التي يعيشها العالم اليوم نتيجة للصراعات والمنافسات المجنونة غير المنضبطة.

عالم يواجه تحديات

والنتيجة لكل ما سبق ذكره أننا الآن، كما يصفه الكاتب الأميركي أشلي سميث، أمام عالم يواجه خمسة تحديات كبرى هي: الركود الاقتصادي، والمنافسة الاستعمارية المجنونة، ودمار ممنهج للبيئة، وهجرة الملايين هربًا من الحروب والصراعات والفقر المدقع، وأوبئة عولمية تقتل الملايين وتخنق الاقتصاد. ولن تكون تلك تحديات مؤقتة وإنما ستتبدل تمظهراتها، في شكل أزمات، حقبة بعد حقبة طالما بقي في العالم ذلك النظام الاقتصادي – السياسي البائس، وطالما حكمت المجتمعات قيادات جاهلة بليدة قليلة الحساسية تجاه العدالة ونبل الفضائل الأخرى.

اليوم يقف المفكرون والمثقفون الملتزمون أمام قول مبهر قاله ماركس منذ نحو قرنين من أن النظام الرأسمالي ينتج حفاري قبره، ثم يسألون: إذن ما العمل؟ وهذا هو السؤال المفصلي المطروح.

هناك كثير من الإجابات، ولكنّ بعضًا من هذه الإجابات لافتة للنظر وتستحق إبرازها؛ وذلك لأنها تمسّ الأعماق وجذور المشكلات، وتنادي بضرورة توجه العالم نحو منعطف اقتصادي وفكري تاريخي جديد، بعد أن خبر عبر قرون عدة نظامًا سابقًا ثبت فشله وأوصلنا إلى الحالة المأساوية التي نواجهها.

من هذه الإجابات مثلًا كتاب: «لماذا الماركسية كانت على حق» للكاتب البريطاني تيري إيغلتون، وهو يساري معتدل، وليس شيوعيًّا متطرفًا يمكن أن يتهم بالهوس الأيديولوجي. من بين أهم استنتاجات كتابه أن ماركس كان من بين أشد المؤمنين بأهمية الفرد وأكثر المتشككين في الأيديولوجية النظرية البحتة، وأنه كان ينشد التعددية وليس النمطية الفكرية الواحدة، وكان شديد الحذر من شطط سلطة الدولة، ورأى أن الاشتراكية هي تعميق للديمقراطية وليست عدوًّا لها، وأن بعض الثورات يمكن أن تكون سلمية وتنجح، وأنه لم يكن من عبدة المادية البحتة، وإنما رأى فيها تناسقًا مع الأفكار الأخلاقية والروحية، وأنه رأى الاشتراكية كوريث لشعارات ومنطلقات الحرية والحقوق المدنية والرفاه المعيشي المادي، وأنه كان من أشد المناصرين للمرأة وحقوقها ونهوضها، وأخيرًا فإنه كان من أشد المعارضين للفاشية والكولونيالية. ويختم الكاتب كتابه بالقول: ومع ذلك لم يعرف العالم مفكرًا هزءًا أكثر من ماركس. ونقول نحن: هل حقًّا الليبرالية والاشتراكية نقيضان لا يلتقيان؟ أم فيهما إمكانيات التفاعل المبدع؟

ومثل عنوان ذلك الكتاب اللافت للنظر يجد الإنسان مثالًا للكاتب الأميركي بوب ستون بعنوان له دلالة: «لماذا الماركسية غير ميتة (لأن الرأسمالية لم تمت بعد): الضرورة للاشتراكية التعاونية». وفي هذا المقال ملحوظات بالغة الأهمية لأسباب فشل التجربة السوفييتية الاشتراكية، وأنها تجاهلت العديد من منطلقات الفكر الماركسي أحيانًا، والعديد من تطبيقاته الاشتراكية أحيانًا أخرى.

ويظهر بوضوح أن هناك محاولة للفصل فيما بين الفكر الذي تمثله الماركسية والنظام الاقتصادي والسياسي الذي تمثله الاشتراكية. وتقدم الاشتراكية لا كصورة متزمتة واحدة وإنما كتجليات تكوينية وتنظيمية متباينة لتأخذ في الحسبان خصوصيات المجتمعات ومستويات تطورها الحضاري. ولأن أدبيات الموضوع كثيرة وبالغة التنوع فإنه من الضروري إفراد مقال آخر لما تقوله تلك الأدبيات بما فيها الأدبيات العربية؛ ذلك أن الرأسمالية الكينزنية الكلاسيكية والرأسمالية العولمية النيوليبرالية قد وصلا إلى طريق مسدود مليء بالأزمات الكارثية؛ وهو ما يستوجب فتح طريق سالك جديد مهما كانت أسماؤه وأنواع حلوله.

من مهمات كتابة التاريخ العربي

من مهمات كتابة التاريخ العربي

يمكن القول: إن موضوع كتابة وفهم ومكانة التاريخ العربي مثل إشكالية نقاشية، طالت منهجية سرده، ومكانته الفكرية، ومدى هيمنته على الحاضر العربي، ومدى أهميته النهضوية للمستقبل العربي، وأخيرًا نوع ارتباطه بالهوية العروبية وبالأيديولوجية القومية العربية الحديثة.

وفي اعتقادي أن ذلك سيظل معنا لسنين طويلة قادمة إلى أن تصل الأمة العربية، إلى حل مقنع ومترسخ في الواقع لهويتها الجامعة ولوحدتها القومية ولمكونات ثقافتها الأساسية.

وإذا كان هناك من يشك في أهمية التاريخ لبناء الأمم، فليتمعن في الاستعمال المكثف لتاريخ مليء بالأساطير الدينية المختلقة وبالأكاذيب المتخيلة، الذي برر به الغزاة الصهاينة احتلالهم الاستيطاني لفلسطين العربية وتشريد شعبها العربي في المنافي، ونجاحهم في إقناع أجزاء مهمة من عالمنا الحاضر، وعلى الأخص العالم الغربي، بقبول ذاك التاريخ وبالتالي ذلك الاحتلال الاستئصالي العرقي كحق تاريخي لاسترجاع أرض كانت في الأصل ملكًا لمعتنقي الديانة اليهودية؛ إنه مثل ساطع لتزوير كتابة التاريخ بامتياز وجعله أساسًا انتهازيًّا لمشروع سياسي استعماري.

تطور كتابة التاريخ

كانت كتابة التاريخ في الماضي، عند العرب وغيرهم، سردية في شكل سيرة القادة والحكام، الحقيقية والمتخيلة، أو في شكل أساطير حربية أو دينية. ولأنها كانت جهودًا فردية ظلت في أغلبها جزئية تتحدث عن هذا الحدث من هذا الجانب أو ذاك، وعند العرب عن هذه القبيلة أو تلك العائلة الحاكمة المهيمنة. وكان هناك إهمال واضح للشعوب وللأناس العاديين ولكثير من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لصالح الجوانب السياسية والعسكرية. وبالتالي لم يكن تأريخًا اجتماعيًّا تكامليًّا شموليًّا، مترابطة أجزاؤه لإبراز العناصر الحضارية في تاريخ المجتمعات. إذن لم يكن علمًا قائمًا بذاته ولا حتى جزءًا أصيلًا من علم معترف به.

لكن تلك الصورة قد تغيرت، في أوربا منذ قرون عدة وفي بلادنا العربية منذ القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما اقتحم الفلاسفة حقل التاريخ وأوجدوا مدرسة فلسفة التاريخ لاستعمال منهجيات الفلسفة في الحكم على التاريخ، ثم ترسخت مدرسة التاريخ الاجتماعي التي أعطت أهمية لدراسة وكتابة التاريخ الكلي من خلال دراسة مؤسسات وأنشطة الاجتماع الكلي في ذلك التاريخ، اقتصادًا وسياسة وثقافة وعلمًا وفنونًا وعمارة وغيرها. وبتفاعل فلسفة التاريخ بمنهجية التاريخ الاجتماعي انتقلت كتابة التاريخ من السردية إلى الوضع الحالي، حيث أصبح التاريخ علمًا تحليليًّا نقديًّا تركيبيًّا للأشخاص وللأحداث وللثقافة وللقيم السائدة، أي لحضارة معينة، في زمن معين، في مكان محدد.

ومن حقنا، نحن العرب، أن نفاخر بمجموعة فذة من المؤرخين العرب الذين تصدوا لمهمة ذلك الانتقال النوعي لكتابة تاريخ العرب، وأغنوا أساليبه ومنهجياته ومكوناته. وكمثال فقط، إذ القائمة طويلة جدًّا ولها كل الاعتبار، نذكر أسماء عبدالعزيز الدوري وصالح العلي من العراق، ومحمد عابد الجابري من المغرب العربي، وهشام جعيط من تونس، وقسطنطين زريق من سوريا.

مهمة كتابة التاريخ في الحاضر

الهدف من تلك المقدمة وسرد تاريخ مسيرة كتابة التاريخ كان الوصول إلى هذه النقطة الأساسية: وهي أننا نتحدث عن كتابة تاريخنا العربي بطريقة علمية اجتماعية فلسفية نقدية كلية؛ من أجل أن تؤدي تلك الكتابة إلى تحقيق أهداف حداثية يتطلبها الواقع العربي الحالي المفجع، لتعينه على الخروج من حالات التمزق والتخلف الحضاري والاستسلام المذل التي تعيشها حاليًّا أمة العرب، كما يعيشها كل قطر عربي بصور خاصة به. ولما كان تفسير التاريخ وفهمه هو عملية تفاعل وتجاذب بين المؤرخ وحقائق التاريخ فإن الجهة التي ستتصدى للقيام بهذه المهمة، وهي أكثر من مؤرخ واختصاصي وتضم شتى التخصصات الفرعية في علم التاريخ وعلوم الاجتماع والإنسانية، يصبح أمر تكوينها وتمويل عملها والجهة التي تضع لها ضوابط عملها أمرًا بالغ الأهمية.

وما يهمنا من تلك المهمة التأريخية العربية هو تحقق الأهداف الآتية:

أولًا- إظهار التمازج والتفاعل والتأثيرات المتبادلة فيما بين مسألتين: التأريخ العلمي لتاريخ العرب القديم والحاضر من جهة، والمشروع القومي النهضوي العربي بتلاوينه وتجلياته من جهة ثانية، وعلى الأخص بالنسبة لجانبين من ذلك المشروع القومي النهضوي وهما هدفا الوحدة العربية والتجديد الحضاري.

دراسة التاريخ القديم من أجل إبراز دور ذلك التاريخ في تكوين وإغناء مسيرة الهوية العروبية المشتركة عبر القرون، من خلال إظهار الأدوار الإيجابية في العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية والدينية في مسيرة ذلك التاريخ الواحد، ودراسة التاريخ الحديث لتقديمه ليس كتاريخ عبء ويأس وحصيلة ونقد استشراقي لبناء الشعور بالنقص في الذات العربية، وإنما كتاريخ حافز على الانتقال إلى جعل دراسته، كما بين المؤرخ توينبي، كتحدٍّ حضاري عربي لتوليد رد فعل حضاري عربي مجدد ومنقذ، بما فيه التوجه نحو القومي المشترك في حقول الثقافة والاجتماعي والاقتصادي، ثم السياسة في تدرجها الوحدوي.

وعندما تنتهي تلك المهمات سيصبح الانتقال إلى مشروع الأمة العربية/ الدولة القومية أوضح وأكثر موضوعية وأشد قبولًا. وسيكون أقوى جواب على المتشككين والمترددين والمعادين لوحدة هذه الأمة، سواء من أوساط الاستعمار والصهيونية أو من جانب بعض المنغلقين الأنانيين العرب.

ثانيًا- إن ذلك المشروع القومي يجب ألا يؤخذ كرفض لكتابة التاريخ الوطني لهذا القطر العربي أو ذاك. ولكن سيهمنا مقدار دمج الوطني في مسيرة التاريخ العام المشترك كمعين ومنقٍّ وحافز وليس كعائق ومتصادم ومشوش، كما سيريده الخارج المعادي أو الداخل المشوش بالمظالم المؤقتة في هذا القطر أو ذاك.

والواقع أن الكتابة العلمية الموضوعية الكلية للتاريخ الوطني الجامع الموحد لمكونات الدول العربية الوطنية الحالية، التي يراد لها أن تنقسم وتتجزأ أكثر على أسس قبلية أو مذهبية أو عرقية، أصبحت لا تقل أهمية عن المشروع القومي المشترك الذي نتكلم عنه. ذلك أن بعض كتابات التاريخ الوطني غير العلمية والموضوعية، بل المنتقاة والمنحازة، هي أحد أسباب الصراعات والانقسامات التي رانت مؤخرًا على المشهد الوطني العربي في كثير من أقطاره.

وبالمثل يأمل الإنسان أن تساهم الكتابة الموضوعية العلمية للتاريخ العام في تصحيح أية نقاط ضعف في ذلك التاريخ الوطني وتنقيته من أية أهداف خبيثة.

ثالثًا- يأمل الإنسان أن تقود كتابة التاريخ العربي المشترك إلى جعله جزءًا من مقررات دراسة التاريخ في المدارس والجامعات، كما اقترحته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مرارًا في الماضي.

في أجواء الضياع الحالية أصبحت تلك الخطوة مهمة جدًّا لإعادة ثقة الشباب والشابات العرب في الضرورة الوجودية لوحدة أمتهم ووطنهم العربي الكبير. ومن المؤكد أن تلك الخطوة ستساهم في إعادة تعريف وتنقيح العديد من الكلمات والشعارات، التي تراكمت في أدبيات السياسة والفكر العربي الحديث تأثرًا بما طرحته أوربا من جهة، ورغبة بعضهم في مزاحمة الوطني للقومي من جهة أخرى. وبالطبع هناك مهمات أخر قد يرغب بعضهم في تحققها، لكننا معنيون بالمهمات المفصلية والأهداف العائقة المستقبلية.

جودة الحياة: الشروط والنتائج والإشكالات

جودة الحياة: الشروط والنتائج والإشكالات

كثر الحديث مؤخرًا في مجلس التعاون الخليجي عن شعار جودة الحياة كهدف من أهداف التنمية الإنسانية، وكمدخل لسعادة شعوب بلدان المجلس، ومن ثَمَّ كقيمة اجتماعية تسعى لتحقيقها شتى الإستراتيجيات التي وضعتها لمجتمعاتها بعض حكومات دول المجلس. لكن، من أجل ألا نجري وراء سراب سنحتاج للاتفاق على تعريف الشعار، وشروط تحققه، والنتائج المتوقعة الحدوث عند الوصول إليه وتحققه في الواقع.

ومن البداية سنصطدم بإشكاليات المعاني المتعددة للكلمات. فمعنى كلمة «جودة» يختلف من شخص إلى شخص، ومعنى كلمة «الحياة» يختلف من مدرسة فلسفية أو دين أو عرف في مجتمع إلى مدرسة أو دين أو عرف في مجتمع آخر. وعند ذاك ندخل في عوالم شعارات الغموض والتكهنات التي إن وجدت تفسد ممارسة السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ولن يكون بمستغرب أن يختلط الأمر على بعضهم فلا يفرقون بين تعبير جودة الحياة وبين حياة الفراغ والرفاهية (LEISURE LIFE)، فالحياة الثانية لها خلفية تاريخية ارتبطت بطبقات النفوذ والغنى والجاه، وبالاستهلاك المادي والمعنوي النهم، وبالذاتية المنغلقة على نفسها والمعنية بحاجاتها وطلباتها الأنانية.

تعريف جودة الحياة

لو أننا أخذنا التعريف المبسط لما كان أكثر من مدى الحالة الصحية التي يتمتع بها الفرد، ومقدار الراحة والطمأنينة في حياته، ومدى مشاركته في متع الحياة. هذا تعريف طبي ونفسي لا يكفي لجعل جودة الحياة هدفًا في إستراتيجيات التنمية الشاملة. الأقرب إلى التعريف الشامل هو توافر الجوانب الضرورية الآتية للفرد: خدمات صحية من دون عوائق مالية أو جغرافية، الحصول على حد أدنى من التعليم الميسر لعيش الحياة بكفاءة وإنتاج وإبداع ومتعة، حياة اقتصادية معقولة من خلال وظيفة ومتعة، حياة اقتصادية من خلال وظيفة أو عمل شخصي يؤمنان دخلًا كافيًا للضرورات المعيشية من غذاء ولباس وسكن، وجود علاقات عائلية واجتماعية وصحية وسعيدة، حياة آمنة، وبيئة طبيعية نظيفة، ودولة تحفظ له حقوقه الإنسانية والدستورية والقانونية من خلال المواطنة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات. هناك ضرورة للتوازن بين المادي والمعنوي.

نحن هنا نبتعد من قصر الموضوع على الاقتصاد فقط وذلك بقول بعضهم: إن جودة الحياة في المجتمعات تعرف بحجم الدخل القومي الكلي، من دون الانتباه إلى عدالة توزيع ذلك الدخل وأولويات صرفه، وبخاصة صرفه على مختلف خدمات الأمن الاجتماعي.

الشروط المطلوبة

إن مراجعة لما استطاعت أن تحققه في هذا المضمار الدول المتقدمة تبين أن الوصول إلى تحقيق كل المكونات الأساسية السابق ذكرها هو نادر الحدوث، نظرًا لعدم توافر كل الشروط الضرورية المطلوبة في آن واحد. أول الشروط هو وجود مؤسسات تؤمن بفكرة وممارسة دولة الرعاية الاجتماعية. وهي فكرة التزمت بها كثير من دول العالم المتقدم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنها بدأت تهجرها منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي بسبب صعود أيديولوجية النيوليبرالية العولمية الرأسمالية، المنادية بتخلي الحكومات عن الالتزام الأخلاقي والدستوري الحقوقي بتوفير الخدمات الاجتماعية (وعلى الأخص في حقول الصحة والتربية والسكن والعمل) لكل المواطنين.

وبالطبع، وكنتيجة لذلك التخلي سيجري الانتقال إلى خصخصة تلك الخدمات وجعلها من مسؤوليات الشركات والجماعات والأفراد المتنافسين في أسواق القطاع الخاص. وهذا بدوره سيقود إلى توافر متطلبات جودة الحياة فقط لمن يستطيع أن يشتري ويدفع أو يستدين ويعيش جنون ملابسات عالم الديون وأزماته. وسيدفع الفقراء الثمن.

والسؤال: هل حكومات دول مجلس التعاون، التي تبنت كلها الفلسفة النيوليبرالية تلك وسارت أشوطًا في طريق تطبيقها، على استعداد أن تراجع نفسها وتعود إلى فكرة دولة الرعاية الاجتماعية التي تميزت بها منذ بضعة عقود؟ إن لم يكن جواب السؤال بالإيجاب فإننا نتكلم عن سراب جودة حياة، أو في أحسن الأحوال عن الوصول إلى أجزاء من مكونات جودة الحياة.

الجواب أيضًا ستكون له تبعات مالية في المدى القريب واقتصادية في المدى البعيد. فإجابات السياسة تتبعها إجابات الاقتصاد كما سنرى.

والإجابات عن التساؤلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي ستمس كل جوانب حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، يجب ألا تقتصر على رجالات الحكم والنفوذ. إنها يجب أن تكون حصيلة نقاشات مجتمعية واسعة واستفتاءات بشفافية تامة. وهذا ينطبق على كل الأسئلة التي نطرحها في هذه الورقة؛ ذلك أن تاريخ مجتمعات الخليج الحديث، منذ ظهور البترول، وما بناه من عادات وتوقعات ومن مبادلات سياسية بين نخب الحكم والمواطنين (المشار إليهم تاريخيًّا بالرعايا) سيكون في قلب تلك المناقشات التي يجب أن تكون صريحة وحرة إلى أبعد الحدود.

الشرط الثاني هو ضرورة إجراء انعطافة جذرية في الفكر الاقتصادي وممارسته في دول مجلس التعاون. فمنذ بداية تدفق الثروة البترولية هيمن الاقتصاد الريعي القائم على توزيع تلك الثروة فيما بين مكونات سكان تلك الدول في صورة وظائف حكومية برواتب مجزية، وفي شتى أنواع مساعدات الدعم الاجتماعي من مثل السكن وتوزيع أراضٍ ودعم أسعار المواد والبضائع الضرورية، وفي توفير الخدمات العامة المجانية في حقلي الصحة والتعليم، وفي إرساء مشروعات بناء البنية التحتية على العائلات التجارية المحلية.

وقد استنفدت كل تلك الثروة على دعم الميزانيات الحكومية العامة، وعلى توفير تلك الخدمات الشخصية. وعلى الرغم من مرور نحو تسعة عقود على حقبة البترول فإن الاقتصاد الريعي بقي سيد الموقف، ولم تجرِ محاولات جدية للانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي في السابق، ولا إلى الاقتصاد المعرفي والتقني في الوقت الحاضر.

وهكذا فشلت محاولات بناء تنمية اقتصادية وإنسانية شاملة مستمرة تؤمّن لأجيال المستقبل حقهم في جزء من هذه الثروة، وتؤمّن لبلدان مجلس التعاون مستقبلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا معقولًا، وذلك بعد انتهاء حقبة الثروة البترولية أو تحول العالم إلى مصادر طاقة بديلة غيرها هيدروكربونية.

إن التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي سيحتاج إلى بعض التضحيات من جانب هذا الجيل، وسيحتاج إلى إصلاحات وتحولات من مثل: عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد أو مهيمن للدخل، ومعالجة شجاعة للاختلالات في الميزانية العامة وتركيبة سوق العمل، ومواجهة نقاط الضعف في نظام التربية والتعليم بما فيه التعليم العالي، وإيجاد مخارج للخلل في التركيبة السكانية المليئة بالأخطار الأمنية والثقافية، واستئصال الفساد المالي والإداري، وبناء اقتصاد متنوع، ومن ثَمَّ مصادر دخل متنوعة، والتوقف عن الهدر والمحسوبية في حقل المصاريف العامة، وإعطاء أهمية قصوى للاكتفاء أو الأمن الذاتي في موضوعات الغذاء ووسائل التواصل الإلكتروني والسلاح، واستثمار كبير ومتجدد في تعليم وتدريب وتحديث القوى العاملة البشرية، وتوازن بين القطاعين الخاص والعام، ونظام ضريبي يمنع الفروق الهائلة في الدخل والمستويات المعيشية، واهتمام رسمي وأهلي بكل أنواع النشاطات الثقافية والفنية الراقية.

قد تبدو القائمة طويلة، لكنها مترابطة وضرورية لبناء تنمية حقيقية مستمرة لما بعد حقبة البترول. من دونها سنصل إلى تحقيق نوع من جودة الحياة، ولكنها ستكون مؤقتة وقصيرة الأجل، وستتآكل مع مرور الزمن ما لم يسندها ذاك الفكر الاقتصادي وتلك الإصلاحات الإدارية وتحميها قوانين ملزمة.

أما الشرط الثالث، والبالغ الأهمية، فيتعلق بمقدار ونوعية المشاركة الشعبية في توفير وتفعيل الجهد المطلوب بدءًا بحق إبداء الرأي في اتخاذ تلك القرارات وتنفيذها مباشرةً أو عبر مؤسسات وسيطة شرعية، رسمية أو مدنية. هذا يتطلب أن يَعِيَ الفرد أن مصالحه الفردية متكاملة مع المصالح المجتمعية طالما أنه هو هدف التنمية، ومن ثم يتعاون مع حكومته ومن خلالها في عملية التنفيذ برمتها.

وفي الغالب فإن عملية التعاون تلك ستكون من خلال مؤسسات مجتمع مدني ينتمي لها الفرد، وتحت مظلة علاقات ديمقراطية معقولة فيما بين الدولة ومجتمعها يحكمها دستور عقدي وقوانين عادلة وشفافية، وترتكز على حقوق ومسؤوليات تضامنية ومتفق عليها.

عند ذاك لن يكون الوصول إلى شعار جودة الحياة منحة أو مكرمة، وإنما نتيجة فكر ونشاط الدولة ومجتمعها. ومن المؤكد أن ذلك الوصول سيكون أحد أهم الدوافع ليمارس المواطن بجد واقتناع كل متطلبات ومسؤوليات المشاركة المجتمعية.

خاتمة

لا يوجد شك في أن ثروات حقبة البترول والغاز قد قادت إلى تمتع المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من عناصر جودة الحياة. لكن الأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية التي يواجهها الخليج العربي حاليًّا، والتغيرات الاقتصادية التي أوجدتها جائحة كورونا على مستوى العالم، وأوضاع البيئة الطبيعية المتدهورة التي تدفع نحو الانتقال السريع إلى طاقات متجددة غيرها هيدروكربونية… جميعها يجب أن تقنعنا بضرورة إجراء تغييرات كبرى في مجتمعات دول مجلس التعاون، إن أردنا حقًّا الوصول إلى تحقيق كل مكونات جودة الحياة لشعوبنا وأفرادنا في المستقبل، وبخاصة من خلال اقتصاد تنموي إنتاجي معرفي قادر على توليد ثروة تستطيع تسهيل الوصول إلى كل مكونات جودة الحياة.

الهوية والواقع والوحدة العربية

الهوية والواقع والوحدة العربية

سيكون الحديث عن الوحدة العربية سردًا نظريًّا أكاديميًّا إذا لم نتفق على مداخلها التي تبرر قيامها وتقود إليها، إما منطقيًّا وإمّا مصلحيًّا يتطلبه الواقع. نحتاج أن نناقش وأن نصل إلى اتفاق بشأن الآتي: الهوية: ما هوية الإنسان العربي؟ وما أهميتها؟ وإلامَ تقود؟

الإنسان العربي ينتمي إلى العديد من الهويات، من مثل الهوية الدينية أو الهوية القبلية والعشائرية أو العرقية أو الهوية الوطنية. لكن جميع تلك الهويات وما يماثلها هي هويات اجتماعية فرعية مقتصرة على الانتماء إلى جزء من الأمة ومن المجتمع. نحن هنا معنيُّون بهوية شاملة جامعة تتخطّى تلك الهويات الفرعية، ولكن من دون إهمالها أو نكرانها.

في اعتقادي أن هناك شبه اتفاق بين كثير من المفكرين السياسيين العرب على أن الهوية الجامعة هي هوية العروبة. وهي عبارة عن مشاعر الانتماء العاطفي والمسلكي والمصلحي؛ أي إلى حدّ كبير الوجودي، إلى أمة عربية واحدة، تكوّنت عبر التاريخ من خلال عوامل اللغة الواحدة، والثقافة الجامعة الواحدة، والمصالح العديدة المشتركة، والمسيرة التاريخية الواحدة المتشابكة والجغرافيا المتقاربة. وهي ليست ثابتة جامدة، وإنما تتغيّر وتتبدّل حسب التطورات الحياتية وإملاءات الواقع المتغيّر، ولكن بالطبع من دون المساس بذاتية وطبيعة وخصوصية تلك الهوية.

وتظهر الدراسات التاريخية أن تلك الهوية بدأت كهوية ثقافية عند إنسان القبائل العربية؛ بسبب اللغة والثقافة والمسلكيات الاجتماعية الواحدة، ولكن مجيء الإسلام وانتشاره الواسع أضاف بعدًا حضاريًّا إنسانيًّا هائلًا جعل الارتباط فيما بين العروبة والإسلام ارتباطًا حضاريًّا في الماضي وفي الحاضر. باختصار، إن الهوية العروبية التي تهمنا هي القائمة على الانتماء للغة واحدة مشتركة، ولثقافة واحدة جامعة، ولتفاعلات ومحددات تاريخية عميقة، ومن ثم هي أعم وأقوى حضورًا من الهويات الفرعية الأخرى، ولكنها تتكامل وتتفاعل بإيجابية وتفاهم معها ضمن منهج التنوع والتعدد والازدواجية الذي يساهم في إغناء وحيوية الوجود العربي.

ومما يزيد من أهمية موضوع الهوية حاليًّا هو الصعود المذهل لطرحه في كل المماحكات والخلافات التي تعصف بالنشاطات السياسية في كثير من بقاع العالم. لقد تراجعت أفكار العولمة وشعارات العالم كقرية كونية، وصعدت حركات شعبوية يمينية متطرفة تطرح شعار صيانة الهويات الوطنية في وجه المهاجرين وديانات الآخر، حتى مبدأ التنوع الثقافي في مجتمعاتها، بل أحيانًا ضدّ الاندماج الاقتصادي العولمي. فصعود التَّرَمْبيَّة في الولايات المتحدة الأميركية، وشعار بريكست الانعزالي البريطاني والمعادي للوحدة الأوربية، والوجود القوي لليمين المتطرف في دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا والهند وبعض دول أميركا الجنوبية؛ تشير كلها إلى عودة العالم إلى صراع الهويات الأيديولوجية التي رافقت الحربين العالميتين في القرن الماضي. نحن بالفعل ندخل في عصر الهويات في مواجهة العولمة، بما في ذلك المنحى من تعقيدات ومخاطر هائلة من جهة، وبما فيه من معالجة ومراجعة لكثير من سلبيات العولمة النيوليبرالية الرأسمالية من جهة أخرى.

مسار وواقع الدولة الوطنية القطرية

قامت الدولة القطرية العربية المستقلة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، عندما تساقطت الدولة العثمانية ووصلت إلى نهايتها. لقد تمّ ذلك أساسًا عبر دول استعمارية أوربية؛ لإضعاف الوجود العربي، واستغلال خيراته، واستمرار سيطرتها عليه، ولكن أيضًا عبر توافر عناصر وعوامل داخلية عربية هيّأت لتجزئة الوطن العربي، ولقيام الدولة القطرية الحديثة.

عند ذاك تمزّق وجود عربي شبه موحّد جغرافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا عبر قرون عدة، وقامت دول وطنية امتد وجودها إلى أكثر من قرن من الزمن، وحصلت على فرص كثيرة لتثبت صحّتها ومدى قابليتها للاستمرار، ومقدار نجاحاتها كدول حديثة وكمجتمعات قابلة للحياة. فما حصيلة تلك الانعطافة في تاريخ العرب؟ وما تقوله التقييمات الموضوعية لتلك التجربة التاريخية؟

لو أردنا الدخول في كل التفاصيل لاحتجنا إلى مجلّدات. ولذلك سنقتصر على تلخيص شديد لتلك الحصيلة والتقييمات. من جانب الواقع العربي لم تستطع الدولة القطرية تحصين نفسها خارج الأحداث القومية العامة، ولم تستطع أن تبعد نفسها من تأثير تلك الأحداث في كثير من تفاصيل مسيرتها.

ومن جهة أخرى، تَرسَّخَ وتَطوَّر كثير من مكوناتها السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية وتجذرت مصالح محلية لبعض قوى المجتمع، وهو ما جعل الدولة القطرية واقعًا على المستوييْنِ الإقليمي والدولي لا يمكن القفز من فوقه بسهولة.

لكن، وفي الوقت نفسه، فإن تقارير العديد من المؤسسات الدولية، وبخاصة تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تظهر أن الأغلبية الساحقة من الدول العربية قد فشلت بصورة كارثية في كل محاولات التنمية الإنسانية المستمرة الشاملة. بل إن كثيرًا من مكونات التنمية في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية قد تراجعت في السنين الأخيرة. ولقد فشلت كل الدولة العربية في المحافظة على استقلالها الوطني؛ إذ إن الأرض العربية أصبحت مستباحةً من جانب قوى استعمارية عدة، ومن جانب بعض الدول الإقليمية المجاورة، وبالطبع من جانب الكيان الصهيوني الاستعماريّ. وشملت تلك الاستباحة الأمنيْنِ الوطنيَّ والقوميَّ بصور جعلتهما في أيدي القوى الخارجية تدخلًا واستعمالًا وتلاحمًا أحيانًا مع الجماعات الجهادية الإرهابية، التي دمّرت المدن وقتلت وهجّرت الملايين، وارتكبت كل الموبقات في طول بلاد العرب وعرضها.

وهكذا اظهرت النتيجة البائسة فشلًا في الحفاظ حتى على الوحدة الوطنية في مجابهة شتى أخطار التجزئة، وفي الحفاظ على الاستقلال والتحرر الوطني في مجابهة رجوع تمظهرات الاستعمار وهيمنته، فشلًا مستمرًّا في إطلاق التنمية المستديمة في وجه التخلّف عن الركب العالمي في عوالم الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والبحوث، وفي منع تجذُّر الفساد والظلم والاستغلال والتوزيع غير العادل للثروة، وفي كل محاولات الانتقال إلى نظام ديمقراطي معقول للخروج من دوامة الاستبداد التاريخي وشتى أنواع حكم الأقليات، وفي التجديد الحضاري بدلًا من البقاء في مشاكل الثقافة المتزمتة اللاعقلانية المهووسة بالماضي وبالسلف وبالخوف من حضارة العصر.

ولقد قاد كل ذلك عددًا من الدول العربية إلى مستوى الدول الفاشلة أو على وضع الدول المتجهة نحو التجزئة والتفتيت، أو إلى الانتقال إلى الانقسام الفيدرالي على أسس طائفية أو عرقية أو لغوية، وهو ما يساهم في مزيد من إضعافها. واليوم تعيش أغلبية الدول القطرية العربية جحيم الصراعات العنفية العبثية، وهجرة الملايين من سكانها إلى المنافي المذلة، وبقاء الملايين من أطفالها خارج المدارس، وازدياد نسبة الفقر وتراجع حجم الطبقة الوسطى.

جنون السيادة الوطنية المفرطة

وما يضيف إلى ظلام ذلك المشهد القطري وفواجعه ما نتج على المستوى القومي، وبسبب جنون السيادة الوطنية المفرطة، من ضياع لأحلام عربية كبرى ولمحاولات تضامنية مليئة بالإمكانات، من مثل مشاريع الدفاع العربي المشترك، أو السوق العربية المشتركة، أو الصناعة الحربية المشتركة أو من مثل تنفيذ إستراتيجية العمل العربي المشترك أو الاتفاقية العربية الموحدة للاستثمار. ومع ضياع تلك الأحلام ضاعت قومية فرص كبرى للجميع.

من واجب الإنسان العربي، وعلى الأخص المثقّف الملتزم، أن يطرح على نفسه وعلى أمته السؤال الآتي: ما الطريق المعقول الذي يجب أن نسلكه إذا كانت أجزاء الأمة تعاني جميعها الأوجاع والمآسي، وتقف عاجزة عن الخروج منها؛ أفليس من المنطق أن نسلك طريقَ تعاضُدٍ وتضامن تلك الأجزاء من أجل الخروج من كل ذلك، وأن نعاود التفكير جديًّا في خطوات وَحْدويّة تدرجية مدروسة ومتكاملة تخدم المجموع، كما تخدم الأجزاء، وتنقذ الجميع من مصير مظلم بائس ينتظرها؟

هذا سؤال مطروح على المؤمنين بشتى الأيديولوجيات، وعلى المتحفظين على مبدأ وجود الأيديولوجيات، وعلى من يعدُّون أنفسهم واقعيين وحياديين، وعلى كل أنظمة الحكم العربية من دون استثناء.

وهو سؤال لا يمكن تأجيل طرحه بجدية وكإملاء ضرورة وجودية، بعد أن استطاع الاستعمار الخارجي ممارسة الابتزاز بنجاح لهذا الجزء العربي أو ذاك، وبعد أن نجحت قوى خارجية وداخلية في إشعال حرائق مدمرة في طول وعرض الوطن العربي. وهذا سؤال لا يمكن أن يكون جوابه مماثلًا لمحاولات القرن الماضي التوحيدية العربية الجزئية الفاشلة، التي قادت إلى كفران الكثيرين بمبدأ الوحدة، وإلى خفوت انجذاب الجماهير العربية إلى حلم أو هدف أو شعار الوحدة.

جواب السؤال هذه المرة يجب أن يقوم على أسس تجارب الآخرين الحديثة الناجحة، وعلى ما يمكن أن تقدّمه الثورة التكنولوجية والتواصلية الإلكترونية من إمكانات، وعلى استفتاء ورضى الشعوب بشأن كل خطوة، وعلى مقاومة شتى القوى الخارجية والداخلية التي ستحاول إفشال كل خطوة نحو توحيد هذه الأمة. وهو سؤال لا يمكن تقديم أجوبته من جانب مجهودات وتصورات فردية. إنه في حاجة لمجموعات من المثقفين والمفكرين الملتزمين، ولمراكز بحوث متعاونة ومتكاملة وممولة، وإلى نفس طويل لا يقف في منتصف الطريق.

هذا المسار البطيء المتعثِّر

هذا المسار البطيء المتعثِّر

عندما أسِّس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م؛ استبشرت ملايين تلك الدول وهلَّلت، وتحركت في النفوس مشاعر الأمل بوحدة تلك الدول ونهوضها ورخائها الاقتصادي والاجتماعي ومنعتها القومية. اليوم، وقد مرَّ أربعون سنة على تلك البشرى فإنَّ مشاعر تلك الملايين قد تبدَّلت من أمل إلى إحباط، ومن فرح ورضى إلى غضب وشكوك.

فالمجلس الذي نصَّ نظامه الأساسي على أنه يهدف إلى «تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء (السِّت) في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها»، يقف الآن على أعتاب التمزق، إن لم يكن الصراعات العبثية الخطرة التي قد تقود إلى موته البطيء. والمجلس الذي نصَّ هدفه الثالث على «وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين»، وذكر بالاسم ثلاثة عشر شأنًا، يعاني الآن خلافات حول أهم الشؤون وأكبرها وزنًا؛ شؤون السياسة الداخلية والخارجية، وشؤون الأمن الوطني والقومي، وشؤون الالتزامات القومية، من مثل الشأن الفلسطيني والهجمة العنفية الإرهابية على هذا القطر العربي أو ذاك، والمؤامرات الاستعمارية أو الإقليمية لتمزيق وحدة أو تماسك ذلك المجتمع العربي أو ذاك.

والمجلس الذي وعد بتحقق أهداف اقتصادية مفصلية لدوله من مثل «تحقيق التكامل الاقتصادي الكامل عبر تحرير التجارة البينية، وإقامة اتحاد جمركي، والوصول إلى المواطنة الاقتصادية، والعمل على توحيد العملة، والتنسيق الإنتاجي، وإقامة المشروعات الصناعية المشتركة، وتوحيد السياسات النفطية» يسير كل قُطْرٍ فيه وجهة مصالحه الاقتصادية المحلية، ويلتزم بمتطلبات الرأسمالية العولمية النيوليبرالية أكثر من التزامه بتلك الأهداف الاقتصادية المشتركة. وكمثال على التعثر في تلك الأهداف الاقتصادية فإن المجلس كان قد اتخذ قرارًا بالانتقال إلى العملة الخليجية الموحدة بحلول عام 2010م. وها نحن في عام 2020م من دون أن نقترب من تنفيذ الخطوات الأولى في ذلك الاتجاه.

والمجلس الذي كان أهم أسباب وجوده الهاجس الأمني الذي أجَّجته الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات من القرن الماضي، وهدف إلى بناء حلف دفاعي مشترك مماثل لحلف الناتو ظل يتقدم خطوة في هذا المجال ليتراجع خطوتين. فبناء درع الجزيرة وجد نفسه أمام اتفاقيات عسكرية وأمنية فيما بين كل دولة خليجية من جهة ودولة غربية أوربية أو أميركية من جهة أخرى. بل حدث سباق فيما بين دول المجلس بشأن استضافة وجود عسكري أجنبي إقليمي وغربي في أراضي هذه الدولة أو تلك، وبشأن بناء شبكات تنسيقية استخباراتية ستفسح المجال لوجود استخباراتي استعماري في المستقبل، وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله على سائر جوانب الحياة في مجتمعات الخليج، وعلى الأخص الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية.

نحن إذن أمام سلسلة من الإخفاقات في بناء الصُّروح التي أريد أن يقوم عليها المجلس. وإذا كانت التعابير النظرية عن أسس وأهداف ومسيرة المجلس مشرقة ومليئة بوهج الآمال، فإن تحويل ذلك إلى واقع يعيشه المواطنون وتعيشه دولهم قد تعثر أحيانًا، وتراجع أحيانًا. اليوم يعيش المجلس أحلك أيامه، ويحتاج إلى مراجعة وروح جديدة، وهو ما نرجو أن يعيه القادة أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة الصعبة.

إصلاح وتطوير

أولًا- منذ البداية كان الإصرار على أن تؤخذ قرارات المجلس بإجماع أعضائه سببًا في بطء أو تأجيل خطوات مفصلية في مسيرة المجلس. كمثال واحد على ذلك الاقتراح الذي قدمه المرحوم الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، بالتفكير الجدِّي في إقامة نوع من الاتحاد المتماسك فيما بين أعضائه، كان يكفي أن تظهر بعض الدول خوفها وتردّدها حتى يوضع ذلك الاقتراح الحيوي الجريء على الرف، وأن يبقى في طيات الإهمال والنسيات إلى يومنا هذا.

ومن المؤكد أن وراء ذلك الإصرار التنظيمي باتخاذ القرارات بالإجماع لتكون ملزمة هوس دول المجلس بحجية السيادة الوطنية الكاملة وعدم التفريط بأي جانب منها تحت أية ذريعة جماعية مشتركة كانت. موضوع التوازن والتكامل بين السيادة الوطنية والسيادة الجمعية المشتركة هو موضوع سياسي – نفسي مرتبط بالتاريخ وباختلاف أحجام ومكانة الدول الأعضاء. لكنه قابل للحل من خلال وسائل قانونية وتنظيمية ومؤسساتية يتفق عليها الأعضاء. ولدى المجلس تجارب الآخرين، من مثل الاتحاد الأوربي، ليستفيد منها.

هذا موضوع يجب أن تناقشه أولًا لجنة خبراء دستوريين وقانونيين قبل أن يقدم إلى مؤتمر قمة في المستقبل القريب. إنه موضوع يحتاج للاستعجال بعد أن بينت الخلافات الكارثية الأخيرة أن أحد أهم الأسباب كان فهم بعضهم الخاطئ لمعاني وحدود وضوابط السيادة الوطنية في مؤسسات العمل القومي المشترك، كمؤسسة مجلس التعاون الخليجي.

ثانيًا- لقد تعامل هذا المجلس، لأطول مدة ممكنة وبصورة شبه اعتباطية، مع الأمانة العامة للمجلس وكأنها سكرتارية روتينية جامدة تنظِّم الاجتماعات، وتسجل وتوزع المحاضر، وتكون حلقة وصل إداري روتيني بحت فيما بين أعضاء المجلس. بينما كان من المفروض أي تكون الأمانة مصدر حَفْزٍ وإبداع من خلال تقديم دراسات وتوصيات وملحوظات لكل لجان ومؤسسات المجلس، وذلك بالنسبة لأي موضوع ترى فيه فائدة لمسيرة المجلس، أو تحقيقًا لأهدافه، أو حماية له من أية أخطار تحيط به.

ومن أجل القيام بذلك كان من الواجب بناء أشكال من المؤسسات القانونية والفكرية والبحثية والعلمية تابعة للأمانة، تساعدها في تقديم الدراسات والمقترحات للجان المجلس ومؤسساته.

من هنا فإن مؤتمرات القمة مطالبة بتثوير وتعميق وتجديد أهداف وإمكانيات ووسائل الأمانة العامة لتكون مصدر طاقة وحيوية وإبداع وحَفْز لكل مكونات المجلس. مرة أخرى لنا في دراسة مؤسسات ولجان الاتحاد الأوربي في بروكسل خير معين، وبخاصة ما نجح منها وأثبت فاعليته.

ثالثًا- لقد اعتمدت مؤسسة القمة الخليجية في متابعة تنفيذ قراراتها على مجلس وزراء الخارجية للدول الأعضاء وعلى الأمانة العامة. والواقع أن الإرادة السياسية الحقيقية القادرة على أن تقود تنفيذ مقررات القمة، بل تفرض تنفيذها، هي في رؤساء مجالس الوزراء الخليجيين، وليست في إدارات تابعة لوزارات الخارجية، لا تستطيع أن تفعل أكثر من تمرير قرارات مجلس التعاون إلى الوزارات المعنية ومن دون أن تستطيع فرض تنفيذها.

من هنا الأهمية القصوى لإيجاد مجلس رؤساء الوزارات كجهة مسؤولة عن تنفيذ قرارات القمة، وتقديم تقرير سنوي لمؤتمرات القمة عن المراحل التنفيذية التي وصلت إليها قراراتهم في كل دولة عضو. لا يفهم الإنسان الحكمة من وراء إبعاد رؤساء الوزارات عن أداء دور مباشر في نشاطات المجلس ومناقشاته وتنفيذ قراراته. وإذا كان السبب هو جمع بعض رؤساء الدول منصبي رئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء في شخص واحد، فإن هناك حلولًا تنظيمية وقانونية قادرة على حل هذا الإشكال. والواقع أن رؤساء الوزارات لا يملكون الوقت لمتابعة تفاصيل تنفيذ مقررات القمم والمجالس في دولهم. ولذلك لا بد من التفكير الجدي في اتخاذ قرار على مستوى القمة يدعو إلى وجود وزارة تحت اسم وزارة مجلس التعاون لتكون مسؤولة عن معاونة رئيس الوزراء في متابعة كل ما يخص مجلس التعاون، بل تقديم مقترحات بشأن تطوير المجلس. إن خلق مثل هذه الوزارات سيكون دليلَ أخذِ موضوعِ التعاونِ والتوحيد الخليجي بجدٍّ ومسؤولية تليقان بأهدافه الكبرى وبأهميته المستقبلية في بناء المنظومة العروبية القومية لكل أقطار الوطن العربي الكبير.

ضرورة وجود محكمة

رابعًا- لقد تعبت الأقلام عبر عشرات السنين وهي تقترح على المجلس ضرورة وجود محكمة تابعة للأمانة العامة أو حتى لمجلس مؤتمرات القمة؛ وذلك من أجل النظر في أية خلافات أو تجاوزات أو سوء فهم فيما بين مكونات المجلس من جهة وفيما بين كل مؤسسات الدول الأعضاء الوطنية من جهة أخرى. هذا موضوع لن يستطيع المجلس أن يسير بسلاسة وبلا معوقات من دون حله حلًّا جذريًّا. وهو موضوع مرتبط بصورة غير مباشرة بموضوع السيادة الوطنية الذي يُرفَع كقميص عثمان في وجه كل محاولات بناء مجلس فاعل في الحياة الخليجية العربية.

وفي وجه المخاوف العبثية التي تثيرها بعض الدول يمكن أن تكون مسؤوليات المحكمة تدرجية في الزمن وفي نوع الاختصاصات. أما تأجيل البتِّ في هذا الموضوع فهو إفساح المجال لخلافات وصراعات لا تصل إلى حلول معقولة وعادلة.

خامسًا- لقد أسهمت بعض دول المجلس في وجود إشكالات كثيرة على مستوى الوطن العربي، سواء بقصد أو بغير قصد، بما فيها دفع الجامعة العربية إلى اتخاذ قرارات ملتبسة وغير حكيمة. هذا موضوع لا يمكن تجاهله تحت أي سبب. من هنا فإن مؤتمرات القمة يجب أن تطرح هذا الموضوع بكل صدق وشفافية وشجاعة؛ لتضع محددات ومعايير وخطوطًا حمراء للأدوار التي تريد أن يؤديها المجلس مستقبلًا في الحياة العربية، بما فيها إعادة المصداقية والحيوية لمؤسسة الجامعة العربية.

إن ثروات دول مجلس التعاون البترولية المؤقتة يجب أن تؤدي أدوارًا حيوية تضامنية مساعدة في بناء تنمية عربية في الوطن العربي الكبير، وفي تقوية الأمن القومي العربي وحمايته من التغول الاستعماري، وفي المساعدة في حل الصراعات العربية البينية لا تأجيجها، وفي تجنُّب الوقوع في المصايد والكمائن والألاعيب التي يخطط لها أعداء الأمة العربية، وعلى الأخص مؤسسات استخباراتها التي تهدف إلى تفتيت هذه الأمة وإبقائها في جحيم الصراعات الطائفية والعرقية والقبلية والانتهازية العنفية المجنونة.

سادسًا- يحتاج قادة المجلس أن نصارحهم، بمحبة واحترام وموضوعية وخوف على المستقبل، بأن الفجوة بين تطلعاتهم وقراراتهم وأساليب عملهم في هذا المجلس وبين أحلام وطموحات وتوقعات شعوبهم، وبخاصة الشباب والشابات منهم، تزداد اتساعًا. والذين لا يعلمونهم بذلك لا يريدون خيرًا لهم ولأنظمتهم، الأغلبية الساحقة من مواطني دول المجلس يتطلعون إلى قيام نوع معقول من الوحدة الكونفدرالية على الأقل فيما بين دولة المجلس.

إن أغلبيتهم الساحقة لن تقبل بأقل من ذلك، وبخاصة أن علاقاتهم العائلية وصداقاتهم ومصالحهم المشتركة التاريخية والحاضرة تحتم ضرورة ذلك؛ ولذلك أصبح من الضروري وجود حساسية ووعي شديدين لدى قادة مؤتمرات القمة تجاه هذه الطموحات والتوقعات الشعبية العميقة المتجذرة في وجدان الملايين. وأصبح من الضروري الانتقال إلى الفعل الحقيقي الذي يحفر في الواقع ويغيره بصورة جذرية مادية ومعنوية، وليس بصورة تمنيات وينبغيات وعلاقات عامة.

سابعًا- وأخيرًا، فإننا نعلم أن إجراء تلك التغييرات الضرورية وغيرها كثير، سيحتاج لبعض الوقت ولمؤتمرات قمة عديدة. لكن الجحيم الذي تعيشه الأمة العربية ويكتوي بناره الوطن العربي كله، بما فيه الخليج العربي، يفرض أن يبدأ المجلس باتخاذ الخطوات الأولى تجاه إعادة الحياة والحيوية للمجلس، وبناء قدراته لحمل المسؤوليات الوطنية والقومية.