«سيرة الأمهات» لفوزية أبو خالد كُتَّابٌ وكاتبات يكتبن بجرأة عن أمهاتهم

«سيرة الأمهات» لفوزية أبو خالد

كُتَّابٌ وكاتبات يكتبن بجرأة عن أمهاتهم

يضم كتاب «سيرة الأمهات» (المركز الثقافي للكتاب) الذي أعدته الدكتورة فوزية أبو خالد وقدم له الدكتور عبدالعزيز الخضر، عشرات الشهادات التي كتبها أدباء وكتاب حول أمهاتهم، بمعنى أنه كتاب حول الأم لكونها مؤسسة اجتماعية وهوية، وتجربة ذاتية للأم نفسها.

تساءلت أبو خالد في مقدمة كتابها: هل تتغير الأمومة بعوامل الزمان والمكان والطبقة الاجتماعية والخلفية الثقافية والمساعد السياسي من ناحية الأدوار والوظائف والقيم والتقاليد والتعبير والوجدان؟ أم أن الأمومة حال ثابتة عبر الأزمنة والأمكنة تدخل إليها البنات خاليات عاديات ويخرجن بها سيدات شاهقات مثقلات مقدسات؟

ومن الأسئلة التي طرحتها أبو خالد في مقدمتها التي قسمتها إلى اثنتي عشرة فقرة بعناوين فرعية، وجاءت أشبه بوثيقة اجتماعية وبحثية مهمة: هل يمكن كتابة «سيرة الأمهات» بعين الرضا وبخفض الأجنحة وبحبر يتستر على الأسئلة بالسكوت أو التجاهل، وهل تقبل الأمهات الاكتفاء بمثل هذا الموقف الأحادي في حق تجربة إنسانية عظيمة هي تجربة الأمومة؟ هل الأمهات كائنات مثاليات لأنهن يحافظن على استمرار السلالة البشرية؟ وهل الأمومة هي تجريد للأمهات بالمعنى التطهيري من زعانف المخلوق الأرضي بهبة أو موهوبة أجنحة الكائن الأثيري؟

فوزية أبو خالد

وتحت عنوان «المرحلة التمردية لسيرة الأمهات» كتبت أبو خالد: كنت أفكر في سيرة الأمهات التي تكشف عن معاندات الأمهات للأبناء وليس معاناة الأمهات مع الأبناء، صرت أميل إلى فكرة أنه يصعب التفكير في سيرة الأمهات من دون الإشارة إلى تلك السياسة القمعية التي ترتكبها أمهات براحة ضمير في حق أي من مظاهر الشغب في حق الكاتب السائل أو المتمرد على القائم. وفي فقرة بعنوان «سيرة الأمهات في التنظير النقدي» تتطرق أبو خالد إلى مدارس النقد الاجتماعي السياسي والنسوي في دراسات الأمومة والأمهات: «من خلال دراستها كتخصص أكاديمي جديد يجري العمل استجابة لمتطلبات المرحلة المعاصرة على إعادة التدقيق العلمي في النظر لكل الذوات والتجارب والمواقع الاجتماعية المهمشة تاريخيًّا، التي كانت مستبعدة من الحقل المعرفي وتجري اليوم هذه المحاولات بهدف الكشف النقدي عن خطابات السيطرة والاستحواذ بأساليبه البراغماتية ومفاهيمها الوظيفية المجحفة، في حق التنوع الذي تمثله تلك الذوات والتجارب كتجربة الأمومة».

وتأتي مبادرة هذا الكتاب (جاء في 517 صفحة) من قلب أرضية بحثية بكر محملة بهذا الزخم المتنوع من «سيرة الأمهات» لتفتح الباب وتؤسس أدبًا اسمه «أدب الأمهات» والتشارك ولو بسهم في تفكير بحثي نقدي حر بقراءة سيرة الأمهات كمعطى معرفي وميداني.

وبحسب أبو خالد فإن معظم الشهادات التي ضمها الكتاب تكشف تعلق الأمهات بريشة العلم تعلقًا يقينيًّا إيمانيًّا لمواجهة شظف العيش والمرض وصواري المكان وعاديات الزمان ومهانة الرضاوي، وللوقوف في وجه كل أشكال الهضم الاجتماعي والمظالم الصغيرة والكبيرة. إضافة إلى شيمة الصبر في سيرة الأمهات، وتكشفها النصوص التي تحدثت عن تعايش أكثر من أم في الأسرة بحب واحترام. وفي قراءة أبو خالد لسيرة الأمهات تحدٍّ لهيمنة الكتابة المعتادة بالحبر الأسود، باستبدالها مضمونًا وأسلوبًا بماء جديد في معظم هذه النصوص، سواء التي كتبها رجل أو امرأة.

وعلى الرغم من هذا الفهم يتعلق بالذات الكاتبة وليس بالذوات المكتوبة، فإنه لا بد من الاعتراف، كما تقول أبو خالد، بأن فصل الذات الكاتبة عن الذات المكتوبة لم يكن ممكنًا، «فكلاهما تجلى كذات كاتبة إلى درجة جعل الفصل ولو إجرائيًّا متعذرًا، بسبب ذلك التعالق الذي وجدته في معظم النصوص، إن لم يكن كلها، بين كاتبة أو كاتب السيرة وبين صاحبة السيرة أو بطلها، أي الأمهات. وهنا يبرز ما قد يشكل قيمة إضافية لسيرة الأمهات ليس فقط بوصفها نشيدًا شعريًّا ووثيقة اجتماعية لسيرة الأمهات كنساء وكمواطنات ووطن وأرض وغابة سدر ونخل».

وتخلص أبو خالد في مقدمتها إلى أن الكتاب والكاتبات المشاركين في الكتاب، «قد امتلكوا جرأة اجتماعية وإبداعية غير مسبوقة في كتابة سيرة الأمهات بحبر حليبي أبيض شجاع وشفيف».

من ناحية، توزعت مقدمة الدكتور عبدالعزيز الخضر في سبع عشرة فقرة، تطرق خلالها إلى مكانة الأمهات وأدوارهن الجليلة في غرس المبادئ وتأسيس هويتنا الحضارية: «إننا لسنا أمام رواية بقلم وحيد إنما أقلام متعددة من أجيال اهتمامات فكرية وعملية مختلفة، إننا أمام استطلاع رأي موسع». ويرى الخضر أن كتاب «سيرة الأمهات»؛ استدراك لما تم فقده من بقايا الذاكرة الاجتماعية، كما يتعلق بحياة المرأة في المجتمع السعودي وتطورات الحالة الاجتماعية والاقتصادية ويعيد استحضار دور المرأة الكبير وإنتاجيتها، قبل أن يحدث ارتباك مؤقت في الوعي الجمعي مع سنوات الطفرة الأولى، متزامنًا مع تضخم الخطاب والقرار المحافظ.

وختم الخضر مقدمته بقوله إن الكتاب «يحفزنا لإعادة التفكير في سيرة أمهاتنا وتدوينها كجزء من أعمال البر بهن وذكرهن».

ملحوظات

خرج عنوان الكتاب بخطأ لغوي واضح، فلقد استعمل المفرد مع الجمع والجمع مع المفرد في جملة واحدة، هي العنوان. فكلمة «سيرة» مفرد يناسبه مفرد مثله وهو: الأم بينما صيغة الجمع وهي: «الأمهات» يناسبها جمع وهو سير وليس سيرة، فكان يجدر بالعنوان استدراك هذا الخطأ اللغوي الذي شوه غلاف الكتاب. باختيار إما «سيرة الأم» أو «سير الأمهات» وهو الصواب.

بعض العناوين التي حملتها عدد من الشهادات كانت لافتة للانتباه، مثل ما كتبته نور الهاشمي: «فتحت عيوني على سلالة من الأمهات». وكذلك الشاعر محمد الدميني: «أمهاتنا بوصفهن كائنات أرضية»، والكاتب عبدالله سفر: «الجزع كأعتى عاصفة». وهناك عناوين بسيطة وعميقة نقلت لنا واقعها مثل «أمي يمه» لسارة الرشيدان، و«أمي كل الأمهات» لشريفة الشملان، و«فلسفة أمي في الحياة» للدكتورة فاتنة شاكر.

ومشاركة الدكتور حمزة المزيني من أبرز السير المكتوبة عن الأم، إذ مثلت أسلوب الكتابة السيرية وكانت بعنوان «راحمة حبق المدينة المنورة»، ومشاركة الشاعر محمد الحرز وعنوانها «التي اسمها معصومة أمي»، وكذلك مشاركة الدكتور خالد الرديعان «غيوم على شمس سلمى».

من ناحية، فات على المؤلفة أبو خالد الإشارة إلى نماذج أخرى من السير تجسدت في مظاهر التربية والرعاية من أمهات لم يلدن الأبناء، ولكنهن تعهدنهم بالرعاية والتنشئة الحسنة ومنهن: الجدات والأخوات والعمات وزوجات الأب والخالات. فبدراسة تلك النماذج ستختلف خصائص الأمومة نوعًا ما وتتكامل بروحانيتها.

كاتبة سيرة الأم وكاتبها

التفت الخضر التفاتة سريعة عابرة إلى ذلك الفرق في الكتابة عن الأم بين قلم الكاتبة وقلم الكاتب، إذ قال: «ويمكن ملاحظة أن الكاتبات أكثر قربًا ودقة في معرفة تفاصيل حياة الأم ومشاعرها، ومع ذلك استطاع بعض الكتاب نقل الكثير من المشاعر التي تعبر عن قربهم من الأم وتأثيرها على مسار حياتهم». في حين لم تسلط المؤلفة الضوء البحثي على تلك المسألة لمعرفة أسبابها والتفكر في دوافعها، التي بالتأكيد لها علاقة بجذور العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي، الذي أرخى بظلاله على طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل ونظرة كل منهما للآخر، بغض النظر عن نموذج تربية الأنثى وطبيعة علاقة الأنثى بالأنثى.

ولو أن المؤلفة حرصت على مشاركة الأبناء الذين كلهم ذكور ولم تلد أمهاتهن إناثًا، ومشاركة بنات لم تلد أمهاتهن إلا ذكورًا، بسير عن أمهاتهم فستحصل على سير مثيرة وخلاقة، بما يترتب على واقعها وطبيعتها من شكل معاملة ومنظور معاناة اجتماعية ونفسية وتربوية.

لم تهتم أبو خالد ببحث بعض النماذج السيرية التي يمكن أن تغني نتائج دراستها مثل تلك السيرة التي كتبتها منى اليوسف «أحب أمي ولا أريد أكون هي»، والسيرة الأخرى التي كتبتها صيتة الحميدان «أحب أن أشبهها ولا تحب ذلك»، كما لم تتطرق الدكتور فوزية إلى مشاركة أخرى تعبر عن حال خاصة من السير المركبة، وهي مشاركة تخيلتها أبو خالد نفسها وكتبتها بالنيابة عن أمها نور الهاشمي بعنوان «فتحت عيني على سلالة من الأمهات». فهذه المشاركة عرضت نماذج من الأمهات كان من المفترض أن تتناولهن أبو خالد وتشملهن بالتحليل والبحث. تمنيت لو أن المؤلفة تعمقت في تحليل دوافع بعض الأمهات وراء حض بناتهن على ألا يكن مثلهن، وأن لا يشبهنهن. ونموذج البنات اللاتي لا يردن أن يكنَّ مثل أمهاتهن ويردن أن يختلفن عنهن أيضًا.

سير بعضها من بعض

كتبت أبو خالد بالنيابة عن أمها سيرة عن أمهات أمها بعنوان «فتحت عيوني على سلالة من الأمهات»، كما كتبت أبو خالد أيضًا سيرة عن أمها بعنوان «ماما رمز الحرية والكفاح والكرامة»، بينما كتبت طفول العقبي سيرة عن أمها فوزية أبو خالد بعنوان «أمي هي الحياة بحنانها وقسوتها ببردها وسلامها»، ثلاثة أجيال متخيلة وواقعية ملهمة. فليت هذه السير جمعت في باب أو فصل خاص ملحق بالسير، وتناولتها أبو خالد أو أحد الباحثين بالدراسة. إنها تجارب طريفة وتستحق التحليل لنماذجها والبحث في أنماطها. ولكنها لم تنل تلك الأهمية في كتاب «سيرة الأمهات».

الأب المخبأ في «سيرة الأمهات»

كتب كثير ممن شاركوا في الكتاب عن سير آبائهم وهم يكتبون عن سير أمهاتهم. كنت أتمنى أن تقف أبو خالد على ما لاحظته، أي حين كتبت بعضهن، وكذلك كتب بعضهم، عن سيرة الأب، خلال الكتابة عن سيرة الأم، وأن تدرس الأسباب وراء ذلك التداخل بين السيرتين.

ومن النماذج الطريفة لسيرة الأب ما ورد في مشاركة الكاتبة نور الهاشمي، التي عبرت عن الأب بوصفه نموذجًا تعويضيًّا عن الأم فهو يقوم بدورها إضافة إلى دوره. وبذلك تكون الأمومة أبوية أيضًا.

الجيل الغائب

لم تكن هناك مشاركات بارزة لجيل الشباب بين ٢٥-٣٥، وكان مهمًّا لو كان هناك تركيز على طبيعة علاقة ذلك الجيل بأمهاتهم وتصوراته للأم، بخاصة مع ما يتمتع به من استقلالية وموضوعية، والبنات بأمهاتهن ونظرتهن إلى الأم كنموذج تربوي وإنساني، وبخاصة أن أبو خالد وجهت في رسالتها النداء بصيغة «صبايا شباب». والحقيقة أن أبو خالد أرسلت إلى بعض الشباب من الجيل الحالي واعتذروا، لكن من المفترض مراسلة مجموعة أخرى حتى يحصل التجاوب، لأهمية تلك المشاركات.

من وجهه نظري فلو قدمت أبو خالد مشاركات للجيل الحالي، فإنها ستتوصل إلى نتائج أخرى عن الأمومة، مثل النظرة الناقصة لنموذج الأم، إضافة إلى تأثير العمالة في أدوار الأمهات في نفوس الأبناء، وكذلك التقنية ودورها في التربية على بعض السلوكيات، وانتشار بعض الظواهر مثل هروب الفتيات وانتحار الشباب، وهذا نقصان في العلاقة الأمومية واحتياجاتها، إذ تتداخل الأدوار مع دور الأم. أزعم بأن مشاركة الشباب كانت ستغني كتاب أبو خالد وستثريه بملحوظاتها البحثية.

إلى ذلك، جاءت بعض المشاركات أقرب إلى الشعر والقصة. مشاركات لا يربطها بالكتاب سوى أنها كتبت في موضوع الأم. ومن ذلك ما كتبه خالد الباتلي وليلى الجهني وأحمد الملا. من هنا ربما جاء وصف أبو خالد لها، بالسير الشعرية.

ربما أخذ على الكتاب أن معظم المشاركين من الكتاب والكاتبات هم من جيل المؤلفة أو ممن يليه، وتربطهم بالمؤلفة معرفة وصداقة وربما قرابة. ومن أولئك: الدكتور فهد العرابي الحارثي، والدكتور سعد البازعي، والدكتورة فاتنة شاكر، والدكتورة فوزية البكر وغيرهم.