سوف ينهض الفنّ من حطامه

سوف ينهض الفنّ من حطامه

يقترن اسم كِيفَرْ بتيّار التعبيرية الجديدة في الرسم، أحد وجوه الفنّ المعاصر؛ وكان هذا التيّار الذي برز في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ردّ فعل، بل هجومًا مضادًّا على فن المفاهيم المطلقة وفن الاختصارية. ويعدّ كِيفَرْ من أبرز علاماته، إلى جانب كيث هارينغ، وجان ميشال بسكيا، وروبير كومبـــاس، والألمانيين جورج بازليتس ومركوس لوبارتز.

وُلد كيفر قبل انتهاء الحرب بخمسة أشهر، في ذلك البلد الذي طاله الخراب، والذي سيصبح الجمهوريّة الفدراليّة الألمانيّة سنة 1949م. لم تكن له إذن أيّة تجربة شخصيّة في تلك الحرب ولا أيّة ذكريات فرديّة عن النّظام النّازي، ولكنّه أبدى إصرارًا عنيدًا ونادرًا للردّ على هذا السؤال الوجودي: «كيف للمرء، وبعد هول المحرقة، أن يكون فنّانًا منخرطًا في الإرث الالماني». وكما الشاعر بول سيلان الذي كان يعشق، واجه كِيفَرْ هو الآخر هذا السؤال: «كيف للمرء أن يكتب ويبدع بلغة الجلاد؟». وفي سياق بحثه عن إجابة، لاذ بالذاكرة، ولكنّها ذاكرة بلا ذكريات، متحمّلًا إرث رسّام ألمانيّ سيعمل على كشف العناصر الأيقونيّة والأسطوريّة للثقافة الألمانيّة التي، بعد أن امتهنتها النّازيّة، انطمرت فجأة وعميقًا… في غيهب الوعي الجماعي.

أمّا سيرته الروحيّة فقد تغذت من الأساطير الكبرى ومن التصوّف القبّالي، حيث أمعن بثبات في استكشاف عوالم ذلك التصوّف، قدر إمعانه في دراسة الإرث الجرماني والعلوم الكونيّة. فعالمه رحب، معقّد، تشكّل من ترسّبات عدة، ومن تناول مستعاد لموضوعات تدور، وتتقاطع وتتراكب لتشكّل مجرّة من المعارف. فأيّ قدرات خلّاقة وأيّة طاقة إبداعيّة أُوتِيها هذا الفنّان العارم.. المجبول بالثقافة، جمع كيفَــــــرْ بين الرّسم والنّحت والتّصوير والعمل الأدبي، واستدعى الذكريات والأدب والشعر، كما الفلسفة والتاريخ. وإن تبرّأ من السياسة، فإنّ فنّه كان يلامس بشكل أو بآخر السياسة أيضًا.

المترجم

المجرّة التي تغذَّى منها عملي طوال 40 سنة

عوضًا عن الحديث عن أيّة نظريّة جماليّة، أراني مدعوًّا أكثر إلى بسط بعض الأفكار عن تجربتي الفنيّة، ومرافقتكم إلى تلك المجرّة التي تغذَّى منها عملي على امتداد أربعين سنة. وفي هذا السّياق سوف أعرّج على أعمال أخرى غير أعمالي، لفنّانين حديثين ومعاصرين، ولكن أيضًا لأعمال شعراء وكتّاب وفلاسفة، لنقتحم معًا مجالات شتّى ومتنوّعة، مثل: الأدب، والفيزياء الفلكيّة، والتصوّف، ونظريّة التطوّر، والخيمياء، والبيولوجيا وغيرها.. ولا شيء من كلّ تلك المعارف في نظري، يفلت من سطوة الفنّ.

أنا فنّان؛ رسّام ونحّات، وسوف أحدّثكم في هذه الدروس عن أعمال فنيّة ولوحات وعن الشعر أيضًا؛ لأنّ للشّعر وحده حقيقة راسخة خالدة. وقد تدركون من كلامي هذا، أنّه ليس بوسعي العيش من دون لوحات ومن دون قصائد، لا لأنّه ليس باستطاعتي عمل شيء آخر فحسب، أو أنّني لم أتعلّم شيئًا آخر أشتغل عليه، وإنّما لدوافع تكاد تكون وجوديّة: فأنا أرتاب من الواقع، في الوقت الذي أعلم فيه جيّدًا أنّ الأعمال الفنيّة هي الأخرى تسلمنا لا محالة إلى الوهم.

إنّ الدّروس التي سوف تلي سيكون لها إذن طابع خاصّ.. بل شديد الخصوصيّة. لن يتعلّق الأمــر هنا البتّة بجدل علميّ، وأحيانًا ما سيتعذّر عليّ ذكر مصادري؛ لأنّ بعضًا منها بقي عالقًا بعناد في ذهني، وبعض آخر طرأت عليه تغيّرات تجعله متمنّعًا ولا يكشف عن أصوله. وأن أنعت مساهمتي بـ«الشخصيّة»، فقد يحملكم ذلك على تصوّر مدى تملّصها وانفلاتها. وإنّي لأنتهي في أغلب الأحيان إلى خلاصة أنّ ما هو «شخصيّ» وما هو إبداعيّ، بالمعنى الأكثر تداولًا في القرن التاسع عشر، هو أمر لا وجود حقيقيّ له.

حين كنت طالبًا، كنت أتسلّى بتلك المحاورات العاصفة التي كانت تدور أحيانًا في أكاديميّة الفنون الجميلة ويستنكر فيها بعضٌ اقتباسات بعضٍ آخر. غير أن الأفكار هي دومًا كذلك، تنتشر.. وسرعان ما تغدو عالقة في الهواء؛ والاكتشافات كانت تحدث في كلّ زمن، متزامنة، في أنحاء متباعدة من الأرض، من دون أن يعرف أصحابها بعضهم بعضًا.

أكثر من ثمانية آلاف عالم يشتغلون في المنظّمة الأوربيّة للعلوم النوويّة بجنيف، وكثير منهم يعكفون على تحديد الواحد من بليون الثانية التي أعقبت الانفجار الكبير، ليدقّقوا معرفتهم بتلك اللحظة التي انبثق منها كلّ شيء في تاريخ الكون: المادّة، المادّة المضادّة، ثوابت الطّبيعة… إلخ. وهذا مجال ينبغي أن يثير، على نحو خاصّ، انتباه الفنّانين الذين يتساءلون عن مفهوم البداية. ولكن من بين هؤلاء العلماء أكثر سبقًا؟ هل المبتكر أم المبدع؟ هل شخص بمفرده، أم قوّة عاقلة جماعيّة، هي التي تعمل في هذا المجال؟

ومع ذلك، ينبغي لنا الإقرار أنّ تاريخ العلوم يضمّ جمعًا من الشخصيّات البارزة التي حقّقت على نحو فرديّ، اكتشافات عظيمة. فغاليليو غاليلي مثلًا استطاع أن يجعل من علم الفلك، علمًا قائمًا بذاته، مُحدِثًا بذلك، وبتقييد ذاتي، ثورةً علميّة. وعبر مثل هذا التخصّص أمكن للعلم أن يمضي قدمًا إلى الأمام. غير أنّه، وبسبب ذلك التحديد، تقلّصت رؤيتنا إلى العالم لتصبح ضيّقة ومنقوصة. ونحن نعرف جيّدًا أنّه في المجال العلمي، تظلّ النتائج دومًا مؤقّتة؛ لأنّ العلوم لا تني ترتقي من مرحلة إلى أخرى.

ومن جانبه، فإنّ الرسم الذي يتطوّر، من دون تخصّص محدّد، ينطوي هو الآخر على «درجات تطوّر»، مثل اكتشاف المنظور زمن عصر النهضة. ولا يعني ذلك أنّه ليس بالإمكان، في سياق البحث الفنّي، العودة إلى ما أنجز سلفًا. ثمّ في أيّامنا هذه، ألم تعد العديد من اللّوحات خالية من كلّ منظور؟ بل إنّنا لَنَرَى أنّ بعضها يبدو كما لو أنّه ينتمي إلى مرحلة تطوّر رسوم كهوف لاسكو الجداريّة. وإنّه لمن البديهيّ أنّ «فنّانيّ» العصر الحجري كانوا مختلفين عن فنّاني زمننا الراهن. وبأيّ حال، فإنّ ما نصطلح على تسميته بالتطوّر، بالمعنى الحصريّ للكلمة، لا تأثير له بالضرورة في المجال الفنّي. ويعني ذلك أنّ الفنّ طاقة فاعلة ومؤثّرة، نابعة من وحدة مكتملة بين الماديّ والروحانيّ، تشمل حتى أشكاله الأكثر بدائيّة.

لقد ألغت الثورة الكوبرنيكيّة الاعتقاد السائد من أنّ الأرض لا الشمس، هي مركز نظامنا الشمسيّ. وفي المقابل، ليس بوسعنا تطبيق الثابتة نفسها في الميدان الفنّي، كما ليس بإمكاننا عَدّ عمل فنيّ من القرن العشرين أكثر تقدّمًا من عمل فنيّ آخر أُنجِز في القرن الخامس عشر.

كفاحي وإخفاقاتي

فيما سيأتي من دروس، سأتحدّث عن المعارف التي أدركتُها طوال عملي الفنّي، عن مشاعري، عن كفـــاحي وعن إخفاقاتي. وقد أقارن ورشة عملي بالمركز الأوربيّ للبحـوث النوويّة، لأعدّه مقرًّا يُبحَثُ فيه عن البداية والأصل. ولسوف أقدّم في سياق هذا البحث أمثلة تبيّن إنجازاتي الفنيّة وتأمّلاتي في الوجود. ووفق هذا التصوّر، سوف أتساءل عن مدلول التطوّر وأُثِير أسئلة من قبيل: هل سندرك يومًا ما درجة من التطوّر تسعفنا كي نمنح بشكل استدلاليّ معنى للتقدّم العلمي، كما لو قمنا بسرد للمراحل التي مهّدت لإنجــــاز لوحة ما لنتبيّن مدى تحقيقها الهدف الذي يتشوّف إليه الفنّان.

إن كان «الكوليج دو فرانس» ينتظر من زائره هذا أن يتحدّث عن عمل له هو في طور الإنجاز، في طور الصيرورة، فيلزم لتحقيق ذلك أن أبدأ في رسم لوحة ههنا الآن، أو أن أضع إحدى اللوحات، وأنتظر برفقتكم أن تطرأ عليها تغيّرات في القادم من السنوات، وهذا بالطّبع أمر مستحيل. واللوحة لا تتغيّر فحسب عبر عقود من الزمن أو في قرون متتابعة؛ إذ يمكن أن تتغيّر في آماد زمنيّة قصيرة؛ فأنا حين أدخل إلى ورشة عملي صباحًا، غالبًا أُفاجَأ بما استجدّ من تحوّلات، تكون قد طرأت على اللوحة أثناء الليل. فاللوحة لا تني تتطوّر، وقد أقول: إن ذلك يجري بصورة شبه ثابتة ويوميّة.

إذن أنا لست هنا معكم لأرسم لوحة، ولكنّني مدعوّ لأتحدّث عنها، وقد تردّدت كثيرًا قبل أن أهمّ بذلك؛ لأنّ كلّ ما قد أقوله لكم يكون قد استجدّ، ومن ثَمّ فإنّي أخشى أن أرهقكم بكلام مكرّر؛ لأنّه من التجربة تعلّمت أنّ الحديث عن عمل قبل أن نكون قد شرعنا فيه.. يعني، أنّه قد غدا في عداد الماضي، أنّنا لن ننشغل به من جديد، وأنّه بات تائهًا.. ضالًّا في الكلمات. فماذا يعني الحديث عن الفنّ حقيقة؟ كيف لنا تأويل الفنّ وفهم ما يومئ إليه؟ كيف لنا أن نتخيّل ما يريد الفنّـــــــان قوله، وأنّى لنا إدراك دوافعه؟ ما من دليلِ معرض فنيّ إلا ويحتوي على نصوص تحيل على الأعمال الفنية المعروضة، ولا غرابة في ذلك. فبمجرّد أن يدشّن معرض. حتّى يقبل النقّاد على قراءة الأعمال المعروضة واستنطاقها، وتلك هي مهمّة النقد. وفي فرنسا، أمثلة كثيرة تلمح إلى تقليد قديم يجمع بين الفنّانين والكتّاب، وإلى ذلك التعايش والتكافل القائم بين الفنّ والفكر. لنفكّر مثلًا في سارتر وكتاباته عن وولس، وكتابات ميشال ليريس عن بيكون، والصداقة التي جمعت هذا الأخير بماسّون. ولنفكّر أيضًا في كتابات مرلو – بونتي عن سيزان التي تشكّل دليلًا آخر على الاهتمــام الذي يوليه الكتّاب إلى الفنّانين.

ثمّة إذن ضرورة للتعبير عن مدى انفعالنا بالفنّ، ومحاولة الإمساك به، ومحاصرته وتحديد تخومه بالكلمات، أو أن نجمّده إلى حدّ ما، أو أن نُسَكِّنه، وحينها سوف نجد أنفسنا في مأزق؛ لذلك حذارِ لأنّنا متى أفردنا مكانًا للفنّ وحدّدنا له الفضاء الذي ينبغي له أن يعمل فيه وفق معاييره، نكون قد جازفنا بإفقاره وجعلناه مأمونًا وغير مؤذٍ، فنكون بذلك قد قامرنا بمحاصرته في فضاء محدّد، وتهدئته كيما لا يتصرّف وفق أسلوبه، ولا يُحدِث أيّما ضرر، في حين أنّ الفنّ يظلّ في حاجة إلى أن يكون متمرّدًا؛ فالفنّ لا يكون فنًّا إلا متى كان مزعجًا.

ومن ناحية أخرى، ثمّة تناقض آخر لا يستقيم الفنّ من دونه؛ فهو من ناحية يظلّ في حــــــــاجة إلى أن يكـــون منفصلًا عن «الحياة»، عن كلّ ما هو ليس بفنّ، ومن ناحية ثانية، هو مطالب، وباستمرار، بتجاوز حدوده، والإقبــــــــال على «الصيد» في أصقاع غريبة، سواء كانت تلك الأصقاع هي.. الفنّ الهابط (الكيتش)، أو الحرف الفنيّة، ليعود دائمًا متغيّرًا ومحمّلًا بعبء لا شكل له، غالبًا ما يكون بشعًا ورهيبًا؛ غير أنّ ذلك العبء سوف يمكّنه من أن يتجدّد ويتسيّل بواسطة أدوات يختصّ بها، كما لو أنّ الفنّ يمتلك مُذيبًا كونيًّا، مذيبًا يبحث عنه الخيميائيّون، وعبثًا حاولوا العثور عليه.

ومع ذلك، يخيّل إلينا أنّ الفنّ بعد أن استكمل اكتساحه، لم يعد اليوم قادرًا على تغيير مَغْنمهِ، مهدّدًا بأن يصبح هو فريسته الذاتيّة. هل تكون تلك هي الحقيقة، أم إنّ الفنّ لا يزال يعيش رابضًا في مكان ما قد يكون تحت الأرض؟ هل علينا أن نتأمّل هذه الظاهرة من قرب، حتى نستخلص القمح من الزُّؤَان؟ أم إنّ الريح التي تفصل القمح عن الزُّؤَان قد أصيبت بالإجهاد؟ هل ينبغي لنا رغمًا عن كلّ شيء تشغيل مدافع الريح لنعلن: «مات الفنّ، يحيا الفنّ».

إنّي أشعر دائمًا ببعض الحرج حين أكون مدعوًّا للحديث عن الفنّ. والحقيقة أنّني أفَضْت في الحديث عمّا سوف أتناوله بالتحليل في الدروس القادمة، وإن كنت لم أصرّح به بصورة مباشرة. لقد أفصحت عنه عبر أعمالي داخل ورشتي. لذلك كما ألمحت إلى ذلك سابقًا، ثمّة مخاطرة في الإفاضة والحديث من جديد عمّا قد استجدّ، وما ترسّب.. طبقة بعد طبقة، الذي غدا مع الزمن «تحت»، ويحتاج إلى أن نعيده إلى النور عبر الخطاب.

لا تتحدث أيها الفنان لتبدع

في روايته «هنريش فون أوفتار دينغان»، يروي لنا نوفاليس قصّة عامل منجميّ نزل إلى أعماق المنجم يوم زواجه، حيث مات وظلّ مقبورًا هناك. وبعد مضيّ ثلاثين سنة اكتُشفت جثّته مصادفة، فتبيّن أنّ الزمن لم ينل منها، بل إنّه بدا على الدرجة نفسها من الوسامة والنضارة كيوم مغادرته الحياة. ثمّ رُفِعَ إلى سطح المنجم، ولكن ما إن لامس الضياء جسده، حتّى تفتّت واستحال غبارًا تذروه الرياح. لقد ظلّ طوال الزمن الذي أمضاه في أعماق المنجم سليمًا، وما من شكّ أنّه كان سيظلّ كذلك لو لم يَعُدْ إلى سطح الأرض. هكذا.. فأنا أخشى أن يستحيل الجمال الذي يتجلّى في العمل الفنّي إلى رماد، لو صعدنا به إلى سطح الخطاب.

وما عسانا أن نضيف إلى ما قيل؟ « لا تتحدّث أيّها الفنّان.. لتبدع..»، تلك كلمات لغُوتَهْ غالبًا ما تذكر، وغَدَتْ مكرّرة حدّ الرتابة، ولكنّها تنطوي على تحذير، في مستوى آخر غير ذلك الذي كان لتصوّر غوته عن الفنّ. لقد كان تصوّر الفنّ يومذاك أكثر تقييدًا وأقلّ تعقيدًا من اليوم. وإنّه لمن الغريب أنّ غوته ذاته لم يكن بوسعه أن يستوعب ما كانت تزخر به لوحات غسبار فريدريش من جلال مهيب. وبعد أن ساند غوته بودّ فريدريش، جرح شعوره حين أعرض عن فنّه، عادًّا إيّاه مسرفًا في الرومانسيّة، وداعيًا إيّاه إلى رسم الغيوم وفق «تصنيفها العلميّ». وقد أثار ذلك سخط غسبار، الذي أفصح عن احتجاجه، مبيّنًا أنّ العمل الفنّي في مثل هذه الحالة لن يكون أكثر من «تحذلق علميّ».

غير أنّه ينبغي عدم التغافل عن الضرورة التي يتعارض فيها تمشّي فعل الخلق، وذلك الذي يميّز اللّغة، التي تظلّ قمينة بكلّ اهتمام. وأن نفصل الظواهر المرتبطة باللّغة عن تلك التي تنسب إلى مجال التشكيل الخالص، فإنّ ذلك، وبشكل أوّليّ، ليس بالأمر اليسير. أمّا فيما يخصّني، فأنا دومًا ممزّق بين الرغبة في الرسم ورغبة الكتابة، مع أنّني على قناعة، وبحكم تجربتي، أنّه لا يمكن التفرّغ كليّة إلا لأحدهما. نحن نعلم ولا شكّ أن بعض الشعراء مارسوا فنّ الرسم مثل فيكتور هوغو الذي كانت له لوحات عدة، ولكن مهما كانت أهميّة تلك اللوحات، فهي لا ترقى إلى المستوى الذي يتطلّبه الفنّ التشكيلي، بل إنّها تبقى دونه عمقًا وأصالة.

نلاحظ في أيّامنا هذه أنّ كثيرًا من الفنانين لم يعودوا لينطلقوا من الفعل الإبداعي ذاته، وإنّما يعكسون هذا التمشّي. مستندين إلى النظريّات الجماليّة لأدرنو، لبنجامين ولوكاس، نراهم يقتصرون على تطبيق تلك النظريّات، كما لو كانت تعليمات استعمال، في أعمالهم الفنيّة.

ولكن أليس العمل الفنيّ هو الذي ينبغي أن يسبق، أن يتقدّم الخطاب، التأمّل الجمالي أو التنظير؟ وكموضوع، أليس العمل الاستهلالي في حاجة إلى أن يتقدّم النظريّة؟ كلا.. ليس دائمًا، ونظرة خاطفة للتّاريخ قد تثبت لنا ذلك. ففي العصر الوسيط مثلًا، كان دور الصور هو إعلام الناس بوقائع، وبوضعيّات متناقضة أو مفاهيم غامضة، مثل: عقيدة التثليث أو عذريّة مريم، ومنحهم معلومات بسيطة ومفهومة في متناول الجميع. فهنا ينبغي أوّلًا توضيح الجانب المبهم في العمل الفنّي قبل عرضه.

إنّ الفنّ كما أتمثّله ليس تصويرًا للأفكـــــــار التي يُنتِجُها العقـــــــــل، أو تلك التي نجدها في النظريّات المشوّشة والسلطويّة لنظام اللاهوت. وما دمنا في العصر الوسيط، لنتسلّق قليلًا أدراج الزمن، ولنسمح لأنفسنا بالتقدّم أو التقهقر كما نشاء. فعلى خلاف العلوم التي تستوعب التقدّم الحادث وتستند إليه لمتابعة تطوّرها، الفنّ لا يتطـــوّر، وبإمكاننا في أيّما لحظة عكس مسار تقدّمه، كخيط لا نهاية له؛ لأنّه على النقيض من خيط أريان الذي يهدي إلى وجهة واحدة، يكون الفنّ مُوجَّه نحو وجهتين.

ويمكن هكذا أن نتساءل إن كانت التكعيبيّة، التي تفرّعت عن القيم الجماليّة للنّحت الإفريقيّ، والتي لاذت باللغة الشكليّة لأزمنة وثقافات أخرى، تمثّل في حدّ ذاتها تقدّمًا؛ وقد نعُدُّ التكعيبيّة أيضًا نتاجًا للاستعمار، وتجسيدًا لمرحلة مبكّرة من العولمة. وفضلًا عن ذلك، فإنّ التكعيبيّة وضعت أيضًا موضع السؤال مفهومًا كان قد اكتمل في القرن التاسع عشر.. مفهوم «الروح المبدعة» الذي كان محلّ انتقاد شديد من جانب آباء الكنيسة؛ إذ رأى فيه هؤلاء نزوعًا للإنسان كيما يحلّ عبر إبداعه الفنّي محلّ الخالق.

ولو صعدنا أكثر في سلّم الزمن، لأدركنا تمثال «أفروديت كنيدوس» لبراكسيتال. لقد استهجن إكليمندس السكندري الإيروسيّة المنبعثة من هذا التمثال، وأجزم أنّ رجلًا شابًّا بلغ به الافتتان بكماله حدًّا جعله مغرمًا بالمرأة التي كان يجسّد، ويتمنّى الزواج منها. بعدها رمى إكليمندس السكندري بالزندقة كلّ نزوع إلى استراق النظر إلى مثل تلك التماثيل. على أن الفنّ ينبغي أن يجعلنا ننظر إلى ما وراء الأشياء، ليكون المرئيّ مجرّد محمل للامرئيّ، وعطر يفوح منه السرّ الربّانيّ. وكان إكليمندس يعتقد أنّ الشيطان يستقطر هو ذاته الجمال في المنحوتات الوثنيّة، مستنكرًا المحاكاة التي ترمي إلى إلغاء الحدّ بين النسخة والأصل. غير أنّ إلغاء ذلك الحدّ بمجرّد النظــــر يفترض انقلاب العلاقة بين الفنّ والحياة، إلى ما يشبه القفزة الانقلابيّة المضاعفة في الهواء، قفزة موت يؤدّيها المشاهد.

ودائمًا في السياق نفسه، يحاول بعض الدارسين العثور على (الموديــــــــل) التي كانت موضوعًا للوحة لاجوكوند، والكشف عن الوجه الحقيقي لموناليزا الحقيقيّة إن شئنا. فبما عسانا نظفر من وراء ذلك؟ بلا شيء.. ألست أنــــــا وأنتم المشاهدون الفعليّون، المسؤولون عن إنعاش حياة ظلّت مجمّدة في هذا العمل، التي تظلّ نابضة عبر نظرتنا المحدقة فيها. وفي «من جانب غرمانتس» يتناول بروست بالوصف العلاقة الغريبة بين إيروس والعمل الفنّي، فلننصت إليه: «انغلقت على رشال أبواب عالم الأحلام.. الذهبيّة، قبل أن يلمحها سان لو وهي تغادر المسرح، وبشكل لم يعد معه النمش والبثور على محيّاها أمرًا ذا أهميّة. ومع ذلك.. كان مستاءً، وبخاصّة أنّه لم يعد وحده، ولم تعد له القدرة نفسها على الحلم بما دار على خشبة المسرح فحسب. ولكن رشال ، وإن غابت عن ناظريه، فقد ظلّت ممعنة في التأثير في حركاته، كما هو تأثير تلك النجوم التي تسود بجاذبيّتها، حتى في الساعات التي تغيب فيها عن رؤيتنا.

لذلك، فإنّ الشوق لتلك الممثّلة ذات الملمح الرقيق الذي لم يعد سان لو ليستحضره، جعله وهو يقبل على صديق قديم حضر هناك مصادفة، يقدّم نفسه لتلك المرأة التي هي من دون ملامح وذات محيّا منمّش، طالما أنّها هي ذاتها، ويحدّث نفسه أنّه فيما بعد سوف يفكّر لمعرفة أيّهما كان يعشق. لقد كانت تلك المرأة مُتعجّلة، ولم توجّه أية كلمة لسان لُو؛ وبعد بضعة أيّام، تمكّن سان لو أخيرًا من أن يجعلها تغادر رفقاءها، لتعود معه؛ إذ أدرك أنّه قد غدا مولعًا بها».

إنّ هذا المقطع من «البحث عن الزمن المفقود».. كان ولا يزال يسائلني، ويشغلني فيه تحديدًا ذلك الانفعال الذي انتاب سان لو لحظة وقوعه في حبّ رشال، رغم أنّها لم تَعُدْ تلك المرأة التي اهتزّ لحضورها وهي على خشبة المسرح. وألّا يجد سان لو في رشال الحقيقيّة تلك، رشال التي عشقها وهي على خشبة المسرح، فيمكن أن نَعُدَّ ذلك خيبة أمل طبيعيّة. متحسّرًا، كان بإمكانه حينها الإعراض عن رشال الحقيقيّة؛ لعلّ عشقه لرشال المسرح كان لا يني يفعل فعله، ويحجب عنه عيوبها الظاهرة، ويدفعه إلى الإمعان في محبّة الممثّلة في رشال الحقيقيّة؟ لقد تبخّرت ذكرى ظهورها على خشبة المسرح، ولكنّها ظلّت توخز عشقه لها. لقد غدت حركاته لا محالة مرتهنة لذكرى غائمة، وبات سان لو يحتفظ بخيار أيّ من الاثنتين ستكون في نظره.. رشال الحقيقيّة. هل تكون تلك التي سحرته على خشبة المسرح؟ ثمّ أيّهما هي المثال وأيّهما هي الرائعة الفنيّة؟

لقد كان سان لو، على نحو مؤكّد، يستعذب ذلك التأرجح، ذلك التناوب بين كائنين، بين شكلين. فحبّه غدا يتغذّى من طبقة زمنيّة لم يعد ليكون واعيًا بها، ولكنّها تظلّ حاضرة بداخله. فظاهرة «رشال» التي لا يحتويها لا المكان ولا الزمان تظلّ غير مدركة، كما هي الجزيئات في الفيزياء. وتلتقي هذه الحالة مع العمل الفنّي الذي يتطوّر عبر تناوب ثابت ما بين عالمين.. ما بين طبقتين زمنيّتين. يحدث أحيانًا أن يفتتن الفنّان بمادّة فظّة فيستعملها، ولكنّها دونما إدراك منه تكون قد مرّت إلى مرحلة أخرى في سياق تطوّر زمنيّ يكمن أيضًا في مفهوم الفنّ في حدّ ذاته.

أكثر تملصًا من سمكة

ما سنتحدّث عنه طوال هذه الدروس سوف يكون أكثر تملّصًا من سمكة في وسطها الطبيعيّ: الماء. وعلى غرار الثعبان الذي يمسك من ذيله، والذي يحاول عبثًا وهو يتلوّى أن يفلت، يبقى من قبيل المستحيل الإمساك بطبيعة الفنّ بواسطة الكلمة؛ فنحن متى اعتقدنا أنّنا ظفرنا بالتعريف المناسب، ربّت الملاك على شفاهنا وغدا كلّ شيء نسيًا منسيًّا. هل بوسعنا حقًّا تحديد المكان الذي يقيم فيه الفنّ؟ أو يكون هذا المكان هو المتحف؟ هل يمكن أن نعدّ كلّ ما يحفظ ويعرض في المتاحف هو فنّ؟ هل ما ينتجه الفنّان.. فنّ؟ مَنْ بوُسعه أن يقرّر إن كان هذا أو ذاك فنّانًا أم لا؟ ثمّ ماذا عن النماذج المصطنعة؟ ولنفكّر في المنحوتات القروسطيّة التي أبدعها فنّانون في زمن لم يكن الفنّ كمفهوم.. متداولًا بعد.

كان الحرفيّون يومئذ ينتظمون في هيئات، وكانوا تراتبيًّا في منزلة أدنى من علماء اللاهوت والفلاسفة. فمنذ متى أصبح ينظر إلى ما يبدعونه، على أنّه فنّ.. ولماذا؟ ولئن كان من المتعذّر تحديد تعريف للفنّ، وهو المتفلّت دومًا من إدراكنا، فثمّة أمر ثابت: الإنسان الذي هو أنا.. ليس بوسعه العيش من دون فنّ، وعلاقتي به تظلّ علاقة تبعيّة وشرطًا أساسيًّا للحياة. وإن كان أكثر الأوهام سحرًا، فهو في الوقت نفسه مصدر تحرّر واستعباد. فمهما فعلت وحيثما يمّمت، يبقى الفنّ هو منتهى قصدي ومبتغاي.

نحن لا نمارس الفنّ، وإنّما به نعيش ونبقى على قيد الحياة، إنّه يدعمنا، يسلّينا، يصدمنا ، يُهَدِّئنا ويروينا.

فالفنّان يبدع المعنى في محيط من العدم، يجعل الأشياء الأكثر قبحًا وتفاهة تتحوّل إلى روائع بالغة الجمال.

إنّي أعرف كيف أميّز، على نحو يقينيّ قاطع، عملًا فنيًّا من منتوج حرفيّ أو عمل مصمّم. ولكن هل بوسعي تفسير ذلك أو إقناع الآخرين به؟ كلا؛ لأنّه سيكون هنالك دومًا من سيَعُدُّ بعض الأشياء على أنّها فنّ، فيما سيرى بعض آخر أنّها ليست كذلك. كما يرى كثيرون أنّ أسلوب اللباس يكتسي بُعدًا فنيًّا، ويؤكّدون ذلك على نحو قطعيّ؛ ذلك أنّ الجزم في المجتمع يكتسي دائمًا طابعًا وثوقيًّا. وفي هذا المجال، ليس ثمّة معتقد سائد، ولا رأي سار عالميًّا.

وينبغي أن نأخذ في الحُسبان أن عملًا فنيًّا ما يمكن أن يسهم في تدمير آخر. وحتى نكون على بيّنة من ذلك، لنستحضر في مجال الأساليب التشكيليّة، الطريقة التي أعقب بها الفنّ الأكاديمي.. الانطباعيّة، التي أزيحت بدورها من على عرشها بفنّ التّجريد… إلخ. فما من تيّار فنّي إلا وينشأ بفعل ضرورة الردّ على الجماليّة السائدة والسارية بين الناس؛ وبصورة عامّة، وبما يشبه الحصانة الذاتيّة والطبيعيّة، ينتصب الفنّ من ذاته ضدّ ذاته، حتى إنّه يبدو غير قابل للحياة إلا بنفي ذاته؛ وفيما يدمّر نفسه بنفسه، ويمعن في إيلام ذاته، يكون على نحو مفارق مجلبة للخير.

إطباق الفن على ذاته

لكن هل بإمكاننا أن نتصوّر أن إطباق الفنّ على ذاته يمكن أن يبلغ حدًّا من الضراوة قد يثنيه عن النهوض من جديد، ويجعله يتوارى من دون رجعة؟ وذلك الإطباق الذي قد ننعته بالـ«الذاتي» هو تهافت محايث للفنّ، يجعله ذا ردّ فعل مناعيّ ذاتيّ، وفيما يشبه الموقف المضادّ، يحتويه هو ذاته، ويدفع به إلى تخوم الوجود. وقد اتضحت تلك النزعة بمنتهى الضراوة لدى دعاة المستقبليّة الذين أرادوا نسف كلّ شيء، وطالبوا بتدمير المتاحف، وهو ما شكّل خطرًا حقيقيًّا على مستقبل الفنّ؛ وعداء التقاليد ذاك، الذي بدا في الأوّل طلائعيًّا، بل حتّى ثوريًّا، تحوّل إلى غاية في حدّ ذاته.. إلى خطّة ترويج لا غير.

هنالك خطر آخر يتهدّد الفنّ منذ زمن قريب، إنّه آتٍ من عالم الموضة والتصميم، الذي بات يشوّش على الفنّ، مستعملًا أساليبه الخاصّة، ومن ثَمّ مساهمًا في إفقاره وامتهانه. إنّا لنطمح إلى إبداع شيء ما يكون في آنٍ واحد البداية والنّهاية. إنّا لننشد بلوغ تلك الذّروة التي منها، ومن كلا الجانبين، يسقط كلّ شيء بصورة عموديّة، وحيث تكمن الصعوبة في أن يبقى الأمر كذلك. غير أنّ هذا ليس بالأمر الممكن؛ لأنّه يأتي دائمًا بعد ذلك.. السقوط الحتميّ والتلاشي، فتتحقّق تلك الأشياء، إمّا عبر هالة مذهّبة أو يكون مآلها العدم.

فكما الكرة التي ترمي بها نافورة ماء في الهواء.. فتسقط، ثم تدفع بها قوّة الضغط ثانية فتجعلها تعلو من جديد، نجد أنفسنا دائمًا مدفوعين من موسى إلى هارون، ومن هارون إلى موسى.

ولكن.. وكما بينّا ذلك سابقًا، كانت نزعة التدمير الذاتي.. الغاية الأكثر حميميّة ومهابة للفنّ، الذي يغدو ابتذاله حينها أمرًا مدركًا ومحسوسًا؛ لأنّه مهما كانت ضراوة إطباق الفنّ على ذاته، حتى إن أدرك حدوده القصوى، فإنّه سوف ينبعث دومًا من حطامه. ولكن كيف لنا أن نَعُدَّ مبولة مرسيل دو شامب وسط حشد من الأشياء العاديّة.. عملًا فنيًّا؟ قد يسعفنا مبدأ المماثلة كي نردّ على هذا السّؤال. لنفكّر في مفارقة أولبارس الذي كان يرى أنّه من المتعذّر رؤية النجوم؛ لأنّه بحكم عددها وسريان بريقها، وتوزّعه المتجانس، لن توجد في السماء خلفيّة تكون على قدر من الدكانة تجعل النجوم الأقلّ حدّة تنفصل عنها. ومع ذلك فنحن نبصر النجوم وهي تتلألأ، بل قمنا بتصنيفها ومنحناها أسماء، وأضفينا عليها رموزًا، مميّزين تلك التي تنبئ بانقلابات فجائيّة كبرى، مثل نجمة بيت لحم.

فهل الأمر سيّان في مجال الفنّ؟ إنّنا حين نقول: إنّ كلّ شيء فنّ، فتلك في الحقيقة خدعة بصريّة تجعلنا نتعرّف الأشياء في استمراريّتها، قبل أن نضفي عليها معنى محدّدًا. حين نكون بصدد إنجاز لوحة، ثمّة لحظة نشعر فيها بأنّ العمل الذي نقوم به.. لا قيمة له، وإذا باللوحة التي تكون في طور التشكّل أو طور التكوين، تكون قد فقدت شكلها الكتوم لتنتقل من حالة الاكتمال إلى حالة اللاشيء تقريبًا. قماشة الرسم والألوان في مكانها، ومع ذلك تكون اللوحة قد تخطَّت حدًّا ما، وتخلّصت من الخلفيّة المتشاكلة للأشياء التي تحيط بها.

شذرات من الدرس الافتتاحي لأنسالم كيفَرْ في الـ« كوليج دو فرانس»، الذي ألقاه في 2 ديسمبر 2010م.