علي الوردي والدين الأيديولوجي

علي الوردي والدين الأيديولوجي

الإنسانُ كما يراه علي الوردي كائنٌ تصنع حياتَه ومآلاتِه ظروفُه الخاصة، اختلافاتُ المجتمعات تعود إلى الاختلافِ في ثقافاتهم وبيئاتهم وأحوالهم، وعمليةُ التغيير الاجتماعي والتحولات التي تحدث في تاريخ أي مجتمع تنشأ عن التحولِ في تلك العوامل وتغيّرها.

يفسّر الوردي التدينَ وتمثلاتِ الدين في حياة الفرد والمجتمع بوصفه تعبيرًا عن الثقافة والمحيط والظروف والمشاكل والأخطار المتنوعة التي يواجهها الناس، فكلّ ما يواجه الفردَ والمجتمعَ يؤثر في إنتاج نمط التدين، يقول الوردي: «إن مظاهر التدين لا يمكن أن تكون متماثلة في جميع البشر، فهي تتنوع حسب تنوع الثقافات الاجتماعية فيهم، وحسب طبيعة المشاكل والأخطار التي يواجهونها، فإذا ظهر دين في قوم من الأقوام، وجدناهم لا يستطيعون أن يحافظوا على تعاليمه الأولى مدة طويلة من الزمن، إنهم مضطرون أن يغيّروا فيها أو يطوروها، لكي تلائم ظروفهم المستجدة»(١).

علي الوردي عالِم اجتماع، لذلك استأثر باهتمامه الدينُ الاجتماعي والتاريخي «الإسلام التاريخي»، ولم يستأثر باهتمامه الدينُ القيمي المعياري «الإسلام المعياري»(٢)، وهذا ما جعل أعمالَه لا تهتم كثيرًا بالآثار التمدينية وتمثلات «الإسلام المعياري» في مجتمعاتٍ بشريةٍ متنوعةٍ اتخذته دينًا عبر التاريخ. وإن كنا نجد التمييزَ بين «إسلام معياري» و«إسلام تاريخي» مجردَ تمييز نظري، فليس هناك إسلامٌ معياري خارجَ فضاء الإسلام التاريخي، وليس هناك إسلامٌ تاريخي لا ينعكس فيه شيءٌ من تمثلات الإسلام المعياري.

على الرغم من أن مصطلحَ «الدين الأيديولوجي» لا يحضر في أعمال الوردي، غير أنه أشار إلى مضمونه في كتاباته، في سياق حديثه عن الاختلاف بين وظيفة الباحث ووظيفة الداعية «الأيديولوجي»؛ لأنه أدرك الفرقَ الشاسعَ بينهما، فهو يقول مثلًا: «ينبغي أنْ نميّزَ بينَ وظيفةِ الداعيةِ ووظيفةِ الباحثِ في الحياةِ، فالداعيةُ هوَ الذي يتمسكُ بعقيدةٍ منْ العقائدِ -دينية أو سياسية– ويدعو الناسُ إليها، ولذا فهوَ مضطر أنْ ينظرَ في أحداثِ التاريخِ نظرةً تقييميةً، حسبَ معيارِ العقيدةِ التي يدعو إليها. أما الباحثُ فالمفروض فيهِ أنْ يدرسَ أحداثَ التاريخِ، من دون أنْ تكونَ لهُ أيُّ فكرةٍ مسبقةٍ تحددُ موقفه منها، وإذا كانتْ لديهِ مثل هذهِ الفكرة تحولَ من كونهِ باحثًا إلى كونهِ داعيةً»(٣).

علي الوردي وعلي شريعتي

شهد العراقُ في منتصف القرن الماضي صراعًا أيديولوجيًّا منفعلًا بين حركاتٍ يساريةٍ أمميةٍ وحركاتٍ قوميةٍ ودينية، انعكس هذا الصراعُ على النخبة وتسرّب إلى فضاء الجامعات بشكلٍ واسع، وتنوعت المواقفُ الأيديولوجية والسياسية للأساتذة والتلامذة بتنوع هذه الحركات، كلٌّ منهم كان ينحاز لإحدى الجماعات برأيه، ومواقفه أحيانًا، وإن لم يكن منتظمًا في صفوف هذه الجماعة عمليًّا، لم يلتزم الحيادَ إلا أقليةٌ قليلة ذلك الوقت.

لم يصمت علي الوردي، على الرغم من أنه لم يتموضع في أيّةِ جبهة، اختار موقفًا وضع فيه نفسَه في مواجهة الكلِّ، استطاع أن يتخطّى كلَّ هذه الأيديولوجيات، كان ناقدًا لكلِّ الجماعاتِ السياسيةِ في العراق، كان ناقدًا للماركسية، كان ناقدًا للجماعات القومية، كان ناقدًا للتشدّد الديني، كان ناقدًا لوعّاظ السلاطين. هذا الموقف النقدي جعل الوردي غريبًا، لا تتحمّس أيّةُ جماعةٍ لترويج أفكاره، وتعرضت أعمالُه لموجةِ سخط قاسية، تمثلت بكتاباتِ أدباء ورجال دين وسياسة، وشائعاتٍ وأباطيل ظلت تلاحقه بين الناس، وكان لتلك الموجةِ أثرٌ بالغٌ في ترويج كتاباتِه المدونةِ بلغةٍ ميسرة يفهمها القراءُ بمختلف مستوياتهم.

في كلِّ محطات حياته كان علي الوردي منحازًا للعقلانية النقدية، ومدافعًا عن حريات الإنسان وحقوقه، لم يقتنع بالشعارات الأممية لليسار التي وقع في فتنتها أكثرُ الشباب، ولم يتورط في التفكير السياسي المغلق للجماعات القومية أو الدينية، ولم يتبنَّ موقفًا ثوريًّا بالمعنى النضالي الذي يدعو إليه اليسارُ الراديكالي، كان ديمقراطيًّا يدعو لثورةٍ عقليةٍ علمية. في سياقِ مقارنتها فالح عبدالجبار بعلي الوردي تصف لاهاي عبدالحسين أستاذَها الوردي بقولها: «الوردي عالِمُ اجتماعٍ تحرري ديمقراطي تنويري مدني، أثرى المكتبةَ والوعي الجمعي العراقي بتحليلاتٍ ملهمةٍ، ووجهاتِ نظرٍ غيرِ مألوفةٍ؛ للتأملِ في واقعِ المجتمعِ والظواهرِ الطارئةِ فيهِ»(٤).

علي الوردي يختلف عن علي شريعتي اختلافًا جذريًّا، وإن كان يبدو للوهلة الأولى أنهما متشابهان في المنهجِ والتفكيرِ والرؤية للعالَم والمواقف. عندما نقرأ آثارَ كلٍّ منهما، ونتعرف إلى مواقفه، نرى الاختلافَ بينهما عميقًا. لم يكن علي الوردي أيديولوجيًّا، بل كان باحثًا يتحرى الحقيقةَ في كلِّ آثاره، ويسعى لأن يكتشف شخصيةَ الفرد والمجتمع العراقي في ضوء ما توصله إليه مناهجُ البحث الاجتماعي. لم ينخرط الوردي في جماعةٍ سياسية، ولم يكن في يومٍ ما منظرًا أيديولوجيًّا أو داعيةً، أو خطيبًا حماسيًّا.

لم يكن علي الوردي داعيةً لأيّةِ ثورةٍ جماهيرية، بالمعنى النضالي المتداول في أدبياتِ اليسار الأممي والقومي، وأدبياتِ الإسلام السياسي، بخلاف علي شريعتي الذي كان أحدَ أبرز منظري الثورة الدينية في القرن العشرين في عالَم الإسلام(٥)، إلى الحدِّ الذي كانت فيه محاضراتُه وخطبُه وآثارُه المكتوبة وقودًا للثورة الإسلامية في إيران، وذلك ما دعا أتباعَه لخلع لقب «مُنَظِّر أيديولوجيا الثورة» عليه(٦)، وكلُّ من يحاول التعرّفَ إلى هذه الثورة وما واكبها من مخاضاتٍ يرى بوضوحٍ أثرَ علي شريعتي في التمهيد لها، ودورَ خطاباته وكتاباته في تعبئةِ الشعب، وحضورِ الجماهير الاحتجاجي الواسع ضدَّ نظام الشاه.

كانت جهودُ شريعتي شديدة الفاعلية والتأثير بوصفه مُنظّرًا أيديولوجيًّا، وأستاذًا جامعيًّا، وداعيةً، وخطيبًا حماسيًّا، تكتظ «حسينيةُ إرشاد» والشوارعُ المحيطة بها لحظة يعتلي المنبر(٧). أدرك علي شريعتي أن تفسيرَه الثوري للدين يتطلّب قراءةً أيديولوجيةً للدين، والدينُ كما يرى هو يفتقر إلى مثلِ هذه القراءة، فعكف على إنجازها في أعماله، يقول شريعتي: «سألني أحد رفاق الدرب: ما هو برأيك أهمّ حدثٍ وأسمى إنجازٍ استطعنا تحقيقه خلال السنوات الماضية؟ فأجبته: بكلمةٍ واحدةٍ، هو تحويل الإسلام من ثقافةٍ إلى أيديولوجيا»(٨). حرص شريعتي في كلِّ كتاباته ومحاضراته على بناءِ فهمٍ ثوري للدين، وقراءةٍ نضاليةٍ لنصوصه؛ لذلك طبعت الأيديولوجيا بصمتَها على كلِّ آثاره.

يغالي شريعتي بوظيفة الأيديولوجيا، فترتقي لديه إلى مرتبة أن تصير وصفةً تعالج كلّ تشوّهات وأمراض المجتمع، وتمنحه مجموعة أحلامه صفقة واحدة، فهو لا يني يشدّد على أخلاقية الأيديولوجيا، وابتكارها لقيمٍ جديدةٍ، وأثرها السحري في المحو والإثبات، وصياغة مجتمعٍ مثاليٍّ. لكنّه لا يتنبه إلى أنّ تفشّي الأيديولوجيات اليسارية والقومية والأصولية في مجتمعاتنا، أنتج عقلًا ديماغوجيًّا مغلقًا متحجّرًا، يفسّر كلّ شيءٍ بشيءٍ واحدٍ، ويبثّ وعودًا وأحلامًا رومانسيةً خلاصيةً، منقطعة الصلة بالواقع، ويعمل على إنشاء فضاءٍ أيديولوجيٍّ مسيّجٍ بأسوارٍ مقفلةٍ، وكأنّها سجونٌ يولد ويترعرع في داخلها أتباعٌ لا يطيقون العيش خارج أسوارها، حين تمسي الأيديولوجيا مادّةً لأذهانهم ومشاعرهم، ويمسون هم مادّةً لها.

الأيديولوجيا نسقٌ مغلقٌ، يغذّي الرأس بمعتقداتٍ ومفاهيمَ ومقولاتٍ جزميةٍ نهائيةٍ، تعلن الحرب على أيّة فكرةٍ لا تشبهها، حتى تنتهي إلى إنتاج نسخٍ متشابهةٍ من البشر، وتجييش الجمهور على رأيٍ واحدٍ، وموقفٍ واحدٍ. يتبنّى الأيديولوجي نموذجًا تفسيريًّا مسطّحًا أحاديًّا، يمنحه شعورًا مزوّرًا بأنّه قادرٌ على الفهم الدقيق والتحليل العميق لكلّ شيءٍ، وأنّ أفكاره مبتكرةٌ فريدةٌ، ويوحي له ذلك التفسير بنزعةٍ رسوليةٍ خلاصيةٍ، وشخصيةٍ نبويّةٍ إنقاذيةٍ. ويلبث غارقًا لا يستفيق من عبوديّته للأيديولوجيا، حتى كأنّ سعادته في عبوديته هذه(٩).

رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه

رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه من أهمِّ العوامل الفاعلة في تحولات السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات في كلِّ المجتمعات. ظل الدينُ مسكوتًا عنه في كتابات أغلب العراقيين من أكاديميين وأدباء ومثقفين، وكأن التفكير والبحث والحديث في الدين والتدين شأن خاص بالمؤسسة الدينية ومعاهد التعليم الديني. كان علي الوردي الأكثرَ اهتمامًا بدراسة تمثلات الدين وتعبيراته في حياة المجتمع، مقارنةً بغيره من الأكاديميين والأدباء والمثقفين، الذين انشغل كثيرٌ منهم بدراسة موضوعات لا صلةَ لها بحياة الناس اليومية وآلامهم، غير أن اهتمامَ الوردي بالدين لم يتخذ موقعَه الذي يتناسب مع أثرِ الدين العميق في حياة الناس والتحكم بمصايرهم.

سحرُ الدين وتغلغلُه في أعماق النفس البشرية مدهش، تميّز الإسلامُ السياسي بأنه الأكثرُ قدرةً على استثمار الدين وتوظيفه في دعوته؛ لذلك استطاع في سنوات قليلة أن يُحشِّد أعدادًا غفيرة من الشباب والشيوخ في صفوفه، على الرغم من أن شعاراتِه تدعو للموت وليس للحياة(١٠)، وأن أغلبَ أدبياته طوباوية، وبعضَ برامجه التربوية ليست واقعية، بل إن شيئًا منها ضدُّ الطبيعة البشرية. كان بعضُ الكتّاب غيرَ مشهورين ولا يعرفهم أحدٌ خارجَ حدود بلادهم، غير أنهم لحظةَ انتقلوا لكتابة أدبيات الإسلام السياسي طارت شهرتُهم في الآفاق، وتُرجِمت أعمالُهم إلى كثيرٍ من لغات العالَم الواسعة الانتشار، ووقع في فتنة كتاباتهم كثيرٌ من القراء في بلاد المسلمين، وصارت هذه الكتاباتُ مادةً لحثِّ وتحريضِ عدة أجيال من الشباب المسلم على الانغلاق والتشدّد الديني(١١).

طريقة فهمِ الدين، وكيفيةُ قراءة نصوصِه أحدُ أهمِّ روافدِ تكوين شخصية الفرد والمجتمع العراقي، إلا أن الدينَ لم يتخذ موقعَه المناسب في آثار الوردي، بالشكل الذي يعكس سرعةَ تأثيره، والانفعالَ الحادَّ الذي يحدثه في مشاعر الإنسان، وأثرَه الفاعلَ في تكوين شخصيته.

لم يهتم علي الوردي بالأثرِ العميقِ لرؤية الدين للعالَم وكيفيةِ قراءة نصوصه في بناء الشخصية أو هدمها، ولم يسلط الضوءَ على دور الدين في تغذية اللاشعور، وأثرِه في تشكيل شخصية الفرد في طفولته، وتوجيهِ سلوكه من حيث لا يشعر في مختلف مواقفه. للدين سلطةٌ على الأرواح، لا يضاهيها نفوذُ أيّةِ سلطةٍ أخرى؛ لذلك يمكن أن تكون رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه فاعلةً في إحداثِ تحول أساسي إيجابي أو سلبي في اقتصاد المجتمع ومجالات حياته كافة.

الدين يمكن أن يكون حافزًا خلّاقًا للعمل والإنتاج، وذلك ما كشف عنه ماكس فيبر في تفسيره لكيفية تأثير البروتستانتية والقراءة الكالڤينية للكتاب المقدس(١٢)، في بناء فهمٍ يكتسي فيه العملُ والإنتاجُ معنى دينيًّا، وكيف بعثت الكالڤينية تدينًا ينشغل فيه المسيحي بحياته الدنيا، لينال الخلاصَ ورضا الله في الآخرة. نمطُ تدين تكون النجاة فيه دنيوية، والمعنى الديني للخلاص ينتقل إلى العمل الدنيوي الذي يتركز على تسخيرِ الطبيعة، والعملِ على استثمار مواردها لإنتاج ما يتطلبه معاشُ الناس. في ضوء هذه الرؤية أصبحت المصانعُ وورشُ العمل بمنزلة كنيسة، وصار العملُ طقسًا يحقّق الخلاصَ بمعناه الديني الأخروي.

في سياق تفسير ماكس فيبر أضحت الرؤيةُ البروتستانتية الكالڤينية للدين وإعادةُ قراءة الكتاب المقدّس في ضوئها هي الدافعَ الأهمَّ لتكوين الرأسمالية. ففي كتابه: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» يرى ماكس فيبر أن الرأسمالية، بوصفها نظامًا مجتمعيًّا تاريخيًّا، ولدت في سياق الرؤية الدينية الكالڤينية للبروتستانتية، وليس نتيجةَ تطور اقتصادي تاريخي.

أخلاقُ العمل الكالڤينية التي تحثُّ على الانضباط والإخلاص والعمل الشاقّ كانت سببًا أساسيًّا في ظهور العقلية الرأسمالية في أوربا، وسببًا في ولادة الثورة الصناعية. تشدّد الكالڤينية على قيم: الثقة، والادخار، والتواضع، والصدق، والمثابرة، والتسامح، وترى النجاح على الصعيد المادي دلالة نعمة إلهية واختيار مسبق للخلاص(١٣). وعلى وفق القراءة الكالڤينية للبروتستانتية، لا يتحقّق خلاصُ الإنسان من خطيئته إلا بالتقوى، والتقوى ورضا الربّ لا يتحقّقان إلا بالعمل والإنتاج واستثمار الأرض، وليس بالقداس في الكنيسة(١٤).

رؤيةُ الدين للعالَم وكيفيةُ قراءة نصوصه فرضها في الإسلامِ علمُ الكلام التقليدي، وما صنعته الأنساقُ الراسخةُ لمقولات الأشعري الاعتقادية، ومختلفُ معتقدات متكلمي الفرق الإسلامية. كان لهذه الرؤية الكلامية للعالَم تأثيرٌ بالغٌ في انحطاطِ مجتمعات عالَم الإسلام، وتعطيلِ الاجتهاد والتجديد في الدين.

علي الوردي بوصفه عالمَ اجتماع كان ماهرًا في الكشف عن عناصر أساسية مكونة لشخصية الفرد والمجتمع العراقي، غير أن بحثَه لم يتوغل في الحفر ليصل إلى البنى الدينية والأنساقِ الاعتقادية المترسخة في اللاوعي الجمعي، وأثرِها في رؤية العراقي للعالَم، وطريقةِ فهمه للمعاد، وتأثيرِ ذلك في سلوكه في المَعِيش.

يمكن التماس العذر للوردي؛ لأن الكشفَ عن تلك البنى الدينية والأنساق الاعتقادية الغاطسة يتطلب خبرةً تخصصيةً في علوم الدين وعلم الكلام خاصة، ومعرفةً واسعةً بالتراث ومسالكه المتشعبة، مضافًا إلى خبرته في علوم الإنسان والمجتمع. وذلك حقلٌ لم يكن علي الوردي متمرسًا فيه، وكذا أغلبُ أمثاله من الأكاديميين المتخصصين في علوم الإنسان والمجتمع.


هوامش:

(١) الوردي، علي، طبيعة المجتمع العراقي، ص 223.

(٢) «الإسلام التاريخي»، غير «الإسلام المعياري» كما يميز فضل الرحمن وعبدالمجيد الشرفي وغيرهما من المفكرين. راجع: الشرفي، عبدالمجيد، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ط 2، 2008، دار الطليعة، بيروت.

(٣) الوردي، علي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث، ج 4: ص 477.

(٤) عبدالحسين، لاهاي، الماركسية الأكاديمية لدى فالح عبدالجبار، موقعُ الحزبِ الشيوعي العراقي، 14 آذار 2018م.

(٥) حصل علي شريعتي على ليسانس الأدب الفارسي من كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة فردوسي في مشهد سنة 1958م، ثمّ التحق بجامعة السوربون في باريس سنة 1960م لدراسة الدكتوراه، وفي عام 1964م ناقش أطروحته في التاريخ، التي تناولت ترجمة وتحقيق كتاب «فضائل بلخ»، لصفيّ الدين البلخي، بإشراف: جيلبرت لازارد. راجع: الرفاعي، عبدالجبار، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 105، ط 3، دار التنوير ببيروت، ومركز داسات فلسفة الدين ببغداد.

(٦) المصدر السابق، ص 106.

(٧) «حسينيةُ إرشاد» منتدى ثقافي ديني سياسي شمال طهران، كانت أحد أهم أماكن الأنشطة في طهران في التعبئة الأيديولوجية ضد نظام الشاه محمد رضا. حدثني صديق إيراني كان يحضر محاضرات علي شريعتي في هذه الحسينية، قائلًا: عندما يعلن عن محاضرة لشريعتي الساعة الثامنة مساءً، أضطر أنا وأصدقاء شباب الحضور قبل المحاضرة بست ساعات على الأقل، نحضر الساعة الثانية بعد الظهر؛ كي نظفر بكراسي للجلوس ترقبًا للمحاضرة التي تبدأ في الثامنة مساءً، لئلا نقف ساعات في الشارع. غالبًا ما تستغرق محاضرات شريعتي أكثر من ساعة وأحيانًا عدة ساعات.

(٨) المصدر السابق، ص 108.

(٩) الرفاعي، عبدالجبار، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 108 – 109، ط 3، دار التنوير ببيروت، ومركز داسات فلسفة الدين ببغداد.

(١٠) «الإخوان المسلمون» الحركة الأم التي تناسلت من رحمها جماعات الإسلام السياسي في البلاد العربية، شعارها يتضمن: «الموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

(١١) كان سيد قطب «1906- 1966م» أديبًا وناقدًا غير معروف، إلا أنه بعد أن انضم للإخوان المسلمين سنة 1950م أضحى المنظر الأهم لكل الجماعات الدينية، وأخطر ملهمي أجيال متعددة من الشباب الذين انخرطوا في الجماعات المتشددة العنيفة، لم أجد كاتبًا فرضت أعماله حضورها الواسع وانتشارها المدهش، وتأثيرها الغاضب في مشاعر الشباب المسلم كأعماله. وهذه ظاهرة عامة لا تقتصر على رواج أعمال منظري وكتاب الجماعات الدينية، بل نراها في رواج أعمال مُنظري وكُتاب كل الجماعات اليسارية والقومية. وإن كان الكثير منها كتابات أيديولوجية تعبوية سطحية. كلُّ كاتب تتبنى أعماله جماعة سياسية أو حكومة يفرض حضوره الواسع موسميًّا، وإن كانت كتاباته فقيرة فكريًّا. وبموازاة ذلك تلبث أعمال فكرية فائقة الأهمية منسية طويلًا، عندما تتجاهلها الجماعات السياسية والحكومات، إلى أن يتنبه إليها بعض الخبراء فيدلون القراء عليها.

(١٢) جون كالڤين John Calvin»»، 1509– م1564، مصلح لاهوتي فرنسي تنسب إليه الكالڤينيّة، هاجر إلى مدينة بازل في سويسرا، بعد تعرض البروتستانت إلى عداء عنيف في فرنسا. اشتهر عنه (مبدأ «النداء»، أي أن لكل إنسان نداءً في هذه الدنيا إذا لبّاه فهو سيقوده إلى تحقيق هدفه في بلوغ مكانة ترضي الرب في الآخرة).

(١٣) أخلاق العمل البروتستانتية، مقالة منشورة على الإنترنت.

(١٤) للتفصيل راجع: شرح نظرية ماكس فيبر وكيفية تأثير البروتستانتية الكالڤينيّة في نشوء الرأسمالية في مقدمة محمدحسين الرفاعي لكتاب: حسن الضيقة، موضوعات في السوسيولوجيا الألمانية: نموذج ماكس فيبر، 2019م، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، دار التنوير ببيروت.