الصعود المقلق لحركات «النسو-قومية»(١) اختطاف خطاب الحركات النسائية لبسط المزيد من الأيديولوجيات اليمينية

الصعود المقلق لحركات «النسو-قومية»(١)

اختطاف خطاب الحركات النسائية لبسط المزيد من الأيديولوجيات اليمينية

في خريف عام 2018م، وفي مقابلة أجرتها دير شبيغل، ادعت نيكول هوشت، عضو في حزب البديل الألماني القومي، أنها قلقة بشأن مستقبل ألمانيا وحماية النساء من الإسلاميين المتطرفين والمهاجرين. وزعمت أليس ويدل، زعيمة الحزب، أن تزايد عدد المهاجرين إلى ألمانيا أدى إلى نقص الحماية المقدمة للنساء والفتيات. وبإعلانهما دوافعهما من أجل المساواة بين الجنسين بعبارات ملأتها العنصرية وكره للأجانب، فإنهما يغذيان شريحة فرعية من النساء، وبخاصة الإثنيات الألمانية المعادية للمهاجرين والمسلمين اللواتي يرغبن في الانضمام إلى حزب البديل الألماني. غايتهما هي بناء قاعدة عريضة لتأييد سياسات زيادة عدد الولادات في العرق الألماني، وزعمهما أن المسلمين يشكلون خطرًا، ودعوتهما إلى التشديد في تجريم المهاجرين غير الألمان.

قالت هوشت، في إشارة إلى البرامج التي تقرها الدولة للأمهات، والعدالة الأجرية، والمزيد من إجراءات الأمن العام في ألمانيا: «أومن أننا الحزب الوحيد في ألمانيا الذي بالفعل يحارب من أجل حقوق المرأة؛ لأننا نصرح أننا في خطر فقدان حريات وحقوق المرأة التي حاربنا من أجلها لعقود». وليس بالأمر الشائع أن تُستخدم حقوق المرأة، وسياسات التدخل في تحديد النسل، ولغة الحركات النسائية لأغراض اليمين المتطرف. لقد اغتصب الليبراليون الأوربيون والعلمانيون والسياسيون اليمينيون حقوق المرأة والحركات النسائية للتعدي على الحريات الدينية، والخصوصية الجسدية للنساء والهجرة تحت شعار ما سمته الباحثة في الحركات النسائية سارة فارس «النسو-قومية». خلال بداية الألفية الثالثة، اتخذت عدد من الدول الأوربية الغربية تدابير لتجريم المهاجرين والنساء المسلمات على حد سواء. في يوليو من عام 2002م، أصدر الإيطاليون القانون رقم 177 القاضي بتوثيق بصمات المهاجرين وفرض عقوبات قاسية على المهاجرين غير الشرعيين. وفي فرنسا، توج حظر ارتداء الحجاب في المدارس العمومية في عام 2004م برغبة الحكومة من النساء المسلمات في تبني المبدأ الفرنسي العلماني. هذه الهياكل القانونية هي بعض ما بات يتكرر كثيرًا حول كيف أصبح التكوين الأيديولوجي المبني على أساس مناهضة المهاجرين والمسلمين أكثر هيمنة في السياسة الأوربية.

تعد النزعة النسو-قومية أيضًا منبعًا لقومية البيض؛ إذ تزعم شخصيات مثل الناشطة النسائية  سوزان مولر أوكين أن الثقافات غير الغربية أكثر قمعًا للمرأة. وخلافًا لمولر توضح ريتا تشين أن «أزمة التعددية الثقافية» ليست نتاجًا للمهاجرين أو الأقليات الإثنية لكونها ضارة بالمجتمع الغربي، ولكنها نتاج إرث القرن التاسع عشر المستمر والمتمثل في القومية العرقية والمفاهيم الثابتة لما يعنيه أن تكون أوربيًّا: أبيضَ ومسيحيًّا وعلمانيًّا. وفي صميم هذه المخاوف يكمن ما وصفته وان ولاش سكوت أن منظور الديمقراطيات الليبرالية الغربية عبر «عدسة العنصرية يسوِّغ الغزو الإمبراطوري … [ويعدّ] معظم المسلمين… ليسوا فقط مختلفين بل دونيين»، ويمتد هذا الأمر لبعض الوقت.

وكما أشار إلى ذلك العالم غايا تري سبيفاك؛ سوَّغ المستعمرون البريطانيون استعمارهم للهند لكونهم رأوا أنفسهم «ينقذون النساء البنيات من الرجال البنيين»، وهو نفس ما ينتشر في صفوف الجماعات القومية واليمينية المتطرفة في أوربا اليوم.

الشعبوية اليمينية

كيف يمكننا أن نفهم هذه التعليقات العنصرية في سياق القومية الأوربية؟ ولماذا من المهم الحديث عن هذه الحركة الآن؟ في وقت تتصاعد فيه الهجمات العنصرية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا، من المهم أن يتعايش المرء مع الطرائق التي يُستعمَل من خلالها خطاب الحركات النسائية لتحقيق هدف الشعبوية اليمينية المتمثل في تجريم المهاجرين، وإملاء ما يجب أن ترتديه النساء المسلمات، والانحراف عن السياسات الجنسانية القائمة في المجتمع الأوربي.

ونظرًا لصعود هذا النوع من الشعبوية في السنوات الأخيرة، فقد سعت هذه الجماعات إلى إعادة تسويق ذاتها في جميع أنحاء أوربا لمناشدة جيل جديد من الناخبين، ولا سيما مع مارين لو بان التي تنأى بنفسها عن حملة والدها من خلال دعوة المزيد من النساء والشواذ الجنسيين إلى حزب الجبهة الوطنية. وقد أفرز صعود أحزاب اليمين المتطرف لائحة طويلة من النساء اللائي يدعين أنهن ناشطات نسائيات واللائي يقترحن تطويق القومية من الدول الاسكندنافية إلى جنوب أوربا. والتزامًا بالوطنية المحافظة، خلصت أحزاب من قبيل الديمقراطيين السويديين، وحزب الشعب السويسري، وحزب البديل الألماني كياناتها من الأحزاب الوسطية من خلال الانتصار لأعضائها من الإناث اليانعات. سعوا إلى فعل ما لم يستطع أسلافهم فعله: وهو تحقيق التكافؤ في التمثيل بين الجنسين في قيادتهم.

طورت الأحزاب القومية الأوربية مؤتمرات حزبية لأعضاء الهيئة التشريعية خاصة بالنساء. فعلى سبيل المثال، حاول حزب البديل الألماني استمالة النساء تحت قيادة أليس ويدل وبيتركس فون ستروتش بافتتاح «المرأة في البديل»، وهي مجموعة عمل تهدف إلى زيادة الناخبات في هيكل الحزب. ذهب بعض أعضاء البديل الألماني أبعد من ذلك إلى حد الدفاع عن حقوق المرأة باستعمال خطاب حركة أنا أيضًا. غير أنهم ضموا نساء من غير البيض في ازدراء، ويترسخ موقفهم في الخطاب المعادي للإسلام الذي أعاد إنتاج السياسات المناهضة للحركات النسائية– والمرتبطة بكل من القوى الانتاجية واستنساخ القوى الاجتماعية.

أعلن زعيم البديل الألماني دونيس أوغستين أن الإسلام «غير منسجم مع دستورنا الليبرالي الديمقراطي» و«أن الإسلام شمولي». ويمضي الحزب أبعد من ذلك بزعمه أن المسلمين يرفضون الاندماج، وهو ما يفسر الطرائق التي يُعبَّر بها عن التدين الإسلامي. وفي الوقت نفسه، كشفت مقالة نشرت مؤخرًا أن ويدل، زعيمة بارزة في الحزب، استأجرت طالبة لجوء لتنظيف منزلها.

أكباش فداء من النساء المسلمات

غالبًا ما يصنع الزعماء السياسيون الأوربيون أكباش فداء من النساء المهاجرات والمسلمات من دون النظر إلى الطرائق التي يُتعامَل بها مع الجنسانية في مجتمعاتهن. وكما أشارت إليسا بانفي، فإن دولًا مثل سويسرا مأسست على مر التاريخ حظر ارتداء البرقع «باسم حقوق المرأة»، وبالرغم من ذلك فإن المساواة بين الجنسين في السياسة الانتخابية لم تتحقق بالكامل. وبينما تعمل سويسرا كدولة ديمقراطية بشكل مباشر اليوم، فإن النساء لا يشكلن سوى ثلاثين بالمئة من مجلس النواب وخمسة عشر بالمئة من مجلس الشيوخ.

وبدلًا من أن تعالج التشريعات في مختلف دول القارة التمثيل السياسي غير المتكافئ وقوة المرأة، وهو المطلب الذي يمكن توجيهه أيضًا إلى الفجوة العالمية المستمرة بين الجنسين، ركزت على ملابس النساء المسلمات. منعت محكمة ألمانية مدرسة مسلمة من ارتداء الحجاب، وهو الأمر الذي تركها عاطلة عن العمل لمدة مؤقتة لِتُعيَّنَ في مؤسسة أخرى. ويعدُّ الخطاب المعادي للحجاب في فرنسا هاجسًا دائم التطور والتغير. ومنعت الدولة ارتداء النقاب في عام 2010م. وحاول العديد من السياسيين في فرنسا عام 2016م منع النساء المسلمات من ارتداء ملابس السباحة التي تغطي أجسادهن بالكامل (المعروفة شعبيًّا باسم البوركيني).

عندما تستخدم الدول الأوربية التشريعات لتقييد الولوج إلى التعليم وفرص العمل والأنشطة الترفيهية للنساء اللائي يرتدين الحجاب أو غطاء الرأس أو البرقع، فإنهن يمنعن هؤلاء النساء من التحكم في عملهن واستقلالهن الجسدي. ومن ثم تعمل الحركات النسو-قومية من موقع ساخر؛ إذ تقدم ذاتها كمحررة للنساء المسلمات بينما تفعل النقيض من ذلك. لا يجب مساواة سياسات اليمين المتطرف والحركات النسائية بعضها مع بعض، فبينما يهدف الطرف الأول إلى الحصول على الحقوق لعدد قليل من الناس، يناضل الطرف الثاني من أجل حقوق للجميع. النساء المحافظات لَسْنَ ورثة الحركات النسائية، إنهن يقوضن نشاطها.

أيدت نساء حزب اليمين المتطرف حملات قمعية ضد الإجهاض. في ألمانيا تُعرف المادة 218 الإجهاض بأنه جريمة قتل، وتحظر المادة 219أ على مقدمي الرعاية الصحية الإعلان عن تقديمهم خدمات الإجهاض، هذه هي المراسيم النازية المعلقة التي خُفِّفتْ مؤخرًا ولكن لم يُقْضَ عليها. وفي بولندا وصفت مجموعات مناهضة للإجهاض تناول حبوب منع الحمل في الصباح الموالي بأنها «حبوب الإجهاض المبكرة»، داعية بذلك إلى فرض قيود صارمة على عمليات الإجهاض. هذه الأمثلة ليست بالحالات الشاذة ولكنها الموقف المعياري عند النسو-القومية.

في صميم هذه المواقف يكمن خوف السكان الأوربيين الأصليين في أن الأوربيين الأجانب غير البيض سيحلون محلهم، وهي ظاهرة متجذرة في السياسات القانونية وسياسات النسل منذ العقد الأول من القرن العشرين. كانت الحكومة الإيطالية في ظل نظام حكم برلسكوني رائدة في إحداث وتسيير «صندوق دعم المواليد الجدد» في عام 2009م لتقديم قروض بنكية مدعومة للأمهات الجدد، ليُستَبْعَد منذ البداية الآباء اللذين لا يحملون جنسية إيطالية من هذه المزايا. وتمنح بولندا الناس أموالًا من أجل إنجاب أطفال كثر، رغم أنه من غير الواضح ما إذا كان يمكن تطبيق منفعة الطفل الشاملة على المهاجرين. ومع ذلك، قال حزب القانون والعدالة الحاكم أنه من «المرهق» أن يحصد المهاجرون المسلمون هذه المزايا.

وفيما يتعلق بموضوع العائلات الكبيرة، زعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن النساء غير المتعلمات والإفريقيات كن ينجبن «الكثير من الأطفال»، على الرغم من أن الدولة الفرنسية قدمت منذ مدة طويلة إعانات للآباء الفرنسيين الذين يختارون إنجاب أطفال كثر. تشير هذه التدابير القانونية والقوالب النمطية إلى أن أشكال التناسل ليست جميعها متساوية.

تاريخ الحركة النسائية مليء بالتقاليد التي تركت بعض النساء وراءها. بينما أيدت كلارا زيتكين وروزا لوكسمبورغ حق الاقتراع الكامل والمشاركة السياسية، روجت الناشطة النسائية الألمانية هيلين ستوكر لعلم تحسين النسل أو «زيادة العرق [الأبيض]». وفي الولايات المتحدة تزامنت حركة تحسين النسل خلال أوائل القرن العشرين ومنتصفه مع برامج التعقيم القسري التي يستهدف معظمها المعاقين، والنساء الملونات، والنساء الفقيرات العاملات، والمشتغلات بالجنس. وتقدم دوروثي روبرتس في مقالها المؤثر «قتل الجسم الأسود»، أدلة أرشيفية وفيرة لكيفية تعقيم النساء السود بطريقة منهجية في الولايات المتحدة. لكنهن لم يكن الوحيدات إذ عقمت نساء بورتوريكو والسكان ذوي الأصول الأميركية، إذ تعمل معتقدات التفوق العرقي الآري كمُغَذٍّ لهذه السياسات.

تحدي العنصرية والخيال الإمبريالية

والأمر الأكثر فظاعة هو مجموعة الناشطات النسائية اللاتي دافعن عن الاستعمار ولا يزلن يدافعن عنه. فبينما تدخلت الحركات النسائية الأكثر شمولية، مثل مجموعة الحركات النسائية لنهر كومباهي والحركات النسائية لما بعد الاستعمار لتحدي العنصرية والخيال الإمبريالية، فبالتأكيد لم تعر الناشطات النسائيات في مناصب القوة السياسية في جميع أنحاء أوربا الانتباه.

إن تحدي النسو-قومية لا يتعلق فقط بالمواقف الأخلاقية. بل يعني تسليط الضوء على الطرائق التي من خلالها منحت السياسات والخطابات المعادية للمسلمين والمهاجرين، سواء الضمنية أو الصريحة، الثقة إلى اليمين المتطرف.

يمكن لتقاليد الناشطات النسائية الدولية المتنامية أن تشكل تحديًا مباشرًا. في بيان وصف بالضعيف صدر عن الباحثات المؤلفات والناشطات النسائيات سينزيا أروزا وتيثي بهاتاشاريا ونانسي فريزر كشفن من خلاله عن السنوات الأخيرة من النضال السياسي وكتبن «الوقوف في صف جميع من يُستغلون ويُسيطر عليهم ويُضطهدون، إنها تسعى لأن تكون أمل البشرية جمعاء. هذا هو السبب في تسميتها الحركة النسائية من أجل التسعة والتسعين بالمئة».

في الوقت ذاته، يتمثل الاختبار السياسي خلال السنوات المقبلة في تطوير مطالب مفتوحة وشفافة لتحدي حركة اليمين المتطرف المتنامية في أوربا. وبالنظر للجيل الجديد من الناشطات النسائيات اللواتي يبنين حركة تتحدث عن شواغل العمل والهجرة والصحة والسجن، فإن على الحركة النسائية أن تنأى بنفسها بوضوح عن القومية؛ لأن نزعة النسو-قومية لا علاقة لها بالحركة النسائية وكل ما يتعلق بالقومية العرقية.


المصدر‭:‬

– The Disturbing Rise of‭ ‬‘Femonationalism’Across Europe‭, ‬politicians are hijacking feminist language to further‭ ‬right-wing ideologies‭. ‬By Edna Bonhomme‭, ‬https‭://‬www.thenation.com/article/feminism-nationalism-right-europe‭/ , ‬MAY 7‭, ‬2019‭.‬