المرأة في الفضاء الصوفي قد تصل إلى «رتبة القطبية» وهي بمنزلة الخلافة في  «الدولة الروحية»

المرأة في الفضاء الصوفي

قد تصل إلى «رتبة القطبية» وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية»

تَنَعَّمَت المرأة المسلمة بطيب مذاق المجد النسوي في العصر الذي وصفه رسول الله عليه صلوات الله بأنّه خير العصور.. في ذاك العصر، الحاضر في الذاكرة والمحفوظ جزء منه في دواوين الحديث النبوي الشريف وأجزاء كثيرة في روايات الصحابة الكرام، كانت النساء بحقّ شقائق الرجال، في السلم والحرب، وفي البيت والمسجد. فرأينا السيدة خديجة رضوان الله عليها في المرحلة المكية، وبشهادة رسول الله عليه صلوات الله، أنموذجًا راقيًا للمرأة التي نظرت بعين العدل والإنصاف والمحبة والحنوّ إلى مَعْدِن زوجها الإنساني فرأت من صدقه وأمانته وعظمة خُلُقه ما جعلها تؤمن به إنسانًا؛ فرفعت الحدود المالية فيما بين ملكيتها وملكيته، وشاركته في كل ما أشركها به. وعندما أخبرها نبأ جبريل عليه السلام كانت أول من آمن به نبيًّا رسولا صلوات الله عليه، واستعدت لأن تكون معه في كل شأن ولأن تصبر معه على كل ظرف وإن تعرّض بدنها الطاهر لما يؤثر على صحته وعافيته. ورأينا السيدة عائشة رضي الله عنها –عبر النصوص التأسيسية والدراسات الكثيرة– أنموذجًا نبيلا للمرأة العالمة المعلّمة، والفقيهة المجتهدة، والحافظة والمحدّثة بما سمعته عن رسول الله عليه صلوات الله، والناقدة الممحّصة التي لم تقف عند مرحلة الرواية بل أعملت ميزان النقد في كل ما تسمعه من الصحابة عن رسول الله عليه صلوات الله، واستدركت –بالرفض وبالتصحيح– تسعة وخمسين استدراكًا (59 استدراكًا) على ثلاثة وعشرين من الصحابة. وقد ألّف الزركشي كتابًا في هذا الموضوع عنوانه: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». ورأينا سيدات صحابيات كريمات في مجالس العلم، وفي ساحات الحرب بين القتلى والجرحى، وفي الأسواق يَرْقُبْنَ عمليات البيع والشراء، وفي المسجد موطن صنع القرار يشاركن في النقاش «السياسي» ويدافعن عن حقوقهن الشرعية.. نماذج أصيلة للمرأة الخطيبة والمجادِلة والمداوية والفقيهة والتاجرة والمحتسبة وغير ذلك.

أَسوقُ هذا الكلام كلّه، لأقول: إن الحراك النسائي كان نشطًا في العقود الأولى من تاريخ المسلمين، وإنّ الإسلام–نصًّا وتطبيقًا– بريء من تهميش المرأة، ومن حبسها في صورة نمطية، ومن حرمان الفضاء العام من مشاركتها العلمية والفكرية والاجتماعية والإنسانية. وإننا نثمِّن غاليًا جهود جميع العاملين –اليوم– على إظهار فاعلية المرأة المسلمة ومشاركتها الرجل في صنع حضارة الإسلام، ونقدّر عاليًا عمليات الحفر في التراث للكشف عن وجوه نسائية برزت –عبر التاريخ– في ميدان الفقه والحديث والرواية والدراية، وجلست للتعليم ونقل المعرفة لأجيال من طلبة العلم، أو لتظهير وجوه نسائية اشتُهرت ببذل المال والحليّ في مجال أبدعه الإسلام ولم يكن معروفًا لدى العرب وهو مجال الأحباس والأوقاف، فبُنيت –بأموال النساء– مدارس ومكتبات عامة ومساجد ومستشفيات ودُور لطلبة العلم وخوانق (جمع خانقاه) لإقامة العبّاد والزهاد والصوفية واستقبال الفقراء وعابري السبيل وأربطة (جمع رِباط) للنساء العابدات الصوفيات انتشرت في بلاد المشرق العربي، وبخاصة في بغداد وحلب ودمشق والقاهرة، وأيضًا في بلاد المغرب العربي..

ونشارك في عمليات الحفر في التراث، للكشف عن تمثُّلٍ مختلف للمرأة، تمثُّل يتّسم بالمحبة والرحمة والحكمة والتقدير الذاتي بعيدًا من المواجهات والمجادلات والسجالات وصراع الأدلة والعلاقات السلطوية.. هذا التمثُّل هو: وجود المرأة في الفضاء الصوفي.

وننظر إلى هذا الوجود من نافذة تطل على تجليات المرأة الصوفية وصورها في المدونة الصوفية.

تجليات المرأة الصوفية

إن أخبار النسوة الصوفيات مخزونة في موسوعات تاريخ المسلمين ومنها: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر. وفي كتب الطبقات والتراجم ومنها: صفة الصفوة لابن الجوزي، وحلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصفهاني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وذكر النسوة المتعبدات الصوفيات للسلمي. ومع تزايد الاهتمام بالفكر الصوفي وبالمرأة الصوفية، منذ نصف قرن تقريبًا، صدرت عشرات الكتب والدراسات باللغة العربية وبلغات أجنبية حاكية عن حضور المرأة في الفضاء الصوفي وخصوصية سعيها الروحي، وعن نظرة الرجل الصوفي المتسمة بالمساواة الإنسانية والرحمة الشاملة إلى المرأة سواء كانت شريكًا في التجربة الروحية أو شريكًا في الحياة الدنيا.

وعندما نفتح هذه الكتب المذكورة –أو ما توافر منها– تضيء الصفحات التي تثوي في حروفها أخبار هؤلاء النسوة، وتحكي عن وجودهن في تاريخ المسلمين وحاضرهم.. ومنهن المقيمات في بيوت صوفية معروفة، بصحبة قامات روحية عالية، بصفتهن إما الزوجة أو الأخت أو الابنة، ومنهن السائحات العابدات الزاهدات اللواتي لم تكن أخبارهن لتصلنا لولا تدوين كبار رجال الصوفية أقوالَهن، ومنهن المؤدبات المربّيات اللواتي تركن بصماتهن على الحياة الروحية لكبار رجالات الصوفية، ومنهن الأميات العارفات اللواتي يتصدَّيْنَ لإنشاء الكتب بالإملاء على قريب عارف بالقراءة والكتابة، ومنهن العالمات صاحبات المدونات الصوفية والمرجعيات الكبرى، ومنهن المقيمات ضمن جماعات صوفية في الأربطة المخصصة للنساء، ومنهن الشيخات القائدات لتجمعاتهن الصوفية أو الممثلات لشيخ الطريقة في محيطهن الجغرافي أو النسائي، ومنهن الباحثات المؤرخات المفكرات..

من هذا المشهد الذي يمتد إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، نختار الكلام بإيجاز عن أربعٍ من النسوة الصوفيات.. ولا ندّعي أن هؤلاء النسوة الأربع يجمعن صور المرأة الصوفية الآن وعبر التاريخ؛ لأن كل واحدة من النسوة الصوفيات المعروفات والمجهولات هي أنموذج متفرد ولا يمكن تكراره. ولكن الدافع لاختيارنا هو قدرة هذه النماذج الأربعة على إظهار الانفتاح الديني والإنساني في البيئة الصوفية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن هذه النماذج الأربعة ليست من التاريخ المنسي أو المتروك بل تتمتع بطاقة حيوية حملتها عبر أحقاب التاريخ وأظهرتها بصور متعددة ومختلفة.

أولًا– الزاهدة العاشقة
(السيدة رابعة العدوية 100هـ- 180هـ)

لمع اسم السيدة رابعة شرقًا وغربًا، ولم تعد جزءًا من الوجود الصوفي الإسلامي العربي فقط، بل صارت جزءًا من الثقافة الإنسانية العالمية، وغدت قصائدها في الحب الإلهي زهرة السماع الفني الراقي. تتلخّص قصة حياتها في أنها فتاة ضاعت من أهلها في زحمة السوق في العراق، في زمن فوضى ومجاعة، فخُطفت وبيعت. عاشت معاناة الرقّ فتعلّمت العزف على الناي، حتى إذا اضطرتها الظروف إلى الوجود في «سهرات الأنس» كانت تشارك بالعزف فقط. إلى أن انتبه من يملكها إلى حقيقة حالها، فأعتقها. وما إن امتلكت زمام أمرها حتى سكنت في غرفة متواضعة في مدينة البصرة، غرفة لا تحوي من أشياء الدنيا إلا إبريقًا وصحفة وحصيرة ومخدعًا من اللَّبِن.

وفي مقابل أقوال الدارسين، بأن المرأة في تاريخ المسلمين وإن برزت في مجال علمي إلا أنها ظلت تابعة علميًّا ولم تؤسس مدرسة.. نقول؛ لقد أسست السيدة رابعة مدرسةً في التصوف الإسلامي، فهي أول من أدخل لغة الحب على الحياة الروحية، وهي –في حدود معرفتنا– أول من توجّه إلى الله قائلًا: أحبك. وهي أول من ميّزت بين حُبَّيْنِ لله تعالى: حب الهوى، وحب الاستحقاق (الحب الذي يستحقّه الله تعالى لذاته العليّة وأسمائه الحسنى). وهذان الحُبّان عندها –كما نقدّر– من الضروري أن يكونا متلازمين في المسيرة الروحية؛ لأن حب الهوى وحده قد يوقع المرء في الرعونة، وحب الاستحقاق وحدة قد يغرق المرء في الهيبة والجلال، تقول:

أحبُّك حبّين: حـبَّ الهوى،

وحُبًّا لأنـك أهـلٌ لذاكـا

فأمّا الذي هو حـبُّ الهوى

فشغلي بذكرك عَمَّن سـواكـا

وأمّا الـذي أنت أهـلٌ له

فكشفك للحجب حتى أراكـا

فلا الحمد في ذا، ولا ذاك لي

ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكـا

وإن المدرسة التي أنشأتها السيدة رابعة، هذه العاشقة العابدة الزاهدة، لم تنطفئ بموتها بل حملها التاريخ في طياته إلى بقاع من الأرض وحقبات من الزمان، ولم تنحبس في بيئة نسوية بل مشى عدد كبير من أعلام التصوف في قافلتها.. وها هو سَرِيّ السَّقَطيّ (ت: 253هـ) يبيِّن فعل العشق في بَدَنِه النحيل، فيقول:

إذا ما شكوتُ الحبّ، قالت: كَذَبتنَي

فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟

فلا حبّ حتّى يلصـق الجلد بالحشا

وتذهل حتّى ما تجيـبَ المناديـا

والشِّبليّ أيضًا، صديق الجُنَيْد والحَلَّاج، يصف فناءه في العشق، فيقول:

قد تخلّلـتَ مسلـك الـرّوح منّي

ولـذا سُمّـي الخليـل خليـلا

فـإذا ما نطقـتُ كنتَ حديثـي

وإذا ما سكـتُّ كنـتَ غليـلا

والحلّاج يردد كثيرًا هذه الأبيات:

سقوني وقالـوا لا تغـنّ، ولو سقوا

جبـال حُنَيـن ما سقونـي لغنـت

تمنّـتْ سُلَيْمـى أن نمـوت بحبهـا

وأسهـل شـيء عندنـا ما تمنّـت

ولا تزال القافلة تَجِدُّ في سيرها عبر الأزمنة والأمكنة، تضع رحالها مرة في مشرق ومرة في مغرب.. وفي كل مرة تطرب الأسماع والأرواح بشدو العشق الشريف.

ثانيًا– الأم الروحية ومشيخة المرأة
(السيدة فاطمة بنت المثنى، عاشت في القرن السادس الهجري)

هي سيدة مغمورة، وما كنا لِنَعرِفَ شيئًا عن وجودها على الأرض لولا أن خدمها بنفسه ولمدة سنتين شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (560– 638هـ). ومما يخبر عنها ابن عربي نعرف أنها قدّمت إضافة في تاريخ التربية الصوفية. فعلى حين أن المعلم الصوفي –في السائد– يقوم بتربية مريده بالرياضات والمجاهدات حتى يصبح نقيًّا صافيًا من الصالحين (أي المُنتَج هو إنسان نقيٌّ تقيٌّ عابد زاهد…). نراها توجّه بَصَرَ «وَلَدِها الروحي» نحوَ الوجود، نحو الآفاق، لتتكوّن لديه رؤية للكون وللإنسان وللعلاقة بالله تعالى. ويمكن القول: إنها أبدعت وبشكل غير مسبوق، لما يمكن أن نسمّيه «تربية العارفين» في مقابل «تربية المريدين»، وهي تربية «بالنظر في الآفاق» في مقابل تربية «بالنظر في الأنفس».

وقد عرف ابن عربي مكانة هذه المعلِّمة الاستثنائية، عندما قالت له: «أعطاني حبيبي [أي الله تعالى] فاتحة الكتاب تخدمني، فوالله ما شغلتني عنه». ويفسّر لنا ابن عربي معنى قولها هذا، بأنها كانت عندما تقرأ فاتحة الكتاب، لأمر من الأمور، تنشئها بقراءتها صورة مجسّدة هوائية ثم تخاطب هذه الصورة وتبعثها لتؤدي المهمة التي تطلبها منها.. إنه عطاء إلهي عجيب لواحدة من النسوة المتعبدات الصوفيات الأُمِّيَّات المنقطعات في فَلَوَاتٍ من الأرض.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية، المربِّية الروحية للنساء والرجال معًا، التي تمثل «سلطة مرجعية عليا» في زمانها داخل حدود جماعتها الصوفية.. هذا الأنموذج لا يزال مستقرًّا في مجتمعات الإسلام، وبخاصة في المدن التركية حيث نجد العديد من «الشيخات» اللواتي يَنتسِبُ إلى جماعاتهن الصوفية العديدُ من المريدين من الجنسين، ويشكِّلْنَ لمريديهن الأُمَّ الرُّوحية.

ثالثًا– صوفية عارفة وصاحبة تراث مكتوب
(الست عجم بنت النفيس البغدادية، كانت حيّة عام 686هـ).

هي سيدة أميّة تخبر عن نفسها بأنها خرجت من الجهل (بالله تعالى) إلى العلم (به تعالى) في ليلة واحدة، كما تقدّم نفسها على أنها من كبار الأولياء.. تقول مخبرة عن أمّيتها ومعترفة لزوجها بفضل تدوين كل ما تمليه عليه: «وحيث عَلِمَ الله أنني امرأة عاميّة بريئة عن التصرف في كلّ ما ينطبق عليه اسم «العلم الظاهر»، حتى عن الكتابة وما ترقمه الأقلام، فهيّأ لي صاحبًا عارفًا بأحكام الخطّ ومعانيه وما يُصاغ منه وسيلة إلى المعاني. فعندما يلقي الله تعالى في قلبي شيئًا من العبارة والفيض أستنجد به استنجاد مخالَلـة وأدعوه إلى إثبات ما يَرِدُ. وهو محمد ابن خالتي وربّ بيتي».

أَمْلَتْ هذه السيدة على زوجها ثلاثة كتب هي: شرح مشاهد الأسرار القدسية (وهو كتاب لابن عربي)، وكتاب الخَتْم، وكشف الكنوز. ومن مُدارَسة نصوصها نجد أن معرفتها نتجت عن سبيلين هما: الإلقاء الإلهي في القلب، والشهود. وتخبرنا الست عجم أن الشهود يقوم على «الخلع الروحاني»، أي «إلقاء الجسد الظاهر»، بغير تألم، في حالة هي بين الموت والحياة، ثم الوصول إلى حال تُسَمِّيها «القيام في الصورة»، وطوال مدّة الخلع يحدث جَوَلَانٌ للروح ويجري الشهود.

ورغم أن هذه السيدة لم تلتقِ بابن عربي الذي سبقها في الزمان الدنيوي بنحو نصف القرن، ولم تعرف بوجود كتابه «مشاهد الأسرار القدسية»، إلا أنها تحكي أنه وقع لها «خلع روحاني» ودخلت إلى «عالم الباطن»، وهناك الْتقَتْ الأولياءَ المماثلين لها في الرتبة ومن جملتهم محيي الدين بن عربي، وجرى بينها وبينه حوار، وعند المفارقة أوصاها بأن تشرح كتابه المشاهد في حال العَوْد من الباطن.. وبالفعل أَمْلَتْ على زوجها شرح المشاهد فيما يزيد على أربع مئة صفحة (وهو كتاب قمت بتحقيقه ونشره بالمشاركة مع د. بكري علاء الدين). وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية التي تدخل عالم التدوين والتسطير، هو أنموذج يزداد انتشارًا منذ الربع الأخير من القرن العشرين: فنجد مثلًا في لبنان وسوريا ومصر وصولًا إلى المغرب العربي سربًا من النسوة المنتسبات إلى طرق صوفية وقد أمسكن بالقلم دفاعًا عن التصوف والطرق الصوفية. كما نجد سربًا آخر من النسوة المسلمات، الموجودات على أطوال العالم العربي في الأردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وصولًا إلى المغرب العربي، نسوة متعاطفات مع الفكر الصوفي وقد انجذبْن إلى مدونات كبار الصوفية فانكببْن عليها بحثًا وتحقيقًا وتأليفًا ونشرًا. ولا ننسى سربًا من النسوة الغربيات، المسلمات وغير المسلمات، العربيات والمستشرقات، وجدن أن التصوف الإسلامي هو جزء حيوي وضروري من الثقافة الإنسانية الكونية، ويمتلك مقومات خطاب إسلامي يفهمه الآخر ويتواصل معه، لذلك اجتهدن في ميدان البحث التعريفي وأيضًا الترجمات، وهن عديدات في العالم الغربي وبخاصة في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة واليابان.

رابعًا– امرأة على رأس طريقة صوفية
(السيدة زينب القاسمية، 1850م– 1904م).

وهي سيدة صوفية قارئة عالمة، تولّت مشيخة الزاوية التي أنشأها والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم (ت: 1897م)؛ مؤسس «الطريقة الرحمانية» ومنشئ زاوية «الهامل» ببو سعادة– الجزائر. كانت السيدة زينب (أو لالا زينب كما هي معروفة)، ابنة وحيدة لوالدها. ويبدو أنه توسَّم فيها أهلية رُوحية؛ فاعتنى بتنشئتها؛ فحفظت القرآن الكريم وقرأت التفاسير وتفقهت في الدين، وحفظت الأحاديث النبوية الشريفة، وسمعت من والدها شروح الصحيحين، وغيرها من كتب التوحيد والفقه والتصوف. كان الوالد يناقش ابنته في العلم ويطلعها على أعماله وما يجري خارج «الزاوية» من أحداث وعلاقات. وعندما ظهر له سداد رأيها وصفاء نفسها، كلّفها بحفظ سجلات أملاك الزاوية، وكتب عام 1877م وصية موثّقة تضع كل أملاكه تحت تصرفها على شكل حَبْس عائلي.

وعندما توفي الوالد شيخ الطريقة الرحمانية، تولّت السيدة زينب مباشرة قيادة جمعها الصوفي علميًّا ورُوحيًّا. وأكملت خطى والدها وكانت عارفة بمشروعه الصوفي الحضاري. فازدادت الطريقة انتشارًا في زمانها، وكان يؤمُّها المريدون من كل حدب وصوب.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية القيادية، وإن كان موجودًا في نهايات القرن التاسع عشر إلا أنه بدأ بالانتشار في القرن الحادي والعشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت هجرات صوفية من أنحاء العالم، ونشأ على إثرها مجموعات صوفية صغيرة تضم مسلمين أميركيين ومهاجرين معًا من الجنسين، أو ظهرت فروع نشطة لطرق صوفية يعيش شيخها خارج الولايات المتحدة.. وفي كلتا الحالتين، فالقيادة في العديد منها للمرأة الصوفية.

وختامًا نقول: من المهم أن نعرف أن الإنسان الصوفي (أي الرجل) يتعامل مع المرأة، أي الآخر الصوفي أو الحياتي، على قاعدتين هما:

أولًا- قاعدة المساواة في الجوهر الإنساني بين الرجل والمرأة: إن الصوفي عندما يقع نظره على فتاة صوفية أو على امرأة صوفية، فإنه لا ينحجب بالجنس عن الحقيقة الإنسانية. ويرى جُلُّهم –ومنهم محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية– أن حقيقة الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، وأن الذكورة والأنوثة فيها عَرَضان وليستا من حقائق الإنسانية. وهذا يعني المساواة التامة بين الرجل والمرأة في التكريم الخاص بالجنس البشري، وفي كل خطاب موجّه للإنسان يرتب حقًّا من حقوقه أو يحمّله مسؤولية من المسؤوليات.

ثانيًا- قاعدة المساواة في الأهلية الروحية بين الرجل والمرأة: إن العالِم الصوفي يصرح في مناسبات عديدة، أن جميع المقامات الروحية متاحة للمرأة تمامًا كما هي متاحة للرجل. ومن هنا، فقد تصل المرأة إلى «رتبة القطبية»، وهي أعلى منزلة روحية ولا تكون في الزمان الواحد إلا لشخص واحد، وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية».. يقول ابن عربي: «كل ما يصحُّ أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء». ونورد قصة يرفع فيها الصوفي الشهير ذو النون المصري امرأةً صوفيةً إلى مقام «الأستاذية». وهذا الاعتراف من الصوفي هو محض إنصاف، وهو دلالة على مكانةٍ لا تُنكَر للمرأة الصوفية.. تذكر الكتب أن السيدة فاطمة النيسابورية بعثت مرة إلى ذي النون المصري برِفْق (معونة) فردّه وقال: في قبول أرفاق النسوان مَذَلَّةٌ ونُقْصان. فقالت فاطمة: ليس في الدنيا صوفي أخسّ ممن يرى السبب.. ونستمع إلى شهادته فيها يقول: «ما رأيتُ أحدًا أجلّ من امرأة رأيتها بمكّة، يقال لها: فاطمة النيسابورية، كانت تتكلم في فهم القرآن، وهي وَلِيَّة من أولياء الله عز وجل، وهي أستاذي».

تمتعْ بالنوم وازددْ معرفةً نظرة صوفية على ثقافة النوم

تمتعْ بالنوم وازددْ معرفةً

نظرة صوفية على ثقافة النوم

إن مشاهدةأحلام ورؤى في أثناء النوم هو حدثٌ يشترك في اختباره كل الناس، ولا تكاد تخلو منه حياة كائن بشري. ولكن الناس ليسوا سواءً في تذوّقهم لهذه الخبرة؛ فمنهم المقتّر في مناماته ولا يكاد يتذكرها عندما يستيقظ، ومنهم السيّال الذي تدور شرائط أحلامه وتتوالى صورها عند كل نومةٍ تقريبًا ويذكر معظمها عند اليقظة. كما أن الصور المنامية نفسها ليست على درجةٍ واحدةٍ من الأهمية والصدقيّة أو من الوضوح وقوة الحضور.

وقد عدّ علماء كثيرون «النص المنامي» نصًّا مرجعيًّا في الكشف عن ذات الرائي أو حياته من حيثية معينة: فبعضٌ من الأطباء يعدّ النص المنامي كاشفًا عن حال جسد الرائي فكان أبقراط مثلًا يطلب من المريض أن يحكي بعضًا من أحلامه ليستثمرها في معرفة أمراض بدنه الحالية أو الوشيكة. وبعضٌ من علماء النفس –وفرويد منهم– يعدّ النص المنامي كاشفًا عن حال نفس الرائي وما تكوّن فيها –من الطفولة وعبر التاريخ– من انجراحات وعُقد، وبالتالي يصبح موجهًا للعلاج النفسي. وبعضٌ من علماء تأويل الرؤيا –ومنهم ابن سيرين– يعدّ النص المنامي كاشفًا عن واقع الرائي الحياتي وعن حاله الروحاني وربما ضامًّا لرسالة تحكي عن المستقبل وبالتالي يصبح «المنام» مادة للإصلاح الديني والإنساني. وبعضٌ من علماء الصوفية –وبخاصة المربون ومشايخ الطرق– يعدّ النصّ المنامي كاشفًا عن علائق نفس الرائي (المريد، السالك) وعن عقبات طريقه الخاص، أو يعدّه ملوّحًا بإمكاناته ومبشرًا بما يَتَنَظَّرُهُ من منح وعطايا إن جدّ في سيره الروحاني، وبالتالي يصبح المنام مادة للإرشاد و«التسليك» وضبط برنامج الرياضة والمجاهدة والحَفْز الروحي.

والغريب، أن كل هؤلاء العلماء والمربين، على اختلاف اختصاصاتهم العلمية وتوجهاتهم الدينية، متفقون على أن «النص المنامي» يحمل رسالةً جديرة بتلقيها والإفادة منها. ولكنهم اختلفوا في شأن الرسالة في مسألتين: 

الأولى: هل الرسالة الموجودة في النص المنامي هي دومًا مرسَلة من داخل الرائي (رسالة جوانية) أم توجد أحيانًا رسالة من خارج ذات الرائي (رسالة برانية) لتنبيهه إلى أمر أو تبشيره بأمر؟ 

والثانية: في حال كون الرسالة داخلية، من المُرْسِل؟ هل هو البدن أم الروح أم النفس أم العقل؟ 

وغني عن البيان، أن هؤلاء العلماء لم يتواصلوا ولم يتحاوروا ولم يتناقشوا، وربما لم يهتم واحدهم بما يقول الآخر.. أي لم ينشئوا فضاء معرفيًّا خاصًّا يُظهر ما بينهم من توافق واختلاف.. ولذلك نأمل أن تلفت كلمتنا هذه الأنظار إلى فائدة وجود مساحة علمية للأحلام والرؤى تقع عند «ملتقى العلوم»، بدل ما يحدث من تجاذب علمي للنص المنامي وإمساك كل فريق بطرف منه يريد أن يكون فيه هو المرجع الأصيل والنهائي.

ومن أجل المساهمة في إيجاد فضاء للصور المنامية يتمركز عند ملتقى العلوم ويستقبل فيوضاتها، وفي الوقت نفسه الإجابة عن المسألتين المختلف فيهما، أقسم سفري المعرفي في عالم الحلم والمنام إلى أربعة منازل:

المنزل الأول.. النوم بوابة إلى ملكوت السماوات والأرض

ينطلق الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي، في كلامه عن النوم والرؤيا، من معلومة مشتركة بين الناس، وهي أن للإنسان حالتين: حالة تسمى «النوم» وحالة تسمى «اليقظة». ويتابع: إنه في كلتا الحالتين قد جعل الله للإنسان إدراكًا به يدرك الأشياء. ويسمى هذا الإدراك في اليقظة حسًّا (الحواس الخمس)، ويسمّى في النوم حسًّا مشتركًا (الحس المشترك). في حال النوم، تنتقل اللطيفة الإنسانية (الروح) بقواها من حضرة المحسوسات الظاهرة إلى حضرة «الخيال المتصل» بها (باللطيفة الإنسانية) الذي محلُّه مُقدَّم الدماغ، فيفيض عليها (على اللطيفة الإنسانية) «الروح الموكّل بالصور»من حضرة «الخيال المنفصل» (وهو عالم المثال – أرض الحقيقة)، بالإذن الإلهي، ما يشاء الحق أن يريه للشخص النائم. إذن، يتعامل الناس مع النوم (من المنظور الديني) على شكلين: فمن الناس من يمارس نومه «سباتًا» أي طلبًا للراحة؛ وهو في الواقع راحة طبيعية للنشأة العنصرية الإنسانية في الدار الدنيا. ولذا فالملائكة لا تنام، وهذا السبات هو رحمة من الله تعالى ونعمة للناس، يقول تعالى: وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ [القصص 73]. ومن الناس من يكون نومهم «استشرافًا» (إضافة إلى نعمة السبات)، يطالعون فيه بواطن العالم، ويرون –ما شاء الله– من ملكوت السماوات والأرض.

وهذا الكلام حول الإمكانات المعرفية الثاوية في حال النوم، الذي يسرده ابن عربي عن خبرة ذاتية وعن سماع لخبرات الآخرين، يلفت نظر الإنسان ويحرّضه على العناية بقواه الروحية. وذلك، حتى تتمكن لطيفته الإنسانية من استقبال المعرفة من عالم المثال، عند التفاتها عن العالم الملموس.

المنزل الثاني.. عناية الإسلام والمسلمين بالرؤى المنامية

توجد مؤشرات عدة تدلنا إلى ضرورة التنبُّه لما نراه في المنام من صور، وإلى العمل على تصنيفها والتمييز بين أنواعها، وأيضًا محاولة فك رموز المُرَمَّزِ منها. ومن هذه المؤشرات أن القرآن الكريم يشير إلى كون الرؤى المنامية تحمل رسالة للإنسان من خارجه، قد تكون مبشرات أو منذرات أو منبّهات أو مخبرات عن صفة سنوات قادمة. ومن هذه الرؤى ما ذكر القرآن الكريم عن إبراهيم حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه.. وكذلك رؤيا يوسف أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين.. وأيضًا ما رآه فرعون يوسف من سنبلات سبع خضر وأخر يابسات؛ ويخبرنا القرآن الكريم أن عناية هذا الفرعون بما رآه في المنام وإحساسه العميق بتميُّزها عن بقية أحلامه كانا السبب في الإمساك بالأحداث، وفي تفادي مجاعة تطال شعبه والشعوب المحيطة بمُلكه.

كما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- كان يعتني بالرؤيا الصادقة، وكثيرًا ما كان بعد صلاة الصبح حين يجلس إلى أصحابه يسألهم: هل رأى أحدٌ منكم رؤيا.. كما تحفظ لنا النصوص القدسية أخبار رؤى منامية نبوية مع تأويلاتها؛ كرؤيا «اللبن» وتأويله «بالعلم». 

وجريًا على هذا السبيل، اهتم علماء الصوفية بالرؤى والمبشرات، فدوّنوها وتناقلوها وصدقوا بشاراتها. صدّق الجنيد البغدادي مثلًا رؤياه في المنام لمَلَكَيْن نزلا من السماء، فقال أحدهما له: ما الصدق؟ فقال الجنيد: الوفاء بالعهد. فقال الآخر: صدق. ثم صعدا.. وهذا يعني أن رؤيا الجنيد –ربما– أضافت لمعرفته جديدًا غير مفكّر فيه سابقًا، وهي إجابته للملكين بأن الصدق لا يدل فقط على صدق اللسان بل يتجاوزه إلى الوفاء بالعهود. وها هو أيضًا ابن عربي يصدّر كتابه «الفتوحات المكية» بخطبة تخبر عن «مشهد نومي علوي»، ويسجّل في فتوحاته عشرات الرؤى الشخصية أو رؤى تخص غيره. ولا يستنكف –أيضًا– إنْ رأى رؤيا أنْ يسأل العارفين بالتأويل عن إشاراتها (كما في رؤيته نفسه ينكح النجوم والحروف). وكتابه «الإسرا إلى المقام الأسرى» بأكمله هو أخبار كانت فيها عينه نائمة وسرّه متهجّدًا قائمًا.

ونقول في ختام هذه الفقرة: إنه لا يعوّل على موقف من يرفض الالتفات إلى الرؤى ويفضل حذفها بالكلية من سجل تجاربه الحياتية، بحجة أنها منامات لا قيمة واقعية لها (كما فعل الملأ من أصحاب فرعون يوسف عندما سألهم عن تأويل رؤياه). وفي المقابل، لا يعوّل أيضًا على الموقف المناقض الذي يتبنى صاحبه كل حلم أو منام يراه، ويصحو كل صباح ليفتح كتب تفسير الأحلام، أو يلجأ إلى الإنترنت حيث توجد هذه الكتب مصنفة بحسب حروف الهجاء (غافلًا عن كون المنام «نصًّا متكاملًا» وتأويله في سردية نصه، وليس في صوره المفردة).

المنزل الثالث.. الأنواع الأربعة للمشاهدات المنامية 

يجعل علماء النفس الأحلام كلها نوعًا واحدًا، من حيث كونها إنْ تَضمَّنتْ «رسالة» فهي مبثوثة من داخل الإنسان، وعلى الأخص من مكونة النفس عنده (من المخاوف والمطامع واللاوعي). أما الفكر الديني المستند إلى النصوص القدسية فيرى أن الصور التي يراها النائم على قسمين كبيرين: قسم ينطوي على «رسالة» يستقبلها الرائي من خارج ذاته (مبشرات)، وقسم لا قيمة تبشيرية له بل هو من جنس «حديث النفس» أو «تخويف الشيطان».

وبعد دراسة النصوص القدسية (القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف)، والتفتيش في نتاج رجال الصوفية، وجدت أن القسمين المعتمدين في الفكر الديني يمكن تفريع الواحد منهما إلى فرعين، وبذلك تكون المشاهد التي يراها النائم على أقسام أربعة:

القسم الأول وأسمّيه الأضغاث: وهي مقولة الطبيعيين وأحيانًا الأطباء، في كون الصور التي يراها النائم تصدر عن مزاج البدن والغالب من طبائعه. والإنسان بتجربته يعرف أن من مناماته ما لا معنى له بل هو عبارة عن أبخرة وأخلاط ومزاج بدن. وفي القرن الخامس قبل الميلاد اكتشف أبقراط أن أمراضًا وشيكة يمكن أن تعلن عن نفسها في أثناء الرقاد عبر الصور المنامية.. ومن هنا، قال الملأ من قوم فرعون عندما استفتاهم في منامه عن السنبلات والبقرات: أضغاث أحلام، أي لا معنى له ولا يحمل أي رسالة.

القسم الثاني وأسمّيه الأحلام: وهي مقولة علم النفس عمومًا. فالحلم عندهم هو كشف ومواجهة يحملنا إلى زوايا من أعماقنا مهجورة، وإلى مناطق نخاف الاقتراب منها في اليقظة.

طفولة، قهر، حرمان، رغبات مدمرة، كلها أحوال نعبّر عنها برموز منامية. والواقع أن جزءًا كبيرًا من مرائي الإنسان واقع ضمن هذا القسم.

وهذا التفسير للأحلام قديم ترجع جذوره إلى اليونان. وقد عرف أرسطو الحلم بأنه: حياة نَفْس الحالم.

القسم الثالث وأسمّيه المنام: وهي رؤيا منامية صادقة تحمل رسالة حقّة، ولكنها مرمَّزة تحتاج إلى عالم بالرؤيا ليؤولها. وعلم تأويل الرؤيا هو ما علمه الله تعالى ليوسف عليه السلام، واشتهر من الصحابة بتأويل الرؤيا الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-. والأمثلة القرآنية على هذا النوع الصادق من الرؤيا كثيرة: منها تأويل يوسف منامين لرجلين في السجنوتأويل منام ثالث شهير لفرعون مصر عن السنبلات والبقرات.

ومن تراث الصحابة، رُوِيَ أن رجلًا قال لأبي بكر الصدّيق -رضي الله عنه- رأيت أني أعطيت سبعين ورقةً من شجرةٍ، فقال: تُضرب سبعين جَلْدة: فلم يمضِ الأسبوع إلا وقد وقع عليه ذلك بعينه. ثمّ بعد عام رأى أيضًا تلك الرؤيا فأتى أيضًا إلى أبي بكر رضي اللّه عنه وأخبره أنه رأى تلك الرؤيا الأولى على هيئتها، فقال: يحصل لك سبعون ألف درهم، فقال له: يا إمام المسلمين، السَّنَة الماضية رأيت تلك الرؤيا فعبَّرْتَها سبعين جلدةً وصحّ ذلك، وهذه السنة عبَّرْتَها بسبعين ألف درهم، فما معنى ذلك؟ فقال له: السنة الماضية كانت الأشجار تنشرُ أوراقها، واليوم رؤيتك عند نموّ الأشجار واكتسائها الأوراق.. فلم يلبث إلا قليلًا حتى وقع بيده سبعون ألف درهم.

ومن تراث علماء التفسير والتأويل.. رُوِيَ أن رجلًا جاء إلى ابن سيرين وقال له: رأيت أني أردّ الزيت إلى الزيتون، فقال له: أمّك تحتك. فبحث الرجل فإذا به قد تزوج أمه وما عنده ولا عندها خبرٌ بذلك (لعلها أمه من الرضاع).. ويعلق ابن عربي مبينًا انزياح الصورة عن المعنى المباشر: فأين صورة نكاح الرجل أُمَّه من صبِّ الزيت في الزيتون.

وهذا النوع من الرؤى المنامية يحتاج إلى من عنده علم من التأويل حتى يَعْبُر بالصور المرئية من تمثلاتها الخيالية إلى المعاني المرادة بها. ومن هنا سُمِّي هذا العِلمُ عِلمَ «تعبير الرؤيا»، وهو من العبور.

النوع الرابع وأسمّيه الرؤيا: وهو الرؤيا الواضحة الحقّة الصادقة الظاهرة التي يُريها الله تعالى المؤمنَ من دونِ تمثيلٍ أو ترميز. وأكثرُ هذه المرائي صدقيّة هي رؤية المؤمن شخصَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلّم- في منامه؛ وذلك لأنه -صلى الله عليه وسلّم- معصوم الصورة من أي تمثُّل نفساني أو شيطاني.

المنزل الرابع.. طقوس الليل والنهار

يمضي الإنسان نحو ثلث عمره في النوم، غائبًا عن مسرح الشهادة ملتفتًا بوعيه إلى جهة الغيب والباطن.. ومن الخسارة ألا يفتح عينيه على الشط الآخر ليشهد ويرى ملكوت السماوات والأرض وينصت إلى أنباء الغيب.. وحيث إن هذا ليس متاحًا لكل أحد بمجرد التمني، ولا يتحصّل بإرادة الإنسان فقط، يتعين على الطالب أن يبذل الجهد لتنكشف له الأستار وتنزاح الحجب وتحدث الإراءة المنامية الثمينة.

وعلى درب التواصل مع عالم الغيب والحرص على ولوج عالم المنام كمحراب معرفي مقدس، نتذاكر بعض الطقوس التي نتحضّر بها لاستقبال الليل وحال النوم، ومنها:

1 – التصديق بأن الرؤيا المنامية قد تشكل مصدرًا معرفيًّا يكمل معرفتنا الحسية الظاهرة.. وقد صادفت في صداقاتي أشخاصًا لكأنهم «يتحكّمون في رؤاهم المنامية»، فعندما يريدون معرفة أمر يتعذّر عليهم معرفته بالأساليب الظاهرة المتاحة يتّجهون –بكيفية معينة شخصية– إلى عالم الرؤيا المنامية لقناعتهم بأن المنام مساحة لمعرفة إلهامية.

2 – التحلي بالصبر والأناة وعدم اللجاج وعدم ترك المحاولات بعد أيام فقط من بذل الجهود.. فقد يترك الإنسان المحاولة وهو قاب قوسين أو أدنى من حصول مطلوبه.

3 – النوم على طهارة بدنية، والأهم على طهارة قلبية.

4 – قراءة ورد يومي من الأذكار والصلوات، بعد دخول وقت الليل.

5 – إن ليل الإنسان يتولّد عن نهاره، ومنامه هو ابن يقظته.. فمن طيّب نهاره ويقظته، يطيب نومه وتصفو رؤاه المنامية وتتوشح بالعلوم والمعارف.

وأقول أخيرًا؛

إن ثقافة النوم ضرورة للإنسان تمامًا كثقافة اليقظة؛ لأنها تمكِّنه من استثمار ساعات نومه في اكتساب المعرفة.. وبذلك يصبح المرء حيًّا حاضرًا واعيًا عمره كله، يقظة ومنامًا.

 

الهوامش‭:‬
1-‭ ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج2،‭ ‬ص375‭.‬
2-‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭: ‬اواعلم‭ ‬أن‭ ‬للرؤيا‭ ‬ملكًا‭ ‬موكَّلًا‭ ‬بها‭ ‬اسمه‭: ‬الروحب،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬2،‭ ‬ص‭ ‬380‭.‬
3-‭ ‬انظر‭: ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬2،‭ ‬ص‭ ‬376،‭ ‬وج1،‭ ‬ص‭ ‬183،‭ ‬الباب‭ ‬التاسع‭ ‬والتسعون،‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬النوم‭.‬
4-‭ ‬انظر‭: ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬1،‭ ‬ص‭ ‬237‭.‬
5-‭ ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬1،‭ ‬ص‭ ‬206‭.‬
6-‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭ ‬ذاكرًا‭ ‬إبراهيم‭ ‬وابنه‭ ‬عليهما‭ ‬السلام‭: ‬﴿فَلَمَّا‭ ‬بَلَغَ‭ ‬مَعَهُ‭ ‬السَّعْيَ‭ ‬قَالَ‭ ‬يَا‭ ‬بُنَيَّ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَرَى‭ ‬فِي‭ ‬الْمَنَامِ‭ ‬أَنِّي‭ ‬أَذْبَحُكَ‭ ‬فَانظُرْ‭ ‬مَاذَا‭ ‬تَرَى‭ ‬قَالَ‭ ‬يَا‭ ‬أَبَتِ‭ ‬افْعَلْ‭ ‬مَا‭ ‬تُؤْمَرُ‭ ‬سَتَجِدُنِي‭ ‬إِن‭ ‬شَاء‭ ‬اللَّهُ‭ ‬مِنَ‭ ‬الصَّابِرِينَ﴾‭ [‬الصافات‭ ‬102‭].‬
7-‭ ‬﴿إِذْ‭ ‬قَالَ‭ ‬يُوسُفُ‭ ‬لِأَبِيهِ‭ ‬يَا‭ ‬أَبتِ‭ ‬إِنِّي‭ ‬رَأَيْتُ‭ ‬أَحَدَ‭ ‬عَشَرَ‭ ‬كَوْكَبًا‭ ‬وَالشَّمْسَ‭ ‬وَالْقَمَرَ‭ ‬رَأَيْتُهُمْ‭ ‬لِي‭ ‬سَاجِدِينَ﴾‭ ‬‭[‬يوسف‭ ‬4‭].‬
8-‭ ‬﴿وَقَالَ‭ ‬الْمَلِكُ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَرَى‭ ‬سَبْعَ‭ ‬بَقَرَاتٍ‭ ‬سِمَانٍ‭ ‬يَأْكُلُهُنَّ‭ ‬سَبْعٌ‭ ‬عِجَافٌ‭ ‬وَسَبْعَ‭ ‬سُنبُلَاتٍ‭ ‬خُضْرٍ‭ ‬وَأُخَرَ‭ ‬يَابِسَاتٍ‭ ‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الْمَلأُ‭ ‬أَفْتُونِي‭ ‬فِي‭ ‬رُؤْيَايَ‭ ‬إِن‭ ‬كُنتُمْ‭ ‬لِلرُّؤْيَا‭ ‬تَعْبُرُونَ﴾‭ [‬يوسف‭ ‬43‭].‬
9-‭ ‬انظر‭: ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬2،‭ ‬ص‭ ‬380‭. ‬
10-‭ ‬عَنِ‭ ‬ابْنِ‭ ‬عُمَرَ‭ ‬رَضِيَ‭ ‬اللهُ‭ ‬عَنْهُمَا‭ ‬قَالَ‭: ‬سَمِعْتُ‭ ‬رَسُولَ‭ ‬اللهِ‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلّم‭- ‬يَقُولُ‭: ‬ابَيْنَا‭ ‬أنا‭ ‬نَائمٌ‭ ‬أتِيْتُ‭ ‬بِقَدَحٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬لَبَنٍ‭ ‬فَشَرِبْتُ‭ ‬حَتَّى‭ ‬إِنِّي‭ ‬لأرَى‭ ‬الرِّيَّ‭ ‬يَخْرُجُ‭ ‬في‭ ‬أظْفَارِي،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬أعطَيْتُ‭ ‬فَضْلِي‭ ‬عُمَرَ‭ ‬بْنَ‭ ‬الخَطَّابِ‭. ‬قَالُوا‭: ‬فَمَا‭ ‬أولْتَهُ‭ ‬يَا‭ ‬رَسُولَ‭ ‬اللهِ؟‭ ‬قَالَ‭: ‬الْعِلْمَب‭. ‬صحيح‭ ‬البخاري،‭ ‬باب‭ ‬العلم،‭ ‬حديث‭ ‬رقم‭ ‬65‭.‬
11-‭ ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج‭ ‬1،‭ ‬ص‭ ‬206‭. ‬كما‭ ‬يراجع‭ ‬كتاب‭ ‬تاج‭ ‬العارفين‭ ‬الجنيد‭ ‬البغدادي،‭ ‬تحقيق‭: ‬د‭. ‬سعاد‭ ‬الحكيم،‭ ‬ص‭ ‬145‭.‬
12-‭ ‬انظر‭: ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي،‭ ‬الإسرا‭ ‬إلى‭ ‬المقام‭ ‬الأسرى،‭ ‬كتاب‭ ‬المعراج،‭ ‬شرح‭ ‬وتحقيق‭ ‬د‭. ‬سعاد‭ ‬الحكيم،‭ ‬ص‭ ‬68‭.‬
13-‭ ‬﴿قَالُواْ‭ ‬أَضْغَاثُ‭ ‬أَحْلاَمٍ‭ ‬وَمَا‭ ‬نَحْنُ‭ ‬بِتَأْوِيلِ‭ ‬الأَحْلاَمِ‭ ‬بِعَالِمِينَ﴾‭ [‬يوسف‭ ‬44‭].‬
14-‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭ ‬ذاكرًا‭ ‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭: ‬﴿وَكَذَلِكَ‭ ‬يَجْتَبِيكَ‭ ‬رَبُّكَ‭ ‬وَيُعَلِّمُكَ‭ ‬مِن‭ ‬تَأْوِيلِ‭ ‬الأَحَادِيثِ﴾‭ [‬يوسف‭ ‬6‭].‬
15-‭ ‬﴿وَدَخَلَ‭ ‬مَعَهُ‭ ‬السِّجْنَ‭ ‬فَتَيَانِ‭ ‬قَالَ‭ ‬أَحَدُهُمَا‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَرَانِي‭ ‬أَعْصِرُ‭ ‬خَمْراً‭ ‬وَقَالَ‭ ‬الآخَرُ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَرَانِي‭ ‬أَحْمِلُ‭ ‬فَوْقَ‭ ‬رَأْسِي‭ ‬خُبْزاً‭ ‬تَأْكُلُ‭ ‬الطَّيْرُ‭ ‬مِنْهُ‭ ‬نَبِّئْنَا‭ ‬بِتَأْوِيلِهِ‭ ‬إِنَّا‭ ‬نَرَاكَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْمُحْسِنِينَ﴾‭ [‬يوسف‭ ‬36‭]. ‬﴿يَا‭ ‬صَاحِبَيِ‭ ‬السِّجْنِ‭ ‬أَمَّا‭ ‬أَحَدُكُمَا‭ ‬فَيَسْقِي‭ ‬رَبَّهُ‭ ‬خَمْراً‭ ‬وَأَمَّا‭ ‬الآخَرُ‭ ‬فَيُصْلَبُ‭ ‬فَتَأْكُلُ‭ ‬الطَّيْرُ‭ ‬مِن‭ ‬رَّأْسِهِ‭ ‬قُضِيَ‭ ‬الأَمْرُ‭ ‬الَّذِي‭ ‬فِيهِ‭ ‬تَسْتَفْتِيَانِ﴾‭ [‬يوسف‭ ‬41‭].‬
16‭- ‬راجع‭: ‬ابن‭ ‬شاهين،‭ ‬كتاب‭ ‬الإشارات‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬العبارات،‭ ‬ص‭ ‬541‭.‬
17-‭ ‬انظر‭: ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬الفتوحات‭ ‬المكية،‭ ‬ج4،‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬240‭ ‬ذ‭ ‬241‭.‬
18-‭ ‬يقول‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬‭-‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلّم‭: ‬امَنْ‭ ‬رَآنِي‭ ‬فِي‭ ‬الْمَنَامِ‭ ‬فَقَدْ‭ ‬رَآنِي‭ ‬فَإِنَّ‭ ‬الشَّيْطَانَ‭ ‬لَا‭ ‬يَتَمَثَّلُ‭ ‬بِيب‭.‬