السينمائي الإسباني أندريه جوميز: سأخرج فلماً عن حياة الملك فيصل

السينمائي الإسباني أندريه جوميز: سأخرج فلماً عن حياة الملك فيصل

أندريه فيسنت جوميز أحد أشهر المنتجين السينمائيين الإسبان، استطاع أن يحقق شهرة واسعة بأفلام متميزة أدَّى أدوارها نجوم عالَميُّون، ونفَّذها مخرِجون لهم مكانتهم الكبيرة في الفن السابع، ويتطلع جوميز دائماً إلى تقديم الجديد، وفي هذا الإطار يسعى إلى إنتاج فلم عن حياة جلالة الملك فيصل -رحمه الله- وفي زيارة قام بها إلى المملكة كان هذا اللقاء الذي يحاول الإحاطة بمسيرته الفنية الحافلة، وبما يفكر في إنجازه من أعمال سينمائية في المستقبل.

البدايات دائماً صعبة ومع ذلك لا بد منها؛ إذاً لماذا السينما؟

السينما ومشاهدة الأفلام السينمائية ومطاردتها هي كل ما فعلته في الشطر الأعظم من حياتي، فمنذ طفولتي -أو بالأحرى صباي- صنعت lojoأول أفلامي في سن الحادية والعشرين من عمري في مدريد التي ولدت فيها، وفي سن الثامنة عشرة أتيحت لي فرصة العمل مساعد مخرج، وفي يوم ما بينما كنت متوجِّهاً إلى زيارة بعض الأصدقاء أُصِبتُ في حادث رهيب وافق اليوم نفسه الذي اغتيل فيه الرئيس الأمريكي جون كينيدي، ولَزِمتُ الفراش بالمستشفى بعض الوقت، وبعد انتهاء مرحلة العلاج اكتشفت أن نظام التأمين قد أعدّ لي تعويضاً مالياً ضخماً، فخصصته لإخراج أول فلم كامل للمرة الأولى، واشترك فيه بعض الممثلين الأمريكيين المتميّزين، والفلم كان من نوع الويسترن، وقد حقَّق نجاحاً معقولاً في مدة عرضه في دور السينما.

ومنذ ذلك التاريخ لا عمل لي سوى صناعة الأفلام السينمائية والتلفزيونية التي تجاوزت 120 عملاً إضافةً إلى عملي ممثلاً ورئيساً للهيئة العالمية لمنتجي السينما، وكنت أنجز -أحياناً- عملين في وقت واحد وفي مناطق مختلفة، ففي السبعينيات -على سبيل التمثيل- أنجزت عملين في وقت واحد؛ أحدهما في طنجة بالمغرب، والثاني في كوستاريكا؛ هذه سيرتي العملية باختصار.

 

أود التركيز في السينما الإسبانية؛ لأنها غير معروفة عالمياً مثل نظيراتها الأمريكية والفرنسية والإيطالية وسواها

ترجع سيادة الفلم الأمريكيّ والثقافة الأمريكية سينمائياً إلى قوَّة شبكات التوزيع الأمريكية، كما أن السوق الداخلية الأمريكية سوق ضخمة تَسَع قدراً هائلاً من المنافسة يبلغ نحو 350 مليون نسمة، إضافةً إلى أن موازنة الفلم الأمريكيّ الواحد لا تقارن بحجم الموازنة المخصّصة للفلم الإسبانيّ، فتعداد سكان البلد يشكل سوقاً صغرى مقارنة بالسوق الأمريكية؛ كلّ هذه العوامل شكلت أرضية خصبة وقوية للفلم الأمريكيّ ساعدته على إزاحة ما سواه، وسيادته على مستوى العالم.

السينما الفرنسية والإسبانية -على سبيل التمثيل- لها أسواق محلية محدودة، فنصيب الفلم الفرنسيّ داخل فرنسا يبلغ نحو 50٪، أما في إسبانيا فالنسبة متواضعة، ويحتلّ الفلم الأمريكيّ المرتبة الأولى عالمياً، أما صناعة السينما في بريطانيا فهي جزء لا يتجزأ من الصناعة الأمريكية، واندمج التمويل والتسويق معها على الصُّعُد كافة، حتى إن الصين إذا واصلت سياسة الانفتاح فسوف تشهد غزواً سينمائياً بالغ القوة.

أما من ناحية السينماتوغرافيا؛ أي: فنيات صناعة السينما، فإن الأفلام الإسبانية والألمانية والفرنسية ملتزمة قواعد محددة لا تتجاوزها مثلما هو الحال في السينما التجارية الأمريكية، فالفلم الواحد لا تتجاوز نفقاته نحو 3 ملايين دولار في أوربا، على حين تبلغ تكلفة عمل مماثل نحو 8 ملايين دولار في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا أمر من شأنه أن يرجّح كفّة السينما الأمريكية، والعامل الحاسم -أيضاً- في انتشار الفلمينِ الأمريكيّ والبريطانيّ هو اللغة؛ إذ إن المجال اللغويّ الفرنسيّ والإيطاليّ والإسبانيّ محدود، ولا يقارن بهيمنة اللغة الإنجليزية بوصفها لغة عالمية.

 

في سيرتك الذاتية ذكرت شيئاً عن أورسون ويلز

نعم، بدأ تعاوننا في عام 1972م؛ إذ كان أورسون ويلز يؤدِّي دوراً في فلم تاريخيّ قمتُ بإنتاجه، ثم تعاونّا معاً في فلمَيِ: التزوير، والجانب الآخر من الريح The other side of the wind الذي لم يكتمل؛ لأنني اضطررت إلى العودة إلى إسبانيا للبقاء بجانب أسرتي وأطفالي، وكان ذلك آخر عمل مشترك بيننا، وقد تعلّمت منه أشياء مفيدة جداً؛ لأنه كان يتمتع بقدر عالٍ من الذكاء الاجتماعي والفني، واستطاع فرض رؤيته وشروطه على دهاقنة هوليود في تلك الحقبة.

 

ما أميز شيء جذبك إلى شخصية ويلز؟

أَحَبَّ ويلز الطعام حباً جماً، فعندما كنا نجلس لنتناول وجبة الغداء كنت أشعر أن كل حياته مخصصة للأكل، وأنه خبير بكل فنون صناعة الطعام، وإذا ذكرتَ أمامه اسم أي مطعم أو فندق مشهور، أعطاك لمحةً كاملةً عن خِدماته على نحو لا يتاح إلا لخبير بقطاع السياحة والفنادق، إضافةً إلى موهبته الفذَّة بوصفه فناناً استثنائياً، بدأ حياته الفنية في الثامنة عشرة من عمره، وسافر بقارب قديم من نيويورك إلى دبلن بأيرلندا؛ لإشباع طموحاته الفنية، وصار في وقت قصير مرجعاً في أعمال شكسبير بوصفه ممثلاً ومُخرِجاً في الوقت ذاته، ومن نجوم برودواي Broodway، وكان ويلز مفاوضاً بارعاً عندما يتعلّق الأمر بإقناع المموّلين والمنتِجين والمصرفيين بتمويل أعماله ومشروعاته الفنية، وكان صريحاً جداً، ويعمد إلى وضع كل أوراقه على الطاولة.

ما أقرب الأفلام من قلبك من بين 120 عملاً سينمائياً منجزاً إلى اليوم؟

كل أعمالي نتاج جهد كبير ورأسمال فنيّ ونفسيّ وأخلاقيّ وماليّ، ودرجة عالية من الصدق والأمانة، لكن فلم إلدورادو Eldorado يحتل مكانة متميزة من غيره؛ لأننا بذلنا فيه نحو ثلاث سنوات من العمل الشاقّ؛ في حفر القنوات والممرّات المائية الصناعية في كوستاريكا، وغيرها من الأعمال. واحتاج الفلم إلى أموال ضخمة، وكان أكثر الأفلام الإسبانية تكلفةً على الإطلاق؛ ومع ذلك لم ينجح، لكنني ما زلت أُعدّه من أعظم الأعمال التي شاركت فيها، فالفلم عامة سواءٌ أكان ناجحاً أم لا فإنه يرتبط عندي بذكريات، وتقدير عالٍ لأسباب عاطفية أو لاعتبارات أخرى قد يراها البعض ثانويةً. المهمّ أنني في أفلامي التي تجاوزت المئة بذلت جهداً صادقاً، وربما سيذكرني الناس بسبب 9 أفلام أو عشرة من تلك الأعمال، ولا مشكلة لديّ في هذا الأمر، وسوف أتعايش مع هذه الحقيقة من دون ندم أو مرارة.

 

حاز فلمك الأزمنة الجميلة Belle Epoque الأوسكار عام 1994م؛ فما حيثيات ذلك الفوز؟

الفلم أُنجِز عام 1992م، وهو من إخراج فيرناندو ترويبا Fernando Trueba  وتمثيل مجموعة رائعة من النجوم، وعنوان الفلم ليس له علاقة بتلك الحقبة الزمنية المعروفة باسم Belle Epoque في فرنسا، وتقع أحداث الفلم قبل أيام من الحرب الأهلية في إسبانيا بين أنصار القديم والجمهوريين حين يهرب جندي بسيط اسمه فيرناندو من الجيش ويلتقي رجلاً من أثرياء الريف يدعى مانولو، ويتعرف إلى بناته الأربع اللائي يَقعْنَ في حبّه؛ كلّ فتاة بطريقتها الخاصة، ويَحَار فيرناندو في أيّهن الأنسب للزواج، وبتشجيع من والد البنات يتأنّى في الأمر إلى أن يكتشف أن البنت الصغرى على الرغم من سذاجتها وبراءتها، فإنها الأنسب له، فيتزوجها. وقد أدَّت الإسبانية بنيلوب كروز دور البنت الصغرى، وذاع صيتها بعد ذلك بوصفها واحدة من أكثر الممثّلات تميزاً في إسبانيا وهوليود.

 

كم بلغت تكلفة هذا الفلم؟

لم تتجاوز تكلفة فلم الأزمنة الجميلة Belle Epoque ثلاثة ملايين دولار، ومعظم الأفلام الإسبانية تتكلف هذا المبلغ تقريباً إلا إذا أضيف ممثلون أمريكيون، فإن التكلفة قد تصل إلى نحو ثلاثين مليون دولار، وقد حدث لي ذلك في فلم من بطولة بنيلوب كروز.

 

هناك مهرجانات مستقلّة عن الأوسكار وتقاليد هوليود؛ هل شاركت فيها؟

نعم، شاركت في مهرجان ومعي جون ماركوفيتش المخرج في منطقة جبلية بولاية يوتا في فصل الشتاء، وعُرضت أفلام مستقلة؛ أي: خارج المؤسسة المهيمنة في هوليود، وهي أفلام قمينة بالمشاهدة؛ لأنها أُنتجت بجهد وتمويل ذاتيين، ولا تتوخى إلا الجودة الفنية والصدق والأصالة، والأفلام المعروضة في المهرجانات المستقلة منخفضة التكلفة، ومتاحة للسينمائيين في كل أنحاء العالم.

 

ما علاقتك بسكورسيزي؟

علاقتي به سطحية، وقد عملنا معاً منتجين فلماً بجامعة كولومبيا، لكن هذا التعاون لم يتعدَّ التمويل ومراحل (المونتاج)، ولم يُفضِ إلى إقامة رابطة قوية بيننا.

 

ماذا عن عملك في شركة بلانيتا؟

بلانيتا هي أكبر شركة للنشر في إسبانيا، وقد عرضوا عليَّ منذ سنوات الإسهام فيها، وأملك الآن 50٪ من أسهمها إضافةً إلى آخرين. وقد موَّلت الشركة بعض أعمالي التي أحرص على جودتها مثل سائر الناس الذين يتعاملون مع المموّلين المستقلّين.

 

هل يمكن عدّك من الناجحين وفق مقياس نافذة التذاكر؟

في السنوات الأخيرة لا أعدّ نفسي ناجحاً؛ لتغيُّر الظروف، وظهور مواهب جديدة في الساحة، ولا أحد يملك مفتاح النجاح، وكما قال المخرج الأمريكيّ وليام جولدن: الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً. وهذا ملخّص مركّز لكل من يعمل في مجال السينما؛ إذ إن سرّ النجاح هو حصيلة عوامل لا حصر لها، وفي هوليود يضع صانعو الأفلام؛ من مخرجين، وكتّاب السيناريو، والمنتجين وسواهم نحو خمسين تصوُّراً وخطة للفلم الواحد، وبعد عرض التصوُّرات ونقدها من جميع الوجوه يستقرُّون على خطة محددة تصبح هي الموجِّه ومُرشِد العمل طوال مراحل تصوير الفلم إلى أن يصبح جاهزاً للعرض، سواء أنجح الفلم أم لم ينجح؛ إذ إن النجاح أو الإخفاق يشكِّلان تحدياً كبيراً للأعمال التالية. ووفق معايير هوليود والسينما الأوربية الجادّة عامةً نجد أن فلماً واحداً من كل ثمانين إلى عشرة أفلام يحقق النجاح.

وفي أوربا تعرض دور السينما نحو ثمانية أفلام جديدة كلَّ أسبوع، وفي الأغلب يكون النجاح من نصيب فلم واحد فقط. هذا هو الحل في إسبانيا، وأعتقد أن هذه الملحوظة تصدق –أيضاً- على فرنسا وإيطاليا وألمانيا على الأقل.

 

ما أَحَبّ الأفلام إلى نفسك سوى التي أسهمتَ فيها بوصفك منتجاً أو ممثلاً؟

الأفلام الكلاسيكية المُحبَّبة إليَّ هي: كازبلانكا، وذهب مع الريح، والمواطن كين؛ هذه أفلام لا أملّ مشاهدتها؛ لأنني أكتشف كل مرة أشياء كانت غائبة عن مشاهداتي السابقة، وإن الأثر الذي يتركه العمل عامةً يعتمد على ذوقك الخاص وحالتيك النفسية والذهنية لحظة المشاهَدة، فالتعامل مع الفلم شبيه بالتعامل مع الأعمال الأدبية مثل الرواية، ففي سنّ معينة قد تستهويك المغامرات والأحداث البطولية، وفي سن الشباب والرشد قد تميل إلى الرومانسية، أو الأعمال ذات النفس الاجتماعيّ أو السياسيّ أو الفلسفيّ. وفي كل الأحوال فإن البنية الشعورية لكلّ منا هي التي تحدِّد نوع الفلم المفضّل الذي لا يزول سحره بسهولة.

 

بوصفك منتجاً متمرِّساً؛ ما موقفك من التقنيات الحديثة في صناعة السينما؟ هل خفضت تكلفة الإنتاج أم لا؟

التقنيات الحديثة شجَّعت على إنتاج أعمال تتّسم بالفخامة، لكنها زادت تكلفة الإنتاج؛ فقبل عشرين عاماً كانت Untitled 3تكلفة إنتاج الفلم الأمريكيّ تبلغ نحو 30 مليون دولار، أما الآن فقد وصلت تكلفة إنتاج الفلم إلى 200 مليون دولار؛ فالمؤثرات الخاصةSpecial effects أصبحت بالغة التكلفة، وأنا شخصياً لا أحبها؛ لأنها لا تخدم فنّ السينما، إنما تخدم أهدافاً أخرى إثارية أو جاذبة لقطاع معين من مرتادي السينما، لكن من ناحية أخرى فإن التقنيات الحديثة مثل التقنيات الرقمية منحتنا كاميرات ولقطات طبيعية وفعالة وبتكلفة معقولة، وهذا يمكن أن تسمعه من المصوِّرين الحاليين الذين يرون أن التقنية الحديثة تتيح إنتاج أفلام متوسطة التكلفة أو منخفضة من دون الإخلال بالمقاييس والمعايير الجمالية المعهودة حالياً.

إن تقنيات العرض السينمائي أصبحت ذات سطوة وانتشار لم يسبق له مثيل؛ فيستطيع 300 مليون إنسان مشاهدة فلم في وقت واحد في كل أرجاء الكرة الأرضية، هذه ثورة حقيقية، وهي مرتبطة بتطور تقنية الماسحات الضوئية Scanners، وهذه التقنية الأخيرة؛ أي: تقنيات العرض زهيدة التكلفة، وهي تفتح باباً للعالم العربي والإسلامي لعرض ثقافاته باللغة العربية وغيرها من اللغات الحية، وتوصيل رسالته إلى كل المهتمّين، وتتيح هذه الثورة في مجال الاتصال للجميع مشاهدة أي فلم أو عمل سينمائيّ بسهولة ويسر، ولا يمكن وضع أي قيود عليها، هذه ظاهرة ذات تبعات كونية.

 

هل هناك مستلزمات ومتطلبات جديدة؟

نعم، هذه الظاهرة تقودها شركة ماتريكس Matrix الأمريكية، والاستفادة القصوى منها سوف تفرض على منتجي أفلام السينما والتلفزيون الدقة في اختيار الموضوعات ومعالجتها فنياً، ووفق هذا النظام تتولّى شركات محلية في دول العالم ترويج الأعمال وتوزيعها بالوكالة عن شركة ماتريكس مقابل نصيب من الأرباح، كما هي الحال مع شركات الاتصالات الحالية.

 

دعنا ننتقل إلى موضوع آخر: العالم كلّه يعرف أسماء مخرجين لامعين؛ مثل: فليني، وبرجمان، وبازوليني، وكيراساوا، وغيرهم، لكنه لا يعرف منتجين مشهورين، أو على نحو أدقّ لا يوجد منتج مشهور؟

هذا صحيح، ويصدق على أغلبية الأفراد الذين يعملون في مجال الإنتاج، سواءٌ أكانوا في بريطانيا أم فرنسا أم الولايات المتحدة الأمريكية أم إسبانيا؛ فالصورة الراسخة للمنتج هو أنه من يتولَّى الجانب المالي في صناعة السينما، ويقوم بمهمة التمويل بعد أن تقدّم له موازنة الفلم من إحدى الشركات؛ مثل: متروجولدن ماير، أو فوكس، أو غيرهما من المؤسسات الكبرى، أو من مخرج، أو كاتب سيناريو، لكن المنتج الحقيقيّ هو رجل خلَّاق ومبدع بمعنى الكلمة؛ أعني أن المنتج هو من يختار السيناريو، أو يكلّف آخرين بإعداد سيناريوهات، ويقوّمها من الناحيتين الشكلية والموضوعية، ويضع تصوُّراً كاملاً لفريق العمل؛ من مخرجين، وممثلين، وخبراء التقنيات الأخرى؛ مثل: التصوير، والملابس، والموسيقا، والمفروشات، ومهندسي الأبنية والديكور وغيرها من عناصر الفلم، إضافة إلى الموازنة المالية التفصيلية لكل المهمات، ومنها: الإقامة، والسفر، والتأمين الصحيّ، وغيرها.

المنتج الحديث هو مفتاح كل شيء، فهو الذي يختار المخرج والسيناريست، ويتعاون مع الأول في اختيار فريق العمل؛ من ممثلين، ومصورين، وخبراء المونتاج والملابس إلى غير ذلك. ولا يقتصر الأمر على هذه المهمات، لكن يتعدّاها إلى وضع خطة لتسويق المنتج النهائي؛ أي: الفلم؛ لضمان عائدات مجزية، وسوف تلاحظ أن أغلبية الأفلام المعاصرة تحمل اسم ثلاثة منتجين أو أكثر، وهذه الأسماء قد تعود للمموّل الفرديّ أو للمصرف أو لأحد المستثمرين، لكن المنتج الحقيقي هو رجل واحد مسؤول عن كل هؤلاء؛ يحافظ على حقوقهم، ويدفع الأموال إلى أصحابها مع الأرباح والفوائد؛ هذه مهمات المنتج المعاصر باختصار.

من ناحية أخرى، يتعامل المنتِج مع المنتَج النهائيّ؛ أي: الفلم كما لو كان أحد أطفاله؛ فهو يمنح الفلمَ كلَّ وقته وجهده، ثم يعدّ خُطَّة للتسويق والتوزيع، وبعد مرور سنوات من عرضه ربما يُطلَب منه تقديم نسخة أو بيعها لمناسبة، أو مهرجان، أو احتفال، أو عرض تلفزيونيّ، أو مؤسسة بحثية أكاديمية. ولا تهتم أجهزة الإعلام عامةً بالمنتِج، بل تركز جلّ اهتمامها في المخرج والممثلين وغيرهما.

أتذكر الآن بعض ملحوظات غارسيا ماركيز على السينما. هل التقيتَه خلال مسيرتك الفنية؟

نعم، التقيتُه بمدريد مع زوجته، وشاهد أحد أفلامي، وتحدثنا طويلاً عن السينما ورواياته التي حوّلت إلى أفلام، وكان رأيي دائماً أن سحر ماركيز لا يمكن الإفصاح عنه بوساطة الكاميرا؛ لذلك فإن الأفلام القائمة على أعماله لم تلقَ النجاح المتوقع.

كان ماركيز شديد الارتباط بإسبانيا، وقد أقام ببرشلونة معظم الوقت، ونشر جلّ كتبه هناك مع ناشرة معروفة، ثم توقف عن زيارة إسبانيا؛ لأن الحكومة فرضت تأشيرات دخول على الكولمبيين الراغبين في زيارة إسبانيا، فقرَّر عدم العودة إلا إذا غيَّرت حكومتنا موقفها تجاه مواطني كولومبيا.

 

ما تقويمك لأعمال كلينت ستوود بوصفه منتجاً ومخرجاً مســـــــتقلاً، وخصوصـــــاً أفــــــلام الويسترن التي نفذها؟

أنا أعرف كلينت ستوود، فقد عملت معه منذ أول فلم لي، وقصته لا تختلف عن قصة أقرانه وتجربتهم ممن انتقلوا من التمثيل إلى الإخراج.

 

ما الحلم الذي سعيتَ إلى تحقيقه؛ الشهرة أم المال أهم القناعات الفنية؟

كنت محظوظاً طوال حياتي؛ لأنني كنت أفعل ما أريد، فكنت أصنع -أحياناً- أكثر من ستة أفلام في السنة، وقد جئت إلى المملكة العربية السعودية لأصنع فلم رسوم متحركة Animated Film يدور حول التطورات الحديثة في المملكة، لكن لمَّا تكتمل الاستعدادات الفنية والإدارية بعد، وقد أتاحت زيارتي المملكة العربية السعودية تعرّف نواحي الحياة فيها على نحو أفضل، ولديَّ مشروع لعمل فلم عن حياة الملك فيصل بن عبدالعزيز ومنجزاته، مع العلم أنني وثَّقت جزءاً من حياة الملك عبدالعزيز عندما كان في العشرينيات من عمره في فلم إسباني بعنوان: آخر الفرسان The Last Horseman الذي حقق نجاحاً كبيراً لدى المشاهدين عند عرضه بمدريد قبل سنوات.