ما وراء النفط

ما وراء النفط

في عام 1938م استخرج أول برميل للنفط من بئر الدمام السعودية، واليوم إذ يمر أكثر من ثمانية عقود على هذا الحدث الذي غيّر منطقة الخليج؛ يبلغ النفط شيخوخته سعرًا وربما جدوى اقتصادية.. أما ثقافيًّا فيظل النفط معزولًا في آباره عن مجتمعات قطفت ثماره عقودًا.

قيل في أدبيات عربية قديمة إن النفط كانت تطلى به الإبل لعلاج الجرب. ولعل هذه العلاقة السطحية مع النفط أكثر حميمية من علاقة العرب به اليوم. إذ كان العربي يعرف ملمسه ولونه ويستخدمه علاجًا لأغلى ما يملك وقتذاك، فيما لا يعرف معظم أبناء اليوم عن النفط إلا مداخيله وربما سعر برميله.. وحين يتحدث خبير نفطي عن لون النفط ورائحته قبل التكرير وبعده، أو حين تعرض أرامكو عيّنات من المستخرجات النفطية تجد دهشة الناس بلغت أقصاها. فلا أحد تعرّف بنفسه إلى البترول كمادة لا كمصدر مادي.

كنا قبل النفط وسنكون بعده.. هكذا يستشهد بعض أبناء الخليج عند السؤال عن العلاقة مع النفط، فالنفط مجرد سائل أسود كريه الرائحة، صدف أنه ظهر هنا، كما صدف أنه ثمين جدًّا، وعليه فالنفط لم يُصنع ولم يُزرع هنا، هو ليس نخلةً ولا سنبلة، ليس لؤلؤًا ولا تمرًا، وهو لا يحتاج إلى اعتراف أو شعور رومانتيكيّ بالذنب تجاهه، بل الأجدى أن يلتفت الدارسون إلى مدى الإتقان في توظيف عائداته الاقتصادية، ونجاح أو إخفاق خطط التنمية في الإفادة القصوى من براميل الزيت.

غير أن السؤال يبقى كيف أثّر النفط في إنسان هذه البلاد وكيف غيّره ثقافيًّا واجتماعيًّا؟ ولماذا صار النفط لعنة في الأدبيات الثورية العربية؟ رغم أنه ثروة طبيعية لا علاقة لها بالأيديولوجيات، ولماذا لم ينقل أبناء الخليج صدى النفط إلى الأدب شعرًا وسردًا؟ ما الذي جعله محصورًا في بعده الاقتصادي؟

لقد انحصر الكلام عن النفط في آباره ومصانع تكريره، ولم يتحول إلى معنى ثقافي، ولم يرمز إلى دوره الهائل في التحولات التي شهدتها المنطقة، أليس هو أيضًا هِبَةً ربانية ومصدر رزق كما في الصيد والزراعة والتجارة؟ هل يمكن إنكار فضل عوائد البترول على دول الخليج وعلى دول عربية وإقليمية أخرى؟ ألم يغيّر النفط وجه المنطقة وحياة إنسانها من شظف العيش إلى رخائه، ومن الكتاتيب إلى المؤسسات الأكاديمية الكبرى؟ فما بالنا لا نسمعه في الأغاني ولا يتطرق له النشيد؟ لِمَ لا نطالع قصيدة تشير إلى بئر زيت؟ أو رواية تصوّر فضله على مدن الخليج وقراها؟ هل يستحق النفط كل هذا الهجاء في الذاكرة العربية منذ الخمسينيات؟ هل دخل النفط ولو رمزيًّا في الأمثال؟ في المرويات الشعبية والقصص؟ في الأساطير المحكية وسواها من أزياء وأطعمة وصناعات يدوية؟ هل غدا جزءًا من حياة الناس الاجتماعية والثقافية كما هو أساسها اقتصاديًّا؟

يكاد النفط اليوم يعلن تقاعده وسط تأرجح أسعاره واكتشاف بدائل متجددة للطاقة كل يوم، فهل آن أوان التأمل في حكاية الزيت العربي؟

تفتح الفيصل ملف النفط ثقافيًّا وتُسائل عددًا من كتاب وكاتبات الخليج عما وراء النفط.


ثمانية عقود من النفط في الخليج.. أين الثقافة؟

محمد-بن-غانم-الرميحي

محمد بن غانم الرميحي – كاتب وأكاديمي كويتي

السؤال الذي طرحته مجلة الفيصل، وإن بدا في ظاهره بسيطًا ومباشرًا إلا أن محتواه ومرماه عميق ومتشعب الإجابات؛ هل أثّر ظهور واستخراج وتسويق النفط في الثقافة بمعناها العام في مجتمعات الخليج، أم لا؟ ليس هناك إجابة يمكن لمتابع أن يعطيها بشكل قاطع، نعم أو لا! هي في الحقيقة نعم ولا في نفس الوقت! الموضوع يأخذنا أولًا إلى تعريف الثقافة، رغم وجود عشرات التعريفات للثقافة، التعريف الجامع عندي هو مجموع (معرفة ومهارة وموقف إيجابي من الحياة)، أما التعريف العملياتي فهو (الإنتاج الثقافي) مثل: العمل الفني أو الأدبي أو المسرحي أو غيره من المنتج ذي البعد الثقافي المتعارف عليه.

ماذا أعني بموقف إيجابي؟ كمثال قد يحصل شخص ما على معرفة ومهارة، مثل طبيب حاذق، أو مسرحيّ متميز، لكن إن افتقد هذا الطبيب أو ذاك المسرحي موقفًا إيجابيًّا من الحياة، فهو (ناقص ثقافة!) – أي أن رفض الطبيب علاج شخص بسبب انتمائه العرقي أو الديني أو غش في عمله، أو مسرحي قدم مسرحية تُعلي أفكار التعصب، وتهزأ مثلًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، ذلكم عندي يفتقد العنصر الثالث والمهم في الثقافة (الموقف الإيجابي)، حتى إن حاز العنصرين الأولين! ما هو الموقف الإيجابي من الحياة؟ هو أن يكون الإنسان الفرد أو الجماعة لها علاقة إيجابية بالإنسانية وما توصلت إليه من قيم كبرى وعليا، مثل: المساواة، والعدل، واحترام الآخر، وإعلاء التسامح، وحل الصراعات من خلال آليات متوافق عليها، أي تعظيم الروح الإنسانية بصرف النظر عن ديانتها أو مذهبها أو لونها، والأمانة في العمل وقيمه، والسعي لترقية المجتمع واحترام المرأة، والصدق في أداء العمل، إلى آخره من القيم الإيجابية.

السؤال المركزي

صيد-اللؤلؤ-مهنة-غواصي-الخليج-قديمًا

صيد اللؤلؤ مهنة غواصي الخليج قديمًا

في السؤال الذي طرحته مجلة الفيصل يذهب في تقديري إلى الجزء (العملياتي) في الثقافة وهو الإنتاج الثقافي بتنوعه، لكن الثقافة هي أوسع من النشاط إلى الفكرة والموقف، بل إن الثقافة في نظري هي سُلطة تستطيع أن تمنع وأن تمنح؛ تمنع التطرف مثلًا، وقد تمنح التطرف، هي قد تمنع فهم الآخر، وقد تمنح الآخر الفهم السليم، هي سُلطة قد لا تكون ظاهرة، لكنها مؤثرة في الأفراد والمجتمعات.

إذا حسمنا الجزء الأول من الإشكالية، فلدينا الجزء الثاني منها، وهو: هل انعكس النفط (استخراجًا وتسويقًا ودخلًا) على مجتمعات الخليج ثقافيًّا واجتماعيًّا سلبًا أو إيجابًا؟  هنا نجد أنفسنا أمام إشكالية تحليلية بالغة التعقيد، عادة الثقافة بمعناها الشامل لها علاقة بكيفية إنتاج المجتمع لخيراته، فمثلًا في بعض دول الخليج قبل النفط كانت تنتج الخيرات (الدخل المجتمعي) من العمل في صناعة الغوص أو غيرها من الأعمال المنتجة، فلذلك تكوّنت (ثقافة) مجتمعية مبنية أساسًا على تلك الطريقة لإنتاج الخيرات، مثلًا: توزيع الثروة، والعلاقات التراتبية في المجتمع، والزواج، والاحتفالات في المناسبات، والنظر إلى المرأة، وطريقة البناء ونوع الأكل، معظمها قائم على طريقة إنتاج الخيرات في ذلك المجتمع، سواء في المجتمع الزراعي المحدود أو ركوب البحر، وأيضًا رعي الأغنام والعيش في البادية والغوص لاستخراج اللؤلؤ. كان لذلك المجتمع الذي عاش بين الغلظة في الصحراء والليونة في الساحل التجاري أو مواجهة أهوال البحر غير المتوقعة، ذلك المجتمع كان له ثقافة ما مرتبطة بأنشطته الاقتصادية وطريقة حياته. فلا يوجد مجتمع من دون ثقافة، الاختلاف في نوع ودرجة وشكل تلك الثقافة.

ماذا حدث للثقافة بعد ظهور النفط؟

Library

مشروع (نفطي) في الكويت موجه لتعزيز الثقافة النفطية لدى الأجيال عن البترول

هناك وجهات نظر متعددة في التاريخ لظهور النفط، بعضهم يأخذه إلى ثمانية عقود، وبعضهم يتحدث عن العقود الخمسة الذهبية للنفط في دول الخليج، الأول يؤرخ لبدء إنتاج النفط، والثاني يبدأ من نقطة الاستفادة العامة لهذه المادة في المجتمع، ثمّ هُناك حقيقة أُخرى أن النفط لم يظهر أو حتى يستفاد منه بشكل جماعي في منطقة الخليج كلها في وقت واحد، ظهر واستفيد منه على شكل حقب مختلفة، ربما تبدأ في الثلاثينيات من القرن الماضي في كل من (البحرين، والسعودية، والكويت) والستينيات في أبوظبي وعُمان. إلا أن الإشكالية المطروحة أمامنا أن الكثير من العناصر الثقافية في كل تلك المجتمعات استمر تأثيرها (أي شكل إنتاج الخيرات) في الظهور، حتى لو امتلكت النفط، النمط الجديد من الإنتاج (النفط) لم يُساهم فيه المجتمع بشكل واسع، الشركات الأجنبية اعتمدت على عُمال أجانب فنيين وشبه فنيين، وتركت الأعمال البسيطة للمواطنين لفترة طويلة، حتى الدولة الخليجية كان دخلها من النفط متواضعًا بنسبة أقل من دخل الشركات المنتجة، ولم تُعدَّل تلك المعادلة إلا في سبعينيات القرن الماضي نسبيًّا. فليس هناك قطيعة بين ثقافة ما قبل النفط وما بعد النفط، مع الاعتراف بأن هناك أنماطًا ثقافية تبناها المجتمع الخليجي- النفطي، لكونه قد تأثر بشكل أكبر بالثقافة العربية التي أنتجتها العواصم العربية التي امتلكت الهيمنة الناعمة على الثقافة العربية بعد التحرر من الاستعمار (منذ الثلث الأول من القرن العشرين) كالقاهرة ودمشق وبغداد، كما تبنت مجتمعات الخليج لاحقًا أنماطًا من الثقافة الغربية. ومن أجل حاجة الدولة الجديدة للتنظيم، كان لا بُدّ من اعتناق وتبنّي أنماط ثقافية مستجدة.

إذًا لدينا مشهد في (العقود الثمانية أو الخمسة الماضية) هو كالتالي: انحسار تدريجي لكن سريع في إنتاج الخيرات التقليدية (المتواضعة) في الخليج، ومن ثمّ تدفق الدخل النفطي والاعتماد على (ما تقوم به الدولة من خدمات وفرص عمل) وهي المالكة لمصادر الثروة الجديدة، وفي الوقت نفسه تصاعد تدريجي لدخل الدولة من النفط الذي مكّنها من أن تكون (ربة العمل) -بشكل شبه كامل- لليد العاملة. في الحال الأخيرة، قامت الدولة من الناحية الثقافية بافتتاح المدارس الحديثة (لكن ليس من دون مقاومة من العناصر الثقافية السابقة) كالقبول التدريجي بتعليم الأبناء ومقاومة تعليم الفتيات، على سبيل المثال. كما قامت الدولة الخليجية بإنشاء الجامعات وأيضًا بتقديم الخدمات الأُخرى كالعلاج وتوسيع جماعة الضبط (الشرطة والجيش)، وتوسع القطاع التجاري (الخاص) وهي مؤسسات لم تكن موجودة في نظام الإنتاج القديم (كان هناك حرس أسواق، وإن احتاجت الدولة إلى حماية فمن المتطوعين) فظهرت طبقة متوسطة واسعة، علينا هنا أن نلحظ أن الثراء النسبي لدول الخليج قد أثار حفيظة مجتمعات قريبة عربية، كانت حتى وقت قريب أكثر غنى نسبيًّا وأكثر تطورًا بشكل عام. هنا لعبت الثقافة دورًا مزدوجًا (بمعناها العملياتي والعام) فقد ساهم كثير من العرب بوضع اللبنات الأولى للأعمال الثقافية (مدارس، وصحف، ومجلات) وبعد ذلك محطات تلفاز إلى آخره، وكانت مساهماتهم إيجابية، وبخاصة في التدريس، لكن في الوقت نفسه ظهر لدى بعض (سِنْدرُم) سلبي، يقول في الغالب: إن هذه المجتمعات الخليجية هي مجتمعات (بدوية) لا تستحق تلك الثروة، بل تتصرف فيها بشكل سلبي!

الثقافة والنفط، فجوات ثقافية غير مُجسرة

في المرحلة الانتقالية بين الاقتصاد القديم والاقتصاد الحديث، واجهت الدولة الخليجية الحديثة مجموعة تقاطعات بين الحاجات المطلوبة للدولة الحديثة، وبين المحافظة على الموروث ومطالب التحديث النابعة من القوى الجديدة في المجتمع (الطبقة الوسطى) ووجدت الدولة الخليجية أمامها ثُلاثية صعبة ليس من السهل التعاون معها. ولم تنتبه بشكل مُبكر لأهمية التمهيد الثقافي الأصيل.

وفي تقديري، من جهة أُخرى، لم تنتبه النُّخب في الخليج حتى وقت مُتأخر، وبشكل جدي لأهمية الثقافة بمعناها العام والعملياتي في تطوير مجتمعات الخليج، وكونها قاطرة للتنمية والتطور. وقد أطلق النفط في الخليج قوى متعارضة، فقد ظهرت وعلى الأخص توسعت النخب بمعناها الحديث في هذه المجتمعات، أي طبقة وسطى واسعة من موظفي الدولة في القطاعات المختلفة ومن الطبقة التجارية. كما أطلق النفط توترات اجتماعية؛ بسبب طبيعته (إنتاج الخيرات خارج جهد النخب) أدى إلى وجود الأمر ونقيضه في المجتمع، مثل وجود (تعليم المرأة والسماح بعملها وعزلها في الوقت نفسه!) ووجود مطبوعات جديدة وبالغة الثراء مع (رقابة نظامية أو مجتمعية صارمة) في الإطار الثقافي، فكثير من المشروعات الثقافية التي ظهرت في الخليج، لم تكن مؤطرة ومؤسسية وهادفة إلى تكوين ثقافة عامة للمجتمع تساعد على التوجه إلى أهداف تنموية واضحة وإلى تنظيم الشعور الثقافي المجتمعي. الأسباب كثيرة لهذه الظواهر، أحدها أسعار النفط، التي تنخفض وترتفع، أعطت الدولة شكلًا من الأمان النسبي، وربما الخادع بأن (القائم دائم)، وبأن مشكلات اليوم سوف يحلها ما يأتي به الغد، وهو جزء من التفكير الثقافي المرتبط بأسلوب إنتاج الخيرات السابق! ساعد على ذلك جماعات سياسية عربية، اضطهدت في بلادها لأسباب صراعية – سياسية، ووجدت ملاذًا للعمل في دول الخليج التي كانت تطمح إلى تقديم خدمات، وبخاصة تعليمية لشعوبها، فاستولت تلك الجماعات على مراكز نافذة في التعليم، خلطتها بأفكارها التي اعتقدت أنها مقبولة للمجتمع التقليدي (في الخليج)، وهي أفكار (تراثية) مطعمة بتصورات وطموحات سياسية! زامن ذلك اندلاع صراع أيديولوجي في المنطقة، جزء منه الصراع الدولي (الحرب الباردة)، وجزء منه صراع اجتماعي محلي في الإقليم المحيط بالخليج.

مجلات-النفط-للأطفالوبسبب تقلص فرص التعبير النسبي في بلاد كانت قائدة للأعمال الثقافية العربية، مثل: بغداد والقاهرة ودمشق، ظهرت مبادرات في دول الخليج على قاعدة (خدمة الثقافة العربية) فنشأت مثلًا «مجلة العربي» في الكويت 1958م، التي ذاع صيتها لعقود من الزمن، كما ظهرت سلاسل كتب مثل (عالم المعرفة 1977م) كما صدرت مجلات في كل من المملكة العربية السعودية، ولحقت بعد ذلك قطر بإصدار «مجلة الدوحة»، ثمّ باحتضان مؤسسات بحثية عربية أصبحت مرموقة، ولحقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، فأصدرت على سبيل المثال النسخة العربية من مجلة (ناشيونال جيوغرافيك) الذائعة الصيت، كما ساهمت عُمان بإصدار مطبوعات لها قيمة ثقافية عالية. وظهرت وتطورت مؤسسات بحثية، أما داخل الجامعات الخليجية التي تكاثرت تدريجيًّا لتصبح اليوم أكثر من ستين جامعة (حكومية وأهلية) عدا المؤسسات التعليمية ما دون الجامعة (كليات) أو مؤسسات بحثية خارج الجامعات، مستقلة أو تابعة لإحدى الإدارات أو الوزارات. بل أنشأ القطاع الخاص في الخليج مؤسسات ثقافية مرموقة مثل: مؤسسة التقدم العلمي في الكويت 1977م (مؤسسة يمولها القطاع الخاص) ومثل: مؤسسة العويس والماجد في الإمارات في تسعينيات القرن الماضي، ومؤسسة البابطين وسعاد الصباح في الكويت، أو مؤسسة عبدالمقصود خوجة في مدينة جدة، بل أصبح رجال من الخليج يرعون مؤسسات ثقافية رائدة، كما فعل الأمير خالد الفيصل في التفكير وإنشاء المؤسسة المرموقة عربيًّا (مؤسسة الفكر العربي) وغير ذلك الكثير، وبخاصة في ظهور النوادي الأدبية المختلفة، كل ذلك التطور الكمي شكل تراكمًا معرفيًّا يُعزز نوعيًّا الإنتاج الثقافي العربي.

ولكن ذلك «الكمي» سرعان ما سوف يصبح نوعيًّا، بمعنى تشكيل منصة (خليجية) للإبداع الثقافي أرى أن تباشيرها قد ظهرت في مجالات مثل: الرواية، والعمارة، والإدارة، والفنون المختلفة. ونرى كتابًا قد صدر مؤخرًا بعنوان: «هيمنة ناعمة: صعود وتراجع القوة الناعمة المصرية» لأحمد محمد أبو زيد، (دار عين للنشر، 2015م) يقول صفحة 159: «بأن النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ستكون الكلمة العليا في تحديد مسار ومستقبل المنطقة العربية في أيدي دول مجلس التعاون» هذا النص الطويل الذي اقتطفت منه كلمة موجزة، لم أرغب أن أكتبه أنا، بل من متابع عربي من غير أبناء المنطقة، وهو شهادة إلى صعود القوة الناعمة الخليجية من خلال العمل الثقافي والعلمي والمؤسسي.

الإشكالية‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬

تنظر بعض النخب العربية إلى مجتمعات الخليج نظرة سلبية ثقافيًّا، نابعة إما من عدم معرفة أو دوافع ربما تكون نفسية، ذكرت بعضها سابقًا، وربما لأسباب سياسية، تلك النظرة السلبية تقوم على فكرة غير علمية وهي (تفوُّقنا وتخلُّف الآخر) وأن هذه المجتمعات لا تواريخ حقيقية لها قبل ظهور النفط، كانت قبله متخلفة لا تملك أدنى مقومات الحضارة؛ لأن الحضارة تنشأ على حد قول الكاتب محمد حسنين هيكل في (الأخضر وليس الأصفر)! كناية عن المناطق الزراعية ومناطق الصحراء، تلك الأفكار بجانب أنها غير علمية تتصف بالمبالغة وربما التحيز أو التشفي، لأسباب مختلفة، وإن كان لي أن أضع نسبة من اللوم فإنه يُقاسم بالتساوي، بين النظرة السلبية من بعض النخب العربية، وبين تقاعس من جانبنا في الخليج، فنحن لم نبذل جهدًا من أجل العمل والتفكير في منظومة فقهية تساير العصر، أو إيمان راسخ بأهمية الثقافة ومؤسساتها، بل إن بعض النخب العربية تدعي أن (التخلف الفكري) المتمثل في (ملابس وأشكال ظاهرية للرجال والنساء) هو ( فقه الصحراء)! هذا الأمر لم نلتفت إليه بشكل جدي، كنا في الغالب في مكان الاعتذار أو التبرير، وليس في مكان التفكير الإيجابي لإعادة النظر في تخليص الفكر الفقهي مما اعتراه من مفاهيم ميتافيزيقية، وإعادة النظر في المنظومة التعليمية من أجل تخليصها من الشوائب السلبية التي تبدو كأنها مناقضة لواقع العصر.

لا شك عندي شخصيًّا في أن الثقافة بمعناها العام والعملياتي هي قائدة التطور، وأن ما نعانيه اليوم من أزمات جلّها أساسه ثقافي، كما لا أشك في أن (موضوع الثقافة) لم يلتفت إليه كما ينبغي من خلال أهميته وجدارته بأن يوضع في صلب خطط الدولة الخليجية، وألّا يُعامل كأنه (شكل زائد) من الكماليات، أول ما يصل إليه (سيف التخفيض) يصل إلى مؤسساته وأنشطته، الثقافة سلاح عرفته الشعوب جميعًا، وقد قال جلال الدين الرومي: أعطني قلمًا أستطيع به وحده أن أواجه به السيوف والرماح! كناية عن أهمية العلم والثقافة في تطور الشعوب ورقيّها.


يعيش مثل حالة سرية فينا

فوزية أبو خالد

 فوزية أبو خالد – شاعرة وكاتبة سعودية

«مدن الملح» خماسية الروائي عبدالرحمن منيف قدمت رؤيتها الروائية لمرحلة معينة من التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بتفاعلاتها المتعددة الأبعاد. وصدف أن كان النفط بطل التحولات لذلك التاريخ. هذه ملاحظة ليست عابرة وأعرف أن موضوع السؤال ليس «مدن الملح» لكن كان لا بد من ذكر الملاحظة للأمانة التاريخية والأدبية والثقافية.. وهذا يشكل مدخلًا مناسبًا لمحاولة الإجابة عن صميم السؤال، وأن نتذكر أن تلك الرواية صدرت خارج المملكة ومنطقة الخليج عمومًا على الرغم من أنها أدخلت صلب الحياة الاقتصادية، النفط وانعكاساته على السرد الروائي. ولعل سؤال: لماذا صدرت تلك الرواية خارج المنطقة التي كتبت عنها؟ ولماذا كان الكاتب يعيش في باريس حين كتبها؟ يقدم بعضًا من إجابة السؤال.

مدن-الملحفقد كان الخوض في موضوع النفط وطبيعة تماسّه مع الحياة الاجتماعية والسياسية أحد التابوهات أو الممنوعات.. وكأن النفط في العمل الثقافي ولو كان سردًا روائيًّا «حشيشة» أو «قات». ولذلك على سبيل المثال حفلت أعمال عبدالعزيز المشري بسيرة تحولات القرى، وبخاصة في الجنوب السعودي من دون أن تنطق بكلمة نفط رغم أن تلك التحولات التي تحدث عنها المشري كانت حبلى بتلك الكلمة. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن العمل الروائي لسعد الدوسري «الرياض – نوفمبر 90». فذلك العمل الفذ تناول مرحلة حاسمة لحرب (دولية) قامت بمنطقة الخليج ولم تكن تلك الحرب لتحدث بذلك الزخم الدولي وتدخل قوة عظمى كأميركا طرفًا رئيسًا في الحرب لولا بطولة النفط المطلقة على المسرح السياسي والاقتصادي في المشهد الدولي والخليجي… ومع ذلك لم تلمس كلمة نفط ملمس اليد في الرواية وإن كنت كقارئ لا تنتهي من قراءة تلك الروية إلا وأنفاسك تتقطع من رائحة النفط ومحروقاته العنيفة والناعمة معًا. 

بل إن النفط عاش كالحالة السرية فينا رغم تأثيره التفكيكي والتركيبي معًا في منطقة الخليج وناسها وبناء دولها الريعية. فحتى الكتابات التحليلية المكتوبة بأقلام سعودية وخليجية في هذا المجال قليلة ككتابات محمد الرميحي الأولية والبعيدة في محاولة تناول النفط تناولًا سوسيولوجيًّا سياسيًّا. ولي تجربة شخصية في محاولة إنزال النفط منزلة علنية في التحليل الاجتماعي باءت بالفشل عندما رفضت جامعة تقدمت لها المرة تلو المرة، بمقترح مفصل منهجيًّا لتدريس مقرر باسم أدبيات النفط الخليجي وآخر باسم التأثير السوسيوسياسي والثقافي للنفط.. من دون جدوى. 

النفط ليس تهمة لندفعها، وليس شرفًا لندّعيه ونحرص عليه إلا بالقدر والكيفية التي يؤثر بها فينا ونتفاعل معه بها… ولو فحصنا هذه الكيفية ميدانيًّا فربما نصل لإجابة موضوعية عن أسباب الجفوة في العلاقة التفاعلية ذهنيًّا مع النفط، وفي البعد من تحويلها إلى طاقة إبداعية في العمل الأدبي والثقافي. أما النفط فأستعير كلمة الراحل الملك عبدالله: (الله يطول عمره)… ريثما نبلغ في العلاقة به مرحلة الندية بدل الاتكالية المطلقة.

 


الثوابت والمتغيرات في المجتمع والدولة في الخليج

محمد اليحيائي

محمد اليحيائي – روائي وكاتب عماني

أود أن أركز مساهمتي المتواضعة في هذا الملف الذي يأتي في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة لعلاقتنا، نحن أبناء وسكان هذه المنطقة بالنفط، والذي بدا وكأنه يلوّح لنا مودِّعًا، أركزها على الجزء الأخير من محاور الملف: ما الذي أعطاه النفط للمنطقة، وما الذي أخذه منها؟ الإجابة أو الإجابات عن هذا السؤال كثيرة ومتعددة، بعضها بسيط ومباشر، وبعضها عميق ومعقد، ويشتبك مع علم الاجتماع وعلم الإنسان والسياسة. على المستوى البسيط والمباشر، أعطى النفط هذه المنطقة الكثير، وأخذ منها الكثير. هذه المنطقة انتقلت بفضل العائدات المالية الهائلة من حالة معيشية واقتصادية إلى حالة أخرى جديدة، غيّر في الجغرافيا والديموغرافيا، في المجتمع والناس والدولة، وحوَّل منطقة الخليج من هامش بعيد معزول، ومن محطة لصراعات المستعمِرين، وممرّ لأطماعهم، إلى مركز استقطاب مالي وتجاري، وهذه المرة للمُستعمِرين والمُستعمَرين معًا، فالمُستَعمِر الأوربي السابق، أصبح في حالات كثيرة، مُستخدَمًا (مُستَعمَرًا بالمعنى المادي) لدى المُستَعمَر السابق في عواصم ومدن هذه المنطقة. وهذا تحول مهم في العلاقة بين الطرفين أنتجه النفط.

المدينة الخليجية كـ«دبي» مثلًا، أصبحت، بفضل الثروة النفطية والمشاريع الاقتصادية والتجارية الأخرى التي تحققت انطلاقًا من الوفرة المالية للنفط، مدينة كوزموبوليتانية بكل ما يعنيه المصطلح من تنوع واختلاط هويات ولغات وألوان (أقلها حضورًا هو الهوية واللغة واللون المحلي). هذا «الاجتماع البشري» بلغة ابن خلدون، في المدينة الخليجية الجديدة صاغ شكلًا جديدًا من أشكال التعايش التي لم تكن معروفة في المنطقة قبل النفط؛ تعايش قِيَم الكرم والوفادة التي عُرف بها سكان الخليج مع النفعية، والانتهازية، والغرور، والتدافع المادي الذي اكتُسب وطُوِّر، ومُورِس، ولا سيما على مستوى مؤسسات الريع الرسمية والخاصة.

على هذا المستوى أيضًا، جعلت الثروة النفطية من ثلاث مدن خليجية هي: «دبي» و«أبو ظبي» و«الدوحة»، جعلت منها محطات عالمية كبري في شبكة النقل الجوي العالمية، حتى إن الصينيّ والهنديّ لم يعد بمقدورهما السفر إلى أوربا أو الولايات المتحدة الأميركية، إلا عبر التوقف في واحدة من هذه المحطات الثلاث على الأغلب، كما أن ليس بمقدور الأميركي أو الأوربي السفر إلى الهند أو الصين إلا عبر التوقف في واحدة من هذه المحطات العالمية الثلاث. أما على المستوى الآخر، العميق والمعقد، فإن البحث في التغييرات التي أحدثتها الطفرة النفطية على البنى الاجتماعية والثقافية (بما فيها الكتابة والأدب) يتطلب تجاوزًا للصور الظاهرة، اللمّاعة، والمدهشة والمُثيرة للإعجاب. وسيبدو من الصعب، التأريخ (من زاوية الأدب أو زاوية الكتابة عمومًا) للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها منطقة الخليج العربية نتيجة للوفرة المالية الكبيرة وريع النفط، ما لم تُصبح تلك التحولات منظومة قيم راسخة، ينتج عنها تغيير جذري: أولًا- في البنى والهياكل الاجتماعية أو المجتمعية. وثانيًا- في أنماط السلوك وطبيعة العلاقات. وثالثًا- في شكل وطبيعة الدولة «الخليجية». فهل تمكَّنت الثروة النفطية الهائلة التي تدفقت على شعوب هذه المنطقة من تحقيق التغيير الجذري الذي يُمكن قراءته في النصوص المُنتَجة من داخل هذه المجتمعات، التي تكون –هي ذاتها– جزءًا من تلك التحولات ونتيجة لها. للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج إلى قراءة سريعة (بما تسمح به المساحة المُتاحة لهذه المساهمة) لنقاط التحول أو التغيرات الثلاث المشار إليها أعلاه: غير أنه من المناسب أولًا أن نأخذ في الاعتبار ثلاثة أمور مهمة تتقاطع مع تلك النقاط الثلاث: الأول- يتعلق بشكل وطبيعة بنى الدولة والمجتمع التي كانت قائمة قبل اكتشاف النفط وإنتاجه بكميات تجارية، وكيف أثر فيها، وكيف غيّرها، أو كيف لم يؤثِّر، ولم يُغيِّر؟ الثاني- حجم الإنتاج، أو حجم الدخل المالي من النفط، وأثر ذلك على هذه التحولات.

مفاعيل الثروة النفطية

الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية

الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية

هذه الدول لا تتشابه، لا في الأمر الأول، ولا في الثاني. فالبحرين، على سبيل المثال، التي دشّنت مرحلة اكتشاف النفط لأول مرة في هذه المنطقة عام 1932م تختلف في بناها الاجتماعية والسياسية وفي الخطاب الثقافي الاجتماعي الذي كان قائمًا قبل النفط، واستمرّ وتطوَّر، على نحو من الأنحاء، بعد اكتشاف النفط، عن الإمارات التي دخلت مرحلة إنتاج النفط وتصديره بعد البحرين بأكثر من ثلاثين عامًا (بدأت إمارة أبو ظبي إنتاج النفط بكميات تجارية منتصف الستينيات، قبل قيام الاتحاد). كما أن إنتاج البحرين كان وبقي متواضعًا قياسًا بالإمارات التي أصبحت واحدًا من المنتجين الرئيسيين في العالم. الأمر ذاته ينطبق على الدول الأخرى، بدرجات متفاوتة. وهذا، بطبيعة الحال، قياس معياري مهمّ لمعرفة نتيجة مفاعيل الثروة النفطية على مجتمعات هذه الدول، وبالتالي على منظومة القيم والعلاقات وعلى شكل وطبيعة الدولة. الأمر الثاني: التفريق بين ما نعنيه بالتحولات أو التغيرات في البنى والهياكل الاجتماعية وفي أنماط السلوك وطبيعة العلاقات، وبين المشروعات التنموية والعمرانية الهائلة التي غيَّرت وجه الأرض في هذه المنطقة من جهة، وبين ثقافة الاستهلاك التي دخلتها مجتمعات هذه المنطقة بصورة لا توجد، بهذا الحجم والانفلات حتى في المجتمعات الغربية التي صدَّرت هذه الثقافة. فحداثة وكوزموبوليتانية دبي (والدوحة بدرجة أقل) ذات الواجهة المعولمة أمر، وبناها الثقافية والاجتماعية المحلية أمر آخر، وأحيانًا تكون العلاقة بين المسارين طردية؛ توسُّع في الكونكريت، يقابله انغلاق في الثقافة.

على صعيد التبدلات التي أحدثتها الطفرة النفطية على البنى والهياكل الاجتماعية أو المجتمعية، لا يمكن أن ننكر، بأي حال، أن تغييرات كبيرة حصلت، فقد تقلصت المساحات التي كانت تمثل البوادي المجتمعية إلى مساحات حضرية – مدينية، تبدَّلت العلاقات الاجتماعية فيها من علاقات قائمة على وشائج الدم والقرابة والعشيرة إلى وشائج قائمة على المصلحة والمنفعة والجوار بمعناه الإنساني. هنا أيضًا ثمة تباينات واختلافات بين مجتمعات هذه المنطقة، فالمجتمع العماني مثلًا ليس كالمجتمع السعودي، والقطري ليس كالبحريني، والكويتي ليس كالإماراتي. مساحات الفضاءين الحضري والبدوي، قبل عصر النفط، تختلف بين هذه الدول، والبنى الثقافية التي تُنتجها تلك الفضاءات أيضًا تختلف، قبل النفط وبعد النفط. المجال المديني والمجال الريفي في هذه المجتمعات يختلفان، قبل النفط وبعد النفط. هذه الاختلافات يتوقف عليها رصدنا لتأثيرات النفط في البنى والهياكل الاجتماعية، ففي حين أن القبيلة في بلد كعُمان –الذي أعرف تاريخه ومكوناته الثقافية والاجتماعية بصورة أفضل من معرفتي لتاريخ ومكونات الدول الأخرى– تاريخيًّا هي مؤسسة ذات تقاليد سياسية قديمة ومستمرة، وتقوم شبكة العلاقات فيما بين القبائل من جهة وفيما بينها وبين الدولة من جهة أخرى، قديمًا وحديثًا، قبل النفط وبعد النفط، على المنفعة والتحالفات السياسية، فإن القبلية في بلدان خليجية أخرى، تحركت قديمًا وتتحرك حديثًا، قبل النفط وبعده، ضمن دائرة الأعراف البدوية الأصيلة وعصبياتها القارَّة. وفي حالة عُمان كما في حالة النماذج الأخرى، لم يُحدِث النفط تغييرًا جوهريًّا في هذه البني، إلا بقدر ما عمَّق علاقات المصلحة في الحالة الأولى، وخلط المدينية بقِيَم البداوة كما في بعض الحالات الأخرى.

تغيير القيم الثقافية

وما يندرج على صعيد البنى والهياكل الاجتماعية، يندرج على أنماط السلوك وطبيعة العلاقات بين الأفراد، فصورة الرفاهية الاجتماعية التي أوجدتها الثروة النفطية، وضربت عميقًا في حياة الناس، هي صورة، في مركباتها الأعم، استهلاكية، وخارجية، وعابرة، ولم تتمكن الثروة النفطية بما أدخلته على مجتمعات هذه المنطقة من أدوات ووسائط وتقنيات، من تغيير القيم الثقافية العميقة،  ولم تدفع باتجاه المزيد من الانفتاح تجاه الآخر المختلف في الجنس أو اللون أو العرق أو حتى العشيرة والقبيلة، إلا ما كان قائمًا ومستقرًّا من انفتاح قبل النفط. ولعل أبرز دليل هو العلاقة بين الرجال والنساء، والعلاقة بين «المواطن» و«الوافد» في بعض هذه المجتمعات، وهي علاقة مُركَّبة من مجموعة أوهام؛ وهْم الذكورة ووهْم التفوُّق العِرقيّ ووهْم نرجسية المال. ولعل هذا يقود إلى سؤال حول نتائج التعليم الحديث في هذه المنطقة بعد نحو سبعين عامًا على اكتشاف النفط، ونحو خمسين عامًا على قيام الدولة الحديثة، وعن آثاره الثقافية في الأجيال الجديدة؟! غير أن هذا السؤال ليس مكانه هذه المساهمة. أما على صعيد شكل وطبيعة الدولة «الخليجية»، فإن النفط أحدث تغييرات كبيرة على صعيد شكل الدولة، أبرزها قيام ما يُمكن وصفه بـ«الدولة الوطنية» القائمة على بنى ومؤسسات تُدير شؤونها، وفي مقدمة هذه الشؤون إدارة ريع النفط وتوزيعه، ثم إدارة برامج التنمية التحتية التي لم يكن لها أن توجد لولا الثروة النفطية، وإدارة المجتمعات التي بدأت في النمو والتوسع بسبب البنى التحتية (المدن، والطرق، والمطارات، والموانئ، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، والجيش، وأجهزة الأمن…، إلخ)، وأخيرًا إدارة العمالة الوافدة (بحسب تعداد عام 2016م، يبلغ عدد سكان دول الخليج واحدًا وخمسين مليونًا ونصف المليون تقريبًا، منهم ستة وعشرون مليونًا ومئتا ألف مواطن، وخمسة وعشرون مليونًا ومئتا ألف أجنبي) أي أن نسبة غير المواطنين تصل إلى نصف عدد السكان في الدول مجتمعةً، وإلى 89.9% في قطر، و88.5% في دولة الإمارات.

عمانهذا العدد الهائل من العمالة الأجنبية هو أحد نتائج الطفرة النفطية، ويتطلب، بالضرورة، أجهزة ومؤسسات لـ«إدارة الجاليات». على الوجه الآخر، فإن النفط لم يُحدِث تغييرات مهمة على مستوى الثقافة السياسية أو فلسفة الحكم في الدولة الخليجية، فعلى الرغم من مؤسساتها البيروقراطية وأجهزتها الحديثة المختلفة والمتعددة، وعلاقاتها المفتوحة مع العالم، ووجود أعداد كبيرة من المتعلمين ومن النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية، ومعالم العولمة التي أشرنا إليها، فإن بنية الدولة من الداخل وفلسفة الحكم فيها بقيت «قبلية» أو «عشائرية»، أو «الأوليغاركية» مغلقة، إلا بقدر ما تفرضه الضرورات من انفتاح على الشعوب وإشراكهم في بعض شؤون الدولة. حتى هذا الانفتاح وتلك المشاركة تحكمهما مفاهيم النفعية و«الزبائنية» أكثر منها الشراكة الوطنية القائمة على مفهوم « الحق والواجب» الذي تعرفه دولة المواطنة. غير أن هذا الانغلاق في بنى الدولة ليس سوى نتيجة لبنى ثقافية واجتماعية قديمة وقارَّة لم تتمكن الثروة النفطية من تفكيكها وكسر قواعدها وأطرها، بل يمكن القول: إن النفط ساعد على ثباتها وتماسكها وإن مَنَحَها لبوسًا حداثية.

غير أن السؤال الذي علينا طرحه ومناقشته في قادم الأيام هو: هل سيكون بمقدور المجتمعات والدولة في الخليج، وقد مكنتها الثروة النفطية من بناء كل هذه المؤسسات؟ هل سيكون بمقدورها الانتقال من مؤسسات المجتمع والدولة إلى دولة المجتمع والمؤسسات؟ ولا سيما أن النفط لم يعد، كما يبدو، بمقدوره مواصلة العطاء، على النحو الذي كان. سؤال في الثقافة، بمعنى الإنتاج والتفاعل والتفكير، وفي المجتمع بمعنى الانفتاح والمشاركة والاشتغال بالشأن العام، وفي السياسية بمعنى التفكير في دولة قائمة على علاقات المواطنة والشراكة والإنتاج، لا علاقات العطاء والمنفعة والتابعية. باختصار سؤال في المستقبل، بالنفط أو بدونه.


ليس ظاهرة خليجية

حسن مدن

حسن مدن – كاتب بحريني

بعد ثمانية عقود لماذا بقي النفط بعيدًا من الكتابة الإبداعية؟ لماذا لم يتحول النفط إلى حافز للمتخيل وعنصر من عناصر التخييل؟

النفط ليس ظاهرة خليجية فحسب، من زاوية أخرى غير إنتاجه وتصديره، فهو في مفاعيل العوائد الناجمة عنه بات ظاهرة عربية، من خلال ما بات يعرف في دراسات علمي الاجتماع والاقتصاد بـ«الهجرة إلى النفط»، حيث تعمل وتعيش جاليات عربية كبيرة، هي عرضة لأوجه متناقضة من التأثيرات الناجمة عن ذلك، فهي من جهة تشعر بشيء من الغبن وسوء المعاملة، ومن جهة أخرى فإنها تتأثر بشكل كبير بنمط الحياة الاستهلاكي السائد في المجتمعات النفطية، وبالقيم المحافظة التي تَسِمُ هذه المجتمعات، بالقياس للمجتمعات المنفتحة التي أتت منها العمالة العربية المهاجرة، ومن ثم تحملها، أو تنقلها، إلى مجتمعاتها الأصلية، في تأثير عكسي، لا يمكن أن نعده إيجابيًّا.

يفترض أن يشكل هذا موضوعًا لأعمال إبداعية، ولكن ذلك لم يحدث كما تفضلت «الفيصل» في سؤالها، ما يتطلب بحثًا معمقًا، وبخاصة أن قضية النفط وتأثيراته نالت قدرًا كبيرًا من البحث والتحليل من الزوايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وإذا كان النفط ليس ظاهرة خليجية فحسب، فهو موجود وبكميات كبيرة في بلدان عربية أخرى غير خليجية، إلا أنه في الخليج بالذات يمتلك مكانة محورية لا في بنية الاقتصاد وحده، إنما في مجمل التحولات الاجتماعية، وفي التكوين الثقافي والنفسي للبشر. على الصعيد الخليجي، يمكنني القول، كاجتهاد شخصي: إن الأمر يعود، في جانبٍ رئيس منه على الأقل، إلى حقيقة أن المدينة الخليجية الحديثة، من حيث كونها نتاجًا للحقبة النفطية ما زالت حتى اللحظة في طور التشكل، ولم تثبت على حال بعد، فهي دائمة التغير والتحول، ما يجعلها في حالة من «السيولة» وعدم الثبات، وهو يعيق التراكم الضروري الذي يسمح بتشكل ذاكرة إبداعية، وبخاصة على صعيد السرد، الذي يتطلب بانوراما واسعة في الزمان والمكان؛ لذا نلحظ تعدد الأعمال الإبداعية التي تناولت المرحلة السابقة للنفط، كونها مرحلة تاريخية منجزة جرى تجاوزها، وشكلت ذاكرتها المنجزة، مقابل التهيب من الاقتراب من البيئة التي شكلها النفط.

مهرجان-البحرين-السنوي-للتراثتجربة عبدالرحمن منيف فريدة، كمًّا ونوعًا، لكن علينا ملاحظة أن «منيف» لم يعش البيئة التي دارت فيها أحداث خماسيته «مدن الملح»، لقد فعل ما يفعله الكتاب الكبار الناضجون المتمكنون من أدواتهم الفنية، بأن اشتغل على مادته شغلًا، ولم يشتغل على مادة متاحة  منجزة عاشها.  وفي الأصل فإن «منيف» درس اقتصاديات النفط، وفيها نال درجة الدكتوراه، وعمل كخبير في هذا التخصص، في سوريا والعراق، وفي بغداد رأس تحرير مجلة «النفط والتنمية».  هذا الأمر أتاح له معرفة تفاصيل دقيقة عن الصناعة النفطية كاملة: استخراجًا وتكريرًا وتسويقًا واستهلاكًا، وتفاصيل دقيقة عن اقتصاديات النفط، وعن مكانة هذه السلعة الإستراتيجية في الأسواق العالمية وصلة ذلك بالسياسة، لقد أصبح خبيرًا فيما يمكن تسميته مجازًا «الاقتصاد السياسي للنفط».  هذه المعرفة الواسعة التي عززتها التجربة المتابعة الدؤوبة جسَّدها في «مدن الملح»، التي بدأ فيها عارفًا بتقنيات النفط، وبالآثار الحاسمة الناجمة عن اكتشافه على الحياة الاجتماعية في الجزيرة العربية وعلى نفسيات الناس فيها.

فقد أفلح «منيف» في الخماسية في تتبع التحولات العميقة التي حدثت في البنية الاجتماعية والقيمية في منطقة الخليج بعد اكتشاف النفط وما جاء به من آثار متناقضة، ولا شك أن المقاربة الإبداعية لهذه التحولات هي الأكثر رهافة في اقترابها من العالم الروحي للإنسان الذي يتمزق بين بيئة نفسية وثقافية راسخة التأثير في وجدانه يجدها تتصدع أمامه، وبين ثقافة جديدة تحمل في ثناياها نقائض لا سبيل للخلاص منها؛ لأنها خرقت مسارًا مستقرًّا كان يمشي الهوينى، فإذا بنا أمام انقلاب عاصف أصابنا بما يشبه الدوار.

يمكن أن تكون تجربة «منيف» ملهمة للمبدعين من أبناء هذه المنطقة، ومن خارجها أيضًا، في تتبع أوجاع الإنسان الحائر بين ماضٍ اقتلع منه قسرًا وحداثة مشوَّهة غير مكتملة، وليست في طريقها نحو التمام.


دور البترول في حياتنا

عثمان الخويطر

عثمان الخويطر – نائب رئيس أرامكو سابقًا

لنتصور حياتنا اليوم لو لم نكتشف البترول في بلادنا، فهناك بلدان كثيرة لا يوجد تحت أرضها برميل واحد من البترول. هذه المادة السحرية التي غيرت مجرى التاريخ وهيَّأت لثورة عصر العلم والتكنولوجيا، كمصدر للطاقة وكمادة أساسية لأنواع متعددة من الصناعات الحديثة. فلو لم يكن في بلادنا هذا الكم الهائل من البترول، لما شاهدت شوارع مدننا وقُرانا تتحول في الليل المظلم إلى نهار، تتلألأ في جوانبها أنوار الكهرباء المتولدة من طاقة الغاز والبترول، ولما وُجدت لدينا أحدث أنواع المركبات وشيِّدت العمائر والأبراج، وشقت الطرق الواسعة بطول البلاد وعرضها، تمخر الهضاب وتشق الجبال، فأصبحت كالشرايين تنقل الحياة من عضو إلى آخر. ولولا المجهود والتوجيه المبكر من الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، ثم لاحقًا دخل البترول، لما شهدنا على أرضنا اليوم عشرات الجامعات ومئات المعاهد وآلاف المدارس، إلى جانب البعثات الخارجية المتواصلة.

ماذا عن السياحة والسفر والرحلات الموسمية التي وقودها المال؟ هل سيكون في مقدورنا فعل ذلك لو لم نكتشف البترول؟ كانت حياتنا قبل اكتشاف البترول، ومحدثكم ممن عاصروا ذلك الزمن، شحًّا شديدًا في المعيشة، وأرضنا خالية تمامًا من المدارس الحديثة والمرافق الصحية. نعيش على ما نزرع ونحصد بأنفسنا وبمجهودنا المحدود. لم نكن نعرف المركبات الأرضية، دعك عن الطائرات. وكان عدد سكان المملكة آنذاك لا يزيد كثيرًا عن مليون نسمة. ولو ظلت حالنا على ما كانت عليه من دون بترول ما صار سكان المملكة اليوم أكثر من ضعف ما كانت عليه قبل سبعين عامًا. وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: ما مصيرنا بعد انتهاء عصر البترول إذا استمرت أحوالنا كما هي اليوم، حيث نعتمد كليًّا على دخل البترول وعلى عمالة أجنبية تعمل من أجل راحتنا ورفاهيتنا ونحن في سُبات عميق غير مدركين أن المصدر القابل للنضوب سوف ينضب ويتركنا نعود إلى ما كنا عليه قبل اكتشافه.

قصة فريدة

إفتتاح-محطة-التحكم-في-رأس-تنورة،-مايو-1939م

الملك عبدالعزيز يفتح صمام التدفق في محطة التحكم في رأس تنورة، مايو 1939م

ولاكتشاف البترول في السعودية قصة فريدة، لا بدَّ لأولادنا ولأجيال المستقبل أن يعرفوا ولو نبذة يسيرة منها. فقد أدرك مؤسس هذه البلاد، الملك عبدالعزيز، بما جُبل عليه من الذكاء الفطري مبكرًا أنه لا بد من البحث عن مصادر طبيعية -أي نوع منها- تكون معينًا على العيش والبقاء فوق أرض الصحراء. وأي فكر هذا الذي قاده، وهو ابن البادية، إلى تحري وجود ثروة هائلة مدفونة منذ مئات الملايين من السنين تحت هذه الأرض الطيبة؟ وبسبب الحاجة الملحّة وحرصه على ضمان مستقبل واعد لشعبه وأمته، لم يأنف من دعوة أناس غرباء عن المجتمع وعن البيئة من أجل البحث عن المادة السحرية التي أطلقوا عليها «البترول»، لعلها تكون موجودة تحت أرضنا. وعقد مع الجانب الأجنبي اتفاقية متوازنة بمقاييس ذلك الوقت، حصلوا بموجبها على حق الاستكشاف والاستثمار في حال وجود البترول بكميات تجارية. كان ذلك عام 1933م. بدأ البحث في الصحراء، بعد أن تكامل وصول المعدات الأولية. وقد كان للجيولوجيين الذين كان بعضهم يعمل في البحرين المجاور، رأي خاص، كانوا يشاهدون جبال الظهران عن بعد ويخمنون أنها ترسو فوق قبة من مكامن البترول. وفعلًا صدق حدسهم، لكن بعد جهد واستنباط علمي فريد. انتقلوا إلى الظهران وبدؤوا في الحفر عام 1935م، بعد أن اكتمل وصول معدات الحفر. حفروا البئر الأولى، وصادفوا آثارًا للبترول، لكن ليست بكميات تجارية. فانتقلوا إلى البئر الثانية ووجدوا النتيجة نفسها. ومع ذلك فقد كانوا عازمين على مواصلة الطريق حتى يتأكدوا من النتائج النهائية. وعيون جلالة الملك العبقري ترقبهم من بعيد. انتقلوا إلى موقع البئر الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة حتى السابعة. ولم تكن النتائج بأفضل من المحاولة الأولى. وهنا بدأت الشركة الأميركية صاحبة عقد الامتياز، «سوكال»، وكان مقرها في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، تظهر امتعاضًا مشوبًا بالحذر. وقررت وقف مزيد من عمليات الحفر. ولم يطرأ على بالهم آنذاك الانتقال إلى موقع آخر خارج منطقة الظهران، ربما لعدم توافر الإمكانيات المالية واللوجيستية وخشية الدخول في مخاطرة مكلفة غير مضمونة النتائج. فكانت البرقيات تتوالى من مقر الشركة إلى الظهران حول خطة الانسحاب من المملكة. ومن جميل الصدف أن يكون أحد جيولوجيي الشركة البارزين في زيارة خاطفة إلى الرياض لمهمة خاصة. ولاحظ، بثاقب ذهنه ومهارته الجيولوجية طبيعة التكوينات الصخرية التي كانت ظاهرة على سطح الأرض هناك. وقارنها بما شاهد من مكونات الطبقات التي كان يخترقها الحفر في آبار الظهران ويجري فحصها أولًا بأول. وربط بعبقريته وخبرته بين تلك الصخور، واستنتج أن من الأفضل تعميق إحدى الآبار إلى أعمق من المستوى الذي كانوا يتوقفون عنده لإنهاء عملية الحفر، وطلب من الشركة الأم منحهم الفرصة الأخيرة لتعميق الحفر، ووافقت الشركة. وبما أن جهاز الحفر كان وقتها راسيًا على بئر رقم سبعة، فقد صار التعميق الأول من نصيبها. وفعلًا تدفق البترول بكميات تجارية بعد إضافة عمق يقارب 1000 قدم. وأرسلوا تباشير الاكتشاف إلى إدارة الشركة في الولايات المتحدة وإلى الحكومة السعودية. وعادوا إلى بقية الآبار من البئر الأُولى إلى السادسة، وعمقوها ليجدوا النتيجة الإيجابية نفسها. وأطلقوا على الحقل اسم «الدمام»، على الرغم من وجوده في جبل الظهران. كان ذلك عام 1938م. وخلال عام واحد مدُّوا خط أنابيب من منطقة الإنتاج في الظهران إلى رأس تنورة من أجل التصدير. ومنذ ذلك الوقت أصبحت رأس تنورة من أكبر موانئ تصدير البترول في العالم. وبعد أن اطمأنت الشركة الأميركية لوجود البترول في أرضنا، جيَّشت إمكانياتها لاستكشاف حقول جديدة في مناطق الامتياز. ولم يخب ظنها، فقد اكتشفتْ حقل بقيق وأبو حدرية والسفانية ومناطق الغوار، وبقية الحقول الأخرى.

مواطن-يشارك-أحد-خبراء-أرامكو-في-رحلة-اكتشاف-النفط

مواطن يشارك أحد خبراء أرامكو في رحلة اكتشاف النفط

تكوَّن البترول من مواد نباتية وبقايا حيوانات برية وبحرية طمرتها السيول والأنهار منذ ما يقرب من ست مئة مليون سنة، وحولتها إلى سوائل وغازات بين طبقات صخور رسوبية تحت أعماق يراوح معظمها بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف قدم. وخلال ملايين السنين الأولى من عمرها، هاجرت أغلبية السوائل والغازات من مكان تكوينها إلى مناطق أخرى مجاورة بحثًا عن مكامن أو مصايد كانت قادرة على الحفاظ عليها من الهروب والانتشار فوق سطح الأرض، ومن ثم ضياعها عبر السنين من دون فائدة. وعادة تكون طبقات صخور المكامن على شكل قبب بفعل عوامل جيولوجية سابقة وسقوفها من نوع الصخور غير المنفذة أو الصماء بحيث تمنع تسرب السوائل والغازات إلى أعلى. وقد شاهد البشر على مر الزمن في أماكن معينة من الكرة الأرضية انبعاث مواد هيدروكربونية وجدت طريقها إلى أعلى ويصعب استغلالها اقتصاديًّا. وتبدأ عملية استكشاف حقول البترول بإجراء ما يسمى المسح الزلزالي. وهي عملية بسيطة لكن نتائجها مهمة جدًّا. وهي عبارة عن ضربات قوية ومنتظمة فوق سطح الأرض تسبب موجات صوتية متوالية تصل إلى أعماق بعيدة ويرتد أجزاء منها إلى السطح نتيجة لاصطدامها بأنواع مختلفة من طبقات الصخور. يلتقطون ارتداد الموجات الصوتية بواسطة أجهزة ذات حساسية عالية تسجل زمن وصول ارتداد الموجات بأجزاء صغيرة من الثانية. ومنها يحسبون عمق وأشكال الطبقات الصخرية. ويستنبطون إن كان من بينها تكوينات صخرية محدبة أو على شكل قبب من الممكن أن تكون مكامن بترول. لكن الذي يحدد وجود البترول بعد كل ذلك المجهود هو حفر بضع آبار في وسط وجوانب التكوين المقصود. فلا بد من الوصول إلى طبقات المكامن لمعرفة وجود البترول أو الغاز من عدمه. ومعظم مصادر البترول السائل نجدها تحت الأرض داخل مسام ميكروسكوبية في قلب الصخور الرسوبية. وهناك أنواع أخرى من البترول على الهيئة الصلبة ومعظمها فوق أو قريب من سطح الأرض، مختلط مع الصخور والرمل بنسب مختلفة. ويُنتَج ليس عن طريق حفر آبار كما هي الحال مع البترول السائل، بل عن طريق تجميع المكونات الصخرية والرملية ونقلها إلى أفران ذات حرارة عالية لفصل المواد البترولية ونقلها إلى موانئ التصدير أو معامل التكرير.

الثقافة البترولية لا تذكر

خميس بن رمثان يساعد البعثة الجيولوجية بالمملكة

خميس بن رمثان يساعد البعثة الجيولوجية بالمملكة

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانين عامًا على اكتشاف البترول في بلادنا وكوننا نعتمد كليًّا على دخله، فإن الثقافة البترولية؛ الاقتصادية والاجتماعية والأدبية تكاد تكون لا شيء يُذكَر. فنحن نعرف الكثير عن كرة القدم وعن السياحة خارج البلاد. ويتحدث أفراد المجتمع بعمق عن المطاعم وأنواع الأكلات. ويتغنى الشعراء بالطبيعة والصحراء الخلابة وبالإبل والخيول، ونقدس النخلة ونعدّها رمزًا لشعارنا الوطني. لكن لا أحد يتحدث بإبداع عن البترول ومشتقاته، وهو الأكثر أهمية في حياتنا المعاصرة. سمّوه الذهب الأسود وهو في الواقع أغلى من الذهب. يحرقونه من أجل أن يسيِّر مركباتهم، الأرضية والبحرية والجوية، ويولد لهم الطاقة الكهربائية، وينشرونه فوق أسطح الطرق ليسهِّل سير عرباتهم. وتغافلوا أو تناسوا أنه أثمن من أن تهدر طاقته داخل مركبات لا تحمل إلا نسبة قليلة من حمولتها القصوى. ونخشى أن يأتي اليوم الذي نسمع فيه من يلومنا على هدره وإحراقه. ولا ننسى أن المواد الهيدروكربونية مصدر لعدد لا يحصى من المنتجات الصناعية والاستهلاكية. وما علينا إلا الالتفات يمينًا وشمالًا لنشاهد أن معظم ما حولنا وما يُلبَس وما يُركَب حتى مواد بناء المساكن، مصنوع من المشتقات البترولية.

وقد أدمن المجتمع الدولي على استخدام البترول الرخيص منذ اكتشاف هذه المادة السحرية قبل ما يزيد عن مئة وخمسين عامًا. فنحن اليوم نستنزف يوميًّا ما يقارب سبعة وتسعين مليون برميل من حقول قد عفا على أغلبها الزمن، وأصبحت تنتج النصف الأخير من مخزونها القابل للإنتاج. وقد لا يمضي وقت طويل ونصل إلى مرحلة يزيد فيها الطلب العالمي على الإنتاج، الذي مآله إلى الانخفاض القسري. ومن هنا يبدأ سعر برميل البترول في الارتفاع إلى مستويات قياسية. على الرغم من احتمال التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وزيادة إنتاج مصادر البترول غير التقليدية المكلفة، مثل البترول الصخري والرمل البترولي، وهذه المصادر عادة شحيحة الإنتاج ولن تكفي لتعويض كميات البترول التقليدي المتوقع اختفاؤها بسبب النضوب الطبيعي.

مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران

مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران

ونحن، في الدول الخليجية، نستنزف ثروتنا البترولية دونما حساب للمستقبل. فدخل البترول يكوِّن أكثر من 90% من ميزانيات دول الخليج. وقد مضى علينا في السعودية أكثر من خمس وأربعين سنة ونحن نحاول جاهدين تنويع مصادر الدخل، وتوطين نوع من الصناعات التي تتناسب مع بيئتنا وقدراتنا وإمكانياتنا المالية والبشرية. لكننا لم نفلح حتى الآن، رغم المجهود المبذول والخطط الخمسية التي كانت تهدف إلى تحقيق هذا المطلب. وقد يكون من أسباب فشل الخطط الخمسية ضخامة الدخل من صادرات البترول. فقد أدَّى ذلك إلى مضاعفة الميزانية العامة أكثر من ثلاث مرات خلال عقد من الزمن؛ مما أوجد مشاريع إنشائية أكبر من طاقتنا البشرية غير الجاهزة ولا المدربة. وهذا هو الذي اضطرنا إلى استقدام الملايين من العمالة الأجنبية الرخيصة، وتسبب ذلك، في الوقت نفسه، إلى قفل الباب أمام شبابنا الذين لم يكونوا حينها مؤهلين للعمل في المجالات الحرفية والمهنية والتقنية. إضافة إلى ضعف مستوى الرواتب بسبب وجود عمالة أجنبية رخيصة. وما زلنا نعاني هذه الظاهرة حتى اليوم. ولا بد من تحجيم المشاريع والاستغناء عن نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية التي أصبح قسم كبير منها عالة على اقتصادنا. فبضعة ملايين منها تعمل في تجارة التجزئة لحسابها الخاص بتفويض غير نظامي من الكفلاء. وأصبح، من غير الضروري، بل من الملحّ أن نتخلص من ملايين العمالة الأجنبية حتى لو أدى ذلك مؤقتًا إلى ضرر يطول فئة قليلة من المواطنين. وذلك من أجل الصالح العام ومستقبل أفضل لهذه الأمة التي سوف تبقى تعيش فوق رمال الصحراء القاحلة. ومستقبلنا ليس فقط مهددًا بنضوب مصدر دخلنا الرئيس، بل أيضًا نضوب الماء الذي يعاني هو الآخر استنزافًا جائرًا. فمعدل استهلاك الماء في بلادنا أكثر من ضعفي المعدل العالمي، وبخاصة البلدان التي تنعم بكميات كبيرة من الأمطار وجريان الأنهار.

فلا شك أننا بحاجة إلى صحوة توقظنا من سُباتنا لنعمل ونكد ونعرق من أجل أن نلحق بركب الأمم الجادة التي تعمل بنفسها وتبني مجدها بسواعد وعقول أبنائها. وهذا ما نأمله من رؤية 2030 المباركة. فقد جاءت في الوقت المناسب وحركت المياه الراكدة، بعد أن أعيتنا الحيل، وأصبح قمة طموحنا استقدام أكبر عدد ممكن من العمالة الأجنبية التي -نسبة كبيرة منها- ليس لوجودها بين ظهرانينا ضرورة قصوى. ونأمل أن تؤتي الرؤية ثمارها قريبًا بإذن الله، ابتداءً بتوطين الأعمال المنتِجة، ليحل المواطن محل الأجنبي.


آثار إيجابية كاسحة

عبدالله المدني

عبدالله المدني – أكاديمي بحريني – أستاذ العلاقات الدولية

الغافلةقبل سنوات طويلة من اكتشاف النفط في ديارهم، عرف الرعيل الأول من أبناء الخليج النفط، أو بعبارة أدق اثنين من مشتقاته وهما: بنزين السيارات وكيروسين الطبخ اللذين كانا يصلانهم من ميناء عبدان الإيراني في براميل محملة على ظهور السفن الشراعية. منذ تلك الأيام الخوالي سرت مقولة أن الإنقريز (مفردة كانت تطلق على الغربيين عمومًا وليس على البريطانيين فقط) قادرون على المعجزات، فطالما أنهم أخرجوا من باطن الأرض سائلًا يـُصب في السيارة فتطوي الأخيرة الأرض طيًّا، فهم قادرون على الإتيان بأشياء جديدة غير مسبوقة. وقد صدقت توقعاتهم يوم أن أعلنت شركة أرامكو في عام 1957م عن قرب إطلاقها لأول بث تلفزيوني ناطق بالعربية في منطقة الخليج والجزيرة، بالتزامن مع ظهور أجهزة التلفاز في الأسواق. ذلك أن جدلًا كبيرًا دار وقتها ما بين مصدِّق ومكذِّب حول ما سموه ابتداء جهاز راديو يمكن لمقتنيه أن يسمع ويرى مطربه أو مطربته المفضلة في آن واحد.

تلفزيون-آرامكولقد استخدمنا هنا البث التلفزيوني، وهو أحد مآثر شركة أرامكو النفطية العملاقة، كمدخل للحديث عن الآثار الإيجابية الكبيرة لاكتشاف النفط وتصديره على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والثقافية والفكرية في مجتمعات الخليج وشرق الجزيرة العربية. ولا نبالغ هنا لو قلنا: إن تلك الآثار كانت كاسحة، وخلقت مجتمعات جديدة مزدهرة، ونقلت الناس من حياة البداوة إلى عصر التحضر، وعرَّفت المواطنين ما لم يكن لهم سابق معرفة به من أدوات وآلات وملابس وكماليات ومأكولات ومفردات أجنبية، إضافة إلى أنشطة ترفيهية وألعاب رياضية لم يألفوها من قبل. فالتلفزيون مثلًا أحدث زلزالًا في برنامج المواطن اليومي ووقت فراغه وساعات نومه، بل إن ما كان يـُعرض على شاشته يوميًّا من أفلام عربية ومسلسلات أجنبية مدبلجة، عرَّفه أنماط الحياة في البلاد الأسبق إلى المدنية والتحضر، وزوده بجرعة من الثقافة والمعلومات العامة في زمن كانت فيه مصادر الثقافة شحيحة، وجُلُّ الناس يعانون الأمية. والمدارس الابتدائية والمتوسطة التي تأسست بفضل مداخيل النفط، وأوكلت الحكومة إلى شركة أرامكو تصميمها وبناءها وتأثيثها منحت طلبة وطالبات شرق السعودية مثلًا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين أجواء نموذجية وصحية لتلقي العلم وفق أحدث المعايير والوسائل وأرقى سبل الرفاهية الشبيهة بتلك التي لم تكن متوافرة إلا في الغرب والولايات المتحدة.

وطالما تطرقنا إلى أثر النفط في التعليم فلا بد من الإشارة إلى آلاف الموظفين من سكان البادية أو المجتمعات الفلاحية الذين احتضنتهم مدارس أرامكو ومعاهدها التقنية في الظهران وبقيق ورأس تنورة، ناهيك عن ابتعاث المتفوقين منهم إلى جامعة بيروت الأميركية وجامعات الولايات المتحدة من أجل التخصص العالي. فكانت النتيجة ظهور قيادات سعودية شابة حملت لواء التنمية والإدارة والتطوير بنجاح مشهود (علي إبراهيم النعيمي وزير النفط السابق مثالًا).

برامج-الطب-الوقائي-في-الأربعينيات

برامج الطب الوقائي في الأربعينيات والخمسينيات التي ساهمت بها شركة أرامكو للحد من انتشار الأمراض والأوبئة

والجهود التي قامت بها أرامكو في أعقاب اكتشافها وتصديرها النفط السعودي في مجال التوعية الصحية وتوفير العلاج في مستوصفاتها ومستشفاها المركزي بالظهران لا تقدر بثمن؛ لأنها حمت أرواح الآلاف من سكان المنطقة الشرقية وأسرهم من أمراض كثيرة كانت تفتك بهم في عقدي الخمسينيات والستينيات مثل: أمراض التراخوما والملاريا والتيفوئيد والدوسنطاريا التي كانت منتشرة آنذاك في مجتمعات الأحساء والقطيف الزراعية؛ بسبب قلة الوعي وعدم الإلمام بقواعد الوقاية. إضافة إلى ذلك، كان من مآثر النفط وشركة أرامكو برنامج تملك البيوت الذي أطلقته في عام 1951م، ثم طوِّر على يد أحد أشهر رؤساء أرامكو الأميركيين شهرة وعملًا من أجل مرؤوسيه السعوديين وهو «توماس بارقر»؛ إذ سهّل هذا البرنامج للآلاف من السعوديين تملك منازل خاصة بهم ذات تصاميم حديثة وملبية لاحتياجاتهم، وذلك من خلال أقساط ميسرة تخصم شهريًّا من رواتبهم. ومن مآثر النفط أيضًا تحول بلدات وقرى ساحلية كئيبة لا حراك ولا نشاط فيها إلى مدن عامرة تموج بالحركة ذات تخطيط هندسي رائع مستوحى من تخطيط المدن الأميركية (مدينة الخبر مثالًا التي استعارت تخطيطها من التخطيط الهندسي لمدينة نيويورك)، وتحول صحارى جرداء إلى حواضر غناء يجد زائرها كل ما تتوق نفسه إليه من مرافق ومباهج وأدوات ترفيه (مدينة الظهران مثالًا). وإذا كان تلفزيون أرامكو يجسد واحدًا من الآثار الثقافية التي ارتبطت باكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية، فإن الأثر الثقافي الآخر يتمثل في مجلة «قافلة الزيت» الشهرية التي دأبت أرامكو على إصدارها منذ عام 1953م حتى اليوم في طباعة فاخرة مع الحرص على أن تكون في متناول اليد مجانًا. فهذه المجلة الراقية مضمونًا التي جندت لها أرامكو ثلة من الكُتاب والعلماء المتميزين في شتى الحقول والمعارف، لعبت دورًا مهمًّا في تثقيف أجيال بأكملها.

تنمية المجتمع وبناء الإنسان

موظفون-سعوديون-في-آرامكو--

موظفون سعوديون ضمن برامج التطوير المهني للعمل في مجال النفط في خمسينيات القرن العشرين

في اعتقادي أن ما حدث في شرق السعودية حدث مثله بشكل أو بآخر في دول الخليج الأخرى التي اكتُشف فيها النفط ابتداء بالبحرين وانتهاء بـ«أبو ظبي». وما الرخاء الذي ينعم به الخليج وأبناؤه اليوم إلا نتيجة طبيعية من نتائج الانتقال من اقتصاد الغوص لاستخراج اللؤلؤ إلى اقتصاد النفط، ومن ثَم إنفاق مداخيله على تنمية المجتمع وبناء الإنسان وتشييد البنى التحتية الجبارة.

والحقيقة أن التحولات التي أحدثها النفط في مفاهيم أبناء المنطقة وأحوالهم ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين لم تغب كثيرًا في الأدب الخليجي أو الدراسات والأبحاث المكتوبة بأقلام خليجية. فهناك العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت هذا الشأن باستفاضة، ثم نُشرت في كتب (رسالة الدكتوراه التي أعدها الدكتور عبدالله ناصر السبيعي حول أثر اكتشاف النفط على الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية مثالًا). وهناك أيضًا عشرات الأدباء الخليجيين الذين استخدموا السرد الروائي والترميز للحديث بحرية عما شهدته مجتمعاتهم من تغييرات بفضل تدفق الذهب الأسود (روايات عبدالرحمن منيف وتركي الحمد، ومؤلفات غازي القصيبي، وعبدالله المدني مثالًا). وأخيرًا فإن النفط ارتبط عند الكثيرين من المثقفين العرب خارج حدود منطقة الخليج وعدد من مثقفي الخليج بمقولات وشعارات ودعوات مؤججة للعواطف مستمدة من توجهاتهم الأيديولوجية اليسارية أو القومية أو البعثية، مثل: «نفط العرب للعرب»، و«شركات النفط الغربية الاحتكارية»، و«البترودولار»، و«النفط نقمة وليس نعمة»، وغيرها.

مدرسة-للبنات-أنشأتها-شركة-أرامكو--قبل-70-عامًا-تقريبًا

مدرسة للبنات أنشأتها شركة أرامكو في المنطقة الشرقية قبل 70 عامًا تقريبًا

وفي اعتقادي أن هؤلاء المثقفين العرب انطلقوا في ترديد هذه الشعارات مما اعتمر قلوبهم من غيرة وحسد جراء ما نجحت فيه بلدان الخليج ولم تنجح فيه بلدانهم من جهة استثمار مداخيل النفط وثروات الوطن استثمارًا أمثل في البناء والرخاء. أما من سايرهم من مثقفي الخليج فلم يكونوا سوى حفنة من المتأثرين بالفكر القومي الانقلابي أو الفكر الاشتراكي المطالب بالتأميم.

ونختتم بالعنوان الذي اختاره عالم الاجتماع السياسي الكويتي الزميل الدكتور محمد غانم الرميحي لأحد مؤلفاته وهو «الخليج ليس نفطًا» فأحسن الاختيار؛ ذلك أنه على الرغم من التحولات الكبيرة التي أحدثها النفط في منطقة الخليج على مختلف الأصعدة، فإن الخليج، من قبل ومن بعد، هو إنسان وقيم وإباء وشيم، ومجتمع ديناميكي حيوي قادر على بناء قاعدة حضارية وإنسانية تستوعب المستجدات وتحافظ على الثوابت. والخليج من ناحية أخرى هو ذلك التاريخ العبق برجاله الميامين من أولئك الذين انتشروا، في حقبة ما قبل النفط، في بلاد الرافدين والشام والهند وشرق إفريقيا طلبًا للرزق والعلم أو جهادًا في سبيل حياة أفضل، فتأثروا وأثروا.


النفـط لا يكفـي لصـنع روايـة   علي أبو الريش

علي أبو الريش

علي أبو الريش – روائي وكاتب إماراتي

ما قبل النفط.. هذه المرحلة تمشي متخففة من وِزْر اللزوجة، وكانت الصحراء بمنزلة الثوب الشفيف يطوي لفائفه على الروح، فتمضي مُعْشَوْشِبة بالشفافية والعفوية ما جعل الإنسان يسكن في طوق ذهبي تلونه الصحراء بمُنَمْنَمات رمالها مستدعية خيوط الشمس التي كانت تنسج حريرها على السفوح الرملية الفارهة. وما بين الهضاب وخضاب الشمس، لبث الوجدان الإنساني في الخليج العربي، مثل نورس يحلق في الفضاء ويحدق في زرقة البحر، وينقر حبات الحياة من الأعماق الصافية، وعندما جاءت الرواية لتلامس الوجدان الإنساني وجدت فضاء مفتوحًا، مشروحًا، منقوحًا، لا يعتريه غُبَار ولا سُعَار، كان رقراقًا تواقًا للتجذر في الأرض، متشوقًا للانغماس في عطر النخلة منسجمًا مع نفسه.

وكون الرواية بنت الفلسفة، والفلسفة هي الفكرة الوجودية في الأصل، أيقن الروائي الخليجي أن في تفاصيل الرواية يكمن الوجود، وأصل الوجود هو الإنسان الفرد كما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر حينما وضع فلسفته على أساس أن الإنسان هنا، وهو القائل: إن الإنسان فقد مصداقية وجوده عندما استعبدته الميكنة. وبالتالي فإنه لا مجال للرواية غير فضائها الفطري والغريزي؛ لأنها من رحم الفطرة تستعيد كيانها وبنيانها وبيانها. الرواية في الأصل مثل الشجرة عندما تنقلها من بيئتها فإنها تذبل وتتهاوى أعضاؤها وتذهب إلى العدم، لا يمكن أن تختلق واقعًا غير الواقع، ولا يمكن أن نولد رواية من خارج رحم البيئة التي نشأت فيها وإلا أصبحنا نستنسخ مولودًا من رحم بلاستيكي.

النفط لن يكون بديلًا عن الدم، والرواية كائن حي، يعيش على دورة الدم، وينمو من خلاله، ويلون شخوصه بلون كُريات الدم الجارية في الجسم، فنحن نحتال على الواقع، بل نقضّ قضيضه إلى ما جئنا بثيمة روائية غير التي تكمن في صلب الرواية، ونكون كمن يريد أن يبني بيتًا في المريخ لمجرد أنه علم أن هناك دراسات تجري لغزو هذا الكوكب ونحن بحاجة إلى زمن بعمر البشرية على أرض الصحراء كي ننسلخ من جلباب الرمل الجاف لنذهب إلى لزوجة الرمل الممزوج بالنفط. النفط كمادة لا تعني الروائي وإن كان هذا الساحر يسلب الألباب في تغيير المسكن من الخيمة إلى القصر، ولكن هذا لا يعني أن هناك وجدانًا بشريًّا قابلًا للانسلاخ، مستعدًّا للاستنساخ، مُهيَّأً للصراخ. كل الأشياء التي تجري على سطح الماء لا تعبر عن أعماقه، هناك في الأعماق إنسان آخر وكائن يرضع من حليب الأرض، من التاريخ، ودورة التاريخ لا تتحرك كما هي محركات المركبات، بل إنها تدور دورتها الحلزونية ببطء وهدوء؛ لأن التاريخ أزكى من المادة، وبما أن المادة تعشق الألوان البراقة، فإن التاريخ يكتسب مصداقيته من عدم اتكائه على مساحيق التجميل.

الكتابة عن النفط مثل العملة المغشوشة

سنوات-النفط-٢

متحف اللوفر في أبو ظبي

اليوم في الإمارات والسعودية وكذلك دول الخليج العربي كافة، هناك مآثر تاريخية وأيقونات لا يمكن إزالتها لمجرد برميل من النفط ساح سائله الأسود على ثيابها، هذه المآثر متعلقة بالوجدان، والوجدان الإنساني لم يخلق أمس أو حتى قبل ستين عامًا أو أكثر، إنما هو نتيجة تراكم تاريخي ونتيجة ولادات أحداث متعاقبة، قد نغير من ملابسنا ومن مساكننا ومن وسائل عيشنا ومواصلاتنا، لكننا لا نستطيع أن نغير من وجداننا؛ لأنه مثل المحيط يتحرك ولا يتغير من لونه وإن شابه بعض البقع الزيتية تبقى نافرة ومعزولة لأنها ليست من أصل تكوين الماء. لا نقول لم يكتب أحد عن مرحلة النفط، بل كتب بعض لكن هذه الكتابات جاءت مثل العملة المغشوشة، مثل البضاعة المقلدة؛ لأنها لم تعبر عن الحقيقة، بل عَبَرَت الحقيقة وتجاوزتها إلى واقع مغاير، هناك في الضفة الأخرى حيث يكمن الزيف، أنا لست من الذين يعيشون الماضي كما هو، بل أشعر أن الماضي هو سبب خذلاننا ومأساتنا، لكن عبور الماضي شيء والانغماس في الزيف شيء آخر، اللحظة هي الفاصلة ما بين أحزان الماضي وقلق المستقبل، وأشعر أنها المكان الملائم لتكون موئلًا للرواية؛ لأنها تقيها من سخونة العراك الثقافي المريض وتضعها في المكان الصحيح، في الخطوة الأولى التي يبدؤها الإنسان كي يحرّك أطرافه من دون قيود الماضي وأشواك المستقبل.

ولذلك فإن الكتابة عن اللحظة، هي النجاة من الزيف وهي الرهان الوحيد للخروج من اللزوجة، فما أحلى أن تكون نفطيًّا؛ لأنك ستصبح غنيًّا وثريًّا وسوف تغير كل شيء حتى ملابسك الداخلية، لكن مقابل هذا كله سوف تعيش بلا روح، وما قيمة رواية ميتة أدواتها من نعش وكفن ثم القبر، فالخلود الحقيقي للأشياء كما هي، لا كما يتطلب السوق. والجمال في الرواية أن تتمتع بأحلام الصحراء والصحراء هي في الأساس رواية كبيرة واسعة الفصول، شخوصها كائنات لا تعيش في الفضاء إنما تتجذر في التراب.

يقول لنا الحكيم الهندي «أوشو»: إن رجلًا دخل على نحّات فاشمأزّ من صنعته، وقال له: كيف تريد أن تصنع تمثالًا جميلًا من هذا الحجر الأصم، فالتفت إليه النحات ساخرًا، وقال: أنا لا أصنع التمثال من الحجر، إنما التمثال موجود في قلب الحجر، وكل ما أفعله هو إزاحة الغبار عن التمثال. هذه الحكاية صورة جلية لمعنى الجمال الذي يصبو إليه الروائي الحقيقي، إنه يزيح الغبار عن الوجود ولا يغمس أصابعه في اللزوجة؛ لأنه لو فعل ذلك فسوف يشوّه الوجوه، وتصبح الرواية عملًا من أعمال الشعوذة. الأعمال الخالدة هي التي بقيت متجذّرة في الواقع ولا تخرج عن تفاصيله، بينما الفقاعات هي التي طَفَت على السطح وسرعان ما زالت.

دعونا نحلم باليوم الذي نشأ فيه الإنسان من غير أقنعة سنجد أنفسنا نعيش خارج الأسوار، ونشم رائحة الزهرة الطالعة في الصحراء، ونرى النخلة وهي تلقح نفسها في الخلاء الرحب من دون عوامل غير طبيعية. فالطبيعة وحدها تعلمنا كيف ننجب أطفالًا أسوياء، وعندما يتدخل الإنسان يغير المعالم والسلوك والحياة برمّتها، ولا أحد يدّعي أنه صنع المعجزة مهما بلغ من بلاغة ونبوغ، لكن الطبيعة وحدها التي جاءت بالمعجزات لأنها لم تستعِنْ باللزوجة ولم تتلوث، فلا بد من فضاء حتى تأتي الأشياء نظيفة وجلية، فالماء تحت الأرض لا يخرج لذاته ولا بد من الحفر، لا بد من خلق الفجوة الفضائية حتى يخرج رقراقًا، وهكذا الرواية لا تأتي بفعل الخيوط العنكبوتية التي يدعيها من أغرتهم لزوجة النفط. الرواية تأتي من الفضاء، والفضاء وليد التحرر من قيود المراحل، وقد يكون للنفط شأن في الأعمال الروائية ولكن متى؟ لا بد من زمن، لا بد من تراكُم، لا بد من رسوخ، لا بد من تجذر في الوجدان وقياسًا إلى عمر الإنسانية، فإن سنوات النفط لا تكفي لأن تصنع رواية حقيقية، والكتابة الروائية في موضوع ما لا تأتي بقرار شخص أراد أن يكتب عن عصر النفط، هناك خلايا في الداخل هي التي تصنع هذا التدخل، هي التي تكتب ما يرسخ في الوجدان، وتلفظ ما يتعارض مع الجملة الوجدانية، كثيرون كتبوا عن أحداث راهنة، صحيح أنها كانت مؤثرة وقوية لكنها لا يمكن أن تكون بالمستوى الذي يصنعه التاريخ، ولذلك جاءت الأعمال الروائية مثل حكايات العجائز وخراريف آخر الليل لأنها مصطنعة، ولأنها متسرعة مثل الأكلات السريعة لا طعم لها ولا رائحة.

الحضارة الإنسانية لم تُبْنَ من أمس، بل من ملايين السنين؛ سارتر عندما كتب رائعته الأدبية «الغثيان» لم يكن ليخرج بهذا العمل العملاق لولا أن خرج من صلب وجوديته الممتدة مثل العصر الإغريقي (بروتاغوراس) وعلى أثر هذا التاريخ الطويل، بنى عمله الروائي، وعبرت الرواية عن فصل من فصول القرن التاسع عشر الذي جاء مناقضًا لفردية الإنسان والحرية، وجاء هذا العصر محمَّلًا بأوزار الثقافة المجتمعية الفجة التي أرادت محو الفرد تحت سنابك الجياد الرأسمالية الجامحة.

النفط يقتحم بيوتنا دون استئذان

سنوات-النفط-٣نحن لا نطالب الروائي بأن يكتب عن النفط إنما نريده أن ينغمس في الواقع، والواقع ليس وليد النفط، إنما هو نتيجة عوالم مختلفة. وإنما جاء النفط مقتحمًا بيت الإنسان من دون استئذان، لذلك حتى يتم التعرف على هذا الضيف المفاجئ فلا بد من استضافته لزمن يستحق أن يكون فيه الضيف قد لامس مشاعر الإنسان المضيف، ويستحق التحدث معه بطلاقة من غير توجس، وقد يقول قائل: إن للنفط دورًا مهمًّا في التغير الذي طرأ على حياة الناس في الخليج العربي، ونقول: أجل حصل هذا، ولكن ما حصل لم يكن بفعل النفط، إنما بفعل الاستعداد اللاشعوري للناس بأن يتغيروا، وهذه هي طبيعة الأشياء، وإذا أردنا الاقتراب من هذه الظاهرة روائيًّا فعلينا أن ندخل في كنز اللاشعور، ولا بد أن نقترب من هذا البحر لنعرف ما الذي تغير في الإنسان؛ الشعور أم اللاشعور، وأنا موقن تمامًا أن اللاشعور الجمعي ما زال كما هو، وما حدث هو تغيير في الشعور، والروائي لا تهمه الصفات بقدر ما تهمه السمات، الأمر الذي يجعلنا دقيقين جدًّا في الحديث عن الموضوعات التي يجب أن يتطرق إليها الروائي.

النفط‭…‬‭ ‬مادة‭ ‬روائية

أعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن موضوع النفط كمادة روائية؛ لأنه على الروائي الخليجي أن يغوص في أعماق التاريخ، وأن يبحث في الرواية الأهم، وهي رواية الإنسان نفسه، هذا الكائن الذي جاء في الأصل من صلب ثيمة روائية، وعندما يحصل هذا التواصل ونختتم علاقتنا برواية الإنسان قبل رواية النفط نستطيع أن نتحدث عن النفط وغيره من موضوعات أنهكت العقل البشري واستنزفت مشاعره، نحن بحاجة إلى هذا (التزمت) حتى ننتصر للإنسان وحتى لا نضعف طموحاته في الحياة في اختزاله في برميل نفط، نحن يجب أن نضع للعربات قوانين، وكما قال الوجودي العتيد «صموئيل بيكيت»: «إذا كانت العربات الفارغة أكثر ضجيجًا فلا بد أن يكون هناك قانون ما يحدد مستوى هذا الضجيج»، فالروائي الخليجي بحاجة إلى أداة متمرّسة تخلّصه من الضجيج أولًا لتمكينه من فهم العالم، وبالتالي سيكون من السهل عليه أن يكتب عن النفط وما يتبعه من تطورات في الشكل والمضمون.

خلاصة القول، أريد أن أقول هنا في هذا المقال: إننا لسنا شعوبًا نفطية، بل إن حضارتنا لها جذور في التاريخ ضاربة الأطناب، ولو أردنا أن نتجنى ونلصق أنفسنا فقط بالنفط فبالنسبة لي أنا ابن الإمارات يجب عليَّ أن أنفصل كليًّا عن أبي وأمي وجدي وجدتي، وأن أعيش في جلباب النفط فقط، لو فعلت ذلك سأصبح بالتالي مقطوع الجذور وبلا هوية، وبهذا الانفصال المزري لن أكتب رواية، إنما سأكتب أي شيء إلا الرواية، فهذه الرواية جنس من أجناس التاريخ والتاريخ يكمل ولا يهمل الحلقات. نحن مطالبون الآن بأن نكتب عن التاريخ واللحظة الراهنة التي نرى فيها وطننا العربي يتمزق بسيوف المنفصلين عن التاريخ، يجب علينا أن نضع أقلامنا رهن التاريخ لا رهينة الانفصال عن التاريخ، ولو عرف المنفصلون مدى فداحة الألم الذي يصيب الوجدان عندما تدمر مآثر التاريخ في سوريا والعراق وليبيا وغيرها، لَمَا نظروا لواقعية خارج الواقع، ولَمَا أحرقوا ملابس التاريخ في تنانير الحقد والجهل.


الأدب الخليجي والنفط

سعاد العنزي-٢

سعاد العنزي – ناقدة وكاتبة كويتية

أتفق مع محور «الفيصل» حول غياب تمثيل الذهب الأسود عن أدب الخليج، وهو الاكتشاف الذي يعد حجر الأساس في قراءة تاريخ الخليج العربي الحديث؛ إذ غيَّر حياة الخليج المادية بشكل كبير ومفصلي. فالحياة الاقتصادية والاجتماعية والتصورات لقيم ومفاهيم الحياة الجديدة اليوم اختلفت بشكل لافت، وأصبحت الماديات تقود المجتمع نحو التغيير الإيجابي والسلبي من دون أن تُحدِث تصفية وغربلة للأولويات والقيم الثقافية التي استُبدلت بها قيم أخرى بديلة.  اللافت أن ما غُيِّر هو قيم مادية شكَّلت أسلوب الحياة المعاصرة بينما نجد بعض المجتمعات في دول الخليج إلى الآن ما زالت أشد تمسكًا بالعادات والتقاليد التي تعطّل تحقق مفاهيم السعادة الاجتماعية رغم توافر شروط سعادة المجتمع المادية والاستهلاكية.

فيما يخص الأدب الخليجي، لا نستطيع القول: إن الأدب لم يعرض لثيمة النفط؛ لأن هذا يتطلب منا قراءة شاملة لجميع الإنتاج الخليجي بمراحله كافة منذ البدايات حتى الآن، ونحن لا نعرف كل كتاب الخليج وما أُنجِز فعليًّا على مستوى موضوعات متعددة؛ ما يعني أنه قد تكون فاتتنا قراءة نصوص تطرقت بالفعل للنفط كحافز كبير لقراءة ثقافة المجتمع الرأسمالي الخليجي. عند التطرق لمثل هذا الموضوع، ليس بالضرورة أن نجده واضحًا مباشرًا، بل علينا النظر إلى النفط بوصفه المحرك الأساسي بالمشهد الخلفي لحياة المجتمعات الخليجية ونهضتها، ما يعني أن نبحث عن صورة المجتمع الخليجي بعد النفط، وهذا هو المهم، فالنفط لا يعنينا إلا بمدى تأثيره على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الخليج العربي. والآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واضحة في الأعمال الإبداعية ولكن بصورة غير مباشرة. إن من يقرأ الأدب الخليجي ما بعد النفط سوف يتعرف على التغيرات الحادثة بشكل جوهري، التي غيرت بدورها هوية المجتمع بشكل جذري. على كلٍّ، ثمة نصوص سردية من مثل مجموعة «الهاجس والحطام» لسليمان الشطي، تحلل حياة الكويت ما بعد النفط والحنين إلى كويت الماضي، فدخول النفط وسرعة عجلة الاقتصاد أحدثا نهضة عمرانية هائلة، جعلت فكرة التثمين تظهر وتسهم بتقليص دائرة أماكن الماضي الحميمية في الذاكرة الخليجية، ويشهد على اختفاء الحي القديم، وهذا له علاقة كبيرة بتغير أبعاد الهوية الاجتماعية الكويتية.  وهناك الشاعر السعودي عبدالواحد الزهراني الذي تحدث عن صورة الخليجي السلبية في العالم بسبب البترول في قصيدته «البترول»، التي هي بالرغم من مباشرتها تعكس تصورًا واضحًا لهوية الخليجي، فهو يقول:

مركز-الشيخ-جابر-الثقافي-بالكويت

منظور لمركز الشيخ جابر الثقافي بالكويت

«كلها منـك لـولاك انـت مـا عندنـا شـيء اختلـف

كلـهـا مـنـك يالبـتـرول والا فـمـا كـــان انتـقـدنـا

مـا يكـن مجتمعنـا خيمـة وبـيـر بـتـرول وجـمـل

يـدم اجدادنـا المدفـون يـا مرخصـة ينبـاع دمهـم

يـا دام الارض ياواقـي متـى ينتهـي هـذا النزيـف

يا مـن شوهـت سمعتنـا وطمعـت فينـا الطامعينـا

يـا مـن اسقيتنـا سمـا زحاحـا قتـل فينـا الضمـيـر

ان قمنـا قالـوا البتـرول خـذ بيدهـم وتعنـزوا لــه
وان طحنـا قالـوا البتـرول هـدم بـنـا لـيـن طــاح».

أعلم أن المحور يطمح لنوع من النصوص التي تجعل من النفط يظهر في المشهد الخليجي بوضوح، وأن تبرز قيمته الفعلية عند المؤسسات السياسية والتجارية الخليجية والبحث العميق في علاقات الخليج بالدول العربية والعالمية، وهو بالفعل مهم لينقل لنا تصور الآخر لنا وتصورنا للآخر وتصورنا لأنفسنا أيضًا. وهذه قضية جوهرية في العلاقات الدولية. ومنذ مدة كنت أحكم في مسابقة قصصية على مستوى الكلية، فقرأت قصة قصيرة لطالب/ة في جامعة الكويت، كتب عن هذه الصورة النمطية المتكونة عند الآخر الغربي. وجدته نصًّا قصصيًّا لافتًا يتحدث عن صورة الكويتي في المجتمع الطلابي الأميركي على أنه برميل نفط فقط. وهذه الصورة النمطية عن الخليجي عُولِجت في القصة بشكل لافت. يلاحظ عدم وجود رؤية فكرية عند المثقف الخليجي تفتح لها آفاقًا متعددة في طرح العديد من القضايا المهمة والحساسة. كذلك نجد قلة الثقافة والاطلاع الواسعين؛ مما يقلل من فرصة اتساع الأفق عند الأدباء، وعدم طرح القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة، إضافة إلى عدم الرغبة في مواجهة المؤسسات السياسية والأنظمة الرأسمالية المسيطرة في الخليج.