صورة العرب في الأدب الإيراني الحديث

صورة العرب في الأدب الإيراني الحديث

معظم الروايات الإيرانية المترجمة التي قرأتها في السنوات الماضية تدور حول المضامين نفسها، وهو انتقاد الثورة الإسلامية والنيل من ملاليها، أي أنها روايات كتبت بعد عام 1979م. بعد أن فرضت الثورة الخمينية سلطتها على نظام الحكم في إيران، فجاءت روايات تلك المرحلة شديدة اللهجة لحكم العمائم السوداء، لبيان مدى ما خلّفت من فظائع وخيبات أمل عنيفة وصادمة في أفئدة الشعب الإيراني، ولا سيما اليساريين منهم والمثقفين؛ أما الذين نجوا منهم من التصفيات وغياهب السجون ففرّوا إلى بلاد المنافي، باريس وأميركا؛ لينتشلوا أنفسهم من نظام مدمر لكل وجوه الحياة والحرية.

أشهر هذه الروايات، التي تُرجمت بعض منها للغة العربية: رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» للروائية والأستاذة الجامعية آذر نفيسي، ورواية «بنات إيران» لناهد رشدان، ورواية «المرجومة» لفريدون صاحبجام، ورواية «حكاية حب إيرانية تحت مقص الرقيب» لشهريار مندني، وغيرها من الروايات.

الأدب لسان حال السياسة

من يتوسع في قراءة المشهد الثقافي الإيراني، سيرى كم هو وثيق الصلة بالمشهد السياسي، بل يكاد يكون ناطقًا بلسانه من جهة وندًّا له من جهة أخرى؛ فمن خلال تتبع الأحداث السياسية سيدرك القارئ أن الأدب الإيراني هو ترجمة مباشرة لتلك المتغيرات باختلاف مراحلها؛ لذا يُلحظ أن الروايات الإيرانية تحديدًا انقسمت إلى ثلاث مراحل مهمة جلبت معها تغيرات جمة وذات تأثير كبير في الحياة الإيرانية في الداخل وعلى صلاتها الخارجية في العالم أيضًا. أولى تلك المراحل تدور حول تقديس القومية الإيرانية، وطُوّعت فيها روايات وقصص ومسرحيات للدفاع عن اللغة الفارسية في مقابل الهجوم اللاذع على الإسلام عامةً والعرب خاصةً، فقد آمن معظم الكتاب في هذه المرحلة بأن الفتوحات الإسلامية كانت سبب هلاك الأمة الإيرانية ونهاية عصرها الذهبي الزرادشتي، وانحصرت المرحلة الثانية في تناول صراع الحرب الإيرانية والعراقية ومدى تأثيرها في الناس في ذلك الوقت، ثم تلتها مرحلة ما بعد 1979م حين بسطت العمائم السوداء سيطرتها على حياة الإيرانيين، ليجند الكتاب أقلامهم وأفكارهم بشتى الطرق والوسائل المتاحة سواء في داخل الجمهورية أو خارجها لمهاجمة الثورة الإسلامية، ولبيان الخيانة والخديعة التي تعرَّض لها الشعب بعد ثورته على نظام شاه بهلوي!

سيكون جلّ تركيزنا على المرحلة الأولى، ما قبل عام 1979م، وهي مرحلة تقديس القومية الإيرانية في عهد رضا شاه بهلوي وابنه؛ لبيان كيف سعى الإيرانيون لتفريس كل شيء في بلادهم بعد الفتوحات الإسلامية التي جعلت الثقافة العربية دخيلًا عليهم رغمًا عنهم.

في كتاب «صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث» للكاتبة جويا بلندل سعد، ترجمة صخر الحاج حسين، شحذت الكاتبة جهودها لإعطاء صورة شاملة عن تلك المرحلة المهمة التي أعدّت شعبًا يحمل ضغينة على كل ما هو إسلامي من جهة وعربي من جهة أخرى. ربما يختلف كتّاب هذه المرحلة في مهاجمتهم الإسلام غير أنهم يكادون يتفقون في تحقير كل ما هو عربي، ولا سيما في كتابات الرجال. يستعرض الكتاب أولًا تعريف الأمة الإيرانية، ومم تتكون؟ وإلامَ أصبحت؟ ثم يعرض كتابات الكتّاب الرجال حول العرب والإسلام، وكتابات الكاتبات النساء اللواتي جاءت لهجتهن أخف وطأة من كتابات الرجال، ثم خاتمة شاملة عن الرؤية الإيرانية.

أول تساؤل يطرحه الكتاب هو تعريف الأمة الإيرانية، التي تضم تنوعًا أيديولوجيًّا؛ فهناك أعداد كبيرة من الأتراك الأذريين، والتركمان، والغاشقاي، والأتراك، وقبائل بدوية ناطقة باللغة التركية، والأكراد، واللور، والبلوش، والعرب، والأرمن والآشوريين، ولكل جماعة من هؤلاء لغة وثقافة تميّزها من الأقوام الأخرى. هذا التنوع من شأنه أن يخلق بيئة شديدة الخصوبة والاختلاف أيضًا في الوقت الذي لا يتحدث اللغة الفارسية سوى نصف الشعب الإيراني، ومعظم الناطقين بالفارسية متركزون في طهران؛ وسعيًا من الحكومة إلى تطويع الشعب باختلاف طوائفه تحت جناح الفارسية عمدت إلى «تفريس» هذه القوميات وفرض اللغة والعادات الفارسية وحدها.

وبهذه السياسة المبرمجة تمكنت من رفع شأن القومية الفارسية بعد أن فقدت بريقها على إثر الفتوحات الإسلامية وغزو لغة القرآن، «اللغة العربية»، معاجم الإيرانيين. وترى مؤلفة الكتاب، جويا بلندل، أن هذا السعي خلق تشويهًا للثقافات المختلفة في الأرض الإيرانية التي كانت متجانسة لغويًّا وثقافيًّا.

علمنة الشعب وتطهير اللغة

عملية «التفريس» هذه سعت إليها الواجهة القومية الحديثة في إيران ابتداءً من القرن التاسع عشر، بعد أن استشعر العلمانيون الواعون آثار التخلف الذي يؤخر ركب الحضارة الفارسية عن باقي الثقافات العالمية، ملقين باللائمة على الإسلام، وهذا ما دفعهم إلى تطهير الثقافة الفارسية من المفاهيم الأجنبية التي التصقت بها، والغربية التي لا تمثل أصالتها الماضية التي يشهد لها بحضارات قل نظيرها؛ من حيث الإسلام دينًا غريبًا فرضته على «الأمة الآرية النبيلة» أمةٌ سامية من آكلي السحالي، الحُفاة العُراة، البدو الذين يقطنون الصحراء… إنهم «العرب المتوحشون» الذين جلبوا الدمار للحضارة الإيرانية. لكن من النواحي التاريخية والدينية والثقافية، كما رصدت «جويا»، كان للعرب أهمية عظمى لإيران، ففي القرن السابع للميلاد أخضع العرب المسلمون إيرانَ وجعلوها جزءًا من الخلافة الإسلامية، وكان لمجيء الإسلام إلى إيران «الأثر المنفرد الأكثر قوة في تطور الثقافة الإيرانية»؛ فقد تغيرت إيران من بلد زرادشتي إلى إسلامي، وتغيرت اللغة والأدب الفارسيين بتأثير من اللغة العربية، وعلى الرغم من أسلمتها فإن إيران لم تتعرب؛ لذا جنّد الملك «رضا شاه بهلوي» مساعيه كافة لإعادة أمجاد الثقافة الفارسية، واتبع عدة طرق لذلك؛ أولها تطهير اللغة الفارسية من الدخائل، وثانيها هو علمنة الشعب بأكمله.

أما عن تطهير اللغة، فقد سعى النظام البهلوي لدمج الأقليات كلها في إيران الفارسية، مُركزًا السياسة والسلطة والاقتصاد في طهران، وتدمير الأساس الاقتصادي للجماعات الإسلامية غير الفارسية سواء أكانت الأمم التي تشكل قوميات مستقرة والتي تحيط بالسهل الإيراني أم القبائل البدوية، وبهذا فإن التطور الاقتصادي في مجمل إيران يتمركز في «طهران»، كما أنه حدّ من سلطة رجال الدين من المسلمين الشيعة، وحرم استخدام التقويم القمري الإسلامي في الأعمال، واستعاض عنه بالتقويم الشمسي الإيراني، كما سعى النظام البهلوي إلى تغيير الهوية الإثنية للشعوب غير الفارسية، جاعلاً إياها كما تقول «جويا بلندل» جزءًا من الأمة الإيرانية الحديثة التي تجمعها اللغة والثقافة الفارسيتان، حيث فرض اللغة الفارسية على جميع الإثنيات والطوائف والثقافات في البلاد وجعلها لغة التحدث الرسمية، كما سعى إلى علمنة التعليم بهدف استثارة المشاعر القومية الإيرانية وتفريس إيران التي تجلت بوضوح بإقامة أكاديمية ثقافية أسسها «رضا شاه» خصوصًا عام 1935م بهدف تطوير اللغة الفارسية والأدب الفارسي مع تأكيد «تنقية» اللغة الفارسية من خلال إنشاء قوائم بكلمات فارسية جديدة أعيد اكتشافها، أو صِيغَتْ مجددًّا، بُغْية إزاحة الكلمات الأجنبية، ولا سيما المفردات ذات الأصول العربية.

كما خضعت الأماكن الجغرافية لسياسة «التفريس» أيضًا خصوصًا العربية منها والتركية؛ فبلوشستان صارت مكران، وساوجيلان صارت مهاباد، وأرومية باتت رضائية، وباتت المحمرة خرمشهر، وقامشلي صارت نايستان. وفي هذه المدة تعرض العرب الذين كانوا أقلية، تركزت في جنوب غربي البلاد، إلى عزل إثني ومهني كبير من الفرس الذين شُجِّعَ كثير منهم على الاستقرار هناك، فبسطوا سيطرتهم على الوظائف، ومفاصل الدولة.

ناهيك عن فرض سياسات كانت تسعى إلى تقويض تأثير الدين الإسلامي وتبعات التعريب بفرض تحديثات اجتماعية سطحية لعل من أبرزها منع ارتداء الحجاب الذي لاقى تنديدًا من معظم طبقات الشعب، لقد تعاملت الحكومة مع تذمر الناس ببذر الشعارات الفارسية القومية والدعاية الفكرية التي هدفت لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية العتيقة لما قبل الإسلام.

لكن على الرغم من هذه العملية التطهيرية فقد بقيت للغة العربية مكانتها الرفيعة في الجامعات الإيرانية، فكان على الطلاب الذين يدرسون الأدب الفارسي أو الفلسفة أن يعرفوا اللغة العربية معرفة جيدة، أما طلاب المدارس الثانوية فكان يتعين عليهم أن يدرسوا العربية ستة أعوام، كما كان طلاب الصف الثالث يتعلمون الصلوات باللغة العربية.

بذور العنصرية في الأدب

فخر العرق الآري بنفسه كان متعاليًّا؛ لدرجة كان يدفعهم إلى تحقير كل ما هو ليس بفارسي؛ ففي الآداب الإيرانية القديمة، سيشهد القارئ على مقاطع تذم سياسة العرب؛ ففي «شاهنامة» وهي ملحمة الفردوسي القومية الفارسية، تنتهي بقدوم العرب المسلمين والقضاء على إيران الساسانية واحتلالها، وترد مقاطع توصف حقبة العرب في تلك المدة: بأنها «حقبة سادت فيها الرغبات الشيطانية وعاثت خرابًا، واختفت سبل الحكماء من البشر، فقد دنست الفضيلة وأججت قوة السحر، وانكفأت الحقيقة، وفشا السر في كل مكان».

وفي «سفر نامة»، وهو أدب كلاسيكي ظهر في القرن الحادي عشر، ترد مقاطع تصف العرب، الذين كانوا يرونهم في أثناء حجهم إلى مكة، بأنهم «لصوص ومجرمون ويتقاتلون دائمًا فيما بينهم، وفي حياتهم كلها لم يشربوا سوى حليب النوق، بما أن ليس هناك في الصحراء سوى نتف مرة من الأعشاب تزدردها النوق، في الواقع كانوا يتصورون أن العالم برمته يسير كما تسير حياتهم».

هذه التأثيرات لامست بدورها مضامين الآداب الإيرانية الحديثة، وأثرت في الكتاب والكاتبات، وسيلمس القارئ كيف أن كتابات الرجال، من قصص وروايات ومسرحيات، محمّلة بعدائية واضحة للعرب من ناحية، وللإسلام عامةً من ناحية أخرى. بل إن كتابات الرجال تحديدًا بعضها تمقت العرب والإسلام على حد سواء وبالقدر نفسه، وبعضها الآخر تكتفي بكراهية كل ما هو عربي، أما الإسلام فيدعو إلى ترسيخ المذهب الشيعي فحسب. وكما تقول جويا فإن: «معظم الكتاب الإيرانيين ينتقدون الإسلام بطريقتين: الأولى تدين الإخفاق في ممارسة الدين ممارسة حقيقية، والأخرى تدين الدين بحد ذاته».

صادق هدايت

ولعل من أشهر الكتاب الذين تقصّت جويا كتاباتهم هو الكاتب الإيراني الشهير صادق هدايت الذي يصدم القارئ بكمية العدائية التي تحملها كتاباته ضد العرب. «يقدم الراوي شخصياته بوصفها بدائية، عربًا وأتراكًا وهندو أوربيين» وهي ضد كل ما ليس فارسي، وضد كل ما هو إسلامي، حتى الشيعي منه؛ فهو ذات نزعة قومية عالية من الذين يرون أن الفرس خسروا إرثهم العريق والديانة الزرادشتية وعبقرية العرق الآري، ويرى أن مبعث انحدار إيران هو مجيء الإسلام، وكان هذا السبب الأساسي المكشوف وراء معاداته لكل ما هو ليس بفارسي بوصفه دخيلاً وأجنبيًّا، وهو السبب نفسه الذي جعله يهاجم رجال الدين كافة والإسلام في معظم كتاباته كاشفًا التناقضات الفظيعة لهؤلاء الرجال الذين يدّعون التقوى؛ فقصته «طلب المغفرة» تحكي عن الذين يذهبون إلى الديار المقدسة في كربلاء، وأسباب ذهابهم هو طلب التوبة، بعد أن اقترفوا أفظع الموبقات، منها القتل، ومنها السرقة! وفي قصته الأشهر «البومة العمياء» يشهر هنا مقته الفاضح للإسلام بوصفه الدين الذي حمل تخلّفًا للآريين.

هذه العدائية نفسها يراها القارئ في كتابات كل من محمد علي جمال زاده؛ فقصصه تضج بشخصيات تعادي حتى الذين لا يتحدثون اللغة الفارسية النقية، وتحمل بدورها عنصرية لبقية الأقوام كالأتراك والتركمان والأكراد، والكاتب صادق جوباك، وجلال آل أحمد الذي خصصت له الكاتبة صفحات عدة بوصفه وسطيًّا في آرائه، فهو في عدائه للعرب يماثل إلى حد ما موقف صادق هدايت غير أنه خفف من حدّة نبرته تجاه الإسلام، داعيًا إلى «فرسنة» الإسلام ونزع الصفة العربية عنه؛ «فالعرب محتقرون والإسلام الحق ظهر فقط عندما وصل إلى الإمبراطورية الفارسية» مشيرًا بذلك إلى دور «سلمان الفارسي».

كما اختزل آراءه العدائية عن العرب، ونظرته العنصرية للعرق الأسود، والتخلف والبدائية في كل مكان في السعودية في قصته «خائف في الحشود» التي يستعرض فيها تجربته الشخصية في رحلة الحج إلى مكة، وعلى الرغم من إعجابه بالهالة المقدسة للمكان، غير أنه لم يكفَّ عن تحقير العرب الموجودين فيها.

أما في قصته «رحلة إلى دولة إسرائيل» فهذه القصة تحديدًا تكشف تناقضاته، حيث يوضح فيها الكاتب تعاطفه مع اليهود وإعجابه بإنجازات دولة إسرائيل، ومدى استيعابهم المهاجرين اليهود من خلال تعليمهم العبرية، معترفًا أن أسباب إعجابه بإسرائيل يكمن في مشاعره المعادية للعرب «أنا، الرجل الشرقي اللاعربي. بعد أن هزمني ذاك العربي الوضيع عددًا من المرات، سعيد بوجود إسرائيل في الشرق، فوجودها يمكن أن تقطع أنابيب نفط أولئك الشيوخ». غير أنه في قصته «بداية الكراهية» يراجع آراءه الشخصية، مغيّرًا موقفه، فيناصر القضية الفلسطينية على الإسرائيليين الذين يحرقون إخوته من العرب والمسلمين في فلسطين، ويبدو أنها كانت من تأثيرات الخطاب الخميني فيه في تلك الحقبة.

نماذج لكتابات معتدلة

بالنظر لكتابات النساء الإيرانيات، يلمس القارئ كيف أن كتاباتهن تضج بالمشاعر المرهفة، وكيف أن عقولهن أنقى بكثير من عقول الرجال تجاه كل ما هو عربي وإسلامي، ومن أشهر هؤلاء الكاتبات الشاعرة فروخ فرخ زاده، وطاهرة سفر زاده، وسيمين دانش فشار.

أشعار فروخ زاده تكاد تكون بعيدة من كل ما يمتّ بصِلِة بالعرب والإسلام، فكتاباتها منشغلة بصراع الهوية، والاستغراق في عوالم الذات، ونقد العالم من حولها خاصة. في حين نجد في كتابات بقية الكاتبات صوتًا هامسًا يدعو إلى مناصرة العرب المسلمين من الفلسطينيين والإخوة المصريين في نزاعهم مع إسرائيل، كما أنهن دعون إلى «التنقيب عن الهوية الدينية الروحية مقابل الوقائع القاسية للمجتمع الحديث»، وتبني الفلسفة الشيعية. فالكاتبات النساء كن أكثر إنصافًا في رؤيتهن للمجتمع الإيراني بجميع أطيافه وأعراقه، مع تبني الرؤى النقدية تجاه التناقضات الفاضحة لرجال الدين وممارساتهم في داخل المجتمع الإيراني.

مع سياسات التفريس منذ القرن التاسع عشر يمكن القول: إن مساعي الإيرانيين أفلحت في تكوين أمة بهوية منفصلة تخصهم، ونجحوا في ترسيخ النزعة القومية واللغة الفارسية، فنشأ منها «شعب جديد مدرك لهويته بدين جديد وحضارة، كان الماضي ملاذًا لهذه الهوية واللغة طور من أطوارها. كانت إيران شجرة جديدة غرست في مناخ الإسلام لكنها شبت في تربة ذاكرتها القومية الخاصة بها».

ربما لا تزال آراء بعض كتّاب إيران وعدد كبير من الشعب يحملون القدر نفسه من العدائية للشعوب العربية؛ وربما عدائيتهم تبدو متناقضة بدورها تجاه الإسلام؛ لكونهم ملفوفين بعباءة الجمهورية الإسلامية، فليس من السهل بعد زمن طويل من «غسيل الأدمغة» أن يتحرروا من أدلجة خطابات الإمام الخميني وأتباعه الداعين لمعاداة كل ما ليس بفارسي، في وقت شهد فيه الإيرانيون بعد عام 1979م صحوة من نوع مختلف، ربما صحوة أقرب لصدمة، دفعتهم إلى الاستغراق الذاتي في مصيرهم كشعوب متحررة في زمن ما، ساقطين في بئر سحيقة يحكم فوّهتها رجال الدين، وهو ما جعلت الكتابات الإيرانية لرجالها ونسائها تهاجم هذه الظلامية التي وجدوا أنفسهم أول ضحاياها، فجُلّ الأدب الإيراني الحديث في السنوات القليلة الماضية ينتقد بحدّة سياسات الداخل الإيراني، وسيطرة الملالي، وتضييق خناقهم على الشعب. وهم بهذه الكتابات يمهدون لثورة عارمة ضد قوى الظلام.

«قاف قاتل، سين سعيد».. خصوصية الجيل القديم وورطة جيل الألفية

«قاف قاتل، سين سعيد».. خصوصية الجيل القديم وورطة جيل الألفية

حين بدأت بقراءة رواية «قاف قاتل، سين سعيد» للروائي الكويتي الشاب عبدالله البصيّص الصادرة عن دار روايات 2020م تزحزحت ذاكرتي إلى الوراء قليلًا، إلى أسابيع معدودة، كنت في منطقة تسمى ميناء العرب في إمارة رأس الخيمة حيث تقام فعاليات ذات طابع تراثي شعبي، نساء في العقد الخامس من أعمارهن يخفين خدوش الزمن خلف براقع بدت جديدة، مكتظات في خيمة على طراز بدوي، كل واحدة منهن منغمسة في إبراز التراث الذي برعت فيه، حرف الجيل القديم، يطبخن الهريس والثريد ويقلين اللقيمات ويخبزن خبز الرقاق وغيرها كي يعطين أنصع صورة عن جيل عريق، أما الرجال فقد ظلت أجسادهم تتمايل مع العصي بشدو ألحان الأغاني الشعبية القديمة لرقصة العيالة.

كان هناك أيضًا كُشكات لتقديم شاي الكرك وبعض الأطعمة الهندية التي اعتاد عليها الجيل السابق والجيل الحالي أيضًا، حتى صارت طابعًا شعبيًّا، جزءًا من ذاكرة تلك الحقبة العتيقة لا من تاريخ الإمارات فحسب بل من تاريخ بقية دول الخليج أيضًا وسط تدفق عدد هائل من العمالة الهندية إلى دول البترول.

ما لفت نظري هو كشك صغير حمل لافتة كتبت عليها كلمة «دكان» وتعني بقالة، وكانت تحوي كل سكاكر زمن الطيبين، جيل الثمانينيات والتسعينيات يعرفها جيّدًا فهي جزء مهم من تاريخ طفولتهم ذات طابع حنيني يستحيل نسيانه، كجلاتين زجاجات الكولا، أحمر شفاه بوش بوب. مسحوق العلكة العجيب. بابل الأصلية. آي واتش التي كانت كسوار يد. حلوى المفرقعات. حلوى على هيئة سجائر مصاصة. والمصاصة التي بها صفارة.. بسكويت لولو الصغيرة، شكولاتة هوبي وغيرها المفعم برائحة طفولة غضة. وقفت أمامها مستشعرة لذة لا يشعر بها طفل زمن الألفية، فهي حلويات غريبة عنه وعن ذاكرته الحديثة المطبوعة بآخر اختراعات الأجهزة الإلكترونية، لكن اللذة استحالت لغصّة حين وقعت عيناي على أسعارها. جيلي الفراولة «الجلاتين» الذي لا يتعدى حجمه جحمَ حبة فراولة كان سعره في زمن طفولتي 25 فلسًا، وكنا حين ننقد البائع درهمًا نأخذ منه أربعة دفعة واحدة، لكن اليوم صارت الواحدة منها بسعر درهم واحد! بدا امتعاضي من أسعار الرجل واضحًا، غير أنه هزّ رأسه بإشارة بأنها أسعار السوق حاليًّا. تراجعت عن هذا الكشك الذي بدا على هيئة دكان طفولتي شكلًا فقط، تراجعت أجرّ خيبتي، شعرت بأن طفولتي تعرضت للخيانة، وصارت مجرد سلعة في يد التجار؛ لتحقيق الربح الوفير على حساب ذاكرة جيل بأكمله! قلت لأختي مخففة وطأة الخيبة وحدّتها: المفروض تكون أسعار هذه السلع وفق توافد الأجيال، بمعنى جيل الثمانينات والتسعينيات تباع لهم السلع بأسعار الزمن القديم كما اعتادت ذاكرتهم، بينما جيل الألفية الذين شبّوا على الغلاء تحدد أسعارهم وفق ذلك!

زمن له خصوصيته

هنا تحديدًا تكمن أهمية رواية «قاف قاتل سين سعيد»؛ في كونها ركزت على زمن له خصوصيته وحميميته عند أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في زمن الثمانينيات والتسعينيات، استعرض هذا الزمن عبر شخصيات في سن المراهقة، مراهقون لا يزال زغب الطفولة عالقًا بهم، ما زالوا يستمتعون بمشاهدة رسوم الكرتون تلك التي كانت خشنة بطابعها، أي رسوم خصصت للذكور لا للإناث.

كاتب الرواية كان منغمسًا في تلك الحقبة، بدت ذاكرته متوقدة، انطلق من خلال رسوم كرتون إلى كتابة عمل كتابي أدبي درامي، تضج شخصياته بالحيوية والحياة، بالبساطة والخفة في آن. فلا تجد في الرواية أحداثًا معقدة، لكن تجد كاتبًا وظف تقنيات الجيل القديم بما يضفي على عمله الروائي هالة استثنائية. لقد فعل ما فعلته رسوم الكرتون تحديدًا ولا سيما تلك التي كانت تتحدث عن أمور خارقة، عن غزو فضائي، عن آلات صممت كي تحارب الشر القادم من الكواكب الأخرى، ففي الرواية كانت شخصية «سعيد جونكر» شبيهة بشخصية جونكر -حامل لقبه- كما في فلم الكرتون شكلًا وهيئة من ناحية الضخامة وتقاطيع الوجه غير أنه من ناحية الطباع فقد ظل مراهقًا خجولًا ومنعزلًا، متفاديًا صراعات غيره من صبية الحي الذي يقطنه الذين كانوا يعتدون عليه ضربًا ويسخرون من هيئته الشبيهة بالجونكر! الشخصية نفسها بكل تلك النعوت يحدث لها أمر غريب، حين يختفي في ليلة ماطرة من ليالي الكويت بالصعود إلى السماء، كما وصف الروائي الحدث في الرواية وأقنعَ قراءَه بذلك حتى كُشفتِ الحقيقة بذكاء شيئًا فشيئًا عبر تفاصيل مشوقة، وكأنك تقرأ إحدى روائع الروائي الياباني هاروكي موراكامي، الذي بدوره اعتاد في رواياته أن يستدعي تفاصيل مألوفة لكنها مع ذلك تشعّ بالغرابة، وفي كل مرة قادر على جعل أنفاس القارئ متلاحقة حتى ينتهي من الرواية دفعة واحدة.

مشهد درامي غامض

هنا بالتحديد تتأسس براعة الكاتب الروائي، الذي يخوض في تفاصيل عادية ثم يلوي الحكاية بحدث فانتازي، فسير الأحداث ووصف الشخصيات، وانتقاء نوعية تصرفاتها تلبسها لبوس الغرابة، وهو ما يجعل القارئ منشغلًا طوال قراءة الرواية في مطاردة ذاك الشعور الغريب الذي انتقل إليه بدوره، وكأنه صار جزءًا من هذا المشهد الدرامي الغامض.

خصوصية رواية الروائي عبدالله البصيّص تكمن في نواح عديدة، لعل من أهمها من وجهة نظري الشخصية ارتكازها في المرحلة الزمنية التي جرت فيها الأحداث، تلك المرحلة التي لا ولن يشعر بتوهج ذكرياتها وبساطة أحداثها وتعقدها في آن سوى من عايش تلك المرحلة، طفلًًا كان أو مراهقها النزق. جيل محظوظ؛ لأنه عايش القديم وفي الوقت نفسه يعايش الجديد وهو لا يزال موفور الشباب والصحة، جيل المعلق في المنتصف لا يعرف هل كبر أم لا يزال صغيرًا؟ جيل يتعامل بريبة مع كل ما هو تقني غير أنه في الوقت نفسه ينغمس معه كأنه اعتاده منذ زمن طويل.

هي عن الكويت وفيها، ولكنني أجدها تمثل طفولة ومراهقة كل خليجي، قد تختلف عنها قليلًا أو تماثلها، لكنها معبرة عنه بقدر كافٍ من حيث تطلعاته، وذاكرته البصرية، وأرشيف مسلسلاته الكرتونية، وهنا أتساءل عن تأثير هذه الرواية على قراء جيل الألفية؛ فهل سيهزهم أحداثها، هل سيتعاطون مع سردها كما يتعاطى قارئ من جيل التسعينيات؟ هل سيعون خصوصية هذا الزمن؟ هل سيجدون غرابة في ألقاب بعض الشخصيات؟ هل ستكون له بمنزلة وثيقة تعريفية عن الجيل الذي عاش فيه والداه؟ استفهامات كثيرة وهنا بالتحديد تأتي أهمية كتابة الروايات، هي ذاكرة وأرشيف ووثيقة، هي أيضًا تاريخ مضمّخ بالأسئلة التي لا أجوبة لها، تأتي كلغز تستلهم ذاكرة القارئ إلى ما لا نهاية.

وستبقى شخصية «سعيد جونكر» التي استوطنت الأفئدة ذات طابع غريب لقارئها؛ فهو لم يفعل شيئًا في الرواية سوى كونه سعيد جونكر وهنا سحر الرواية، سطوتها وجنونها!

في رواية «النباتية» تستحيل البطلة إلى شجرة

في رواية «النباتية» تستحيل البطلة إلى شجرة

لعل من المصادفات المبهجة والغريبة أيضًا أن أقرأ رواية «النباتية»، للروائية الكورية الجنوبية هان كانغ، ترجمة: محمود عبدالغفار (دار التنوير 2018م)، بالتزامن مع لقائي بصديق أسترالي من أصل مكسيكي.

الغريب في الأمر أن هذا الصديق هو نباتي أيضًا، لا يتناول سوى الوجبات النباتية، طعام خالٍ تمامًا من أنواع اللحوم كافة حتى الأسماك، بل إنه يتجنب أكل البيض والحليب ومشتقاته أيضًا، إمعانًا في غايته لقطع صلته بكل ما هو لحميّ، لأكثر من عشر سنوات تخلى هذا الصديق المدعو كارل عن ذلك؛ يقينًا منه أن هذه اللحوم تتعرض لأذى إنساني فظيع أثناء قتل بني آدم لها والتهامها، تلك هي فلسفته في الحياة، الفلسفة التي تبدو غريبة لنا نحن آكلي اللحوم المتوحشين ربما!

في رواية «النباتية» للصحافية والكاتبة هان كانغ، تحمل بطلتها فلسفتها أيضًا حول أكل اللحوم، فلسفة غير مخطط لها، بل نابعة من صميم حلم يأتيها في ليلة ما، فتجد نفسها واقفة بذهول أمام الثلاجة الفائضة بأنواع متعددة من اللحوم، الحلم نفسه يتكرر؛ ما يجعلها تُخرِج كل تلك اللحوم من الثلاجة وتضعها في أكياس القمامة لترميها بعيدًا من بيتها، مما يشكِّل مشكلة للزوج الذي يُفاجَأ بسلوك زوجته الغريب، المرأة الهادئة، العادية، الزوجة المنصتة، تستحيل بين يوم وليلة إلى كائن يتصرف بغرابة، فلا تطيق اللحوم بل لا تطيق لمساته كزوج؛ لأن مسامَّه تفوح برائحة اللحوم المقرفة!

نَحَت الروائية كانغ في روايتها الثالثة التي صدرت عام 2007م إلى التجريب، الذي أهلها للفوز بجائزة مان بوكر الدولية 2016م عن استحقاق، وقد نوهت لجنة التحكيم بأن مبعث فوزها المستحق هو في أنها نجحت في إظهار التلاحم الطريف بين الجمال والرعب عبر قصة مركزة ودقيقة ومروعة، عن امرأة تستحيل إلى نباتية بين يوم وليلة دون أي مسوغات، سوى الكابوس الذي نبش حلمًا من أحلامها في إحدى الليالي؛ لتحيل حياتها وحياة كل من حولها إلى جحيم، فمن هو هذا العاقل الذي يتخلى عن التهام مئات الأطباق المكونة من أشهى اللحوم المتنوعة؟! لذا فإن هذا يعرِّضها لتعنيف شديد القسوة من قبل عائلتها، ولا سيما الأب الذي يرى في تصرف ابنته نوعًا كبيرًا من العار في حق زوجها!

هان كانغ

تطرقت الروائية لفكرة جديدة، وقامت بسردها بأسلوب أقل ما يقال عنه: إنه معتم، فجوّ الرواية سوداوي، ويجد القارئ نفسه أمام امرأة تتضاءل يومًا بعد يوم، ويشكل تخليها عن اللحوم أزمة وجودية، ولا سيما وأن كونها نباتية لم يكن نابعًا من فلسفة إنسانية تجاه الحيوانات، بل هو نابع من حلم غريب انتابها وجعلها تبدو شخصًا متوحِّشًا، وتلك الكائنات الحيوانية تكاد تنتقم منها بالتهامها، ثم سرعان ما يتمكن منها هذا الحلم، ويظهر تأثيره لا على حياتها فحسب، بل على حياة من حولها أيضًا ابتداء من زوجها الذي يطلقها، وهو الراوي الأول في الرواية، يسرد تفاصيل حياته العادية مع زوجته العادية، زوجة تبدو مضجرة في ممارسة حياتها الزوجية، حتى بداية الحلم وتخليها عن اللحوم بطريقة مقززة!

ثم تتطرق الرواية لحياتها مع أسرتها: أبيها وأمها وأخيها وأختها وزوجها؛ ليكون زوج أختها هو السارد الثاني لتحريك دفة السرد، الفصل الأكثر ثراءً وحيوية في الرواية من حيث تناولها للتفاصيل، زوج الشقيقة الكبرى الذي يرى أن شقيقة زوجته الصغرى امرأة مثيرة، سرعان ما يستغل حالتها الغريبة ليطرح عليها فكرته المجنونة، وهي أن يرسم على كامل جسدها حديقة زهور ملونة، ثم يستغلها لمآربه الجنسية في تماهٍ مع فكرته الفنية ورغباته أيضًا، لكن الشقيقة الكبرى تقف له بالمرصاد وتنهي حياتها معه، بل تدخله مصحة نفسيّة متهمة إياه بالجنون، وبذلك تنتهي حياته المهنية كفنان، وحياته كزوج وأب أيضًا!

أما الفصل الأخير من الرواية فاتكأ السرد فيه على صوت الشقيقة الكبرى، المضحية بالمعنى الدقيق، التي يشعر القارئ باندفاعاتها، ويتجاوب مع معاناتها كامرأة عاملة وأم وزوجة وشقيقة كبرى، وتغدو في الرواية أكثر شخصية يتعاطف معها القارئ، في حين تكاد نظرة القارئ للبطلة النباتية يشوبها نوع من القلق، بل تكاد تكون نظرة محايدة مشْبَعة بنوع من الهلع حول مصيرها الغامض خلف لهاثها تجاه حلم غامض! أما الشقيقة الكبرى فهي برّ الأمان في الرواية، المرأة الحنون، هي الأخت الكبرى فعلًا، التي بدورها تتماهى مع ما تعايشه شقيقتها الصغرى التي تتخيل نفسها شجرة، فتتخلى كليًّا عن الطعام حتى النباتي منه، وتكتفي بالماء؛ فالأشجار تكتفي بالماء وضوء الشمس لتكون وارفة، فائضة بالحياة!

الرواية أيضًا تحمل فكرتها الكبرى، الفكرة الخفية، عن سوء معاملة النساء في مكان مشهود له بالحضارة العريقة والتطور الفذّ ككوريا الجنوبية، في ظل هذا الانطلاق التكنولوجي يظل فيه وضع المرأة مزريًا، بل يكاد وضعها يثير الشفقة، فالبطلة حين تتحول إلى نباتية تلام بشدة، ويَصِمونها بالجنون، وكأن ليس من حقها أن تختار، بل هذا الخيار الحرّ نحو ما يلائم شخصيتها لا وجود له في عالم المرأة المتزوجة، هذا الانتهاك الذي يتعرض لحريتها الشخصية ربما هو المبعث الأساسي لفشل حياتها الزوجية، ليس هذا فحسب، بل إن الرواية أيضًا تظهر طبيعة المجتمع الكوري الجنوني الذي تنقصه قيم التقبّل: تقبل اختلاف الآخر، واختلاف توجهاته وأنماطه في ممارسة حياته كما يحلو له؛ كمعظم المجتمعات الأوربية التي قطعت أشواطًا هائلة لتمديد مساحات الحريات الشخصية كحق إنساني، ومنطلق حقيقي نحو مستقبل أكثر انفتاحًا.

الرواية هي فضح ورفع للغشاوة عن مجتمع محدود الأفق، وقاسٍ، وينقصه الكثير لتتعادل فيه حداثة الآلات مع حداثة العقول البشرية!