شمس في سماء القلب  عفيفي مطر والانفتاح على عوالم من غرائب الشعر

شمس في سماء القلب

عفيفي مطر والانفتاح على عوالم من غرائب الشعر

ولد الشاعر «محمد عفيفي مطر» بقرية «رملة الأنجب» محافظة المنوفية في عام 1935م، ورحل عن الدنيا في شهر يونيو في عام 2010م. قال يومًا عن مولده: «شعرت أمي بآلام المخاض، كانت تسير على شاطئ ترعة «النعناعية»، فدخلت إلى دغل من الحلفاء فيما يتحدر الدم على رجليها وأخرجتني حيًّا؛ لذا عشت عمري أحب الأرض وفضاء الحقول». أمضى عمرًا في وطن من الشدة، وعاش للشعر وبالشعر، وبذاكرة تختزن رؤى قادته ليكون واحدًا من صناع الحداثة الشعرية الجديدة. يلوح من الغياب مثل طيف، وأنا أقف هناك بالقرب من سبيل «محمد علي» القديم بالقرب من مسجد الناصر محمد بن قلاوون، أراه يجسد لي خمسين عامًا، زمن صداقتنا، لا حد لإحصاء المعنى عبر أيامها، يجسد لى خمسين عامًا كاملة، الحضور والغياب، الحركة والدوران في دنيا طالما كانت لا تعرف الرحمة. لا شيء يفنى، لا شيء يضيع، وما جرى جرت به المقادير!! طرق معمدة بالدهشة، تنفتح على عوالم من غرائب الشعر، تنبثق حيوات مجللة بالمدهش والمثير، تعكس وتجسد عوالم شديدة الخصوصية ميزت قصيدة هذا الشاعر الاستثنائي.

«محمد عفيفي مطر» منذ مجمرة البدايات الأولى وهو يجوس عبر أقانيم الليل والنهار، خارجًا من امتحان إلى امتحان جديد، مكتشفًا خصائصه التي شكلت عبر قصيدته تلك الجدليات المتقابلة التي تنطوي على ذلك العمق شديد الخصوصية. من البداية، وعبر فضاء قرية تعيش زمنها الخاص، بها مكمن السحر، كانت الخطوات الأولى على أرض يدب على أديمها ذلك الجنس العجيب من البشر، خطوات تتميز بأوليات المعارف، واكتساب الخبرة بأنصبة المواريث، وتأمل المواسم وحركة الفصول، ومراقبة الحيوان، والإصغاء في الليل، على ضوء شاحب لجدل قضايا الشريعة، وتفسير القرآن الكريم، والسياحة في فضاء غيطان مفتوحة على خضرة تسر القلب، والإنصات إلى روح الكائنات حيث ينشق الواقع عن أساطير العالم السفلي الزاخر بألوان السحر والخرافة. قال يومًا عن تلك البدايات: «كان قلبي معلقًا بين مخالب طائر جارج، محموم بالسياحات في الأعالي؛ علوه فزع ورعب، وانطلاقاته كارثة احتمالات، ومناوشاته لعب فوضوي بين الأمل والموت، وكلما حط ليستريح نفرته الدهشة بزيارتها المباغتة، وانفتحت مسالك الأفق أمام المعرفة المرة والغربة الفسيحة». صادقته منذ منتصف الستينيات تقريبًا، التقيته حين كان رئيسًا لتحرير مجلة «سنابل»، جمعتنا ظروف واحدة، عشنا انكسار الآمال بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967م، متحملين، ومقاومين زمن القمع، وسطوة السلطة في ذلك الوقت. كنا أبناء جيل فتح عينيه على وعود الحلم القومي إلا أن صدمة الهزيمة جعلته يختط لنفسه طرقًا جديدة في كتابة نص جديد يختلف عن اختيارات جيل الآباء، بينما نذر نفسه نقد الواقع، واختياره الانتماء لناس الهامش تأكيدًا للهوية القومية.

كان «محمد عفيفي مطر» و«أمل دنقل» قد تنبآ في شعرهما بوقوع الهزيمة قبل أن تقع، عند «مطر» في ديوانه «رسوم على قشرة الليل»، كما كتب «أمل دنقل» البكاء بين يدى زرقاء اليمامة.

ينشد «محمد عفيفي مطر» في ذلك الوقت:

هل تقوم القيامة في الصدر

موتاي في غيهب الصدر هل يبعثون؟

ومن حضرة النار ناديت: أطلق يدي يا مسيخ

عالم من الشعر عميق كالبحر، وغامض، يزدحم بالنبوءات،

قالت في وصفه يومًا الناقدة العراقية د. فريال غزول: «قمة الغموض في الشعر العربي والغموض سمة النصوص الباقية».

أصوات تستدعي الأبدية

في كتابه «الحلم والكيمياء في عالم محمد عفيفي مطر» الصادر عن دار «بتانة» بالقاهرة حيث يبذل الناقد الدكتور «شاكر عبدالحميد» ذلك الجهد الفكري للنفاذ لعالم عفيفي الخفي، شديد التنوع منذ الطفولة التي فيها تتجسد أيام الظمأ والحرمان، والأرض مكسوة بطمي الخصب فيما تعلو على أديمها أبنية من أضرحة قديمة حيث التأكيد على اليقين بالموت الفادح ـ والقراءات ترتل في الليل في زواياها بأصوات تستدعي الأبدية حيث تهل صور المغادرين الممسوسين بالسحر والخرافة.

يدق «شاكر عبدالحميد» على أبواب «محمد عفيفي مطر» المشرعة على من علموه حروف الهجاء، ثم دفعوا به يومًا ناحية شيوخ الوقت من هناك ومن هنا: نيتشه وإرادة القوة والنبالة. الطبيعيون رعيل الشعراء الفلاسفة منذ طاليس حتى الإغريق مرورًا بسقراط والأنبيو ذو قليس، حتى الصوفيين العرب، أو الفكر الرياضي، وفكر التطهر والتقوى الفلسفية عند فيثاغورس حتى وجد الشاعر نفسه غارقًا في تاريخ الفلسفة الإغريقية والعصور الوسطى وعصر النهضة حتى بزوغ الفلسفة الحديثة عند ديكارت وبيكون مع غوص في الفلسفة الإسلامية ودور المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والمشائين وفلسفة الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا، كما ازدحم قاموسه بالفارابي، كما ازدحم قاموسه الشعري بمصطلحات العناصر والكمياء والتحولات والعود الأبدي والوصل بالحب، والوصل المعرفي بالكراهية بهذه المعارف، وبتلك الثقافة التي لا تنتهي كتب «محمد عفيفي مطر» قصيدته الشعرية الذي جسد فيها أحوال وطنه، ذلك الوطن الذي يزدحم بسكانه السفليين، وطن الضد والحرية، والصدفة العمياء، وطن فيه قداسة الماضى، والليل فيه مسرى لأصوات لمخلوقات تحمد الله، وتتلو في أركان المساجد آيات الذكر الحكيم، وترتل دلائل الخيرات عبر حلقات، احتفالًا بطقوس الميلاد والموت.

انتزع الشاعر معانيه من قلب البلاد متمردًا على أشكال الشعر القديم، متجاوزًا ما ألفناه من صور وأخيلة، وتلك القواعد القديمة، السالفة الموروثة دافعًا بها حيث زمن الحداثة وحيث حداثة الشعر، وتميزه:

حضور الفلسفة.

القبض على تراثه العربي/ الإسلامى.

حضور تراثه المحلي، تراث القرية المصرية.

«تلبس الشمس قميص المسافات

فى ركبتها بجرح في عرض الريح

والأفق ينابيع من دم مفتوحة للطير والنخل

سلام هي حتى مشرق النوم

ســـــلام

خلاخيل من عشب

استدارات من الفضة والطمي،

اشتهاء بللته رغوة الماء

تصايحن على الطير، والشيلان يمسحن زجاج الأفق

يبكين بكاء طازج الدفء

سلام هي حتى مشرق النوم »

والعمر يغيب خلف المغارب، سمة الوقت، والشيب سنين تلون رأس الشاعر حين يضع يده على جبهته محدقًا في الشمس الغاربة، يرقب ذلك الطائر الذي اختطف عقد اللؤلؤ من يد العاشق، وانطلق يضرب الهواء بجناحيه، من عند اتساع الأرض ومكمن الشاعر الذي اعتصر الطين دمًا.

رفض أبوة الشعر

لقد عاش «محمد عفيفي مطر» طوال عمره يرفض أبوة الشعراء، وتمرد الأجيال اللاحقة عليه بنكران الأب المؤسس الذي أضاف للشعر دواوين: مجمرة البدايات. الجوع والقمر. يتحدث الطمي. من دفتر الصمت. رسوم على قشرة الليل. كتاب الأرض والدم. شهادة البكاء في زمن الضحك. ملامح من الوجه الأمبيذوقليسي. والنهر يلبس الأقنعة. رباعية الفرح. أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت. فاصلة إيقاعات النمل.

ثم ديوانه احتفالية المومياء المتوحشة، عن تجربة اعتقاله وتعذيبه وله من كتب النثر الكثير منها أوائل زيارات الدهشة، هوامش التكوين.

«ينقشع السديم وتنحسر أمواج الذاكرة الملكية

وهي تطفو جسدًا لخميرة الخلائق

تنكمش الصاعقة وتمور وتعلو الجبال العالية

وينبسط ما دونها

بين المهاد والرواس يتغول البحر وينفجر نهرها

ونهر هناك».

أتذكر، حين اعتداء أميركا على العراق في عام 2003م حين انحاز الشاعر للشعب العراقي مدفوعًا بولائه العربي، ومناصرته لحق العراق في الحرية والاستقلال، واندفع صوته الرافض يعلو في الشارع والمقهي ووسط تجمعات المثقفين، وكان يردد أشعاره في الندوة، وكنت أسمعه فأشفق عليه بسبب من الحضور الكثيف لأمن الدولة.

كان يردد أبياته:

ناديت لو أسمعت أو بلغت..

ما كان امتداد النهر في طين الظلام

مهرة الأرغول مشدود اللجام

وكان المغني في انفضاض العرس

والسمار يشكي عشقه عامًا فعام

خفتُ عليه تلك الأيام العاصفة.

سافر وغاب، وحين قلقنا عليه استفسرنا عن أحواله.

فجاءت الأخبار: عفيفي اعتقل، أخذوه بليل من القرية إلى مبنى مباحث أمن الدولة بالقاهرة. كانت ردود الأفعال غاضبة خصوصًا بين جيله الذي يمثل الوثبة المضادة في الثقافة المصرية. باشرنا فضح الأمر؛ بيانات ضد اعتقال الشعراء، ومقالات في الصحف الخارجية، وجهزنا مادة لعدد من مجلة الناقد اللبنانية أثناء بحثي. أين استقرت الأحوال بمحمد عفيفي مطر، وفي أي السجون يكون؟

أخبرني صديق من العارفين بمجريات الأمور أن (مطر) الآن نقلوه من أمن الدولة إلى معتقل طرة الرهيب. في الضحى، توكلت وذهبت، وسجن طرة من القلاع الغابرة تحوطه الأسوار، ويزدحم بالأسرار وما يجري داخله يثير الريبة. وصلت أمام البوابه العتيقة. صباح معتم، وغبرة الصحراء تخنق الشمس، والزوار بجوار الأسوار ينكمشون، وأنت وحدك تتأمل المشهد كأنك في زمن آخر فيما يجلس البشر كأسرى الحروب.

اقتربت من حارس البوابة الذي بادرني بالسؤال:

فيه حاجة يا أستاذ؟

أنا جاي أزور معتقل

معك تصريح؟

أخرجت بطاقة عضوية اتحاد الكتاب وأعطيتها له. تأملها ونظر ناحيتي بنظرة مستريبة ـ وقال لي:

لحظة

ودخل من البوابة إلى داخل السجن

انقضى وقت وعاد وطلب مني أن أتبعه:

المأمور عاوزك

أخذت وسط هذا المشهد الذي لا تعرف حساباته، ومأمور السجن أكبر رأس يستدعيك. حين وصلت كانت البطاقة لا تزال في يده.

سألني المأمور:

الأخ صحفي؟

أنا عضو اتحاد الكتاب المصريين.

وجاي تزور الجدع عفيفي مطر؟

لو سمحت سيادتك

هرش ذقنه، ورفع الكاب عن رأسه ثم قال لي:

لكن الجدع ده مصيبة كبيرة، ثم ابتسم، وقال على أية حال… ونادى على الجندي الواقف على الباب.

هات عفيفي مطر.

وجلست أنتظر تناوشني المخاوف، مر وقت قصير ورأيت «محمد عفيفي مطر» أمامي، روعت بما أرى وزلزلني المشهد، وخفت أن أصرخ. كان يتلفع بتلفيعه ريفية ويرتدي ثوبًا قاتمًا، وكانت عيناه تهرب من عيني وعلى وجهه حزن متألم يعكس معاناة بلا حدود، كان وجلًا وحزينًا كأنه قادم من مشوار بعيد، يلهث ويريد أن يختفي من أمامي. شعرت به كمن تصعب عليه نفسه، وأنا روعت وكاد يغمى عليَّ حين رأيت جرحًا غائرًا شريرًا يمتد من منتصف الجبهة حتى أسفل الأنف، جرحًا لا يزال طريًّا، قانيًا، تطل منه كل شياطين العالم، لم يتكلم ولم أتكلم، وبادرني المأمور بغلاظة:

– عفيفي أهه شفته؟ ثم أشار للجندي أن يأخذه. وأنا قلت في نفسي: لقد عذبوه… يا للعار!!!

قبل أن يرحل عن الدنيا قال في تلويحة وداع:

«في تلويحة الوداع أقول حياتي مغسولة بعرقي، ولقمتي من عصارة كدحي، وكرم استحقاقي. لم أغلق بابًا في وجه أحد، ولم أختطف شيئًا من يد أحد، ولم أكن عونًا على أذى أو ظلم أو عدوان؛ اللهم فاشهد»

عليه رحمة الله في العالمين.

في الثناء على ما يبقى

في الثناء على ما يبقى

الشيخ الهيغلي

من سنوات قريبة، لمحته يقف في الممر بين صالة الدور الأرضي والبوفيه خارج مبنى المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة على رأسه «بيرية» طراز إنجليزي موغل في شيخوخته ويكتسي وجهه حزن يشبه الأيام، وتبدو ملابسه كأنها من عصر مضى. كان مرتبكًا وفي حيرة الغريب على المكان! لم أعرفه أول الأمر وعندما سألت أحدهم، أجابني: «يا عمي هذا الدكتور إمام عبدالفتاح أمام، ورفع صوته ممعنًا في تقديمه: الشيخ الهيغلي. ثم تعجب لحالي، وأضاف : الله نسيته؟

انتبهت فجأة لفعل الزمن، وما تجري به المقادير. وجدتني أحادث نفسي باندهاش: يا الله!! الدكتور إمام عبدالفتاح إمام؟! كنت فاكر أنه رحل عن الدنيا من زمان!! وحين رحل بالفعل في عام 2019م، سألت نفسي عن النسيان والجحود. دكتور الفلسفة، وعالم العربية الفيلسوف، صاحب تجليات العقل، المجتهد لتكون إسهاماته طوال حياته الفكرية في الثقافة العربية هي تجليات عقل يقظ، والعمل طوال الوقت لتطويع الفلسفة لعمل يسهم في تقدم الأمم، وإيمانه بوصفه أحد أصحاب المناهج الكبار في الفلسفة العربية.

ينتمي الدكتور إمام لتلك المدرسة الفلسفية المصرية التي بدأت في تكوين رؤاها الفلسفية والفكرية أوائل القرن العشرين، وسط حركة المتغيرات، في مواجهة الأسئلة الجديدة التي يفرضها الوقت حول المصطلحات الجديدة أيضًا، وحول ما يسمى بتكوين العقل الفلسفي. لقد بدأت تلك المدرسة مع جيل الرواد: أحمد لطفي السيد، وعلي ومصطفى عبدالرازق، وتوفيق الطويل، ويحيى هويدي، وعثمان أمين، وعبدالرحمن بدوي، التى كان امتدادها فؤاد زكريا وزكي نجيب محمود، ومن ثم إمام عبدالفتاح إمام. جيل آمَنَ بأن علم الفلسفة في جوهره سؤال دائم عن الوصول للحقيقة وعن تدعيم القيم. وسط هذا المناخ وُلد الدكتور إمام عبدالفتاح إمام (1934م – يونيو 2019م)، وتخرج من جامعة عين شمس بالقاهرة، الجامعة العريقة التي أمدَّت مصر وجامعات العالم العربي بالرواد الأوائل الذين أسهموا بقدر من العلم والاحترام في تغيير الوعي، وتمهيد الطريق أمام الرؤى الجديدة في الفلسفة والأدب والفنون وحركة السياسة النشطة ذلك الحين.

إمام عبدالفتاح

مارَس الدكتور إمام طوال عمره تدريس الفلسفة في كثير من الجامعات المصرية والعربية، وتشاء الظروف، زمن الخروج الكبير للمصريين، أن يلتقي ثلاثة من الكبار هم: زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وإمام عبدالفتاح إمام أساتذة في جامعة الكويت ليسهموا بالفعل في إحياء مشاريع ثقافية عميقة من السلاسل التي كان ولا يزال بعضها مواكبًا للثقافة العالمية، حريصًا على ترجمة الكتب والأفكار مثل سلسلة عالم المعرفة. كان والد الدكتور إمام عالمًا بالأزهر الشريف، وراعيًا له بحق حتى نال ليسانس الآداب ودرجة الماجستير التي كان موضوعها «المنهج الجدلي عند هيغل» عام 1968م، ثم حصل على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى عام 1972م عن أطروحة «تطور الجدل بعد هيغل» كما أنجز هذا الرائد الكبير كثيرًا من كتب الفكر الفلسفي، وأشرف على كثير من المشروعات الفلسفية الباقية؛ أذكر منها: مشروع «أقدم لك» «الذي أشرف على ترجمته ويتضمن الكتابة عن سير العظماء من الفلاسفة مثل: «أفلاطون» و«ديكارت» و«كامي» وكثير من كتب الفلسفة التي قدمت بأسلوب يتلاءم مع خبرة متلقٍّ غير متخصص، وقارئ يسعى لاكتساب معارف عميقة تعينه على إدراك الحقائق. ولقد ألَّف هذه السلسة الكاتبان ديفيد بابينو وهواردسيلينا.

يقول الدكتور إمام في مقدمته لكتاب الفلسفة: «هذا هو الكتاب الثالث الذي جاء عرضًا لتاريخ الفلسفة الغربية بأسرها منذ نشأتها في بلاد اليونان في القرن السادس قبل الميلاد عندما طرح فلاسفة مالطة ما يسميه المؤلفان «بالسؤال الكبير»؛ من أين جاء العالم؟ وممن يتألف؟» كما أصدر هذا العالم ما يقرب من مئة كتاب ما بين تأليف وترجمة؛ من أهمها: الوجودية -جزءان. الطاغية، صدر بعالم المعرفة، رصد فيه هذا الفيلسوف تطور شخصية الطاغية في علاقته بالسلطة وشعبه، والمكونات النفسية التي كونت هذا الكائن لينتهي إلى أن يكون هكذا! كما تشهد غزارة ما ترجمه من كتب، ذلك الجهد الذي بذله، حين قضى حياته مؤمنًا بأن الترجمة في الحقيقة هي التي توفر للفلسفة وجودًا ومناخًا صالحين لإنتاج الأفكار الجديدة، وتغني النصوص وتنقلها من فضاء ثقافة محلية إلى أفق آخر.

وفي حياته كانت إسهاماته، وما أنتجه وأبدعه غزيرًا ومفيدًا على نحو خاص، ولا ننسى له ترجمة: فلسفة التاريخ. أصول الفلسفة الحق: ظاهريات الروح. محاضرة في تاريخ الفلسفة. موسوعة العلوم الفلسفية، وكانت كلها للفيلسوف الألماني «هيغل». وعن علاقته «بهيغل» ترى الدكتورة يمنى طريف الخولي أستاذة الفلسفة والعلوم ورئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة: «يعترف إمام أنه قرأ هيغل بنظارة أرسطو ولذا لم يفهمه ولقد أثارت المسألة بالنسبة إليه إشكالية كبيرة ولم يدرك أن هيغل نحت لنفسه طريقًا آخر ثم أدرك في النهاية أن هيغل صاحب بناء فكري متين ومتنوع يتسم بالغزارة المعرفية والدقة وضرب الأمثلة وتبسيطها. كما ترى الدكتورة: أن إمام اختار فلسفة الوجود مضمار عطائه وتجليات للعقل الفلسفي وانبثاقاته الوجودية». كما يذكر أستاذ الفلسفة الدكتور حمادة أحمد علي في دراسة قيمة عن الدكتور إمام وما ذكره عن نفسه: «تعلمت من هيغل أن طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار فهي لا تتعامل مع الأشياء الحسية على نحو مباشر وهذا هو السبب في غموض الفلسفة».

لقد عاش هذا الكريم حياة قامت على جهاد شخصي آمن بالقيمة، وأدرك طوال حياته أن الوجود الإنساني محير بدرجة تدفع إلى الدهشة، وأن متغيرات الدنيا وما يجري بها من حوادث تصيب الإنسان في بعض أحواله باليأس والقنوط، وأن محاولة الإنسان دائمة، وطموحة في الحصول على لؤلؤة المستحيل التي لن يحصل عليها، وعليه طوال الوقت بذل جهده من جديد لمطاردتها في جدلية الممكن والمستحيل. لقد عاش هذا الرجل، ورحل عن الدنيا تاركًا أثرًا واسعًا في الأوساط الثقافية المصرية، وقدم إلى بلاده العربية عددًا من المترجمين المهمين، والكثير من كتب الفلسفة التي تشارك في تأسيس استثارة عربية نرجوها.

وفي يوم رحيله عن الدنيا، انتبه أهل الثقافة والمعرفة ورجال الإعلام لرحيله، واستعادوا سنوات غاب فيها الرجل عن الساحة، وكالعادة تستدعي الذاكرة سير الرجل، وفضله العميم، واستعادت واستحضرته من النسيان، فعادت تؤكد أن هذا الرجل قد أثر كثيرًا في الثقافة المصرية والعربية، وأنه أبرز تلاميذ زكي نجيب محمود، وأحد من تولوا إنجاز مشروعه الفلسفي بمعرفته للفكر العربي المعاصر والفكر العالمي وهو ذلك الفيلسوف الذي اختار منهجًا وسطيًّا في السياسة والفكر، وكان يرى طوال حياته أن أي حُكم لا يستقيم أبدًا طالما تدخلت فيه سلطة ذلك المستبدّ العادل الذي فرض وجوده عبر السنين الطوال.

وعلى الدكتور إمام عبدالفتاح إمام الرحمة وسكن الجنان.

صديق أنطون تشيكوف الطيب

في «ضيافة الغريب» للمغربي الأصيل عبدالسلام بنعبد العالي معنى ينفذ به بعمق داخلي للقبض على الوجود الفعلي لوظيفة المترجم، يقول: «ليس هوس المترجم الوصل وخلق القرابة، ليس جر الآخر نحو الذات والتهامه، وإنما الذهاب نحوه، وفتح النص، فتح الثقافة على أخرية الآخر، وإثراؤهما عن طريق التلقيح باللغة الأخرى واستضافته الغريب». ما يريد أن يؤكده أن الترجمة تتوازى مع الإبداع، وأنها في نهاية الأمر شأن كل فكر، تؤكد هوية الإنسان، وتكشف عن رغبته في التواصل مع الآخر، وتبني جسرًا تنتقل عبره الثقافات، يقوم ببنائه بعض أصحاب المواهب في نقل إبداع ومعارف الآخرين.

المترجم المصري الراحل الدكتور أبو بكر يوسف واحد من هؤلاء، أمضى عمره تقريبًا في علاقة طويلة كان عنوانها الاجتهاد وحب المعرفة، ولإتقان الأدب غير الأدب الذي اكتسبه في وطنه، وثقافة غير ثقافته، مجدها المعرفة والتنوع وإدراك أسرارها ويصل فيها إلى الدرجة التي يطلق عليه فيها «شيخ المترجمين العرب». درس في مدرسة الإسماعيلية الابتدائية بمصر، ثم انتقل في المرحلة الثانوية إلى مدرسة في المعادي بالقاهرة، وحين أنهى المرحلة الثانوية اختير ضمن جماعة من المتفوقين للإفادة في بعثة لروسيا في عام 1959م. كانت القاهرة في ذلك الوقت تواجه عوائق التحرر من الاستعمار والعمل على الخروج من أسر الخطابات التي تقيد العقل، وتعمل على مواجهة أشكال القمع كافة من خلال ثقافة تقوم على التنوع والمعرفة، وكانت تحاول الخروج من الماضي بالاستنارة وترى أن ذلك لا يتم إلا بإحداث نقلة في التعليم، وفي الوقت نفسه بدأت العلاقة مع الاتحاد السوفييتي القديم عبر شعارات مواجهة الاستعمار والسيطرة الغربية. في عام 1959م بدأت البعثات إلى ذلك البلد البعيد، واختير الطالب أبو بكر يوسف ضمن عدد من الأفراد لدراسة الأدب في جامعة موسكو الحكومية، وفي تلك الجامعة أتقن اللغة الروسية بعمقها الكلاسيكي والمعاصر، واكتشف من خلالها طبيعة الحياة في روسيا، وتنوع الثقافات في تلك البلاد الواسعة العامرة بالأجناس والثقافات المختلفة.

أبو بكر يوسف

تعرف إلى الرواد العظام: تولستوي، ودوستيوفسكي، وغوركي، وجوجول، وميخائيل شولوخوف، وفي جامعة موسكو تعرف إلى العديد من أساتذة الأدب والمستعربين، ومع إتقانه اللغة عثر على تشيكوف العظيم فانبهر به كاتبًا إنسانيًّا، محبًّا لأهل الهامش والمنكسرين في أرواحهم من الأطباء والخدم والحوذيين والعاملين عند سادتهم، بدأ بترجمة تشيكوف، وعندما لاحظ أن ترجمته لا ترقى للصيغة التي يود أن تصل إليها الترجمة، توقف عقدين حصل خلالهما على الدكتوراه في الأدب الروسي، ثم كان اختياره التفرغ تمامًا للترجمة، فالتحق بالعمل مترجمًا متفرغًا في دار بروغرس. في هذه الدار ترجم أبو بكر يوسف أعمالًا من كنوز الأدب الروسي؛ مختارات لأنطون تشيكوف، وبعض أعمال الشاعر ألكسندر بوشكين، والروائي ميخائيل ليرمنتوف، وبعض أعمال جوجول ومكسيم غوركي، وغيرهم.

أحب أبو بكر يوسف تشيكوف، ومجَّده، ورأى فيه ذلك الكاتب الذي كانت حياته خالية من العطف، والذى ينظر إلى العطف كأنه شيء غير مألوف، شيء ليس به خبرة من قبل. وكانت تثير عواطف المترجم نحو الكاتب عندما يقرأ كان يحكي عن أبيه لأحد أصدقائه.. أتدري أني لم أستطع قط أن أغفر لأبي جلده إياي «وحين كان يقول» لم يكن في طفولتي طفولة».

أَسَرَهُ هذا الكاتبُ الروسيُّ العظيم، وحين أصدر مجلداته الأربعة عن دار الشروق واجهته تلك المشاعر المتناقضة حين أقدم على ترجمة مثل تلك الأعمال وكيف يقدمها للقراء العرب ومنهم من يعرف الكثير عنه؟ كان عليه أن يترجم تشيكوف الفنان وتشيكوف الإنسان. بأي طريقة يقدم بها هذا المبدع الكبير للقارئ العربي؟ ذاك الذي قال عنه يومًا تولستوي: «بفضل صدقه صاغ تشيكوف أشكالًا كتابية جديدة كل الجدة، بالنسبة للعالم كله أشكالًا لا أجد لها مثيلًا».

لقد رأى الدكتور أبو بكر يوسف حين أقدم على ترجمة هذا الأديب أنه يواجه ترجمة كاتب قال عنه يومًا ألكسندر كوبرين: «… بالفعل، سوف تمرُّ الأعوام والقرون. وسوف يمحو الزمن ذكرى آلاف الآلاف من الأحياء الآن، لكن الأجيال القادمة تردِّد اسمه بعرفان، وبأسى خافت على مصيره»؛ لذا أقدم أبو بكر يوسف على ترجمة المجلدات الأربعة تحت عنوان الأعمال المختارة: واحدًا للأعمال القصصية التي كنا نسعى إليها أول العمر، قادمين من قرانا، حيث سور الأزبكية القديم برغبة البحث عن قصصه في ذلك الزمان الموغل. والمجلد الثاني احتوى الروايات. والثالث احتوى دراساته القصيرة. والمجلد الرابع: مسرحياته العظيمة.

من أجل هذا وغيره أمضى الدكتور أبو بكر يوسف حياته في علاقة مع الأدب قامت على الاجتهاد والمعرفة والإتقان، محبًّا لأدب غير أدبه، وثقافة غير ثقافته حتى وصل -كما قلت- إلى أن يكون شيخًا «للمترجمين العرب» الذي مُنِحَ عن جدارة من اتحاد أدباء روسيا العضوية الشرفية تقديرًا لإسهاماته في التقريب بين الثقافتين الروسية والعربية.

ونحن أول العمر، والأدب الروسي يشكل لنا طريقًا لإبداع جديد، نكتشف من خلاله أفذاذه ومبدعيه، ويبهرنا في ذلك الوقت تلك الأعمال الخالدة لهؤلاء الكلاسكيين العظماء، كنا في ذلك الوقت نبحث في المكتبات القديمة عن ترجمة هذا الرائد الجليل «أبو بكر يوسف» عليه رحمة الله.

مقاهي القاهرة . . وتبدّل الأزمنة ليس بدافع  البحث عن مأوى (سعيد الكفراوى)

مقاهي القاهرة . . وتبدّل الأزمنة ليس بدافع البحث عن مأوى (سعيد الكفراوى)

لكل كاتب حسه بالأماكن، يصغي لحديثها وذكرياتها، ويستدعيها!! يسطر دون ارتعاش، قصصًا عنها، ويتخيل رؤى. وأنت تحاول، على قدر الطاقة تحقيق قيمة لما تراه، وتطرح من خلال السؤال تلو السؤال باحثًا عن صورة وذكرى، والإصغاء لصوت يجيء عابرًا السنين، وعن أناس كانوا هنا يومًا، ومضوا حيث وجه الكريم، فيما تثبّت الصور حركة مجتمع على مستويات عدة: الحوادث والثقافة والفنون وحياة الناس. والمقهى في تاريخ مصر المحروسة ذاكرة الحكايات، وشاهدًا على متغيرات الدنيا، وملاذًا لبعضهم عبر رفقة قد تطول من الشباب حتى الرحيل. والمقهى في كل تجلياته يمثل بعضًا من تاريخ الوطن الوجداني. أندهش وأنا أقلب صفحات من زمن مضى، وأتأمل جوهر المكان، وصفحات روّاده، ودوره المتميز في تكوين ذاكرة الوطن السياسية والاجتماعية والثقافية، والاحتفاظ في أحيان كثيرة بمجريات الأمور ولو من كل عام يوم!!

لقد ظلت المقاهي في تاريخ مصر الاجتماعي أحد تجليات أحوال الوطن، وركنًا لثقافته، وورشة لتجريب الكتابة، والتعرف على الجديد، وتكوين الرأي، والمكان الأسمى لتبادل الحوار والأفكار، وممارسة لعبة السياسة، وأكثر الأماكن حرية للفضفضة، بل ظلت طوال تاريخه مختبرًا لعلائق القيم في المجتمع. وظلت المقاهي جزءًا من سياق تاريخي واجتماعي وسياسي وثقافي كان دائمًا ما يعطي المدينة حكاياتها وأساطيرها، ويغذي مشاعرها، ويفجر بداخلها السؤال.

ليس هذا قاصرًا عليها، ولا على بعض عواصم العرب، ولكن العلاقة تشمل العديد من عواصم العالم. مقهى «الفلور» في باريس تفجرت على كراسيه حركات أدبية وفنية، وشهد من حوادث السنين الكثير، وجلس على طاولاته سارتر، وسيمون دي بفوار، وألبير كامو، وأندريه مالرو، وفوكو، وأنجزت على طاولاته أهم المذاهب الفلسفية، وأفكار الحداثة، كما جلس زعماء؛ مثل: لينين، وتروتسكي، وسيزان، وبيكاسو، وفيكتور هوغو، وهيمنغواي، كل منهم له مقهاه الذي عشقه، وأنجز على كراسيه درة أعماله مستبدلين بذائقة الفن والكتابة ذائقة جديدة وحداثية. كيف أثرت المقاهي التي جلس عليها نجيب محفوظ في وعيه وذاكرته الإبداعية ليكتب ما كتب حتى انتهى الأمر بأحدهم في شهادة عنه، حيث قال: إنه لا يوجد مقهى في مدينة القاهرة لم يجلس عليه نجيب محفوظ.

تاريخ حافل

ولمصر تاريخ حافل مع المقهى. يشهد عليها رفة النرد، وصوت أم كلثوم، والقعدة تحت تكعبية شجر في الظل الوارف تحت ليل رهيف. فمنذ عرفت مصر المقهى، في عام 1750م، منذ اكتشاف القهوة، حيث جمعت المسامرين والروّاد وفرق خيال الظل والشعراء الشعبيين وأهل السياسة، والمضروبين بالغرام، وفي مساحة مكانه أنشدت على الربابة السيرة الهلالية، والظاهرية، وحكايات الشطار والعيّاق، وحكايات من ألف ليلة وليلة، وفي بعض المقاهي غنت الجواري أعذب الشعر، وأجمل الأدوار، وفي موالد الأولياء أقيمت المقاهي على عجل في خلاء العاصمة، والمدن الريفية، في حضرة أسيادنا شيوخ الطرق، والمضروبين بالشفاعة، وعشاق النبي، والمقهى دائرة من نور ومسامرة.

وفي تاريخ مصر تميزت مقاهٍ، واشتهرت في بلاد الله، وحج إليها القاصي والداني، واحتلت في ذاكرة التاريخ مكانًا، ولها الفضل بما قدمته من خدمة، للمعارف من أدوار ثقافية وسياسية واجتماعية، عشت طرفًا منها، وشكلت بعضًا من الذاكرة، بالطرائف والحوادث.

قهوة «متاتيا» في ميدان إبراهيم باشا، في قلب القاهرة، تحيطها حديقة الأزبكية بروّادها من الأفاضل: شيوخ، وأفنديات، وأساتذة عائدون من بعثاتهم في بلاد الإفرنج، حيث كان يجلس الثائر السيد جمال الدين الأفغاني يوزّع السعوط بيمينه، ويشعل الثورة بشماله، وحوله يجلس الأفاضل الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وعبدالله النديم، ومحرر المرأة قاسم أمين، ولحق بهم الشابان العقاد والمازني وغيرهما، متكلمين في الثورة، طارحين سؤال الاجتهاد في الدين، وحركة الاستنارة والتمدن، وحق الإنسان في التعليم والمشاركة السياسية، وعلاقته بما يجري في الدنيا من معرفة وعلوم، ويناقشون نتائج ما جرى للثورة العرابية، ممهدين الطريق لتبزغ شمس ثورة 1919م المصرية، فيما يصدرون جريدتهم الغراء «العروة الوثقى» التي تبنت أفكار الأفغاني ومحمد عبده في التغيير والاستقلال، وفي لحظات الصفاء ينطق صوت عبده الحامولي بالغناء فيمتد الليل حتى آخره.

قريبًا من مقهى «متاتيا» شرفة «الإنتركونتننتال» حيث تجلس فرقة «الأوبرا» الخديوية في انتظار تقديم موسمها الجديد على مسرحها. وبالقرب يقع كــــافــــيــــــه وحـــــديــــقــــــة  «جروبي» حيث يجلس أمير الشعراء شوقي بك، وتلميذه الشاب محمد عبدالوهاب، المطرب الصاعد. وفي الجوار مقهى ركس وروّاده من فناني المسرح ينتظرون أن ينفتح شارع عماد الدين بالنور حتى يبدأ الشيخ سلامة حجازي وجورج أبيض ويوسف وهبي والريحاني وفاطمة رشدي وأمينة رزق والأخوان رياض وأعضاء الفرقة القومية أعمالهم المسرحية، ينتظرون على مقاهٍ تزدحم بالأقليات من كل جنس وملة، فتختلط اللغات واللهجات في مدينة تعيش تمدنها وغناها حيث تعقد الندوات الثقافية وتلقى الأشعار، وفي شارع عماد الدين تتجلى صورة شارع بيغال في فرنسا بأضوائه ومغانيه.

حوار حول القيمة

تعقد بالمقاهي ندوات الثقافة والأدب. بها تختلط تيارات السياسة، مع برامج الأحزاب، والشعار هو «الاستقلال التام أو الموت الزؤام». كان مقهى عبدالله بالجيزة يمثل طليعة للكتابة منذ الخمسينيات، ويؤمه رواده: عبدالقادر القط ورجاء النقاش وطيب الذكر الناقد أنور المعداوي والمحاور الساخر الذي لا ينسى محمود السعدني.

في وسط المدينة يقع مقهى «ركس» وقريبًا منه كازينو «صفية حلمي» الشهير وفيه يجلس نجيب محفوظ وشكري عياد وعبدالمحسن طه بدر وسليمان فياض والأديب الناشئ جمال الغيطاني. حوار حول القيمة، وحضور لمنجز الغائبين، والذاكرة معرفة بما قاله نيتشه: «نحن لا نتحرر إلا من خلال الذاكرة»، وفن الرواية تطل شمسه من خلال ما قاله الأديب الشاب نجيب محفوظ: «بأنها الشكل الذي يمثل شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم للخيال». والقاهرة في حينها مدينة مزدهرة بتمدنها، واحتضانها لقضايا الفكر والمعرفة، مفتوحة الأبواب أمام المغضوب عليهم في بلادهم، وكنت طوال مشوارك ترى المغاربة والمشارقة، وأغرب الأجناس يحتلون كراسي مقاهيها، وأنا عرفت ورأيت الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي في مقهى «لابس»، والشاعر السوداني، شاعر إفريقيا محمد الفيتوري، والشاعر الفلسطيني معين بسيسو «على مقهى ريش» يرتل الشعر وسط أفراد جيله من الشعراء والفنانين. عشت ردحًا من زمان أجوب مقاهي المثقفين، وأبحث عنهم، بحثًا عن الألفة والمسامرة، والتعرف على مدارس الأدب وسمّاره، وكان مقهى «إيزافيتش» حيث تعرفت على الأبنودي وسيد حجاب وخليل كلفت وغيرهم، حتى ألقاني البحث إلى مقهى «ريش».

صحبني إليه أول مرة في عام 1966م الروائي جمال الغيطاني، وهناك التقيت أفراد هذا الجيل: عبدالحكيم قاسم وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ويحيى الطاهر عبدالله وعمنا عبدالفتاح الجمل من فتح الأبواب أمام هؤلاء. التقيتهم في ندوة كان يقيمها نجيب محفوظ على المقهى. والمقهى هو مقهى «ريش» العتيد. أنشئ في عام 1908م في ميدان طلعت حرب، منتصف المدينة، أسسه رجل نمساوي من الأقليات التي كانت تزدحم بها مصر، ثم باعه ليوناني، الذي باعه لمصري طيب هو عبدالملاك أفندي خليل. لم يكن للمقهى صورته الحالية، وكانت تحيط به حديقة تطل على الميدان، وكانت به فرقة أوركسترالية، كما أن ثوار ثورة 19 كانوا يجلسون عليه، لقد غنت في حديقته الصغيرة «أم كلثوم» مرتدية العقال والغترة، وأنشدت في ذلك الوقت مدائحها الدينية وقصائدها الشعرية.

كان هذا المقهى تجسيدًا لخيال من جلس عليه من الفنانين، وتكونت على طاولاته كثير من مدارس الفنون والأدب، السوريالية المصرية عبر رمسيس يونان وجورج حنين، وكان المكان المختار لكتاب روز اليوسف، فزاره صلاح جاهين وجورج البهجوري وكامل زهيري والشاعران صلاح عبدالصبور وحجازي وغيرهما.

شاهد على زمن مضى

مقهى «ريش» العتيد، بصوره من الفنانين والكتاب وأشيائه المعلقة على جدرانه يؤكد أنه كان شاهدًا على زمن ماض باذخ الغنى، وعلامة على مرحلة مرت بها الليبرالية المصرية. شهد هذا المقهى حوادث لا تنسى وقعت على طاولاته وأركانه معارك الشباب واختلافاتهم التي قال عنها يومًا نجيب محفوظ: «كانوا يتعاركون ويتصايحون ثم في اليوم التالي تراهم قادمين يتأبطون أذرعتهم». وعلى طاولات هذا المقهى كتبت البيانات والاحتجاجات ضد تجاوزات السلطة، منها ما أطلقنا عليه بيان توفيق الحكيم ضد السادات في أول حكمه. ومنه خرجت أول مسيرة يقودها يوسف إدريس حينما اغتالت إسرائيل غسان كنفاني، الكاتب والمناضل الفلسطيني، وسارت مسيرة الاحتجاج في شوارع وسط البلد في زمن كان قانون الطوارئ يمنع أي مسيرات. كان المكان بؤرة لمقاومة سياسة الانفتاح والتطبيع مع العدو، وصعود نجم الإسلام السياسي وجماعاته التي انتهى أمرها لممارسة الإرهاب فيما بعد.

أستعيد تاريخ المكان، زمنه وأيامه، بعد أن تغيرت الدنيا واختلف الزمان، وغابت رفقة الحلم: أمل دنقل ونجيب سرور ومحمد عفيفي مطر وإبراهيم أصلان وغيرهم، وعاد المقهى بعد صياغته لكنه مقهى آخر هجره روّاده، ورحل من صنعوا بهجته وتاريخه في الثقافة المصرية ومثلوا زمنًا ربما لن يعود!!