زهر وأشواك

زهر وأشواك

 رابندرانات طاغور – شاعر وفيلسوف هندي        ترجمة: رياض نسيم – مترجم يمني

كسلًا مطمئنًّا

يستلقي الريش على التراب

وقد نسي سماءه.

٭٭٭

الزهرة الفريدة

لا تحتاج أن تحسد الأشواك العديدة.

٭٭٭

لَشدَّ ما يقاسي العالم 

من طغيان النوايا الحسنة.

٭٭٭

ننال الحرية بعد أن ندفع الثمن كاملًا

من أجل حقنا في الحياة.

٭٭٭

هداياك البسيطة العفوية،

أشبه بشُهب ليلة خريفية،

تشعل نار العاطفة في أعماقي.

٭٭٭

الإيمان الكامن في قلب البذرة

يَعِدُ بمعجزة حياةٍ

آتية لا محالة.

٭٭٭

مترددًا يقفُ الربيع على باب الشتاء

فتهب إليه زهرة المانجو

قبل أوانها وتلقى حتفها.

٭٭٭

العالم هو الزَّبَد المتغير دومًا

الطافي على بحر الصمت.

٭٭٭

تسكعتُ في طريقي إليك

حتى فَقَدَتْ شجرة كرزك برعمها

لكن زهرة الأضاليا، يا حبيبتي،

جلبتْ لي غفرانك.

٭٭٭

بُرعمُ رمانتك الصغير الخجول

المتورد الخدين اليومَ خلف خماره

سيتفتح غدًا زهرة مشبوبة

وقد صرتُ بعيدًا.

*رابندرانات طاغور، شاعر وفيلسوف هندي

ربيعة

ربيعة

 وجدي الأهدل – كاتب يمني

حطت (ربيعة) على مكتبها كنورس، وخلعت منقارها الأسود ودسته في شنطتها المسلوخة من جلود البشر. تأملتُ بشغف وجهها البيضاوي الساحر القسمات الذي يستحق أن يُقدّس، وناجيتُ نفسي بأن الوقت قد حان للتقرب منها. صبرتُ حتى تفرغ من تأمل ماكياجها في مرآتها الصغيرة، ثم سبحتُ منجذبًا إلى عبيرها الزكي الذي تفرزه مسامات جلدها، ووضعتُ بين يديها قارورة عطر نسائي مستخلص من مروج المحيطات، وأنا أهمس متهدج الأنفاس بأنها هدية. حملقتْ فيّ بعينيها النجلاوين مستنكرة وفمها ممتعض. سألتني: «ما المناسبة؟». كف الزميلان – عبدالقاهر ونجوى- عن تحريك زعانفهما، وراحا يتابعان ما يجري بتركيز وعيون جاحظة. تأتأتُ بصورة مخزية، ثم نطقت بصوت خافت: «لأننا زميلان في العمل». ردت بنبرة مؤنبة تأديبية: «لكن لماذا أنا؟ لماذا لا تعطي الهدية لنجوى؟». بطرف عيني لاحظتُ (نجوى) التي تحولت ديباجة وجهها إلى اللون القرمزي وسقطت شطيرة البيض المسلوق من يدها. أجبتها بصوت مشروخ باذلًا جهدًا هائلًا للسيطرة على ارتجاف يديّ: «نجوى متزوجة». انبعثتْ من (ربيعة) ضحكة ساخرة: «يعني.. ماذا تريد؟». تشجعتُ وابتلعتُ ريقي: «هل أنتِ مخطوبة؟». سكتتْ برهة، وراحت تحدق فيّ بتركيز شديد وإنسانا عينيها يجوسان ببطء في تقاطيع وجهي، وكأنها تحسب في دماغها ما أستحقه من درجات في اختبار الوسامة.

حبستُ أنفاسي وراح جسدي ينضح عرقًا مترقبًا النطق بالحكم. ساد صمت ثقيل في المكتب وأنا واقف أمامها لا أتزحزح كتمثال حجري، وبدا لي أن (نجوى) و(عبدالقاهر) قد تحولا إلى ميكروفونين عملاقين وفقدا هيئتهما الآدمية. صكّت (ربيعة) زفرة طويلة تعطي انطباعًا بأن المشاعر التي تنتابها هي الضيق والتبرم ونفاد الصبر، التقطتْ قارورة العطر بأصبعين وكأنها تمسك صرصارًا مقرفًا وأعادتها إليّ: «هل تعرف ما الذي لا يعجبني فيك؟». توترت بشدة وقلبي المغلوب على أمره ساح وانزلق نازلًا من فتحة بنطلوني. وقفتْ بإزائي ووضعت سبابتها على أنفي وضغطتْ عليه بقوة وخشونة لم أتوقعهما وكأنها تريد أن تكسره: «أنفك لا يعجبني، يجعلك قبيحًا في عيني». رفعتْ أنملتها ذات الظفر المطلي بالأحمر الفاقع ومسحتها بمنديل ورقي، ثم انتشلتْ حقيبتها وخرجت من المكتب برقبة صلبة ووجه ناشف لا يحمل أدنى تعبير.

بعد مغادرتها استرخى الزميلان في ضحك مكتوم متحرج، ثم تجاسرا على القهقهة بصورة فاضحة ضاربين عرض الحائط بروح الزمالة وأواصر الصداقة. زلقتُ هديتي في جيب معطفي، وتشاغلتُ عن النظر إليهما بإدخال الملفات وترتيبها في أدراج الصوان، وأنا أُفكر هل أُغلقها أم أتركها مفتوحة؟ حسمتُ أمري وقررتُ تركها مفتوحة لكي لا يظن الزميلان أنني أنوي المغادرة. تمالكتُ شتات نفسي بصعوبة وأنا أشعر بركبتيّ متخاذلتين وكأنهما مصبوبتان من عجينة رخوة. انتبهتُ أن أنفي كان يختلج والعصب الذي يتحكم به قد خرج عن سيطرتي، وراح يُعبر بطريقته عن غيظه وألمه من الخزي الذي ناله. بخطوات مترنحة تفتقر للاستقامة، خرجتُ من المكتب معطوف القامة مُديرًا وجهي للجهة الأخرى، في محاولة بائسة لصرف انتباه زميليّ الثرثارين عن ملاحظة حالة أنفي. تمنيتُ فقط ألا أُصادف (ربيعة) في طريقي وأنا خارج من الشركة. حقق الله أمنيتي، ولكن حرس البوابة منعوني من الخروج وطالبوني بتصريح. عدتُ أدراجي ودماغي يصدر صوتًا غريبًا.. ضجة تشبه صوت المضخة! سألني مسؤول حافظة الدوام عن مبرر انصرافي المبكر، شرحتُ له أن أبي قد تعرض لحادث سير وعليّ أن أُباشر إجراءات دفنه. أعطاني أغرب جواب سمعته في حياتي: «هاه.. لأجل هذا يرف أنفك في وجهك كدجاجة مقطوعة الرأس! لكن مع هذا عليك أن تنتظر حتى نهاية الدوام، والدك.. يعني.. لم يعد بإمكانه الذهاب إلى أيّ مكان.. أليس كذلك هاها!!».

لم أستطع مجادلته بسبب تفكك إرادتي وخشيتي من سيلان دموعي دون إذن مني. آليًّا وجدتُ نفسي أخف الخطى إلى المكتب. تناوشني الندم على قراري الاندماج في الجماعة البشرية، وفكرتُ أنه كان من الخير لي لو أن الله خلقني خنزيرًا. حين دخلتُ عاود الزميلان الابتسام فالضحك بصفاقة وكأنهما يريان إعادة لمشهد كوميدي. اتجهتُ إلى الصوان الحديدي وفتحتُ الدرج الأخير – ذاك الذي يُغلق بالقدم- وأفرغته من الملفات، وبدأتُ بحشر جسمي فيه بادئًا برأسي. كان قرارًا نهائيًّا ولا رجعة فيه.. سأسكنُ هناك كنوع من الاحتجاج على رداءة السلوك البشري وقلة اكتراثهم بمشاعر الآخرين.

نصان

نصان

 نجاة علي – شاعرة مصرية

شارع عيون الحرية

هنا البيت وليس ميدان التحرير

وغرفة نومي لم تكن يومًا

شارع محمد محمود

من أين يأتي الغاز إذن؟

ومن سمح لقناصة العيون

أن تعتلي النوافذ

ومن قال للجنود أنْ يعبروا

– هكذا- بحرية

بالقرب من سريري

منتشين برائحة الموت

وبالفرجة على جثث مكومة

قرب صناديق القمامة.

لكنني هنا .. أقف وحدي

على بعد سنتيمترات

من الرعب

أجمّع ملامح الأطفال

بزيهم المدرسي

وهم يسقطون بخفة

قرب قدمي

فأكتفي- فقط – برسمهم على

الحوائط

وهم مبتسمون نصف ابتسامة

وأظل أراقب الهاربين من الحياة

منتظرة عودة صديقتي الوحيدة

من قصر الدوبارة

لأسألها من أين يأتي

كل هذا الغاز؟

وهل شاهدتْ صدري المثقوب

منذ ثلاثة أعوام

وكأنني عدتُ لتوِّي من الحرب!!

مؤامرة

كيف تموتين فجأة يا هيلين

دون أن تخبريني؟

ألم أكن غريمتك الطيبة

التي كتبت فيك قصيدة

ذات يوم؟!

صوتك هنا يلف معي الجدران

كيف استقبلتُ نبأ رحيلك

وحدي بكل هذا البرود

هو أمر لا يليق بك

كغريمة عذبتني طويلًا

أحاول أن أتخيل

كيف غطوا جسدك النحيف

وكيف تحملت الملائكة

منظر عينيك الحزينتين

وهم يصعدون بك

مسرعين إلى السماء

قهوة باردة

قهوة باردة

 جميلة عمايرة – كاتبة أردنية

انسحبت الشمس من كبد السماء. انسحبت ببطء متوارية خلف الشفق الأحمر، إثر نهار قائظ وطويل. تنفست المدينة بعمق وارتياح، كأنما انزاحت عن سكانها أثقال حجرية. كان يومًا حارًّا واستثنائيًّا. يومًا لم يعتادوه من قبل. حتى إن مندوب دائرة الأرصاد الجوية خرج على الناس، من داخل شاشات تلفازاتهم، مصرِّحًا بأن هذه الموجة الحارة، التي اجتاحت البلاد، في الأيام الأخيرة، لم يسبق لها مثيل، منذ أكثر من عشرين عامًا.

٭٭٭

الجميع سيخرجون، وسأكون وحيدة. وأمامي فرصة كبيرة لأن أدعه يجيء. يكفيني هذا. أن يجيء. زعمت لأمي أنني لا أطيق هذا الحر اللاهب، وأنني لن أذهب للعمل، فوافقت بامتعاض. يكئبني الآن فشلي، ولأعترف بكل الألم: لا أستطيع إلا أن أجابه الحقيقة، وإن بدت مُرّة وموجعة. كنتُ أخطط منذ أمس، وأرسم وحدي، دون علمه، تفاصيل مجيئه للمنزل هذا الصباح. نشرب قهوتنا معًا. أدعه يرى غرفتي. أدخله عالمي الصغير. مكتبتي وسريري. أن نكون معًا لمرة واحدة في بيتي. يوقظني، يوقظ رغبتي المتأهبة له. أُخطّط، بفشلٍ لحلم أعرف أنني أتوحَّدُ معه وهو قاتلي. أجترُّ خسارتي، وأتشرّب مرارتها وحيدة وقلبي الطيب.

٭٭٭

بقيت مسترخية طوال الصباح، لا أفعلُ شيئًا سوى أن أحدّق في سقف الغرفة بصمتٍ أبله.  تناولت رواية وبدأت أقرأ: ما يزيد على الأربع سنوات وهو يكتبها. لديه مبرراته ربما في  أن يخلق صعوبة في قراءتها! فجأة، ألقيتُ بالرواية على الأرض. أحسستُ الراحةَ وأنا أراها ملقاة على البلاط العاري. بدت أمامي مثل كومة ورق متساقطة في مهب الريح.  لم أجد طريقة أكثر تعبيرًا عن غيظي سوى هذه؛ أن أرى الرواية بصفحاتها، خاصة تلك الملتهبة بفصولها القصيرة، تستقرُّ باستكانة مهزومة، وترقد على البلاط الذي لم ينظف منذ أسبوع! نظرت إليها بشماتة زادت من راحتي. ولم أتساءَل. لم أفكرـ أعني بالتغيّر الذي تولّد داخلي. أعرف أن لا أحد في المنزل سواي. لن يراني أحد. لن يسمعني أحد وأنا أشتمها. لقد شتمتها وكأنها شخص حقيقي وحيّ. لن أقول: إنه فعلٌ مجنون. كما لن يشاهد فعلتي متطفل لا أراه إلا في الوقت الخاطئ.

٭٭٭

أتوق إلى فنجان من القهوة. أنهض وأذهب للمطبخ. هدوءٌ رتيب مقيت يخترق المنزل من مداخله الثلاثة: المدخل الرئيس، والمدخل الموارب ناحية المطبخ، والخلفي المؤدي للطابق الثاني. يتسرّب الهدوء المقيت من النوافذ العديدة، ومن الساحة الواسعة المبلطة. يتجوّل في حديقته بأشجارها الساكنة التي لا تتحرّك. مقيتةٌ حقًّا هذه الحرارة المتساقطة من جوف السماء، وكذلك السكون الذي ترسخه خطوات المتبعّدِين والقادمين عبر الطريق المحاذية للمنزل.

بصعوبة اهتديت إلى ركوة القهوة. وجدتها بين الصحون. الصحون التي ما زالت مثقلة ببقايا عشاء البارحة. قالت أمي: إن عليّ ترتيب المطبخ وغسل  الصحون.

حائرة أمام غليان القهوة. رائحتها تنفذُ إلى المكان، رائحة قوية كرائحة زنبق مجفف. أحضرت فنجانين معًا (عادة أتبعها منذ أن عرفته) لأحتسي قهوتنا معًا. خرجت للشرفة. تذكرت كتابي. دخلت لإحضارها. هالني ما رأيت: الرواية المفضّلة لديَّ ملقاة على البلاط! ذابت الشماتةُ فيَّ وبرزت دهشتي مني. لم أستطع أن أقاوم لهفتي دون فعل يريحني: وجدتني بخفة هائلة أرفع الرواية برفق. أحتضنها باعتذار. برعونة طفل يبرر انفعاله في ساعة نزق طائش. بقبلة طبعتها على غلافها. هل هذا كافٍ؟ ألقي بها في الصباح، ثم أعود وأجدني أعتذر أمامي، أعتذر له، للكاتب الذي خلخل عوالم كنت أظنها قوية، وأعاد تركيبها من جديد. أسألُ. أسألُني أولًا.

وضعتها على الرف العلوي لمكتبتي مع كتبه الأخرى. هناك في الأعلى تنأى بمجدها بفخر وتميّز!

٭٭٭

كنتُ قد نسيت القهوة تمامًا. عدتُ للشرفة. تربضُ قهوتي بفنجانين ممتلئين وحيدين بالقرب من نباتات الزينة. جلستُ على الكنبة القديمة. بدأت أرتشفُ قهوتنا معًا. كانت باردة ورديئة. رديئة جدًّا. على مشارف الثلاثين ولا أُجيد صنع القهوة! لكن لمن أُعدُّ قهوة هذا الصباح؟ لمن أُعدها برائحةِ الهيل المميزة؟ لمن؟ ليجيء، ليجيئني ونحتفي معًا هذا الصباح؟

اجتاحتني رغبة قوية بأن ألقي بالركوة، والفنجانين، من فوق الشرفة، في الطابق الثاني. أسمع ارتطامها القوي وهي تصطدم بحجارة الحديقة المدبّبة. ينكسرُ الفنجانان، يُحدثُ ارتطامهما القوي وتكسُّرهما صوتًا يحرِّك هذا السكون المميت. أشهق حينها بغيظ طفلة بعد أن اكتشفت أن دميتها لا تتحدّث، فقامت بتقطيعها.

أقف على شرفة خاوية. تحت سماء ثقيلة تكاد تزهق الروح. معلقة في هاوية الكآبة أحتسي قهوتي الرديئة باردة، وأقطف الثمار المرّة من وجوه العابرين.

أرتمي فوق سريري، فيسقطُ رأسي المثقل. أذكر أن الحر كاد يخنقني، ثم أحسستُ بعينيَّ تنغلقان، تنوسان قليلًا قليلًا وتنطفئان.

٭٭٭

فيما بعد، رأيتني وأنا نائمة، أركض إلى الباب بعد أن سمعتُ جرسه القوي.

خيبتي ترتسم على وجهي. خيبة غير متوقعة: رفض أن يدخل. رفض بإصرار.

لماذا؟ كان صوتي واهنًا، متقطّعًا، مختنقًا، متحشرجًا، متوسلًا، متسولًا لحظات الفرح به. أن يكون في بيت. أن نكون معًا، ولو لمرة  واحدة، لا أحد غيري هنا، لا أحد سوانا… لماذا؟ أذكر أنه أجاب بتأثر باد على وجهه: لهذا لا أستطيع. أنت وحيدة الآن، وأنا أحبك. أضاف. كانت الروح قد عادت إليَّ ثانية بعد أن خلتها قد فرَّت. وكان أن اختفى. أفقت. جسدي مبلل بعرق يرشح من مساماته المكشوفة. لا أحد سواي. لا أحد حضر. هدوء كئيب كتيم ورتيب يسكنُ المنزل بظلاله الكامدة. أتطلّع في المرآة المعلّقة على الجدار. لا أراني. لا أرى شيئًا متعينًا. ثم أرى صورة امرأة تدخل فيها لتظهر بجسد ليس جسدي! ما أفزعني أنها ليست صورتي.

هي ليست بصورة جسدي. ليس هذا وجهي ما أراه.

هو وجه امرأة أكاد لا أعرفها. أبتعدُ وأُحدّق جيدًا. أُحدّقُ مليًّا. أُحدّق بفزع وبغير تصديق. بدأت ملامحها تتضحُ حينما بدأتُ أبتعدُ أكثر. إنه جسدها هي. جسدها المختلف. إنها ملامحها. الوجه، والعينان، و…

كانت هي.

أجل، كانت زوجته، التي لا يرفض الدخول

لأنها وحيدة… كما أنا الآن.

مسودة الحلّاج

مسودة الحلّاج

 عماد الورداني – كاتب مغربي

تَفشَّتْ في شراييني على مهل، غَزَتْ قلبي بسهم قاتل، فأطاحت بعرش كان الماء موطنه، ومن حطامي أوقدت النار لتراقصها الريح إمعانًا في إذلالي، وما ذنبي إن كانت عيني من فرط خضرتها رأت، ولما رأت، تسمرت، فسالت شلالات جارفة، وأنا مخطوف أشهد غرقي في بحري، أجدف في بحر الوداد عساني أصل إليك كي لا أشفى منك. أنت علة البدايات والنهايات. مَسَّنِي هواك، فَهَوَيْتُ في بئر عميقة أفتشُ عن نسيم الريح، وما زادني غرقي إلا عطشًا، أأرتوي من صبابتي أم أشتكي لطبيب يقيم بين حشاي؟ صحتي في علتي، واعجبي مني، أخَذَتْ كُلِّي، وسلبتني عنِّي، وبسكرتي غصتُ في مَغِيبِي أتعجلُ قتلي. يقول حلاج غيري، كأني أناي: إياك، إياك أن تبتل بالماء، فالماء سر البلوى وسر الحياة، وسر السر يقيم حيث تُشْرِقُ رؤاك، فاشرق ولا تجرح الماء.

أجرح الماء ولا أكتم سري، فما بلائي غير الذي تدفق مني في لحظة وهن، هل كان ماء أم كان شرارة نار؟ اكتويت بجمر جارف أَحْرَقَ أشرعتي، فتناثرتْ طرقي في المحيطات، ومنها عدت شريدًا، أبحث في العيون عنِّي، وما صادفتُ غير نسخي، أنا الميت المهمل في قبر منسي، أنتظرها كي تضع شاهدة على رمسي، وتنثر رمادي في ضفة الوادي؛ كي أولد بلا إرث، بلا ذاكرة. وحيدًا في غرفة القبر المنسي، تتجاذبني الريح يمينًا يسارًا، وإلى المجهول أتدحرج، أجاور الموتى، ينصحني ظلي بالنسيان، يمنحني كأسًا اسمها الخسارة، أشربها، أتلمظ مرارتها، تعطرني البومة بنعيقها، توشحني شجرة الدفلى بأوراقها، وكمَيْت ما زال السهم منغرسًا في قلبه، أنهض من موتي العميق، وأمضي شريدًا إليها، أحمل مسودات وصاياي؛ كي تصلح ما أفسده القلب بجرة دمع، أدق باب قلبها لا أحد يرد، يجيبني نسيم الريح: أنت ميت فدع الأحياء نيامًا، ما في الجبة سوى سرك، احتضنه ونَمْ كما يليق بميت مغدور، نار عينيك أحرقت الحدائق، أنت الآن في قرارة الجب تنتظر الحياة لتسقي وردتك الحمراء. الوردة الحمراء التي تؤنس وحشتي، أرويها بدمعي كلما داعبها الحنين إلى الأنامل البيضاء، لا أعرف إن كانت قد نبتت في أحشائي أم في ثمالة البئر المهجورة. الوردة الحمراء تعطرني كي لا أموت مرة أخرى، ماذا لو قررتْ أن تسقط أوراقها، سيبتلع التراب مسوداتي فأفنى، هل سأكفنها أم تكفنني؟ الوردة الحمراء التي رجمتني بها من النافذة، آلمتني، ذبحتني من الوريد إلى الوريد، فغرقت في دمائي، الوردة الحمراء هي ما تبقى من جرحي، قال الصدى: لقد بالغت في الاحتضار.

لستَ سوى غجريّ

لستَ سوى غجريّ

 ألكسندر رومانس – شاعر فرنسي           ترجمة: وليد السويركي – شاعر ومترجم أردني

لم يكن في حياة ألكسندر رومانس (1951م) ما يعد بأنّه سيكون كاتبًا أو شاعرًا، فرجل السيرك، ولاعب الأكروبات، ومروّض الأسود في شبابه، ينتمي لشعبٍ مترحّلٍ لم تكن الكتابة يومًا جزءًا من تقاليده. ولكن كان لدى رومانس ما يقوله، وبتشجيعٍ من جان جينيه وجان غروجان، اللذين ربطته بهما صداقة قوية، بدأ، وهو في الخامسة والأربعين، يدوّن قصائده وحكاياته الغجرية، التي تولّى الكاتب كريستيان بوبان نشرها سنة 2004م في ثلاث مجموعاتٍ لدى دار غاليمار الباريسيّة العريقة. لاقت كتابات رومانس استحسانًا نقديًّا وجماهيريًّا كبيرين، بفضل بساطتها المدهشة، وصدق نبرتها، وإيجازها، وتقشّفها اللغوي، ورؤيتها المغايرة للثقافة الماديّة والنزعة الاستهلاكية السائدتين. واليوم يواصل رومانس، الذي أنشأ، بالقرب من باريس، أوّل سيرك غجريّ في أوربا، كتابة قصائده وتدوين حكايات أهله الغجر، من دون ادّعاء صفة «الشّاعر». إنّه يحيا حياته «شعريًّا» بصورة عفويّة، ويكتب ليقول ألمه، وغضبه، وحبّه، ويطرح أسئلته الوجودية، من دون أن يفارقه الشُّعور بالذَّنب:

«لستَ سوى غجريٍّ»!

هذا ما يعتقدونه،

ربّما ما كان عليّ أن أكتب أبدًا،

لقد خنتُ؛ كان عندي الكثير ممّا أوّد قوله،

والآن أطلب الصفح من أبي ومن أمّي

ومن عِرقي كلِّه.

فيما يأتي مختارات من قصائده ومن حكاياته الغجرية.

قصائد

قسمتُ العالم إلى نصفين:

من جهة هناك ما هو شعريّ،

وفي الجهة الأخرى ما ليس كذلك،

ما هو شعريّ موجود في نظري

وما ليس شعريًّا لا ألتفت إليه حتّى.

* * *

كنت في السابعة أو الثامنة من العمر،

كنت أسير في الريف، وإذ عبرت أحد الحقول

لمحتُ زهرة آس،

انحنيت لأقطفها، فاكتشفت مفتونًا أنّ الحقل كان مليئًا بتلك الأزهار،

جاثيًا على ركبتيّ، جمعت كلّ ما استطعت،

كان حضني مليئًا بالعشب والأوراق والآس،

وحين حلّ الليل، بدأت أولى النجمات بالظهور

ففكّرتُ: أيّ خسارة ألّا تكون النجوم متعدّدة الألوان!

* * *

كنت قد بدأت كتابة القصائد،

ذات يوم، كتبت منها خمسًا في نهار واحد،

كنت مسرورًا إلى حدّ أنّني وضعتها تحت وسادتي؛

قرب رأسي،

كما كان ليفعل طفلٌ في الخامسة بِدُميَتهِ الدبّ.

* * *

ذات يوم، سأزور قبر أبي

سيكون ذلك كما كان في الماضي،

حين كان حيًّا،

لن نتبادل أيّة كلمة.

* * *

اليوم وصلني استدعاءٌ من الشرطة

لِيُزَجّ بي في السّجن؛

لكنّي كتبت أيضًا قصيدتين،

هو نهارٌ طيّب إذن، رغم كلّ شيء.

* * *

كان الرجال يمرّون إلى جانبها دون أن يروها،

راكعة بتواضع في العشب الطريّ،

الوردات دَهِشات كانت تتبادل النظرات

دون أن تفهم الأمر.

* * *

الركض في الحقول،

الإحساس بالريح، لم يكونا كافيين،

مثل كلّ أصحاب الرؤوس الفارغة،

أنا أيضًا ظننت أنّه ينبغي صنع شيء ما.

* * *

حين دخلت المشفى

وابنتي بين ذراعي،

فكّرتُ: يا إلهي نَجِّها!

لا تجبرني على أن أصبح أعظم الشّعراء.

* * *

كثيرًا ما قلت: نعم

حين كان ينبغي أن أقول: لا،

وأن قلت: لا

حين كان ينبغي أن أقول: نعم.

لم أكن قد التقيتك بعدُ.

* * *

ضدّ صخب العالم

ضدّ كل هؤلاء النّاس الذين يتكلّمون،

وليس لديهم ما يقولون،

بعيدًا من العالم،

الحزن الصامت لِطفليْنِ مهجورين يتحابّان.

* * *

حين أكون وحيدًا في الريف

وتغدو خطوتي ثقيلةً،

أودّ لو أن طائرًا يأتي

ويحطّ على كتفي،

لكن لا شيء يجيء؛

فأبقى وحيدًا مع ألمي.

* * *

ما من مصالحة ممكنة  بيني وبين العالم،

فأنا أوثر الطائر اللامبالي فوق الصخرة،

الذي يرمي بنفسه في الفراغ.

* * *

لست أفهمُ شيئًا في هذا العالم،

بعض النّاس يشعرون أنّهم أقرب إلى الكلب منهم إلى السماء،

لو أنّهم يرفعون رؤوسهم فقط!

* * *

ربّما تتلمّس بناتي بأيديهن

شاهدة قبري،

فيما الوردة اليقظة تنظرُ

والغيمات والعصافير تعبر.

* * *

لا صِلة لي بهؤلاء النّاس

الذين يتراجعون حين ينبغي أن يتقدّموا،

غير أنّني انحنيت أمام الحياة

مثل الشجرة العزلاء

إذ هاجَمتها الريحُ.

* * *

لم تعد لك عيناك الجميلتان،

ولا يداك الرائعتان،

ما بقي منك بات تحت التراب،

بلا قلبك،

النجوم المكدّسة في السماء،

ونعومة الحجر، وسخاء الريح،

محظورة عليك،

مثلما حظرت على نفسي

التفكير فيك.

حكايات وشذرات

مثل كلّ العائلات الغجرية، لم نقدّم يومًا لابنتنا ألكسندرا أيّة دمية. جلبت لها سيّدة عجوز دمية رائعة. فتأمَّلَتها، ثمّ أمسكَتها من ساقها ورمتها في الطّين.

نظرتُ إلى ابنتي بإعجاب.

* * *

كانت إحدى قريباتي تقرأ الكفّ في باريس. ذهبتُ مع عمّي وطرقنا بابها.

ماذا أصابك يا ابنة العم؟ لم نعد نراكِ منذ سنين؟ ما أخباركِ؟

لقد تزوّجت يا عمّي.

وماذا يعمل زوجكِ؟

إنّه طبيب نفسيّ.

هذا جيّد، وأنت، أما زلتِ تقرئين الكفّ؟

لا، هذا أمر بات من الماضي. لقد درستُ واليوم أنا أيضًا طبيبة نفسية.

وما معنى طبيبة نفسية؟

شرحت ابنة العم الأمر، فقال عمِّي:

إن كنت قد فهمتُ جيّدًا، فقد درستِ مدّة عشر سنوات كي تقومي بما كنت تقومين به قبل الدراسة!

* * *

في القطار، اجتزنا منطقة لي فوج، من الرجل الجالس قبالتي يفوح عطرٌ مذهل. لم يسبق لي أن شمَمت مثله.

بادرتُه بالحديث وسألته عن مهنته.

«حطّاب»، قال.

كانت الأشجار إذن سرّ ذلك العطر.

* * *

ابنتي روز وهي تنظر من فوق كتفي:

انظر يا أبي، السّماء في كلّ مكان!

* * *

تسأل لينا العجوزَ التي تبيت في الشارع:

ليس لديك أبناء إذن؟

بلى، لديّ عشرة.

ومع ذلك أنت في الشارع؟

نعم، كان عليّ أن أنجب أحد عشر ابنًا.

* * *

قدّم فلّاحٌ حقله للغجر كي يُمضوا فيه فصل الشتاء. في بضعة أيّام امتلأ الحقل بالكرافانات، وارتفع عدد سكّان القرية من 300 إلى 600 نسمة.

ملأ السُّرور التجّار وأخذوا جميعًا يفركون أيديهم حماسةً: البقّال، والخبّاز، والقصّاب، باستثناء بائع الكتب.

* * *

أطلبُ من فلورينا أن ترسم بيتًا، فترسم بيتًا بساقيْنِ.

* * *

سورين: «أبي، من صبّ الملح في البحر؟»

* * *

ديليا: هذا الأحمق ألبرتو جعل دورينا ترى العجائب، فهجَرته، وها هو يأكله الندم. لقد كانت لديها كلّ الفضائل: النظافة والشجاعة والإخلاص، وأيّ لِصّةٍ بارعةٍ كانت!

* * *

ديليا: «غريب أمر التلفزيون، يحدّثنا طوال الوقت عن البابا ولا يحدّثنا أبدًا عن المسيح»!

* * *

أمام حظيرة حيوانات في سيرك صغير:

«أيّها السيدات والسادة، تفضّلوا بالدخول، سترون القرود بشحمها ولحمها وهي تتصارع ويمسك بعضها ذيول بعض، كأنّها بشر حقيقيّون».

* * *

الشّاعر جان جينيه كان يقول لي:

«أوتظنه أمرًا ظريفًا أن أكون أنا أنا؟».

* * *

كتبت ديليا على الكرافان بالخطّ العريض:

مدام ديليا تبصر كلّ شيء؛ تقرأ الكفّ حتّى الكوع. تخصّص: إرجاع الحبيب.

* * *

في مقابلة مع التلفزيون الفرنسي، بدأ الحفيّ بداية قويّة جدًّا:

«أنتم الغجر، كلّكم لصوص».

سألته: إن كان فرنسيًّا؟، فأجابني بنعم.

فقلت له: «أنتم الفرنسيُّون سرقتم نصف إفريقيا، والغريب أنّه لا يقال أبدًا: إنّكم لصوص».

كان ابن عمّي رولان يذهب إلى طبيب الأسنان ومعه حبْل:

«سيّدي، أنا لا أطيق الألم؛ فإمّا أن توثقني بهذا الحبل، أو أن تجازف بتعرُّضك للضرب».

* * *

استشاط ابن عمّي سامبيون غضبًا حين سمعني في المذياع أقول: إنّ عائلتنا غجرية.

فوعدتُه أن أقول من الآن فصاعدًا: إنّ عائلتنا كلّها غجرية باستثناء ابن عمّي سامبيون.

* * *

صادرت الشرطة الرومانيّة أوراقنا الثبوتيّة، فلم نعد قادرين على الخروج من البلد. توسّط صديق لنا لدى نائبٍ من أنصار الملكيّة.

قال النائب: «أنا حريصٌ على مصارحتكم، من باب النزاهة، بأنّني لا أحبّ الغجر كثيرًا».

فسألتُ: «لماذا»؟

أجابني: «سيطول شرح هذا الأمر، لكن سأقول اختصارًا: إنّ شعبكم لا يمتلك أيّة فضيلة».

ثمّ شرح لنا خلال ثلاثين دقيقة فظائع الشيوعيّة.

عند المغادرة، قلت له:

«هل تعتقد حقًّا أنّ الغجر لا يملكون أيّة فضيلة»؟

فردّ النائب: «أعتقد ذلك حقًّا».

قلتُ: «لو كان الرومانيّون غجرًا، كم كان سيدوم النظام الشيوعيّ؟»

فكّر لحظةً وقال: «ما كان ليدوم ثمانية أيام».

ثمّ عانقني قائلًا: «لقد لقّنتني درسًا جيدًا. إنّ لشعبكم فضيلةً عظيمةً».

* * *

كلُّنا نُعجب ببراءة الأطفال

ولكن حين يحتفظ بالغٌ، كما لو بمعجزة، ببراءته

يغدو موضع احتقار.

* * *

اختراعُ آلةٍ ما أمرٌ في متناول أيّ أحمق،

أمّا الحديث عن السماء، فهذا شأن آخر.

* * *

لا أفهم كلَّ شيء،

لكنّ ما أفهمه رائع.

* * *

كان متمردًا،

يريد تغيير كل شيء

عدا نفسه.

* * *

الغطرسة أو الحكمة

علامتان على أنّنا لا نعرف شيئًا.