«كتاب النوم» لهيثم الورداني.. عندما تستيقظ الغـفوة

«كتاب النوم» لهيثم الورداني.. عندما تستيقظ الغـفوة

هيثم الورداني

 طارق إمام – كاتب مصري

ما الذي «يفعله» المرء حين ينام؟ هل يفعل شيئًا بالأساس أم أنه يستسلم لفعل آخر يسوقه ويُسيّره و«يجتزئه» مثل جملةٍ مقتطعة من صفحة اليقظة اليومية؟ أي «عبارة» هي ذلك النائم، وقد طفت وحدها بعيدًا من معجمها، خارج مفرداتها، بمعزلٍ عن حكايتها؟ وما الذي يمكن أن نتحدث عنه عندما نتحدث عن النوم؟ أي نص يشكِّله ذلك «الهامش» القائم على السكون والصمت واللازمنية والمفتقر لأي نظامٍ علاماتي من تلك التي تتعرف بها الذات الإنسانية على وجودها، حيث لا موجودات ولا لغة؟

هل النوم، أساسًا، محاكاة لذلك الجانب الآخر الذي ينهض على طرف نقيض وندعوه اليقظة أم أنه استعارة تخفت علاقتها بالمرجع كلما التفتت إلى نفسها؟ هل هو تشويه أم فعل قطيعة كأن اليقظة هي موروثُه غير المرغوب فيه لكونه لا يلائم «حاضره»؟ أم أن النوم، في تأويل متطرف، هو اعتراض السكون على ضجيج العالم الذي لا يتحقق سوى بعينين مفتوحتين؟ ربما أخرج الكاتب المصري هيثم الورداني «كتاب النوم» (دار الكرمة، القاهرة) ليدحض هذه الثنائية الأخيرة خاصة، منطلقًا من فرضية أن «واقع النوم ليس واقعًا نقيضًا لواقع اليقظة، وإنما هو امتدادٌ له، ولكن بترتيب جديد». في كتاب الورداني ثمة اقتراب دقيق من ذلك العالم الغائب في شرطه الخاص، اقتراب يطمح لقراءةٍ لصيقة، على الرغم من أن من يكتب النوم هو بالضرورة شخص مستيقظ، وبالتالي فلن يتحقق الحلم المستحيل بكتابة من داخل النوم أبدًا. الورداني يُقدِّم رؤيةً لذلك الانقطاع، الصمت الوجودي، بوجدان ناجٍ من النوم.

ترتيب الشعر

النومُ نص غير سردي، إنه يوقف خطية الزمن واطِّراده: «النوم عاجز عن توليد وقائع، ناهيك عن الاحتفاظ بها. امتدادُ النوم وارتخاؤه يجعلان ما يمسك به يتسرب ثانيةً من بين أصابعه، يجعلانه عاجزًا عن مدِّ خطوط أي سردية على استقامتها. النوم الذي تنقطع عنده السرديات ينتمي على الأرجح إلى ترتيب آخر غير عالَمَيِ الحقيقة والاختلاق، ينتمي إلى ترتيب الشعر الذي هو حقائق مختلقة وخيالات واقعية». ربما لذلك قارب الورداني «النوم» ببنية فنية مشابهة، تنهض على سبعة وثمانين مقطعًا قصيرًا متلاحقًا، لا يتجاوز أطولها صفحتين في كتاب صغير القطع وضيق المساحة تؤلفه مئة وأربع وثلاثون صفحة فقط. مقاطع لا يُسيّرها اطِّرادٌ خطِّيٌّ ولا فكرةٌ تنمو. الفكرة في هذا الكتاب تتمدد، وتوسِّع من مداخلها، تاركةً سيل الأفكار المولّدة تتشكل مثل بركٍ صغيرة متماسة، كل منها بوجود خاطف، وتاركةً القارئ يكتب نصه الخاص من خلالها. فالنوم، بخلاف اليقظة، ليس ذلك النص المشترك، الذي يمكن أن يجمعنا في نقطة على اختلاف اتجاهاتنا. النوم نص فردي تمامًا، يختلق فيه كل فرد تعبيره الصامت عن فرديته ووجوده الذي لا سبيل إلى اقتحامه. مقاطع كثيفة، مثل تأملات تومض وتنطفئ في فيض لاهث، كأن اليد تدوِّنها على عجل خشية أن يباغتها النوم، وربما خشية أن تباغتها اليقظة. رغم ذلك، تُراوِح طبيعة المقاطع لتؤلِّف بنية نص يحاول أن يحاكي الشهيق والزفير لجسد ساكن يمور بالعوالم. يبدو الورداني كما لو كان منتبهًا لجسد كتابه بحيث يصبح في الإجمالي محاكاةً لإيقاع النائم، يعلو بطنه وينخفض، يتلقى النفس ويردّه، قد يتلفظ بهمهمات من مونولوغ غائم قُمِع في اليقظة، يراوح بين الحياة لكونه على قيدها والموت لكونه أقرب لصمته وظلمته. في «كتاب النوم» تهمس اللغة، تختار مفرداتها بدقةٍ وقسوة، لغة استبعاد لا مكان فيها سوى لما تعيه الفكرة أو المقولة. الفائضُ اللغوي في النوم هو اللغة نفسها؛ لذا فمقاربة النوم لغويًّا بحاجةٍ إلى تحديدٍ صارم. بذكاء، يُضمِّن الورداني أحلامه، يُسلِّلها من دون أن يفصح عن كونها أحلامًا؛ لتخترق تأملاته في النوم، مستقلةً ومنسلّة، وهو الذكاء نفسه الذي جعله يبتعد من فخ الحديث عن «الحلم»، كمعطى بديهي في كتاب موضوعه النوم، فللحلم جاذبية سهلة وقريبة، كان يمكن أن يشد كتابًا مثل هذا إلى عالمه ولا يُعيده. الأحلام في «كتاب النوم» هي فواصل النوم وليس اليقظة، ليصبح النوم هو المتن والهامش معًا.

أن تنام في سرير العالم

في سياق إذابة الثنائيات، لن يغفل الورداني العلاقة «الجاهزة» بين النوم والموت. هل النوم موت مؤقت أو صغير؟ أم أنه يمكن أن يكون، ليس فقط أحد أشكال الحياة، بل إحدى «ذُراها»؟ يذهب الورداني إلى أن النوم «ليس خروجًا من الحياة، وإنما عودة إلى قلبها السائل المضطرب بالتحوّلات». من هذا التأسيس، ينتقل الورداني إلى علاقة النوم بالفضاء العام، ليقدم رؤيةً ثاقبة لهذه العلاقة الشائكة. والفضاء العام يبدأ من موجودات متجسدة مثل: الشوارع والميادين والمواصلات العامة، وينتهي بأفكار مجرّدة. كيف يوجِد النوم نفسه، هو الفعل المتوحِّد، في محيطه المشترك وهوائه العمومي؟ يُلحّ هذا التساؤل في كتاب الورداني، ولا يخلو من مقاربات ذكية: «يحدث أن يتوقف الحيز الاجتماعي عن أن يكون ساحةً للتفاوض والصراع، ومجالًا لتبادل الآراء والحوار، ليظهر ساعتها ملمحٌ آخر خفي في التجربة الاجتماعية، وهو الصمت المشترك. النوم في المواصلات، أو الميادين العامة، في قاعات الدرس، أو أثناء العمل، هو رفض مضاعف للفعل الاجتماعي؛ إذ إنه لا يحدث في غرف النوم الخاصة، وإنما في قلب أماكن الاحتكاك الاجتماعي التقليدية». يذهب الورداني مباشرةً إلى حلول النوم في أعلى لحظات «التيقظ العام» إن جاز التعبير: «الجسد الراديكالي المتوتر والمحتشد ينبسط وتتراخى أوتارُه، يتخلى عن دفاعاته، مُظهِرًا ضعفه وهشاشته. ومن خلال تراكم وتجاور الضعف والهشاشة، من خلال مشاركة التعب والألم وكشفهما أمام أعين الجميع، يتحوّل النوم إلى مصدر للقوة ووسيلة للتغيير». في جميع محطّاته، يُشيِّد هيثم الورداني طريقًا يسير النوم فيه باحثًا عن شخصٍ يعرفه، و«كتاب النوم»، في بنيته الأشمل، هو يدُ النوم تحاول أن تكتب سيرتها.

«خيانة آينشتاين»  محنة العالِم الرحّال في أوطان الآخر الأميركي

«خيانة آينشتاين» محنة العالِم الرحّال في أوطان الآخر الأميركي

إيريك إيمانويل شميث

 رسول محمد رسول – ناقد عراقي

اختار الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي من أصول بلجيكية «إيريك إيمانويل شميت» في مسرحيته «خيانة آينشتاين» لتناول حياة عالِم الفيزياء الألماني الأصل الأميركي والسويسري الجنسية ألبرت آينشتاين (1879 – 1955م)، الذي هرب من جحيم النازية إلى فضاء الحرية الأميركية لكنه صار تحت سطوة عين الرقيب المخابراتي الأميركي الذي وضع آينشتاين ككينونة مُهاجرة غير مريحة في وقت كانت المؤسسات المخابراتية الأميركية على إدراك عال لأهمية هذا الفيزيائي العِلمية التي قد يستغلها الروس لصالحهم ويستخدمون خبراته ضد المعسكر الأميركي الرأسمالي، وكانت تلك الشكوك الفاسدة موضع إزعاج لآينشتاين ذاته لكنه أمسى ذاك الذي لا حول ولا قوة له فهو المهاجر الذي استبدل الرمضاء بالنار رغم أن آينشتاين كان في سنة 1921م قد حصل على جائزة نوبل في الفيزياء، لكن هذا المنجز العِلمي لم يشفع له أمام العين المخابراتية الأميركية التي كانت تلاحقه في مرحلة حرجة قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية بقسوة رغم أنه أبدى إخلاصه العلمي لوطنه البديل.

تتضمن المسرحية ثمانية مشاهد يشترك فيها «آينشتاين» نفسه، وشخص أميركي أسود «المشرَّد»، ومخبر من (FBI) اسمه «أونيل»، وامرأة تدعى «هيلين دوكاس» لم تظهر إلّا في آخر المشهد الختامي بطريقة فجائية غامضة، وتدور أحداثها قبل الحرب العالمية الثانية نحو سنة (1934م) لتستمر بعدها بسنوات في مدينة «نيوجرسي» بالولايات المتحدة الأميركية التي كان يقطنها آينشتاين.

أميركا الرمضاء

قدم «شميت» بطل مسرحيته آينشتاين على أنه ذلك العالِم الألماني القادم إلى الولايات المتحدة الأميركية هربًا من نازية هتلر، آينشتاين اليهودي الأشكنازي أُمًّا عن جد، لكن شميت لم يركِّز على ذلك الأصل العرقي كثيرًا إنما ظل، وفي أثناء المشاهد الثمانية، يحرص على بيان شخصية آينشتاين بوصفها هدفًا تحت رقابة الاستخبارات السرية الأميركية (FBI)، وجعل من شخصية «أونيل» الشخصية التي تضطلع بالمراقبة ليس بعيدًا من شخصية «المتشرِّد» الذي كان يواجه أسئلة من مثل: «هل انتقد آينشتاين الولايات المتحدة؟ هل تحدَّث حديثًا شيوعيًّا؟»، ومن ثم كان الرقيب يخبر المتشرِّد «أن آينشتاين يريد تلويث الولايات المتحدة بنقلهِ سُمّ الشيوعيَّة. إنه خائن يخدم الحمر»، وكذلك يقول له عن الألمان: «إن يهوديتهم تخفي طبيعتهم»، ومن ثم يقول للمتشرِّد: إن آينشتاين «ألماني، والألماني يبقى ألمانيًّا» كما أن ارتباطه «بالولايات المتحدة غير واضح، فهو لم يعلن حبه لوطننا قط». لعلَّ هذه التوضيحات التي ينقلها أونيل إلى المتشرِّد كفيلة بجعل آينشتاين في مراصد دوائر المخابرات الأميركية السرية له وهو الشخص غير العادي من حيث مكانته العلمية ولا سيما نيله لجائزة نوبل، وهو ما يكشف مستوى الرذيلة التي تمارسها هذه الدوائر المخابراتية بإزاء إنسان لاجئ هرب من جحيم النازية العنصرية إلى فضاء بلد يُعرف بالحرية، لكن «شميت»، وفي هذه المسرحية، يسلِّط الأضواء ساطعةً على زيف هذه الحرية التي يُحاصَر فيها العُلماء والمبدعون والمثقفون من دوائر مخابراتية. في أثناء هذه المسرحية يسعى «شميت» إلى استجلاء طبيعة خطاب آينشتاين المفكِّر والعالِم والإنسان، فهذا الأخير يقول للمتشرِّد: «لا ينبغي للرجال أنْ يقتل بعضهم بعضًا»، و«لا أريدُ أن تقع حرب»، وقوله: «أنا أفضِّل المفاوضات والسمو الأخلاقي على الحرب»، وفي معرض حديث المتشرِّد عن إحراق كتب آينشتاين وسط ساحة عامة في وطنه ألمانيا، كان جوابه: «هتلر لن يتمكَّن من إحراق الفكرة؛ لأن الفكرة هي النار نفسها».

لقد كانت هذه هي مبادئ آينشتاين قبل أن يتورَّط ويقترح معرفته النووية على «فرانكلين روزفلت» لصناعة القنبلة الذريَّة، أما بعد انفلاق القنبلة الأميركية الصنع على مدينة «هيروشيما» اليابانية، أخذ يعبِّر عن ندمه، ويبث إلى المتشرِّد شكواه وأفكاره الأخلاقية في لحظة حرجة لم يمر بها في حياته، فهو يعترف له بأن «أميركا ربحت الحرب لكن الإنسانيَّة خسرت السلام، فيا لها من خيانة! أعْددنا القنبلة لمقاومة الألمان وها هو ترومان يلقيها على اليابانيين»؛ ولذلك «تسبب هاري ترومان في أكبر مجزرة في التاريخ» -عندما أمرَ بإلقاء القنبلة الذرية في أغسطس 1945م على مدينة هيروشيما- ويدافع عن نفسه قائلًا للمتشرِّد: «لم أخترع القنبلة النووية، ولم ألهمها؛ لم تكن معادلاتي تقصد الكارثة، كانت أبحاثي نظرياتٍ خالصةً، أعمالًا فيزيائيةً قاعديةً».

وفي الوقت الذي اقترح فيه آينشتاين على «روزفلت» أن هتلر سينتج قنبلة نووية، نراه يندم على ذلك حتى يقول: «أنا لا أحمِّل نفسي شيئًا واحدًا، إني راسلت روزفلت؛ لأني علمتُ أخيرًا أن الألمان لم يكونوا متفوِّقين كما كنّا نعتقد. ولو كنتُ أعلم أن النازيين سيخفقون في صناعة القنبلة النووية، ما كنت لأتكلَّم، كنتُ أجهل أن هتلر ثبط العُلماء متخلِّيًا عن البحث النووي». وفي لحظة ندمٍ يداهم آينشتاين البكاء، فيقول: «لم أفعل شيئًا لكن لن أسامح نفسي». وصار يعتقد، كما قال سابقًا بأن «لغز البشر دنيء»، ليكرر قوله: إن «الشر بشري وليس إلهيًّا. ومن الآن فصاعدًا أصبحت للإنسان الوسائل ليدمِّر نفسه ويفني كُل مظاهر الحياة»، ولاحَ تشاؤمه أكثر عندما قال: «أصبحت نهاية الثقافات المتعدِّدة حروبًا عالميَّة، ومعسكرات للاعتقال، وقنابل نووية وهيدروجينية لم تصْنَع غير الموت». ويعترف للمتشرِّد بأنه أصبح له ضحايا بمئات الآلاف بل الملايين في الغد القادم، ستفوح منها رائحة الجثث المتحلِّلة. وأخذ يجلد نفسه ندمًا بقوله: «أنا أَحَد أكبر المنتجين للنفايات على هذه الأرض»، ولهذا كان يحلُم بذلك اليوم الذي «تتخلَّص فيه البشرية من العنف والخوف.. ويجب تجريد العقول من أسلحتها قبل أن نجرد الجنود من أسلحتهم». لينتهي إلى وصف نفسه بأنه «ملاك طوعي وشيطان على الرغم منه».

غريب الدار

في خضم ذلك، راح يدعو إلى توقيع «نداء للسلام»، وهو ما كان يثير دوائر المخابرات الأميركية حتى إن «أونيل» أوصى إدارته بضرورة الاستمرار في مراقبة هذا النزيل الألماني في الدِّيار الأميركية، وأوصى بأن «يخضع إلى مراقبة عالية، يخضع كُل شيء؛ بريده، نفاياته، مُكالماته، زواره، لا نترك أيَّة تفاصيل جانبًا. لقد بدا هذا الفيزيائي الألماني غريب الدار في نيوجرسي، بدا مهاجرًا يعيش ألم الخديعة التي كرهها؛ بل الغباء الذي تجنبه في حياته فسقط في حبائله حتى إن المتشرِّد صار يقارن نفسه به لينتهي إلى نتيجة مُعاكسة عندما قال لآينشتاين: «في الواقع أنتَ المتشرِّد، وبلا جذور، وبلا هويَّة، والغريب من كُل مكان». لقد اعترف آينشتاين بالخيانة، خيانته للإنسان والإنسانية لا خيانته لألمانيا أو أوربا أو أميركا؛ فقد كان في موضع المغدور به عندما استمع إلى زملائه العُلماء بأن يقترح على سياسيي أميركا وعسكرييها بضرورة صنع قنبلة ذريَّة قبل أن يحوزها هتلر، لكنه لم يكن يعْلم أن هتلر عزف عن صناعة القنبلة، فصار الأمر إلى أميركا التي استخدمتها لا لقتل ألمان هتلر، كما ظن هو غباءً، إنما لقتل اليابانيين ليؤكِّد قوله: «إن أميركا ربحت الحرب لكن الإنسانية خسرت السلام، يا لها من خيانة! أعددنا القنبلة لمقاومة الألمان وها هو ترومان يلقيها على اليابانيين!». لقد صدرت رواية «خيانة آينشتاين» بالفرنسية عام 2014م، ووجدتْ طريقها إلى العربية مؤخرًا بترجمة «سعيد بوكرامي» لتصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب «سلسلة المسرح العالمي/ العدد 388» بالكويت، بمراجعة الدكتورة نادية كامل، وتقديم الدكتور محمد شيحة.

الأدب والحياة قراءة في يوميات فرناندو بيسوا

الأدب والحياة قراءة في يوميات فرناندو بيسوا

فرناندو بيسوا

 صدوق نور الدين – ناقد مغربي

يرسم «أدب اليوميات» صورة عن حياة الكاتب، وبخاصة في الحالات التي يغفل فيها عن تدوين سيرته الذاتية. ويحدث، تحقق الجمع بين الكتابة في أدب السيرة، واليوميات، والمذكرات والرسائل، علمًا بالتقارب أو التجاور الذي يَسِم هذه الأجناس الأدبية -إذا حق- ما دام المنطلق الرئيس تشكيل صورة عن الذات، وأيضًا التفاوت المتمثل في الخاصات التي يتفرد بها كل جنس عن الآخر. فاليوميات التي تهمنا -أساسًا- يتحقق التركيز فيها على مكون الزمن؛ إذ يذهب الباحث الفرنسي «جورج ماي» في كتابه «السيرة الذاتية»، إلى كون مفهوم اليوميات يتحدد في الكتابة يومًا بيوم. واللافت أن من أبرز التجارب الإبداعية في «أدب اليوميات» يوميات: «أناييس نن»، «سلفادور دالي»، «كافكا» و«تشيزاري بافيزي». أمّا عربيًّا فتستوقفنا «يوميات نائب في الأرياف» (توفيق الحكيم)، و«جان جنيه في طنجة» (محمد شكري)، و«خواطر الصباح» (عبدالله العروي)، و«يوميات سرير الموت» (محمد خير الدين)، و«يوميات ميونيخ» (حسونة المصباحي).

نشرت يوميات الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا في عام (2007م) بالبرتغال، وهي اليوميات التي أقدم الشاعر المهدي أخريف على ترجمتها (دار توبقال/2017م)، وكان فيما سبق أسهم في ترجمة كتابه اللافت «اللاطمأنينة» (المركز الثقافي العربي/2015م). ويبدو للمتلقي الحصيف، أن الصوغ الذي أنجز في ضوئه كتاب «اللاطمأنينة» يوحي في قسم بالكتابة اليومياتية التي تتجلى في الرهان على الشذرية وكثافة الاختصار، بعيدًا من سرد التفاصيل.

وتغطي يوميات «فرناندو بيسوا» السنوات من (1906م) إلى (1915م)، علمًا بأنه يحدث ألا يدوّن كاتب اليوميات شيئًا عن سنة؛ إما لعامل النسيان، أو القيمة الممنوحة للحدث. بيد أن ثلاث خاصات وسَمَت هذه المذكرات مثلما ورد في مقدمة المترجم «المهدي أخريف»:

الخاصة الأولى: تتمثل في تشميل اليوميات جوانب دقيقة من حياة بيسوا المبكرة طالت مستواه الدراسي وتكوينه الثقافي.

الخاصة الثانية: كون منجز اليوميات صِيغَ في جانب منه باللغة الإنجليزية: «لقد كتبت أجزاء عديدة من هذه اليوميات بالإنجليزية في الأصل. وهي لغة الدراسة والتكوين في جنوب إفريقيا». (المقدمة).

الخاصة الثالثة: تتمظهر فيما طبع اليوميات من انفتاح وتجاور لأكثر من نوع كتابي: الخطاطات، والملاحظات، والبيوغرافيا والببليوغرافيا. واللافت أن هذا التجاور طالعنا في رسائله التي ظهرت مؤخرًا، والدالة على روافده الثقافية وتعدد حقول الكتابة شبه الموازية لتعدد الأسماء التي كان يحملها، ولئن كان المهيمن الإبداع الشعري. «أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية، مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء، وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون… وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه ذاهلًا من سقطته». (ص/8)

***

ويمكن القول بأن المعنى الذي تعمل هذه اليوميات على إنتاجه يتحكم فيه منطق الزمن من حيث التتابع الموازي -على السواء- لما تعرفه الشخصية من تحولات نفسية وفكرية. من ثم يحق تصنيف مستوياته إلى ما يرتبط بالتكوين، والتثقيف، والإبداع والجانب النفسي والإنساني.

أ ـ التكوين: يحيل عليه الجانب الدراسي، ويتمثل في تنوع واختلاف المواد التي يتحقق دراستها. واللافت أن اليوميات المدونة بصدد هذا المستوى، ترتبط -كما سلف- بالمراحل المبكرة في حياة الشخصية: «سنة دراسية عليا. درس جغرافيا بالإنجليزية». «حضرت درس الفرنسية». «درس في التاريخ رتيب، وإن كان راموس (الأستاذ) مسليًا جدًّا» «درس في فقه اللغة».

ب – التثقيف: ويركز فيه على الجانب الفلسفي قديمه وحديثه، من دون الغفل عن الأدبي. وكأن «بيسوا» في هذا المستوى يعي مطلق الوعي بأن ما يثير عملية التفكير ويخلف قلق السؤال، هو الرهان على المرجعية الفلسفية التي تقتضي توظيف الحس النقدي كتعليق، وإبداء ملاحظات واستخدام في سياق عملية الإنجاز الإبداعي: «لم أذهب إلى الجامعة. كنت في المكتبة أقرأ الأورغانون لأرسطو». «في المكتبة، قرأت ويبر، تاريخ «الفلسفة الأوربية»، و«المدرسة الإيونية»، و«طاليس»، و«أنكسيمندر» و«أنكسيمينيس»: كتاب محكم. دونت ملاحظات». «ما زلت في عطلة. في المكتبة الوطنية بدأت بقراءة «نقد العقل الخالص» في الترجمة الفرنسية لبارني».

ت – الإبداع: يتحدد مفهوم الإبداع لدى بيسوا من خلال هذه اليوميات، في الاعتبار الذي يولي الأهمية للإبداع عن العيش. والأخير يفهم كمطلب جسدي حياتي، من ثم يورد «بيسوا» في هذه اليوميات سيرة الكتابة كنثر (نموذج مجموعة «الباب» المترجمة مؤخرًا).

وأيضًا ككتابة شعرية: «العيش ليس ضروريًّا. الإبداع هو الضروري». «واصلت كتابة «الباب»… ووددت لو كتبت هذا بأسلوب أفضل. لكن قدرتي على الكتابة تلاشت». «بعد عودتي إلى المنزل خططت ليلًا لقصيدتين بالإنجليزية».

إن ما يَسِم مستوى الإبداع، التنوع. وسواء أتعلق بالنثر أو الشعر فلقد تفوق فيهما «بيسوا» بشكل كبير.

ث – الجانب النفسي والإنساني: ونستكشف انطلاقًا منه واقع الشخصية المبدعة ومعاناتها غياب الحب، واهتزاز ثقة الذات، وهو ما قد يتولد عنه التفكير في مصاير ومآلات (قد) تلحق الأثر السلبي على الشخصية: «أنا كائن خجول. لا يروقني إطلاع الآخرين على انشغالاتي».

  «لا محبوبة عندي ولا رفيقة حلوة عدا ما تجود به علي تخيلاتي المحبطة تمامًا في فراغ مطلق»، «بوسع المرء أن يعاني ببذلة حرير نفس ما يعانيه في كيس أو تحت غطاء ممزق»، «لكنني أعاني. أعاني حد الجنون».

***

يتضح مما أقدمنا عليه، أن يوميات فرناندو بيسوا، صورة جد دقيقة عن شخصيته، وبخاصة من حيث التكوين الذي خضعت له، والمؤهل لما غدت عليه من بعد وصيت عالميين. إنها بمثابة صورة عن ثقافة المبدع، والمبدع المثقف، وهو ما يتيح للتلقي النقدي إمكانات استجلاء المرجعيات المعتمدة حال الإنجاز الإبداعي. وهي المرجعيات الجامعة بين الفلسفي والأدبي. ويحق – على السواء – اعتبار هذه اليوميات جزءًا من سيرته، إذا ما ألمحنا للتحديد الزمني (1906/ 1915م). وهو الجزء المستكمل للوارد في رسائله. على أن التحديد السابق يوحي (وهو ما لم تشر إليه المقدمة)، بأن ثمة قسمًا آخر من يومياته لم يعمد إلى ترجمته ونشره. ويمكن القول ختامًا بأن ترجمة هذه اليوميات، يشكل إضافة لأدب اليوميات الذي بدأ يعرف تداولًا موسعًا على مستوى الترجمات الأدبية العربية؛ إذ من الممكن أن يدفع ذلك العديد من الكتاب والمبدعين العرب إلى تدوين يومياتهم في غياب سيرهم الذاتية، أو بالموازاة والسير، وهو ما سيغني هذا الجنس الذي ظل شبه مجهول، اللهم إلّا من التجارب المذكورة سابقًا.