الأساطير المؤسسة لـ«الإسلام السياسي».. عبادة الماضي وتكفير المجتمع والبحث عن الإمبراطورية المفقودة

الأساطير المؤسسة لـ«الإسلام السياسي».. عبادة الماضي وتكفير المجتمع والبحث عن الإمبراطورية المفقودة

  – خاص

تتقدم جماعات الإسلام السياسي الأحزاب والتنظيمات السياسية، في استدراج جموع غفيرة من الناس واستقطابهم، ولم يعد تجاهل تأثيرها البالغ في الأوساط السياسية العربية والإسلامية خافيًا على أحد. هذا الأمر يدفع إلى تفكيك خطاب هذه الجماعات وطرح عدد من الأسئلة الشائكة حول مقولات هذا الخطاب ومداميكه الأساسية. وبحسب بعض الباحثين فإن جماعات الإسلام السياسي تنطلق في عملها من مجموعة مقولات، لا يمكن تحققها في الواقع، ويصفها بعضهم بالأساطير، بداية في الحث على قتال المخالفين تحت عناوين «الفريضة الغائبة – والميتة الجاهلية» وصولا إلى أن المجتمع كافر وفي حالة جاهلية كما كان المجتمع المكي في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا بد من هجرته كما هاجر الرسول من مكة، إلى حين إعداد العدة والعودة لفتحه كما فتحه الرسول صلى الله عليه وسلم قديمًا.

هذه المقولات والتمثلات التاريخية، في رأي مهتمين بفكر هذه الجماعات، جعلت فكرهم أشبه بالأفكار الرومانسية الساذجة، وطبعت كل أفعالهم بنوع من السطحية سواء في قراءة النصوص أو تأويلها، ومن ثم الاستنتاجات المترتبة على ذلك، وهكذا في نهاية المطاف يقف الدارس أمام خطابات زائفة ومعادية للواقع وداعية في جملتها للانتحار الإنساني، إلا أنها من ناحية أخرى، جعلت من اختراق المجتمع والتلاعب بعواطفه ووجدانه هدفًا سهلًا لهذه الجماعات. يرى الراحل الدكتور محمد حافظ دياب في كتابه «سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا» أن الخطاب لدى الجماعات الإسلامية يمارس قطيعته في صوغ أفكار ومفاهيم وفرضيات لا تقبل الجدال، فرضيات يكرسها ابتعاده كخطاب عن المنظومات المعرفية كافة، ورفضه الاعتراف بحجية أو شرعية مبادئها. ومن اللافت بقاء المعنى في فضائه الرمزي غير قابل للتجزئة أو الاقتحام أو التعيين (المنهج هو الإسلام، الأمة دار تحكمها العقيدة، الحاكمية لله، المجتمعات المعاصرة كلها جاهلية، البعث لن يتم إلا عن طريق عصبة مؤمنة).

تطرح «الفيصل» أسئلة حول هذه الأساطير أو المقولات التي يتأسس عليها ما يسمى جماعات الإسلام السياسي، وإلى أي حد هذه المقولات بعيدة من الواقع؟ وكيف يتم التسليم بها من شرائح واسعة في المجتمع؟ وإلامَ تسعى هذه الجماعات من خلالها؟ في محاولة لفهم هذه القضية، بوصفها شاغلًا رئيسًا لعدد من البلدان العربية.

عبدالمنعم الأعسم: الفشل والاستحالة

عبدالمنعم الأعسم

تنطلق جماعات الإسلام السياسي من اختزال التاريخ إلى مقولات انتقائية عن «التفويض» بحيث تعطي لنفسها الحق المطلق في تقرير مصاير الإسلام والمسلمين، كما تحتكر الفتوى فيما يتعلق بهوية الدولة التي تتطلع إلى إقامتها على أساس ديني، وتنأى عن كل مجادلة مع غيرها من التيارات المجتمعية. علينا دائمًا الأخذ في الاعتبار الفشل الذي واجهه قادة الحركة الإسلامية الباكستانية بعد الاستقلال عن الهند وإصرارهم على إقامة نظام ديني، وقد اعتقلت السلطاتُ أربعةً من كبار أولئك القادة، وفي المحكمة وجَّه قاضي المحكمة لهم سؤالًا عن شكل النظام الديني الذي يعتقدون أنه ملائم لباكستان، فكانوا مختلفين فيما بينهم في الإجابات اختلافًا هائلًا.

وإذ تجد جماعات الإسلام السياسي نفسها في استحالة إخضاع الواقع إلى الوصفة التي يسعون إلى فرضها على دولهم؛ فإنهم يلجؤون إلى اللاعقل في حساب تناسب التصورات مع احتياجات التنمية، ووضع الثروات قيد خطط واقعية، إنهم يجهلون دور القوى الذاتية في التنمية، وكيفية التعامل مع تلك القوى بما يجعلها ضامنة للمواكبة، وبناء اقتصاديات التنافس، ومواجهة شروط سباق السوق المحموم نحو الربح. بل إنهم يؤمنون بمعادلات غامضة ومضطربة لعملية تحقيق الأرباح وفق منظر الإسلام المسيّس. فمن جهة يناهضون منطق الربح كآلية اقتصادية رأسمالية، ومن جهة ثانية يضعون كل ثقلهم في عمليات تؤدي إلى الربح لكن عبر سلسلة من الإجراءات الشكلية التي تعطيها طابعًا دينيًّا تقليديًّا.

أما في السياسة فقد ارتكبت جماعات الإسلام السياسي شنائع في التنظير والممارسة والتطبيق لإنتاج قواعد للتطرف، عبر القفز فوق الحقائق الجديدة للعصر، وأهمها بطلان الحاجة إلى استخدام القوة والعنف في مواجهة المشكلات بين الدول، وأحلت مفهومًا غريبًا لـ«الجهاد» لا يعترف بحدود وسيادات الدول، ولا بحق الشعوب في اختيار الحكم الذي يناسبها، وبلغ الأمر بها أنْ كفّرت أُممًا وشعوبًا وحكومات، وفرضت عليها توصيفات من خارج قواعد المعاهدات والمواثيق الدولية.

كاتب وباحث عراقي

عمار علي حسن: رومانسية الرؤية والخيال

هناك العديد من الأفكار الفاسدة التي قامت عليها الجماعات الإسلامية، وذلك نظرًا لقراءتهم للتاريخ والأحداث بشكل خاطئ، فضلًا عن معاكستهم لمنطق الحياة، فبدلًا من السير إلى الأمام، يسيرون إلى الخلف، ومنطلقاتهم أسطورية بالفعل؛ إذ إنها تتمتع بمنطق رومانسي في الرؤية والخيال، فضلًا عن استحالة استحضار الماضي، فما بالنا بأن هذا الماضي لم يكن موجودًا، بل إنه لا يزيد على كونه نوعًا من الخيال في التدوين التاريخي، وذلك لأنه يخالف الطبيعة البشرية، أو يفوق قدرتها على الاحتمال، ولا ينطبق عليه مبدأ ابن خلدون في نقد التدوين التاريخي، هذا المبدأ القائل بقياس الشاهد على الغائب، أي أننا نقيس الأمور على قدر وطاقة الإنسان الحالي، فإن كان يحتمله فما قيل في الماضي محتمل، وإن كان بمقدور الإنسان أن يفعله، فبمقدور أهل الماضي أن يفعلوه، أما إن استحال ذلك فهو ضرب من الخيال، ومن ثم فالعديد من أفكار ومنطلقات الجماعات الإسلامية هي من قبيل الأساطير والأوهام.

عمار علي حسن

الأفكار والمنطلقات الفاسدة لدى الجماعات الإسلامية؛ أولها الشكل الإمبراطوري لتاريخ المسلمين، والتعامل مع الخلافة بوصفها فريضة غائبة ويجب إعادتها، وثاني هذه الأفكار هو تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، أما المقولة الثالثة فهي اعتقاد كل جماعة منهم أنها تشكل صحيح الإسلام، ورابع أفكارهم الفاسدة هو الإسلام المخترع، أو ما يعرف بتاريخ المجتمعات الإسلامية، والاعتقاد بأن هذا التاريخ هو صحيح الدين، وخامسها هو الاعتقاد بأن المسلمين أفضل من غيرهم، وهو أسطورة يشترك فيها أصحاب الديانات الثلاث. فاليهود يقولون: إنهم شعب الله المختار، والمسيحيون يقولون: إنهم ملح الأرض ونور العالم، والمسلمون يقولون: إنهم خير أمة أُخرجت للناس، وهذا الاشتراك يدلنا على مدى أسطورية ورومانسية الفكرة، فكل أصحاب أي دين يسعون لتفضيل أنفسهم على الآخرين، جاعلين منهجهم هو الأصوب والأهم والأفضل، وما انسحب على فكرة اعتقاد كل جماعة داخلية أنها الوحيدة التي على صحيح الدين، ومثلما كفر كل أصحاب دين غيرهم، فقد كفرت كل فرقة غيرها، انطلاقًا من أن كل الفرق في النار وأن ثمة فرقةً واحدة هي الناجية.

الإيمان بالحتمية التاريخية إحدى الأفكار الأسطورية الفاسدة التي اخترعها الإسلام السياسي، وهم لا يختلفون فيها عن الشيوعيين الذين قالوا بحتمية ثورة البروليتاريا وقيام الدولة الشيوعية العظمى، وكذلك قال الليبراليون بنهاية التاريخ، وأن ما وصلت إليه الحضارة الغربية الآن هو نهاية التطور البشري، وكذلك قالت الجماعات الإسلامية بأن النصر حليفهم في النهاية، وأنهم سيعيدون إقامة المجتمع الإسلامي من جديد، فهو كفرَ وضلَّ وأَصبح بحاجة إلى إعادة فتحٍ مثلما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة. ومن ثم فقد عاشوا في الماضي، وتصوروا أن خطى التاريخ تسير نحو الانتصار الحتمي للخلف وليس للأمام، حيث يمكن استعادة التاريخ القديم، ومن ثم استعادة العالم الإسلامي، انطلاقًا من أن الحضارة العربية لم تقم إلا لأن السلف كانوا متمسكين بدينهم، وإذا تمسكنا بالدين وتمثلنا بمقولاتهم فإننا سوف ننهض ونقيم أمجاد الأمة وحضارتها من جديد.

باحث في شؤون الإسلام السياسي

قاسم الخطيب: مصطلح مسيء للإسلام

قاسم الخطيب

مصطلح «الإسلام السياسي» في حد ذاته كلمة مسيئة للإسلام، وقد خرجت في سوريا المظاهرات الشعبية العارمة من المساجد والجوامع والجامعات هاتفة بشعار «الحرية والمواطنة والمدنية ودولة القانون»، هؤلاء هم الثوار الباحثون عن التغيير السلمي والوصول إلى دولة عصرية جديدة لا مكان فيها للطائفيين والحاقدين والعنصريين. من أوجد داعش السنية هو نفسه من أوجد داعش الشيعية. وفي المحصلة اعتُقل طلاب الحرية وأُودعوا سجون الظلم والظلامية. ونحن دومًا نعوّل على توجهات أهل الثورة المدنيين الديمقراطيين التعدديين وهم الأغلبية بالمناسبة. ونتحدث بلسان حالهم، بل نمثلهم إذا تطلب الأمر؛ لأننا طلاب سلامٍ واستقرار وخلاص، ولسنا دعاة جهادٍ، وحق الدفاع عن النفس مشروع، وأقرَّته المواثيق الدولية، ناهيك عن الديانات السماوية كلها.

عضو الأمانة العامة لتيار الغد السوري

محمود إسماعيل: الحاكمية ورومانسية إحياء الماضي

أصحاب اليوتوبيات ينطلقون دائمًا من الواقع إلى رحاب اليوتوبيا، وهكذا فعلت جماعات الإسلام السياسي ومفكروها وتابعوها، ومن ثم فهم يعيشون في عالم غير الذي نعيش فيه، فهم ماضويون سلفيون، يريدون إحياء الماضي لإلباسه ثياب المستقبل، والأمر الأكثر شناعة هو أن الماضي الذي ينطلقون إليه ليعيشوا فيه لا يعرفونه، ولا يعرفون صحيح الدعوة من الأساس. الحاكمية مبدأ أكثر رومانسية من كل المبادئ، ففيه يذهبون إلى أنه لا حكم إلا لله، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن النصوص الواضحة التي وردت فيها أحكام الله، وماذا عمّا لم يرد فيه نص واضح وصحيح؛ هل تتوقف الحياة أم نجتهد؟ وحين نجتهد فنحن نعمل بحاكمية الله أم أننا خرجنا عليها؟ وإذا كنا نعمل بها، فلِمَ نعطِّلها في أمور ونسيِّرها في أخرى؟ وكان الأشاعرة هم الذين ينطلقون من هذا المبدأ، ومن ثم كان ابن رشد يسميهم السفسطائيون.

محمود إسماعيل

توجد ضرورة لتجديد الفكر الديني وليس الخطاب الديني فقط؛ لأنه لا قيمة لخطاب لا تنطبق لغته على مضمونه ومغزاه. وإذا ما جرى تجديد الفكر يتجدد الخطاب تلقائيًّا، ثمة التباس في مفهوم مصطلحي «التجديد» و«الإصلاح»، فالتجديد لا يمس ثوابت العقيدة، بقدر ما يعني تجديد الشريعة، وذلك عبر تجديد علم أصول الفقه. لقد أسهم علماء أصول الفقه القدامى بجهد كبير في وضع أصول هذا العلم وقواعده، تلك القواعد هي التي يلتزم بها المشرِّع في استنباط الأحكام، ومن ثم فمن الضرورة تجديد تلك القواعد من خلال معطيات الواقع المتغير دومًا، وذلك عن طريق المراجعة والحذف والإضافة؛ كي يتسق مع الواقع الذي يتعامل معه. وهو ما جعل التجديد ضرورة عملية نصّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَن يجدِّد لها دينها».
أما «الإصلاح» فيعني أن أمرًا ما قد اعوجّ، ومن ثم تدعو الحاجة إلى تقويمه بإعادته إلى سابق وجوده. هذا من حيث اللغة، أما من حيث المعنى «التاريخي» فالأمر أكبر من تقويم المعوجّ؛ ذلك أن حركة الإصلاح الديني في أوربا استهدفت إلغاء الأفكار والمفاسد التى عجت بها تفاسير اللاهوتيين برمتها لأمور العقيدة والشريعة في آنٍ. فالحركة البروتستانتية لم تكن مجرد إصلاح بقدر ما كانت ثورة على اللاهوت برمّته، وذلك بالعودة مباشرة إلى الكتاب المقدس، وهدم الفكر الكنسي برمته.

باحث مصري

سعادة أبو عراق: مصر أصل الشجرة

سعادة أبو عراق

أولًا- بعد أن أرسى رفاعة الطهطاوي أفكارًا حديثة في معنى الدولة والمجتمع، وراحت مصر تتجه نحو الدولة الحديثة في التصنيع والتقدم، وأصبحت جاذبة لكل المتنورين من العرب والمسلمين مثل: جورجي زيدان، والأفغاني، والكواكبي، ومحمد رشيد رضا وغيرهم، قبيل استعمارها عام 1882م، لم يكن الأزهريون قد تنبهوا إلى هذا التقدم في المجتمع، في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والدينية، هنا شعر الأزهريون أن البساط قد سحب من تحت أرجلهم.

ثانيًا- لم يستطع الأزهريون أن يتفهموا المرحلة، فبدلًا من أن يسيروا معها ويطوروا مناهجهم الفكرية، راحوا يقاومون هذه التغريب الفكري، لا من خلال فكر مضاد، بل رفض مطلق لما جاء به الغرب، على أنه تشبه بالكفار.

ثالثًا- أنشئت جماعة الإخوان المسلمين التي كان دورها هو مقاومة التحديث، من خلال شتم وتسخيف كل من أسهم في تحديث مصر من أدباء وعلماء وسياسيين وفنانين وغيرهم، انظر كتاب الدكتور محمد محمد حسين «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر». ولكنه لم يذكر عملًا جديرًا قام به الإسلاميون.

رابعًا- حينما اجتذب حسن البنا أعدادًا كبيرة من الإخوان، أصبح لهم قوة يجب استعمالها فاغتالوا النقراشي، وهنا تحولت الجماعة إلى حزب سياسي.

خامسًا- لكنهم كانوا يفتقدون إلى شخصية كاريزمية سياسية تجمع الناس وتقيم دولة، وهذا أبقاهم خارج الفعل السياسي؛ لذلك راحوا ينادون بدولة إسلامية يقيمونها بأنفسهم.

سادسًا- يعتقدون أن دولة الخلافة الإسلامية بنيت على الإسلام، لذلك يجب إعادة التاريخ وبناء دولة على الإسلام، ولم يعلموا أن الدول مرتبطة بالزمان والمكان وليس بالتاريخ.

سابعًا- لم يقنعنا سيد قطب بضرورة بناء دولة إسلامية، فهل الإسلام مزيف في مصر؟ لذلك راح يقول بجاهلية القرن العشرين، وهو كلام من السهل تفنيده.

ثامنًا- يتمسكون بارتباط الدين بالسياسة طمعًا في أن يكون الحاكم من الإسلاميين، فإن اعتقدوا بفصل الدين عن الدولة فمعنى ذلك أن يزاحمهم على السلطة آخرون، ومن هنا كانت معاداتهم للعلمانية.

تاسعًا- أساليب تفكيرهم القديمة تعتمد على النقل، لذلك لم يكن خطابهم يرتقي للطبقة المتعلمة الواعية؛ لأنهم لا يملكون مفكرين، بل شيوخ جوامع يتوجهون إلى طبقة العامة.

عاشرًا: استثمروا حب الناس وتوقيرهم الموروث لرجال الدين، ليَحتَموا به من الانتقادات التي توجه إليهم على أنها انتقاد للدين ذاته.

حادي عشر: استثمروا كره الشعوب العربية للحكام الانقلابيين، ليطرحوا أنفسهم بديلًا لهؤلاء، ويقولوا: جربونا فقد جربتم كل الأطياف.

هذه الأفكار الساذجة غير المدروسة جعلت من السهل إنشاء حركات إسلامية ممولة من الخارج؛ لتدمير الدول العربية مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا باسم الإسلام.

باحث عراقي في شؤون جماعات الإسلام السياسي

شريف يونس: الإمبراطورية المفقودة

شريف يونس

كل مقولات وأفكار الإسلام السياسي تنطلق من أسطورة واحدة، وهي فكرة الإمبراطورية الموعودة من قبل الله لهم، والأمر يتوقف لديهم على السعي لإقامة هذه الإمبراطورية من خلال تنفيذ الأجندة نفسها التي قام بها السلف الصالح، فتحققت لديهم إمبراطوريتهم القديمة التي تمثلت في الخلافات سواء الرشيدة أو الأموية أو العباسية أو حتى العثمانية، فإذا التزموا بهذه الأجندة فسوف تستعاد تلك الإمبراطورية المفقودة منذ زمن العباسيين.

الرومانسية التي يتمتع بها الإسلاميون تهيئ لهم الأمر على أن العرب هم العالم، في حين أن تعداد المنطقة العربية كلها يُراوِح ما بين 300 مليون إلى 350 مليونًا، بينما تعداد الصين وحدها 1.4 مليار نسمة، والهند 1.1 مليار نسمة، وأميركا 350 مليونًا، ودخل المنطقة العربية كلها بما فيها من بترول وثروات أخرى لا يزيد على دخل بلد كفرنسا. الموضوع بالفعل رومانسي كثيرًا، ولا ينظر بواقعية إلى موازين القوى التي بيننا وبين المراكز الأخرى من العالم. مشكلة الإسلاميين أنهم اعتبروا الدين هو واعد بالإمبراطورية، ومن ثم فتدينهم وخطابهم وكل ما لديهم من أساطير ومنطلقات إنما جاءت لخدمة هذا الغرض.

باحث مصري في علم الاجتماع السياسي

رفعت السعيد: أساطير البنا

رفعت السعيد

المشكلة الحقيقية هي أن جماعات التأسلم السياسي تحاول أن تعطي أفعالها وآراءها نوعًا من الأسطورية التي تجعل التابعين لها مؤمنين بها ومصدقين بكل ما يقوله رؤساؤها، فحسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين أحاط نفسه من اليوم الأول بهالة لا تصلح إلا للأنبياء، فقد ذكر أن والده قال له: (فلينجينك الله يا ولدي، إذ تركتك أمك وعادت لتجد أفعى كبيرة تنام على صدرك لتحميك، وعندما سقطتَ من الدور الثالث سقطتَ في بركة من الطمي اللين كي ينجيك الله). هكذا أحاط البنا نفسه بهالة وقداسة ونوعٍ من النذر الإلهي على نحو ما يحدث في الأساطير الإغريقية، وذلك ليقنع أتباعه أنه مشمول بالرضا الإلهي والإيمان الرباني، ومن ثم فقد قارنوا الأفغاني بالبنا قائلين: إن الأفغاني كان مؤذنًا، في حين أن البنا كان منبهًا عن حقيقة الإسلام. وظلوا يؤكدون على أن البنا شيء كبير حباه الله ما لم يعطه الآخرين. البنا حينما كان يريد أن يخدع المحيطين به فإنه كان يخدعهم بأكاذيب ترتدي ثيابًا دينية، فهو عمل لحساب هتلر وتلقى دعمًا منه ثلاث مرات، وكان في كل مرة يتقاضى خمسمئة جنيه، وهذا مثبت في وثائق وزارة الخارجية البريطانية الموضوعة في المتحف البريطاني، وحين سأله أتباعه عن ذلك قال لهم: لقد علمت أن ألمانيا وإيطاليا واليابان قررت أن تتجه إلى الإسلام، وأصبحت تدرس اللغة العربية كلغة رسمية، ومن ثم كتب إلى رؤساء هذه البلدان لتفهمهم طبيعة الإسلام. ومن أجل هذا سرت شائعة بأن هتلر أَسلمَ وأصبح اسمه محمد هتلر، وحين نجا من محاولة اغتيال قيل: إن الله قد نجاه لأنه آمن به وبكتبه.

والذي يؤكد هذه المقولة هو أن الله ناصر عباده، ومن ثم فإن الله سينصرهم قطعًا، ولك أن تتخيل أن صالح سرية في السبعينيات شكَّل تنظيمًا من 16 طالبًا (تخيل 16 طالبًا) وقرر أن يقوم بانقلاب أو ثورة على نظام السادات، وذلك انطلاقًا من أنه كم من فئة قليلة هزمت فئة كثيرة بإذن الله، وبالتالي جلس فكتب البيان الذي سيذيعه بعد أن يستولي على السلطة. وشكري مصطفى مؤسس التكفير والهجرة وقف أمام القاضي قائلًا: إنه سيقتله برصاصة في عينه اليسرى؛ لأن العين اليمنى مسلمة ولا يجوز إهانتها، وكان يرى أن المطبعة كفر؛ لأنها من عمل الكفار، ومن ثم كان يصرّ على كتابة كتبه ومقالاته بخط اليد، ويجعل الآيات بالزعفران والحبر الأحمر، بينما كلامه هو بالحبر الأسود، ولكن حين قرر اغتيال الشيخ الذهبي قتله بمسدس من صنع الكفرة وأدوات الكفرة، انطلاقًا من «وأعدُّوا لهم ما استطعتم». وحين قُبض عليه ودخل غرفة الإعدام جاءه شيخ ليُلقِّنه الشهادة حسب ما هو معتاد ومعمول به، فقال له الشيخ: اطلب من الله المغفرة، فرد عليه: اطلب منه أنت أيها الشيخ الكافر، أما أنا فعاصفة ربي ستأتي لتنجيني.

صالح سرية وشكري مصطفى هما الامتداد الحقيقي لسيد قطب، وحين تقرأ التحقيقات في اغتيال السادات تجد نفسك أمام أناس تتعامل بسذاجة نادرة، فحين قرر خالد الإسلامبولي قتل السادات أرسل طالبًا الإذن من عبود الزمر، فرفض الأخير قائلًا: إنهم لو قُبض عليهم سوف يجرون الجميع إلى الهاوية، لكن محمد عبدالسلام فرج قال له: إن الأمن سواء نجح الأمر أو فشل سوف يقتلونهم، ومن ثم سوف تختفي كل الخيوط المؤدية إلينا معهم، فوافقه الزمر، لكن رغم نجاح العملية ومقتل السادات لم يقتلهم الأمن، وقُبض عليهم، واعترفوا بكل شيء.

الرئيس السابق لحزب التجمع المصري

(أدلى بهذا الحديث لـ«الفيصل» قبيل رحيله)

أحمد زايد: الأساطير الخمس

أحمد زايد

الإسلام السياسي في شكل عام لديه خمس أساطير أساسية، أولها: تقديس الماضي، فمن المعروف أن التاريخ هو الخلفية التي يتربع عليها الحاضر الذي نعيش فيه، وينبني عليها المستقبل، ومن المعروف أيضًا أن أهم خصائص الحداثة هي الانعكاسية أو نقد المجتمع من أجل التوجه نحو المستقبل، لكن الإسلاميين قاموا بتقديم انعكاسية ماضوية، فأداروا ظهورهم للمستقبل وتوجهوا للسلف، وقد قمت بتحليل لمجموعة من الخطب فوجدت أن 85% منها يتحدث عن الآخرة، و15% عن الحياة الدنيا: 10% منها لا تتناول الدنيا بشكل مباشر، بل على النقيض أحيانًا يكون ساخرًا.

الأسطورة الثانية: الانتقائية التاريخية؛ إذ إنهم يصورون التاريخ على أنه مجموعة من الأبطال والانتصارات، أي أنه لا يوجد به هزائم ولا انكسارات، ويصورون مجتمع المدينة على أنه حالة من الوئام والمحبة والمثالية الزائدة والدائمة، وهذا منافٍ للطبيعة البشرية القائمة على الصراع، ورغم أن القرآن تمتع بالشفافية؛ إذ جاءت فيه إشارات إلى العديد من المواقف والصراعات، فإنهم لا يرون ذلك ويعتّمون عليه.

أما الأسطورة الثالثة: فهي استدعاء الكاريزما الفردية، مثل: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبدالعزيز وغيرهما، وهذا الأمر على هذا النحو منافٍ لطبيعة الكاريزما في العصر الحديث حيث التجاور والتعدد والبطولة الجماعية، إلا أنهم لا يعترفون بذلك.

أما الأسطورة الرابعة: فإنهم يتجاوزون الوطن ومفهوم الدولة الوطنية إلى ما فوق الدولة الوطنية، حيث الدولة الإسلامية أو الخلافة أو غير ذلك، رغم أنه من المعروف أن المجتمعات المعاصرة تقوم على مفهوم الدولة الوطنية، وأن مفهوم الإمبراطوريات ذهب بغير رجعة، وأن النظام القائم هو الاتحادات المكونة من مجموعة دول وطنية تجمعها مصالح معينة. وقد دعا أبو الأعلى المودودي إلى فكرة الجامعة الإسلامية، تلك التي تسربت إلى كتابات سيد قطب وتلامذته أو تابعيه في صورة مفاهيم مشابهة.

أما الأسطورة الخامسة: فهي الآخر، هذا الذي ازداد وتعدد وتوسع مفهومه، لينتقل من الآخر البعيد مكانيًّا وزمانيًّا، إلى الآخر القريب المختلف فكريًّا أو أيديولوجيا، هكذا وجدنا الآخرين صاروا كُثرًا، وصارت نظرية المؤامرة هي العامل الحاسم، وبالتالي سيادة التقسيم والتمييز بين معسكر الإسلام ومعسكر الكفر الذي يشمل كل من ليس معهم.

باحث مصري وأستاذ في علم الاجتماع

ليست منظمة دينية ولا سياسية ولهذا خسرت في الحقلين

سليمان الضحيان – كاتب سعودي

سليمان الضحيان

أوضح الكاتب السعودي الدكتور سليمان الضحيان أنه لا يمكن فهم «جماعة الإخوان المسلمين»: «من دون إعادة قراءة تاريخ نشأتها، ففي بداية القرن العشرين كانت السلطة العثمانية تطرح نفسها خلافة إسلامية جامعة، وحامية للدين ومُـحكِّمة له، لكنها ما لبثت أن سقطت في نهاية الربع الأول من القرن العشرين ثم ألغيت الخلافة العثمانية، وقامت على أنقاضها دول قطرية تحت مظلة الاستعمار الغربي مع استبعاد الدين في تنظيم الدولة، وهنا شعرت النخب المتدينة بفراغ هائل، فلأول مرة في التاريخ الإسلامي يخلو الفضاء الإسلامي من أمرين؛ الأمر الأول: وجود سلطة سياسية جامعة ينضوي تحتها المسلمون، والأمر الثاني: غياب المشروعية الدينية للحكومات الناشئة، ومحصل هذين الأمرين غيابُ «الخلافة الجامعة»، و«غيابُ حاكمية الدين»، ومن هنا برزت محاولات إعادة هذين الأمرين، ومن تلك المحاولات قيام حسن البنا بتأسيس «جماعة الإخوان المسلمين»؛ وملخص مشروع جماعة الإخوان هدفه إعادة ذَيْنِكَ الأمرين: «الخلافة الإسلامية» و«حاكمية الدين»، ولا يمكن فهم حركة الإخوان والحركات الإسلامية التي خرجت من عباءتها بمعزل عن هذين الهدفين».

ويقول الضحيان: «ولأنها نشأت في بدايات صعود التنظيمات اليسارية فقد تأثرت بها في شكلها التنظيمي الهرمي المكون من خلايا حزبية متسلسلة، والالتزام الحزبي الصارم، والطاعة العمياء الشبيهة بالانضباط العسكري، والرؤية الأُممية لمشروعها الذي يجب أن يشمل العالم كله، والرؤية الشمولية في مشروعها الفكري والسياسي؛ إذ طرحت نفسها حركة شمولية تسعى لإصلاح (الدين وفهمه، والتربية والتعليم، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع)، ومحصل ذلك كله أن «جماعة الإخوان» محكومة بتلك الرؤية والأهداف منذ نشأتها إلى اليوم؛ هدف إعادة الخلافة، وهدف إعادة حاكمية الدين، والرؤية الشمولية في رؤيتها للإصلاح، ولقد ساهم هدفها إلى إعادة الخلافة الإسلامية في تكوين نظرتها ونظرة منتسبيها إلى السلطات والنخب السياسية المخالفة لها في كل العالم الإسلامي على أنها سلطات ونخب طارئة، وغريبة على الأمة، وغير معبرة عن إرادتها، وأن الواقع السياسي برمته من صنع الجاهلية، ولا إصلاح إلا بالبديل الجذري لكل الواقع السياسي». ويشير إلى أنها لهذا السبب «فهي تطرح نفسها على أنها بديل حضاري جذري يسعى لكنس الواقع السياسي بكل ما فيه من حكومات، وتيارات، ورموز، ومؤسسات لا تتفق معها، وهذا ما يفسر اتساع الجبهة المناوئة لجماعة الإخوان؛ إذ لا يعقل أن يقف خصومها في المجال السياسي موقف المتفرج، وهم يرونها تسعى لإلغائهم الجذري من الواقع السياسي».

ويرى الضحيان أن هذه الجماعة «تنتهج البراغماتية السياسية بكل ما فيها من انتهازية وتخلٍّ عن المبادئ الدينية ما دامت في صالح الجماعة»، في سبيل تحقيق مشروعها السياسي «إقامة الحاكمية»: «ولهذا فهي في سبيل مصلحتها السياسية تغض الطرف عن علاقات حلفائها مثل قطر وتركيا مع إسرائيل، ووجود قاعدة أميركية في قطر فيها 11 ألف أميركي ما بين عسكري وموظف مدني، ومنها انطلقت الطائرات الأميركية لقصف الجيش العراقي في بدء احتلال أميركا للعراق، وقصف حركة طالبان في أفغانستان، ومنها تنطلق الطائرات بدون طيار التي تلاحق أعضاء القاعدة في أفغانستان واليمن، وقد قتلت أكثر من 9 آلاف مدني مسلم، منهم الأطفال والنساء في أفغانستان واليمن في إصابات خاطئة أثارت ردود فعل كبيرة في الداخل الأميركي».

ويقول: «في مشروعها الديني «إعادة حاكمية الدين» طرحت نفسها على أنها ممثلة للدين، وكل خصومة معها هي خصومة للدين، وفرض عليها ذلك التعامل بالأدوات الدينية في الحقل السياسي، واستعارة قاموس «التضليل»، و«التكفير» للفرقاء السياسيين، ورفعت شعاراتها ورموزها السياسيين إلى مستوى التزكية الدينية، وجعلتهم فوق مستوى النقد، وفسرت إخفاقاتها السياسية بتفسيرات دينية كالابتلاء الرباني، والتمحيص الإلهي للصفوف، وهذا ما حصَّن زعماءها من أي مساءلة من المنتسبين للحركة نفسها في حالة الإخفاق. وهكذا فالجماعة في سبيل تحقيق هدفها بإقامة الخلافة وإعادة حاكمية الدين خلطت بين العمل الديني والعمل السياسي، فهي تتحصن بالدين من أي نقد يوجه إليها في ممارساتها السياسية؛ إذ تفسره ماكينتها الإعلامية على أنه هجوم على الدين ومعاداة للدعوة الإسلامية كما حدث في قضية عزل الرئيس المصري مرسي المنتمي إليها، إذ صَوَّرتْ ماكينتها الإعلامية أحداث عزله على أنها معركة بين الحق الباطل. وفي الوقت نفسه تتحصن بالرؤية السياسية، وأن المصلحة السياسية تملي عليها اتخاذ بعض المواقف حين يوجه إليها نقد ديني من خصومها السلفيين بسبب بعض مواقفها الدينية.
ومحصل هذا كله أنها ليست منظمة دينية خالصة تتعامل بأدوات الحقل الديني، وتلتزم بأدبيات الدين في مواقفها ورؤاها، وليست بمنظمة سياسية خالصة تتعامل بأدوات الحقل السياسي التي تفرضها البراغماتية السياسية في تكوين علاقاتها بالأوساط المحلية والإقليمية العالمية، وبهذا خسرت دينيًّا لدى جمهرة عريضة من المتدينين، وخسرت سياسيًّا لدى العاملين في الحقل السياسي من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني في مصر وكثير من البلدان العربية.