شكيب أرسلان.. الوعي الشعري وسؤال التحديث

شكيب أرسلان.. الوعي الشعري وسؤال التحديث

 عزالدين الشنتوف – ناقد مغربي

تتيح لنا تجربة شكيب أرسلان، بغناها الفكري والإبداعي، الاقترابَ من العلاقة الدالة بين الوعي الشعري وسؤال التحديث، انطلاقًا من مداخل اختبارية، أهمها اعتبارُ سؤال التحديث سؤالًا معرفيًّا يتسمُ بامتداده وفاعليته في الممارسة النصية. ولا يكون هذا الاعتبارُ مبنيًّا إلا إذا كان السؤال المذكور نسقيًّا، وذا تمظهراتٍ بعناصرَ بنائيةٍ دالةٍ في النص والخطاب. ووفقًا لهذا المنظور الجدلي، فإني أضع مقدمتين متصلتين من جهة البناء:

الوعي الشعري لدى شكيب أرسلان مسكونٌ بفكرة الأصل والمرجع.

لم يمس سؤال التحديث عنده أيَّ عنصر من عناصر الإبدال الشعري.

أولًا- الأفق الشعري

لا نكاد نعثر، فيما كتب أرسلان من مقالات ودراسات، عن تصور محدد للشعر، بقدر ما نجد آراء متفرقةً لا نظفرُ منها بإطار تنظيري واضح. ومع ذلك يمكن أن تشكل هذه الآراءُ مواردَ لفهم طبيعة الصلة بين الوعي الشعري والتحديث. وترجع فكرة الأصل في كتاباته إلى طبيعة البنية التقليدية التي وسمت النص الشعريَّ لدى كل شعراء المرحلة؛ ولذلك يرى أرسلان في تجربتَي البارودي وشوقي عتبةً عُليا، تمثلُ الصيغة والنموذج، وتقديسُها، في ضوء قدامة الشعر، هو الذي جعل قصيدتَهُ قصيدةَ الذاكرة في كل عناصرها البنائية، وهو ما عاق انعكاسَ مبدأ التحرر في ممارسته النصية.

ويبدو أن مبدأ التقدم، بما هو دعامةٌ لإشكال التحديث، لم يكن نسقيًّا لديه؛ إذ لم يشمل تصوره للشعر والكتابة، رغم خطابه التحديثي المتنور والجريء الذي احتفى بالمجتمع، والاقتصاد، والعمران، والسياسة. ولكن يبقى هذا الاستثناءُ مفارقةً واضحةً فيما كتب من شعر. ولا شك أن بعض سجالاته، ومواقفَه من قضايا أدبية وفكرية، تضيءُ جوانبَ مهمةً من سياق التحديث؛ إذ نستطيع أن نعُدَّها مدخلًا دالاًّ لتحديد مستوى المفارقة التي ذكرناها آنفًا. ففي ردِّه على خليل السكاكيني، في مسألة الأسلوب الجديد، يقول: «لا أعرفُ في الأدب واللغة إلا مذهبًا واحدًا هو مذهب العرب، وهو الذي يريدُ أن يسميَه بالمذهب القديم.. لأنه المثل الأعلى والغاية القصوى»(1). ولهذا يظل الشعر صيغةً وغايةً في الآن نفسه؛ ذلك لأن اشتراطَ الحد الزمني في النموذج غير وارد، ولا يقوم بأي وظيفة تجاه فعل الكتابة من جهة، وفعل تصورها من جهة أخرى.

ويتخذُ إشكالُ الوعي بالزمن، لدى أرسلان، مظاهر عديدة، أهمها صعوبةُ التقريب بين البيان، من حيث هو بناء صوري ومعياري، وبين الشعر من حيث هو جنس أدبي موسومٌ بالتغير والتعدد. فالتصور التجزيئي لعلاقة اللغة بالشعر والأدب يضاعف من لا نسقية سؤال التحديث، بما هو قيمة مضافة لتاريخ اللغة والأدب العربيين. ومن تجليات هذا التصور إبقاءُ اللغة بناءً نمطيًّا، تُقاسُ عليه القضايا والمعاني بمختلف محمولاتها الثقافية والفنية ذات الصلة بزمن إنتاجها، وبوعيها الناظم لتسويغ تلقيها وتداولها. فإذا كانت اللغة، كما يرى شكيب نفسُه، قادرةً على أن «تسَعَ من المعاني الجديدة، ومن المواضيع العصرية ما يُعينُ الكاتبَ، ويتوخاهُ المؤلفُ مع رعاية ديباجتها الأصلية التي إن خرجَ البيانُ عنها كان عند العرب مستهجَنًا»(2)، فإن شرط التفكير باللغة، في الإنتاج الأدبي والشعري خاصةً، يظل معزولًا عن التفكير في التحديث، نظرًا لوجود الصيغة النموذجية التي تستطيع أن تستوعبَ الطارئَ من المعاني والقضايا، من دون قَبولها لقوانين الإبدال والتحول من داخلها كذات فاعلة. ومن هنا أصبحت الصيغة النموذجية من بين المتعاليات التي تؤطر الوعيَ الشعريَ لدى أرسلان، وتخلق الهوة بينه وبين سؤال التحديث من حيث انفصالُ فهم اللغة عن مشروع القصيدة التي تأطرت ضمن البنية التقليدية.

وإذا كانت قصيدة الذاكرة صيغةً وشكلًا من أشكال عودة الماضي إلى ماضيه، فإن ارتباط شكيب بالعتبة العليا، التي مثلها البارودي وشوقي، كان من قبيل الكتابة المضاعفة لوعي التقليديةِ بشروطها من دون حدودها. ففكرة الإحياء التي تغنَّى بها البارودي وأرسلان، وأصبحت مقولةً يتداولها الملفوظ الشعري كقيمة شعرية، لم تتخذ لها محتوًى نوعيًّا ضمن جنس الشعر، إنما ضاعت بين مقولتي التأصيل والتأسيس. وذلك ما نلاحظه في قول البارودي عن شعر شكيب:

أحيـــا رميمَ الشعـــــر بعـــد همــــوده وأعــــادَ للأيـــام عــصرَ الأصمـــــعي

هو ذلك النظمُ الذي شهدت لــــــه أهـــــــلُ البــــراعــة بالمــــقـــال المُبـــــدِعِ

وبالمنطق نفسه يكتبُ أرسلان عن البارودي ما نصه:

ولو كان يُرقى المرءُ مــــا يستحقُّه إذًا لَبـــــلـــــغــــت النَّيِّراتِ بــــسُـــــــلَّــــمِ

وأنت الذي يا ابنَ الكــرام أعدتَهـــا لأفصحَ من عهد النواسي ومسلم

وأنشرتَ ميتَ الشعر بعد مصيره لأعظــــــمَ نثـــرًا مـــن رفــــات وأعـــظـــم(3)

قد يرجع هذا التَّسييدُ إلى محدودية المُنتَج الشعري، وإلى جعله -مع ذلك- الإمكانيةَ الموضوعيةَ والتاريخيةَ لبناء أفق شعري ذي شروط إنتاج عربية صرف. ومن المعلوم أن شكيب أرسلان ينظرُ إلى اللغة، في عدد من مقالاته ودراساته، نظرةً إستراتيجيةً وفق آليات النحت والاقتراض والترجمة، ولكن هذه الكفايةَ التفاعليَّةَ كانت بعيدةً من الكتابة الشعرية، رغم تأكيده على تاريخية وضع الشعر في تحديد معالم انتقالات المجتمع العربي وتحولاته بقوله: «وما كانت نهضة العرب العلمية في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة، وتطاولهم إلى الفنون والآداب والحكمة التي كانت للأعاجم إلا من نتائج انتشار الأدب العربي»(4).

والتصريح بهذه الإستراتيجية في كل اعتبار تاريخي، هو اختيارٌ واعٍ لأفق التحديث العربي بشروطه المادية والمعنوية بمختلف تمثلاتها الفكرية، والأخلاقية، واللغوية. ومع ذلك فإن التساؤل عن مدى تحويل البيان إلى أفق شعري يظل قائمًا في ظل الاستثناء الواعي أو غير الواعي الذي يطال الشعر إزاء هذا التحديث؛ لأن اختزال الأفق الشعري في عنصر واحد هو ممارسةٌ ذهنيةٌ غير جدلية، ولا تراهن على الإمكانات النوعية، والمفهومية، والتجريبية للفعل الشعري ذاته.

قد يكون البيانُ، في صيغة أفق شعري، سؤالًا آتيًا من غير الشعر؛ فالكتابة لدى شكيب موسومةٌ بالتداخل والاشتراطات النوعية. ولا يهمنا أن نحدد نسبة هذه الاشتراطات إلى وعيه الأدبي والفني، بقدر ما يهمنا معرفة الفعل الشعري ذاته، من جهة ارتباطه بالتجربة أساسًا. ومع ذلك تحتكم هذه التجربة إلى بعض الحدود التي تبين قيمتَها وكفايتَها، وتميِّزُها من حيث قوةُ تمثيلها للفعل الشعري.

1.2. الحد النوعي: يتضح في صناعة ديوان أرسلان أنه موزعٌ إلى أربعة أقسام: المراسلات السامية، والمساجلات الشعرية، ومراثي العلماء والأدباء والكبراء، والمدائح السلطانية. وأهم ملاحظة نسجلها هي التداخل بين المراسلات الشعرية والمساجلات والمعارضات؛ ويعني ذلك أن العناصر البنائية والسمات التكوينية للنوع لم تكن واضحة في ممارساته النصية، وهو ما يحد من إمكانية النظر إلى الإبدالات النصية من حيث قدرتها على ممارسة فعل التحديث. فإذا عددنا هذه النصوص تجربةً، فإن السمةَ الغالبة عليها هي التماثل، بينما التجربةُ فعلٌ متحولٌ ومتعددٌ من حيث البناءُ والخطابُ؛ ولذلك غلبَ النقلُ النوعي على تقريب النصوص، كما هو الأمر مع نقل الترسل إلى النظم، فلم يكن مراعيًا لشعرية الكتابة. أما التقريب الحاصل بين المساجلة والمعارضة، رغم عناصر الاتصال القائمة بينهما، فيجري بإسقاط بناء أحدهما على الآخر، إما من جهة الموضوع أو من جهة الصياغة التنظيمية للقول. ومن المشاكل التي نواجهها في هذا التقريب، تحويلُ عنصر الحِجَاج إلى تكوين شعري مخصوص؛ إذ يظل هذا التكوين معزولًا بحكم هيمنة بناء الغرض؛ لأنه يُعدُّ التكوينَ الأعلى في سُلم النظم. وبهذا تمتنعُ الكفايةُ التجنيسية من قوانين المساجلة، ومن قوانين القصيدة بما هي شعر. فالوعي بالتداخل أو بالتضايف محكومٌ بجهة النظر في الكتابة وفي التسمية؛ إذ الفرقُ واضحٌ بين تسمية المساجلة الشعرية، والقصيدة السجالية؛ لأن منطلقاتِ القول المبنيةَ على النوع هي محدِّدٌ جوهرٌ لإدراك التناسب في البناء النصي، وإدراك مستوى تلقيه.

2.2. الحد المفهومي: إن التجليات السابقة في الحد النوعي ذات صلة وثيقة بالتصور النظري الذي يؤطر التجربة الشعرية، ويُسندُ نسَقَها في التراكم الكمي والنوعي. فتصور أرسلان للشعر وممارستِه لا يخرج عن دائرة الصنعة، وإن لم يصرح بذلك لفظًا؛ ولكننا نلمس ذلك في طبيعة علاقته بالشعر من خلال قوله: «ومما لا مرية فيه أنني مُذ أيام الشباب قلما نظمتُ الشعرَ رغبةً فيه، ونزوعًا مني إلى الاتصاف بالشاعرية عكسَ النثر الذي كان أبدًا مرمى آمالي ومطمحَ خيالي.. وقلما نظمتُ الشعرَ انبعاثًا من نفسي وإطاعةً لمجرد خاطري، فليس لي على هذا الوجه إلا قصائد معدودات»(5).  يبدو أن علاقة أرسلان بالشعر علاقة مناسبة وليست علاقة تجربة؛ فمستوى التراكم النصي الذي حققه في ديوانه، وفي ما كتبه في المجلات والصحف، يكاد يتخذ سمة الصنعة، بحكم السياقات التي نظمت فيها قصائدُه، وبحكم الصياغة النمطية التي حكمت منجَزَهُ التعبيري في مختلف الأغراض. والملاحظة الأهم في قوله هي غيابُ الذاتية في شعره، وفي ارتباطه بالقول الشعري، وهو ما يؤكد انصرافَه إلى غير الشعر من حيث وعيُه بالاختلاف الحاصل بين التجربة والصنعة. ومن هنا يتضح أن انجذابَ البيان إلى أفق النثر موسومٌ بتحقق الذاتية والتخييل، وهو ما ينتفي في سؤال تحويل البيان إلى أفق شعري.

وإذا كان البيانُ آليةً إبداعيةً وفنيةً، تمسُّ كل الأجناس، فإن وضعه عند شكيب محكومٌ بخصيصة النثر وفنون القول فيه؛ ولذلك لم يختبر سؤالَ التحديث الشعري من مدخل التجربة، فكانت الصنعةُ في ممارسته علَّةَ النظم. ونلمس ذلك في الكلمة التي قدَّمَ بها مطران ديوان أرسلان حينما قال: «فهو ينظمُ كما ينثر، فياض الفكر غير تعبٍ، ولكن نظمه يحمل في عهده الآخر أثرًا من نثره»(6). ولم يكن الوعي النظري لمسألة الحدود حاضرًا في كتابته، رغم الإبدالات الأولى التي مارستها التقليدية مع البارودي وشوقي، ورغم التحولات التي عرفتها البنية الجديدة في الشعر.

من الصعب الحكم على هذه الممارسة بأنها ضد البنية الجديدة، أو أنها في وضع مواجهة لتاريخية الشعر الحديث، ولكن المسكوت عنه في تقديم مطران نابعٌ من صدوره عن بنية مختلفة في التصور والكتابة، وهي البنية الرومانسية، رغم التبريرات التي يقدمها إزاء شاعرية أرسلان. ففي السياق ذاته يقول: «غير أن شأنًا آخر من الشؤون الضخام التي هي أشد إغراءً للرجل البعيد المطمح في مطالب العلياء صرَفَهُ وشيكًا عن الهيام في مسابح الخيال والضرب في آفاقه الأنيقة إلى منازلة الحوادث والأيام في معترك الحقيقة»(7). لا شك أن الشعريةَ لا تمتنع بامتناع الذاتية والخيال؛ لأن البنية التقليديةَ، التي تأطرت مع البارودي وشوقي، عرفت الخيالَ من منظورها أيضًا، ولكن الوضع مع نصوص شكيب ينحو في اتجاه الوقائعية التي تُسمِّي أغراضَه وتستبطِنُها، فيتوارى صوته بما هو ذاتٌ متكلمةٌ وفاعلة، مهما تكن الموضوعاتُ المطروقة. وما يؤكد ذلك قولُه في مقدمة ديوانه: «ولم يزل الشعر وهو الخيال المجسم أحسنَ قيد للحقائق، ولم تزل الوقائع التاريخية تأخذ من الوزن والقافية أثبَتَ المَواثق، وكم من واقعة تاريخية نَشَدَها المؤرخون في أقوال المنشدين، وكم من رجل لم تخلده التواريخ وجعله الشعر من الخالدين»(8). ومن البيِّن أنه لا يغادرُ مفهوم الحقيقة، بما هو عنصرٌ بانٍ لمفهوم التقدم، إلى جانب عنصري النبوة والخيال في بنيات الشعر الحديث. ولكن الحقيقةَ التي يربطها بالخيال المجسم ليست سوى مَدرَجٍ لمحمول الواقع وتجلياته في أي خطاب. ولهذا جعل الخيال قيدًا، رغم أنه مفهومٌ آتٍ من ممارسات رواد الشعر المنثور في بداية العشرينيات بلبنان، فضلًا عن الاختيارات التي قادتها الرابطة القلمية في اتجاه تحول مفهوم الشعر بإبدال الخيال. أما الشق الثاني المتعلق بالتأريخ الشعري، فإنه منافٍ لمفهوم التقدم؛ ذلك لأنه رهنٌ بحدود قدامة.. الشعر في التعاطي مع السِّيَر والأخبار، بينما يتخلَّقُ التأريخُ بإجراءاته الخاصة منذ التدوين. ولهذا يكون تصور أرسلان عن الشعر المؤرِّخِ عازلًا عن الشعر خصيصتَه الشعرية، وعن التأريخ خصيصتهُ التوثيقية. ومن هنا يراكمُ سؤالُ التحديث عائقَه الزمني مرةً أخرى، ما دامت الحقيقة جوابًا، وما دام الشعر معزولًا عن السؤال بما هو بحثٌ واختبار.

ولكننا نصادف بعض المفارقات في تصوراته، وبخاصة حينما يصبحُ قارئًا وناقدًا للشعر، وهو ما نعثر عليه في تتبعه لقصائد شوقي، وكذا في بعض الخلاصات التي يعممها في قوله: «ليس الشعر بكيمياء ولا طب ولا جغرافية ولا طبيعيات، وإنما هو تأثُّراتٌ نفسيةٌ وانطباعاتٌ فكرية لا غير.. هذا من جهة الشعر عمومًا، وأما من جهة الشعر العربي الذي تريدون أن تفرنجوه، فالشعر العربي لا يكون شعرًا إلا إذا وافقَ ذوق العرب ولاءَمَ مشاربَ أنفسهم، وجانسَ مذاهبَ لغتهم واتَّصلَ بمناحي حياتهم»(9). فالشروط الثلاثة التي يحدّ بها الشعر العربي، وهي الذوق واللغة والحياة، لا تستجيب لمبدأ التحول، إذا ربطناها بالتأثير النفسي والانطباع الفكري اللذين يحكمان مفهومه للشعر بصفة عامة. فما يغيب في هذا التصور المبدئي هو الوعي بالزمن؛ لأن صياغة التأثيرات النفسية والانطباعات الفكرية على النموذج يلغي مبدأ التعدد والاختلاف، كما يلغي التاريخ بما هو حركة تستوعبها التجربة الشعرية، وتنتجها وفق الذوق واللغة اللذين ينظمان مستوى تلقي هذه الحركة. ولذلك لا ندري الجهة التي تقوم بالتأثيرات والانطباعات، أهي جهة الشاعر أم جهة القارئ؟

وإذا رصدنا طرائق تلقي أرسلان لشعر المرحلة، فلا نكاد نعثر على عنصري التأثير والانطباعات الفكرية إلا لمامًا؛ إذ يتحكم في تلقيه المتعالي المعياري الذي يسم تاريخ التعاطي مع الشعر العربي، حيث يقول: «وأشعر الشعراء عندي محمود سامي البارودي، ثم شوقي ثم حافظ.. وأحب أن أشبه البارودي بأبي تمام في علو نفسه وقوة ملكته ومتانة أسلوبه، وأن أشبه شوقيًا بالمتنبي في دقة معانيه وسمو حِكَمه وكثرة جوامع كلمه، كما أن حافظًا يشبه البحتري في سلاسة لفظه وحسن سبكه وتأثيره النفسي»(10). لا نناقش هنا مشروعية المفاضلة، بل أسبقية المعيار لديه؛ ذلك لأن علو النفس، ومتانة الأسلوب، وسلاسة اللفظ وغيرها، ليست خصيصات نصية بانية، بقدر ما هي أطر عامة ونمطية في تسمية القصائد وتلقيها وتقويمها. ويبدو أن استعادتها في بنية التقليدية، من لدن أرسلان، لم يتح إمكانية تغيير جهة النظر إلى الممكن النصي في ضوء الإبدالات الشعرية، بل كرَّسَ متعاليات التلقي التي سادت في مختلف مراحل الشعر العربي القديم. ورغم أنه كان مطلعًا على المنتج الغربي، وواعيًا بأهميته، وبخاصة أنه قرأ شعر شوقي من داخل أنماط الشعر الأوربي، فإنه لم يتلقَّ الشعر الحديث بمعايير أخرى نابعة من النص بناءً ورؤيا. إن سؤال الزمن في التحديث ذو مسيرٍ معكوس، إذ حينما يحدد طبيعة هذه العلاقة في شعر شوقي، فإنه لا يحددها إلا من جهة واحدة، يقول:

يتمثلُ العصرُ الحديثُ بشعره حقَّ التمثُّل من جميع جهـــــاتـــــه

ولـــرُبَّ بيـــتٍ يــستقـــل بــجـــــملــــة تغني عن التاريخ في صفحاته(11)

صحيح أن شعر شوقي إضافةٌ للعصر الحديث، ولكن لسنا ندري لِمَ لَمْ يَرَ إلى العصر الحديث إضافةً نوعيةً لهذا الشعر؟ وعلى هذا الأساس يظل الشعر هو المعلومُ، فيما يبقى الزمن ذاك المجهول أو المنسيّ. وسنعملُ على تأطير هذا السؤال الحيوي في ضوء عملية تلقي شكيب أرسلان؛ إذ سنقف على بعض المكونات التي تشكل السند النصي لديه.

التكوين النصي

يرتبط البناء النصي لدى أرسلان بكل الصيغ القديمة، بدءًا من استقلالية البيت وانتهاءً بمقولة الجزالة اللفظية. ويبدو أن الاشتغال على عمود الشعر هو إعادة إنتاج لمتعاليات القراءة المعيارية بصورة لا تفتح أمامنا أيَّ استقراء لمستوى التكوين النصي في ضوء أسئلة نقد الشعر. ولذلك سنلخص تلقينا في ثلاثة عناصر:

1.3 التسجيلية: إن أغلب قصائد أرسلان محكومةٌ بوقائع وأحداث، يجري تسجيلها نظمًا في أغراض مختلفة، سواء أكانت مدحًا أو فخرًا أو رثاءً. ولكننا نقصد بالتسجيلية الصيغةَ التي تضطلع بها هذه الوظيفة من خلال الكتابة نفسها. ففي أغلب نصوصه، يقوم التسجيل على التقاط وانتقاء موجهات الموضوع، وهي سمة نثريةٌ بالأساس، حيث يفضي السياقُ إلى إعادة تركيب الموضوع أو الغرض بناءً على مشاهد مستقلة، أو موزعة داخل القصيدة. ويرجع ذلك إلى أن منطق الكتابة النثرية هو منطق نسقيٌّ، أما في قصائد شكيب فيعوق هذا المنطقَ وضعُ استقلالية البيت معنى ومبنى؛ ولذلك كان الطابع التسجيلي موزعًا بين الصياغتين، ومحصورًا بين العرض والتصوير الفني. ففي بعض مدحياته للشيخ محمد عبده يقول:

له قــــــــــلمٌ يـــــــــــزري بكـــل مهنــــد يصولُ على العادي بــــــه فيقدُّهُ

لهُ في رهــــان المكرمات مـــــآثـــر كبت دونها قبُّ السباق وجرده

تـــردَّى بأثـــواب المحــــامــد كلــهـــا وفوّف من كل المحاسن بـــــرده

لديكَ رقيق الشعر يحلو نشيده وفيك دقيق الفكر يحسن نشده(12)

قد يكون تعدادُ المناقب رهانَ الشاعر في نظمه، ولكن هذا الرصفَ يقدِّمُ الصفاتِ على الصوغ الجمالي، فيغدو تسجيلًا وتقييدًا أساسُه تركيب صورة الموصوف، وليس شعرية الصفة بتخييل عوالمها. وليس من هذا التكوين النصي غيرُ الوزن؛ لأن إمكانية تجميع ملفوظ القصيدة نثرًا لا يتطلب جهدًا في النقل من جهة الخصيصة الشعرية. وإذا انتقلنا إلى مستوى الانفعال بالصفة في مقام التسجيل، سنلاحظ كيف يقف النص الشعري عند حدود المشهدية التي يستطيع أن يقدمها أي ناثر أو قارئ. ففي قصيدته عن تحرير أدرنة يقول أرسلان:

أدرنة يا أمَّ الحصون ومن غدتْ لدار بني عثمان سورًا ومعصما

فدينـــاكِ ربعـــــًا مـــــا أبرَّ بأهــــــــــــلـــه وأمًّــــــــا علينـــــــا مـــــا أعز وأكــــــرمـــا

عمَّرناك أحقابًا طوالًا فلم نزل بأهلكِ من أهل البسيطة أرحما

فلما أتاك المصلحون بزعمهم أعادوا إلـى تلك الجنان جهنمـــا(13)

لا نريد أن ندخل في مقارنة بين هذه القصيدة وقصيدة شوقي في المناسبة ذاتها، رغم الفرق الواضح في مستوى شعرية الثانية، ولكننا أردنا استقراءَ السمة التسجيلية في علاقتها بالانفعال مع حدث تاريخي على المستوى الشعري. فالقصيدةُ كلها توصيفٌ لمعلومٍ، لا تضيف شعريًّا أثر الانفعال إلى القول، بل تُنضِّدُ التاريخيَّ على المحكي. ولربما كان فهمه للشعر بما هو فعل تأريخي، هو السبب في استعادة مواطن التسجيل وتحويلها إلى نظم.

2.3. باراديغم الشاعر الفارس: من فرط استعادة صورة الشاعر الفارس في مختلف أشعاره، أصبحت باراديغمًا مؤسِّسًا للقول الشعري، سواء أكانت القصيدة مدحًا، أم رثاءً، أم فخرًا. ولكن استعادتها في الشعر التقليدي لم تضمن ممكن تحولها وفق بنية الخطاب الحديث؛ لأن المنطق المتحكم فيها رهنٌ بشروط إنتاج الوعي العربي في قدامته. ولذلك نلمس في قصائده، على غرار قصائد البارودي، مفارقةً بين زمن الكتابة وزمن الرؤيا. فإذا كانت الممارسة النصية مشروطةً بزمنها الحديث، فإن الرؤيا تنحو إلى تجسيد فروسية الشاعر الجاهلي، ولا تبرحها نحو تمثُّلٍ يعضد سياق الوعي بالزمن. ونسوق بعض النصوص كي نلمس صيغة هذا الباراديغم:

جعلتُ القولَ في سيفٍ ورُمحٍ وعفتُ النظمَ في قدٍّ وخصرِ

فإنــي عـــاشقٌ غُرَرَ المعــالــــي ولي نفس فداؤك نفسُ حُـــــرِّ(14)

من اللافت أن هذه المتلازمةَ أصبحت بنيةً ذهنيةً تستقل بجميع معطياتها القيمية، وبمستويات تجلياتها الإبداعية، وتغدو مسيَّجَةً بفعل تداولها النصي بين الشعراء في خطابهم الشخصي، وفي خطابهم عن غيرهم. ومثال ذلك ما قاله البارودي في شعر أرسلان:

هو ذلك النظمُ الذي شهدتْ له أهــلُ البـراعــة بالمقــال الـمـبـدِعِ

أبصرتُ مـنـه أخـا أيــادٍ خـاطبــًا وسمعتُ عنترةَ الفوارس يدعي(15)

فإذا كانت هذه المتلازمةُ شرطًا في الوعي الشعري، فمن الضروري أن تكون الفروسيةُ مستجيبةً لزمن هذا الوعي، وبخاصة عنصر اللغة أحد أهم الأبنية المنتجة للخطاب. فكيف يشتغل النص الشعري الحديث بالرمح والقناة والمهند.. لتوصيف مقام الفارس في زمن تطورت فيه آليات المواجهة الحربية؟

قد لا يروم التحديثُ في أبنية اللغة مستوى اللفظ وتداوله السياقي، ولكنه قد يتجه صوب المحمولات الدالة على عملية التعبير، وقوة اتساقها وانسجامها مع الوضع أو الحال المعبر عنهما. وبامتناع ذلك امتنع صوغ الذاكرة الشعرية بما يؤهلها لشروط الوعي بالزمن وبالتحديث في الشعر التقليدي. ونلاحظ من جانب آخر أن تعميم هذا الباراديغم على كل الشعر، وعلى كل الشعراء، رغم انتفاء عنصر الفروسية عنهم، دليلٌ على توطين هذه الذاكرة بخطيتها التاريخية، كأن مضمونها الفكري والذهني ثابتٌ، وضرورةٌ لتسمية القول الشعري. ولهذا كان البيانُ متماثلًا مع هذا الباراديغم؛ إذ يشكل إحدى الدعامات لتوطين تلك المتلازمة، بكل المتطلبات اللغوية والبلاغية التي راهنت على فكرة التأصيل والتأسيس. وقد يكون هذا المبدأ مبررًا موضوعيًّا لطبيعة اشتغال نصوص أرسلان في مرحلة فهم واستيعاب المكتسب الأدبي والفني العربي، وتمرير خبرته إلى سياق التداول.

صوغ أمثولة الحكمة: يتمثل أرسلان هذا الصوغ البنائي من خلال تمثله للُّغة ووظيفتها في الشعر. وإذا كان، حسب قول مطران: «حضري المعنى، بدوي اللفظ، يحب الجزالة، حتى يستسهل الوعورةَ، فإذا عرضت له رقةٌ وألانَ لها لفظَه، فتلك زهرات ندية مليةٌ شديدة الريَّا»(16) فإن التماثل القائم بين استعمال اللغة وتلقيها شعريًّا، قد لا يقف عند الجزالة وحسب، إنما يتعداه إلى شعرية هذه اللغة من خلال التركيب والصورة.

صحيحٌ أن شكيبًا يبني عباراته على التوازيات والتقابلات والالتفاتات، وعلى عناصر إيقاعية مهمة في إيراد الدلالات المتفرقة والمتناقضة أحيانًا، لكن تركيبَه البياني لا يخرجُ عن دائرة المشابهة والمقايسة في تقدير أوجه العبارة داخل المتن الشعري. ولذلك تغدو عملية استدعاء الحِكَم مجرَّدَ صيغة من صيغ الاستدلال على سياق موضوعي، أو على معنًى يرادُ لهُ إضافةٌ تَحُدُّ تلقيه وتُقرِّرُه. ومهما يختلف وضع وموقع هذه الصيغة في جميع النصوص، فإنه يحمل بداخله ما يتقدمه وما يلحقه من بنية الغرض. يقول في إحدى قصائده:

هـل الدَّهـرُ إلا ذا النـهــــــار وضده يعــــاودُ كلاًّ منهــــما الدهـــرُ نــــدُّهُ

يــدورُ فمن أي الجـهـــات ابــْتَـدَرتَــهُ وتـــــابـــعــــتَه تَــــبْــــدا بـــه وتـــحـــــــــــدُّهُ

فلا خيرَ في يومٍ يمرُّ على الفتى إذا لـمْ ينــــلْ فــيــه ثَـــنـــًا يــستجــدُّهُ

فليــست حيــــــاةُ المـــــرءِ إلا شهــــادةً على فضل مَولاهُ فيُظهر مجدَهُ(17)

من البيِّن أن النص تقديم لتقريظ. والابتداءُ بصيغة الحكمة استعادةٌ ثانيةٌ لتداخل أمثولة الحكمة في مختلف الأغراض. فالمتأملُ لهذه البداية يظن أن المقام مقامُ رثاء، والحالُ أنه مدحٌ للشيخ محمد عبده. وقد استخدم الشاعر التقريبَ الخلافي من أجل إبراز قيمة الثناء في المدح، وحاجته إليه في القول، مبنيًّا على مكوني الاستثناء والنفي الموجِبَينِ لدلالة التحقق غير المشروط. وقد يتحول هذا التحقق، في نصوص أخرى، إلى تبرير مبني على صيغة رد الأعجاز على الصدور، وهي صيغة ذاتُ صلة بالتقريب المنطقي؛ ولذلك كانت الحكمة أمثولةً، لكونها مصدرًا ومرجعًا بيانيًّا. وفي نص آخر يقول:

إليــكَ حــقُّــــــكَ لا ظــــــلمٌ ولا ســــــرفُ لا يُــــــنكــــرُ الشـــمس إلا فــــاقـــدُ البـــصـــرِ

وإن يــــــؤاخـــــــــذكَ نـــقــــادٌ بــــــــــــــبــــادرةٍ فلـــــــيس يـُــــــرجَـــــمُ إلا مُـــــثْـــمــــرُ الشجـــــــــرِ

وقد يُعابُ الذي في البدر من كلفٍ وليس يسلبُ معنى الحسن في القمرِ18

نستشفُّ من هذه الأبيات مديحًا ذا تكوين نصيٍّ متنامٍ برد الاعتبار وبرد المظنة، ثم التقدير. والأمرُ أن الواقعة الكلامية موسومةٌ بالرثاء، رثاء اليازجي. ففي كل صدر تقريرُ حال، يقابله في كل عجُزٍ تبريرُه بصيغة حكمةٍ، هي أمثولةٌ جاريةٌ لتقدير حالٍ يتجاذبها قُطبا السموّ والدنوّ. إن نقل المثل السائر من المتداول إلى الشعر، لم يراعِ الصوغَ البياني في مستواه البلاغي، إنما أُعيدَ تركيبُه بما يتلاءمُ مع صنعة النظم. فهذه الأبيات استكمالٌ لعشرين بيتًا سابقًا، يبدي فيها الشاعرُ موقع الرثاء بوضوح:

قُـــصارَ كـــل فــتى مستكمل الخــطــرِ أن يـنحـني لـقـضــاء الله والـقـــدر

وأن يقابل صرف الدهر كيف جرى بالخلق في عَبَرات العين والعِبَرِ

والأهم عندنا هو أن الاستغراقَ الحِكَمِيَّ الذي يطولُ التقديم لم يصغْ إلا معنًى واحدًا مختزلًا في هذين البيتين. وإذا كان مقامُ البيان تكثيفٌ دالٌّ، فإن هذه الصيغةَ تعوقُ علاقتَيِ المشابهة والمجاورة لتوسيع المعنى ولو في حدوده البلاغية. وعلى الرغم من تركيزه على التكرارات، والجناسات، والتصحيفات، فإن مدار المعنى محصورٌ حتى إن التمسَ له تشكيلًا معجميًّا متنوعًا.

إن تحويل أمثولة الحكمة إلى أمثولة شعرية يضاهي تحويل البيان إلى أفق شعري؛ ويرجع ذلك إلى معيارية الحكمة في تقويم شعرية القصيدة القديمة، وهو ما عبّر عنه أرسلان في تقويم شعر شوقي تبعًا لسمو حكمه المتناظرة مع شعر المتنبي من هذا الجانب حيث يقول: «وكان المتنبي كله لا يروقنا إلا من جهة الأمثال والحكم، وكنا نرى شعره في بعض الأحايين نازلًا عما يجب أن يكون»(19). وما يجب أن يكون في شعر المتنبي هو المسكوت عنه في تصور شكيب، أي ذلك الصوغ الشعري الذي لا يقف عند حد البيان وتمظهراته. لا نريد أن نحاكم الشاعر أرسلانَ بما حاكم به شعر المتنبي، إنما أردنا مساءَلةَ ذاكرة الحكمة في شعره، من خلال أسبقيتها في الصياغة والتعبير، والاعتماد عليها في بناء الأغراض سندًا تكوينيًّا. ويتضح أن هذا السندَ متماثلٌ مع إشكال الوعي بالزمن وبسؤال التحديث، رغم أن فكرة وظيفة الحكم والأمثال مشتركةٌ وفاعلةٌ في كل خطاب وفي كل زمان. ومع ذلك يظل تكوينها الشعري بعيدًا من المتغير النصي الذي يتفاعل مع شروط التحديث وبنيته.

والواقع أن هذه الاختيارات لا تمثل الفعل الشعري لدى شكيب؛ لأن نصوصًا أخرى تختلف كليًّا من حيث  طبيعتُها ورؤيتها. ولسنا ندري لمَ كان يرفضها ويعدُّها من عبث الشباب؟ ولربما قصدَ عدمَ إدراج عدد كبير منها في ديوانه، إما لسبب أخلاقي، أو لسبب نظري متعلق بفهمه للشعر وحدوده، أو للبنية السائدة آنذاك.  وأرى أنها تمثل اختبارًا نوعيًّا أساسُهُ الذاتيةُ والخيال اللذان غُيِّبا فيما كتب في الديوان. ومن بين هذه الأعمال نورد جزءًا من قصيدة مُمثِّلة:

أرى في غـزال الدوِّ منـــه شمائـــــلا فأهفــــــــــو إليه كــــلما مـــــرَّ ســـــانـــحُــــــــــــه

وتخطُــــر قضبـــانُ العذيب فتنــثــني معـــــــاطفه فــــي خـــاطري وجـــوانـــحُــــــــه

أكـــــــــادُ لمرأى كـــــــل غصن أراكـــــــةٍ أعــــانـقــــه مــــن أجـــــــــــلــه وأصـــــافــــحــــــه

وأعشـــــقُ نـــور البدر لــيــــــــــلــــةَ تـــمِّــه؛ لأن قـــد بــــدَتْ مـــــنه عليه ملامـــــحُــه

يقول عذولـــي: شفَّ مسكتك الهــوى فأنت لعمـــــري ذاهبُ الفكـــر ســـائحُــه

فقلت: جميع الرشد في سُبل حبــِّـــــه إذا لاح لي من ذلك الوجه لائحُــــــــه

وقالوا: أضعتَ العمر في حب أغيد ومن علق الغزلان ضاعت مصالحُه

فــقــــلت لهــم: يــــا حــبــذا مــا أضعــــتــــه  بمــــن فــــي حـــبه كـــنـــزٌ تــنوءُ مفاتحُــــــه(20)

ولا أجد كلمة ختامية أجدر من كلمة مطران في حق الأمير حيث يقول: «ولو ظل الأمير معنيًّا بذاك الفن الرفيع لَصدق فيه ما ظنوه كل الصدق»(21).

عناوين

إذا كان البيانُ آليةً إبداعيةً وفنيةً، تمسُّ كل الأجناس، فإن وضعه عند شكيب محكومٌ بخصيصة النثر وفنون القول فيه؛ لذلك لم يختبر سؤالَ التحديث الشعري من مدخل التجربة، فكانت الصنعةُ في ممارسته علَّةَ النظم

يتخذُ إشكالُ الوعي بالزمن، لدى أرسلان، مظاهر عديدة، أهمها صعوبةُ التقريب بين البيان، من حيث هو بناء صوري ومعياري، وبين الشعر من حيث هو جنس أدبي موسومٌ بالتغير والتعدد

الهوامش:

1 شكيب أرسلان، الأسلوب الجديد، جريدة السياسة، مصر، 1923م.

2 خليل السكاكيني، مطالعات في اللغة والأدب، مطبعة القدس، 1925م.

3 ديوان شكيب أرسلان، مطبعة المنار، مصر، 1935م، ص.6

4 شكيب أرسلان، تأثير الأدب في رقي الأمم، جريدة الوحدة المغربية، عدد 105، السنة 3، تطوان، 1939م.

5 شكيب أرسلان، شوقي أو صداقة أربعين سنة، مطبعة عيسى البابي، مصر، 1936م، ص.21.

6 ديوان شكيب أرسلان، م.س. ص.4.

7 نفسه، ص.4.

8 نفسه،ص.2.

9 شكيب أرسلان، شوقي أو صداقة أربعين سنة، م.س. ص. 237.

10 نفسه، ص.89.

11 نفسه، ص.84.

12 الديوان، ص.163

13 نفسه،ص.100

14 نفسه، ص.18.

15 نفسه، ص.11.

16 نفسه، ص.4

17 نفسه، ص.161.

18 نفسه، ص.60.

19 شكيب أرسلان، شوقي أو صداقة أربعين سنة، م.س.ص.101.

20 الديوان، ص.163.

21 الديوان. ص.4.

الخيل والحواجز.. جرداق للوطن والإنسان

الخيل والحواجز.. جرداق للوطن والإنسان

 محمد المهدي بشرى – ناقد سوداني

غير خافٍ أن عنوان هذه الدراسة يتناص مع واحدة من قصائد الشاعر علي عبدالقيوم (1943- 1998م) الذي هو بلا شك واحد من أهم الأصوات الشعرية في منجز الشعر الحديث في السودان وفي العالم العربي أجمعه، وعلى الرغم من شاعريته الفخمة فإنه لم يجد ما يستحقه من عناية واهتمام من نقاد الأدب العربي ودارسيه عدا إشارات باهتة هنا وهناك، وكان الشاعر الضخم محجوب شريف قد كتب قصيدة يخاطب فيها علي عبدالقيوم الذي أعجزه المرض الخبيث وأودى به في نهاية الأمر، يقول محجوب:

علي عبدالقيوم

«أيها الشاعر الوسيم قم..

الكُزْ جوادك مرة أخرى وقاوم..

الخيل والحواجز ديوانك المديد..

جواز مرورك نحو العافية..

ولتشرئبّ أيها المحب.. ولتبتسم..

بسيماتك تخلي الدنيا شمسية..»

وتنتهي القصيدة العذبة المفعمة بالحس الإنساني وبمحبة محجوبٍ لعلي، ومحجوب يستنهض عليًّا أن قُمْ من سرير المرض، يقول محجوب:

«هيا نلتقيك لابسًا أحلى قميص من قماش العافية..

وقدلة يا مولاي حافي حالق في الطريق الشاقي الكلام..

فمن يا ترى أنطق الحجر..».

ولا نحتاج للإشارة إلى تناص قصيدة محجوب مع قصائد أخرى لعلي مثل قول محجوب:

«بسيماتك تخلي الدنيا شمسية»

فالبيت بأكمله هو مستهل لواحدة من عاميات علي النادرة، ومن المعروف أن الفنان الضخم محمد وردي تغنى بهذه القصيدة، ونلحظ كذلك إشارة محجوب في آخر القصيدة إلى عنوان ديوان علي: من الذي أنطق الحجر، وكان حتمًا أن تتناص قصيدة محجوب مع أشهر قصائد الشاعر الكبير والأثير لدى كليهما، محجوب وعلي، وهو خليل فرح، والقصيدة هي «ما هو عارف قدمو المفارق» وفي آخر القصيدة يأتي محجوب بواحد من أبيات القصيدة وهو البيت:

«وقدلة يا مولاي حافي حالق في الطريق الشاقي الكلام»

ولبشرى الفاضل إشارات سريعة لشاعرية علي عبدالقيوم نُشرت أولًا في الأسافير، ثم أعيد نشرها في كتاب بشرى تضاريس (الفاضل: 2016م) وقد أشار بشرى إلى إعجابه الكبير بقصيدة علي –ويشاركه كثيرون في ذلك- «الطفلة التي نعشقها ولا تعرفنا» وقد كنا في جامعة الخرطوم حفيين بهذه القصيدة، يقول بشرى: «من القصائد التي تشدني إليها في ديوان الخيل والحواجز وما يشدني فيه الكثير قصيدة «الطفلة التي نعشقها ولا تعرفنا» التي كتبها الشاعر في فبراير من عام 1969م» (نفسه:92) ويخلص بشرى للقول: «حجر علي عبدالقيوم كونه كاملًا من الشعر وهو ناطق دائمًا ولا يحتاج لمن يستنطقه وقد ظل ناطقًا يقطر بالشعر الصافي قطرة قطرة، ومثل هذا الشعر ماؤه ثقيل فإن لم يجد من يحتفي به أودى بصاحبه» (نفسه:93)

على كل ومن حسن الحظ أن بادر أصدقاء علي وأحبابه في الدوحة بإصدار مجلد أضاء كثيرًا من ملامح سيرته وتجربته الإبداعية، وذلك في مؤلفهم: من ترى أنطق الحجر (الفحيل: 1999م) وقد صدر الكتاب بعد وفاة علي الفاجعة في عام 1998م، وكان الشاعر نفسه قد حرص على طباعة ديوانه الخيل والحواجز ونشره، الصادر في القاهرة عام 1994م (عبدالقيوم: 1994م) وقصيدة (جرداق للمطر) هي أول قصائد الجزء الأول في الديوان الذي أسماه الشاعر (جرداق للمطر) ويفتتح الشاعر القصيدة قائلًا:

«في هذه الظهيرة الندية العيون

لا بد أن أقول شعرًا للمطر» (نفسه: 13)

في واقع الأمر، إن الشاعر عبر قصائده التي تبلغ الأربعين قصيدة لا يقول الشعر للمطر فحسب، بل يقول هذا الشعر للإنسان وللصديق، وللمناضل وللشهيد، وللحزب وللطبقة، وللوطن وللإنسانية، ولا بد أن الشاعر اختار مصطلح «جرداق» بوعي وعلى دراية وهو يشرح المصطلح في هامش القصيدة قائلًا: «الجرداق بحديث أهلنا في غرب السودان هو شعر الغزل» (نفسه: 13) وهو ما يعني أن الشاعر يتغزل في المطر، ومفردة المطر تحمل كثيرًا من الدلالات؛ إذ تعني الخير والبركة والبشارة والحياة بأجمعها، لهذا كان الشاعر على درجة من الذكاء والألمعية في اختيار مفردة «جرداق» عنوانًا للقصيدة، وفي القصيدة نجد احتفاءً بالريف والحياة البسيطة، يقول الشاعر مخاطبًا البسطاء الذين ينعمون بالعيش في الريف:

«يا طيبون، مهرجانكم

والأرض لم تزل غريقة بالماء

والخور يستطيل عزة وكبرياء

بهرجني

كما عيونكم

تطرزت

بالعشب

والدليب

والذرة» (نفسه: 13)

وإزاء هذا الحب للبساطة والبسطاء في الريف يهجو الشاعر المدينة، الخرطوم القاسية المرعبة، ويقول:

«هذا المساء لو يباع

تنهشه الخرطوم من عيونكم

حتى تبل ريقها» ( نفسه: 14)

ولا يتردد الشاعر في وصف الخرطوم بالسارقة أو اللصة وذلك حين يقول:

«وهذه الخرطوم- بنت دار الصبح-

لصة الزراع

تسرقكم نداوة الرذاذ

كي تقر في بيوت السادة الكبار.» (نفسه: 15)

موقف مُعادٍ للمدينة

والموقف المعادي للمدينة والمنحاز للريف أمر معروف عند كثير من شعراء الحداثة في السودان، ونجده عند جيلي عبدالرحمن وصلاح أحمد إبراهيم وعند شيخ الشعراء المجذوب؛ ذلك أن المدينة هي مخاض الاستعمار والاستغلال البشع الذي يأباه الشاعر، ونرى هذا الأمر واضحًا عند جيلي وانتبه له محمد عبدالحي في دراسته «متاهة المرايا- رومانتيكية الثورة في ديوان الجواد والسيف المكسور» (فتح الرحمن وحيدر إبراهيم علي: 1996م) يذهب عبدالحي في هذه الدراسة إلى ما أسماه بالالتزام الميتافيزيقي، يقول عبدالحي: «جيلي عبدالرحمن يهتم اهتمامًا خاصًّا بالمسألة السياسية ولكن «الالتزام السياسي» هو التزام ميتافيزيقي أيضًا. ومهما تهرب الشاعر من ذلك المجال الآخر فهو فيه من البداية تفصح رؤياه عنه بصوره الشعرية، باستعمال اللغة، وبالمزاج الذي يقترب منه قضية (الثورة) واهتمام الشاعر، أي شاعر، بالسياسة يعني اهتمامه بالعالم الذي حوله- أي العالم الموضوعي الموجود خارج ذاته.» (نفسه: 75). ويلاحظ عبدالحي ملاحظة ذكية تؤكد ما ذهب إليه بخصوص رومانتيكية الثورة عند جيلي؛ ذلك أن ثورة جيلي هي لأجل القرية وليس لأجل المدينة والعمال. يقول عبدالحي: «في عصرنا المزيف العطور عند جيلي عبدالرحمن «الثورة» هي إجلال روح القرية في عصر الآلة وبذلك يختفي في شعره وجه العمال، وهم النتاج الطبيعي لعصر الآلة، ويحل محلهم الفلاح في قريته البعيدة. وتصبح أغنية الثورة ملكًا للقرية وحدها» (نفسه: 82) ويركز عبدالحي حديثه على قصائد جيلي «أحزان نوبية» و«ذكريات عزيزة وصوتها» ويخلص عبدالحي للقول: «الوديان والقرية وحدهما اللتان ستثوران. أما المصنع فلا وجود له في عالم الشاعر؛ لأنه جزء من المدينة عالم الأشباح وأكداس الأوجه وأسراب النمل التي تبحث عبثًا عن صدى الشعر الثوري -كما يقول الشاعر- ملك للقرية وحدها» (نفسه: 82).

بدر شاكر السياب

والأمر كذلك عند صلاح أحمد إبراهيم، فنلمس هذا الأمر بوضوح في قصيدته التي كرسها لحادثة عنبر جودة التي مات فيها عدد من مزارعي مشروع جودة اختناقًا عام 1956م وهي قصيدته «عشرون دستة» في ديوان غابة الأبنوس (إبراهيم: 2013م) يقول صلاح في مفتتح القصيدة:

«لو أنهم…..

حزمة جرجير يعد كي يباع

لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة

ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة

وبان فيها الاصفرار والذبول

بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة» (نفسه: 39)

ونلاحظ في القصيدة التناقض بين المزارعين البسطاء الذين ماتوا ضحية لفساد الأغنياء المترفين، والشاعر يصف ترف الأغنياء وبذخهم قائلًا:

«بينما الحكام في القصف والسكر

وفي انهماك بين الغانيات البيض

ينعمون بالسمر

كانت هناك… عشرون دستة من البشر

تموت بالإرهاق

تموت باختناق» (نفسه: 41-42)

والعلاقة قوية بين القصيدتين، وكلتاهما تصور التناقض البشع بين الأغنياء والفقراء، وكلتاهما تنحاز بوضوح للفقراء، ومن هنا يمكن القول: إن عبدالقيوم قد تأثر بشعر صلاح وبخاصة قصيدة «إنهم بشر»، وفي جانب آخر نلاحظ الأثر القوي لواحد من أهم شعراء الحداثة العرب وهو بدر شاكر السياب، وفي حوار آخر أشار إلى السياب مرة أخرى قائلًا: «أنا شخصيًّا شغوف بالسياب والأسماء الأخرى مثل نازك الملائكة والبياتي، لم تغب. إنما السياب كان أكثرهم عندي ممثلًا لهذا التحول [من الشعر العمودي إلى قصيدة التفعيلة]» (نفسه: 173) وبرر إعجابه وانحيازه للسياب قائلًا: «العذوبة المتأتية من وراء الخيال، والتمكن من اللغة والاعتناء بالصورة، والشفافية التي تخلق بينك وبينه صداقة كاملة، تجعلك تعيش مأساة كاملة، مأساة جيله، مرضه» (نفسه: 173) ويضيف قائلًا: «هذا الشاعر [السياب] لا تستطيع أن تتعامل معه ببرود.. أنا لا أستطيع أن أقارن بينه وبين شاعر آخر، ربما أقارنه بصلاح جاهين، أنا أحب جاهين، وأرى أنه موهبة عظيمة» (نفسه: 173- 174).

ونلمس أثر السياب واضحًا في شعر علي وبخاصة في القصيدة، وقد أشار صلاح فضل في دراسته «حيوية الخطاب الشعري عند السياب»، في كتابه: «أساليب الشعرية المعاصرة» (فضل: 95) ويسمي فضل هذا الأمر بلعبة الأقواس، وقد دلل الناقد على ما يقول بالإشارة إلى قصيدة السياب حول بغداد، يقول فضل: «وتلعب الأقواس -مرة أخرى- دورًا هامًّا في تمايز أجزاء الخطاب الشعري واختلاف وجهتها الدلالية وتفاعلها، دون أن يكون ثمة دليل ملموس على إقحام كلام آخر في النص» (نفسه: 77).

أما علي عبدالقيوم فإنه يستخدم تقنية الأقواس في عدة قصائد؛ مثل قصيدة «من يوميات الغربة والرجعى» [هكذا] وقصيدة «مذكرات بالشعر (دهشة- دوار– غيبوبة) وقصيدة «شيخي» على سبيل المثال يقول عبدالقيوم في قصيدة (شيخي) التي يرثي فيها محمد المهدي المجذوب:

«كانت الشمس في ألق الاستحاء الصباحي تدري

وأهل الفجيعة لا يدركون

(إنهم نائمون).

إلى قوله:

«كنت أمشي وحيدًا شريدًا

خارجًا من مغارة خمارة خاملة

والمدينة لم تستفق بعد

وطوال المساء الكئيب (الذي لم أنم فيه)

كان صوت المعزين يغمر روحي» (نفسه: 105)

محجوب شريف

ومن المعروف أن السياب من أكثر الشعراء استخدامًا للأسطورة، الأمر الذي انتبه إليه فضل قائلًا: «ما يهمنا في هذا الدفاع هو ما يتجلى فيه من شعور السياب بالحاجة الملحة إلى صناعة الرمز من المواد الأسطورية، أو غيرها، نظرًا لأن العناصر التعبيرية المباشرة قد فقدت فاعليتها، وانسحبت إلى هامش الحياة، ومن ثم فإن الأسطورة- والأسطرة التي تتمثل في تحويل العادي إلى أسطورة – هما اللذان يعيدان الشعر إلى قلب الحياة النابضة بالحرارة وبراءة البكارة». (نفسه: 79)

ويمكن القول: إن ثمة ثلاثة شعراء أعجب بهم عبدالقيوم وتأثر بهم وهم: السياب، وصلاح أحمد إبراهيم، والشاعر الضخم محمد المهدي المجذوب، وعبدالقيوم كثير الحفاوة بهؤلاء الشعراء، وعن المجذوب يقول علي في حوار معه (الفحيل: 1999م): «لكن الذي يهمني هو خروج شعراء العمود عن العمود من داخل العمود (…) أولًا: إن رؤى هؤلاء الشعراء كانت سودانية ولم يكتبوا الشعر مقلدين، وإنما من داخل قصيدة العمود تناولوا قضايا في غاية الجرأة. وهذا يتضح في شعر المجذوب». (نفسه: 152) وقد رثى عبدالقيوم أستاذه المجذوب بقصيدة عنوانها: (شيخي) يختمها قائلًا:

«صار شيخي (ضمير الوطن)

لغة ثرة في كفن

غادرت لغتي ظلمات الكفن

صار قلبي ضريحًا لشيخي». (نفسه: 106)

وأستاذية المجذوب لشعراء الستينيات والسبعينيات ليست محل شك بأي حال من الأحوال، فقد أشار لها محمد المكي إبراهيم في مؤلفه في ذكرى الغابة والصحراء (إبراهيم: 2008م) يقول محمد المكي: «في الستينات والسبعينات لم يكن في السودان مثقف يحترم ذاته لا يتردد على منزل المجذوب ويرتاد مجالسه ويتابع أخباره، وربما كان ذلك مفيدًا للمجذوب بصورة ما ولكنه كان ممكنًا أمور [هكذا] يكون مضرًّا، فقد أجلسناه على مقعد الأستاذية، وقبلناه حكمًا في تقييم أدبنا وخلافاتنا» (نفسه: 87)، ويشير محمد المكي إلى أن المجذوب بالرغم من انشغاله عن تبعات تلك الأستاذية فإنه «وجد الوقت والطاقة الفنية ليكتب ثلاثة من أروع أعماله هي: القربان والبشارة وشحاذ في الخرطوم [هكذا] وهي أعمال تمتد من شعر التفعيلة إلى قصائد النثر، برهن بها الشاعر الكبير على قدرته المستمرة على التجاوز والتجديد» (نفسه: 87-88)، ويتفق هؤلاء الشعراء مع غيرهم من شعراء الحداثة في السودان على كراهية المدينة بوصفها بؤرة للأغنياء المستغلين، فالمجذوب مثلًا  يصف كراهيته لمدينة الخرطوم التي يسميها مدينة الترك، نلمس هذا بوضوح في سرديات المجذوب وبخاصة مقدماته التي أعدها لدواوينه الشعرية، فمثلًا مقدمة ديوان الشرافة والهجرة وهي الثانية في سلسلة مقدماته (المجذوب: 1973م)، وفي هذه المقدمة يبلغ المجذوب القمة في أسلوبه السردي، وهو يواصل ما بدأه في مقدمة ديوانه الأول نار المجاذيب حيث ظل يعود بشغف ومحبة إلى فردوسه المفقود، وبخاصة عالم الطفولة وحياة الخلوة، فالنص يبدأ بقول المجذوب: «كان لوحي المرهف من خشب العشر الخفيف، حفظته وعرضته على شيخي ذات صباح، ثم ذهبت فمحوته وطليته بجيرة بيضاء لبنية صافية، وجف كأنه ورقة صقيلة – وضعت اللوح مبتهجًا بين يدي شيخ الفقراء» (نفسه: 7). وبالحس الروائي الذي أشرنا له سابقًا يتحدث المجذوب عن تدرجه في مراحل التعليم، ونلاحظ أن المجذوب يبدأ النص بضمير المتكلم لكنه سرعان ما يترك هذا الأمر، ويتحدث بضمير الغائب المنسوب إلى الطفل الذي تعلم في الخلوة، نلمس هذا في قول المجذوب: «وهاجر طالب القرآن الصغير من خلوته الزاهدة المستبشرة إلى مدرسة أميرية في الخرطوم عاصمة الترك في السودان السناري، وأوقفوه في الطابور»، ثم يمضي ويتحدث عن غربته في المدينة «كان التلاميذ في المدرسة من أعاجيب المدينة، يضحكون من لهجته القروية، وكان لا يشك في كفر من يدخن سيجارة» (نفسه: 8)، ويحكي المجذوب ضياع تلميذ الخلوة الذي سرعان ما صار أفنديًا. «وتخرج في كلية غردون التذكارية، وصار أفنديًا ولبس القبعة، واستهواه عيش الفرنجة». (نفسه: 8)

وشعر علي عبدالقيوم نموذج جيد للشعر الحديث، فهو يحمل أغلب ملامح وعناصر الحداثة الشعرية، إن لم تكن كلها.

جيل الحداثة الشعرية

جيلي عبدالرحمن

وتاريخ الحداثة في الشعر السوداني يرجع إلى الجيل الأول من شعراء الخمسينيات، وبخاصة أولئك الذين عاشوا ودرسوا بمصر، وانفتحوا على الموجات الأولى من الحداثة في الشعر العربي، وعلى رأس هؤلاء نجد محمد مفتاح الفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبدالرحمن، ومن المعروف أن تاج السر وجيلي أصدرا ديوانًا مشتركًا هو مجموعة قصائد من السودان عام1957م، وقد أشار محمد المكي إبراهيم في كلمة له إلى هذا الديوان وإلى دور تاج السر الحسن في هذه الحداثة (إبراهيم: 2009م) يقول محمد المكي إبراهيم: «وحينما وصلنا ديوان قصائد من السودان قريبًا من عام 1957م كدنا نجن به ولعًا وأنا بين الذين حفظوه غيبًا، وكنت بذلك ثالث ثلاثة في «خور طقت» فعلوا ذلك على رأسهم الصحافي اللامع الوليد إبراهيم والمهندس عوض عابدين أفسح الله لهما في علياء الجنان». (نفسه: 53)، ويقول عن المجموعة الشعرية لتاج السر وجيلي «كان ديوانًا مشتركًا بين التاج وجيلي عبدالرحمن، وكان صعبًا جدًّا المفاضلة بين مجموعتيهما، فقد اشتركا في أسلوب الكتابة ومضامينها، وفي الصور المبدعة التي عبرا بها عن الناس والحياة والأحلام الجميلة التي حلما بها للوطن». (نفسه: 53) ويقول محمد المكي عن تاج السر الحسن: «يتمتع الشاعر الكبير بأبوية حانية تجاه من انطلقوا في أثره من المبدعين، وقد سرني حديثه المليء بالمحبة عن الشاعرين عالم عباس وفضيلي جماع (…) وكلنا نشترك في محبته والاعتراف بتأثيره القوي على مسيرة الإبداع في السودان». (نفسه: 54)

وقد أشارت سلمى الجيوسي إلى هذه الملامح في كتابها المهم: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث (الجيوسي: 2001) وقد لخصت هذه العناصر في الفصل الثامن من الكتاب الذي أسمته: «إنجازات الشعر الجديد حتى مطلع السبعينيات» وقد أشارت في بداية حديثها إلى صعوبة حصر هذه المنجزات قائلةً: «تبرز الكثير من المصاعب عندما يحاول المرء تقويم منجزات الحركة الحديثة في الشعر العربي. ويستطيع الناقد الذي يقف على مشارف السبعينات أن يدرك من طبيعة المسيرة الشعرية منذ بداية الخمسينات أن منجزات هذه الفترة، رغم التغير الكبير الذي حصل في الشعر، لم تكن قد استكملت نفسها». (نفسه: 661) وقد حصرت هذه الإنجازات في الشكل وهي كالآتي: تطور التجارب في شكل الشعر، الخصائص العامة لهذا الشعر، وتوقفت أمام ظاهرة التدوير التي تقول عنها: «من أبرز خصائص الشعر الحر استعمال التدوير أو الجريان بين بيت وآخر. والسبب الرئيس الذي يعطيه الشعراء لهذا هو أن الشاعر لا يريد الوقوف إلا حيث ينتهي المعنى» (نفسه: 678)، وتحدثت كذلك عن تجاهل الشعر الحديث للقافية، وتقول: «كانت القافية عنصرًا لا بد منه في الشعر القديم، وكانت أفضل القصائد تكتب على حرف رويّ واحد وتحت تأثير الشعر الغربي وإحياء تراث الموشح الأندلسي حاول الشعراء العرب المحدثون أن يتخطوا تراث القافية الموحدة، ونجحوا بإدخال تنويعات أكبر في نظام القافية في القصيدة الحديثة» (نفسه: 680)، أما على مستوى الموضوع فقد حصرت الجيوسي ملامح الشعر الحديث في موقف الشاعر من الحياة واللهجة التي يعبر بها عن هذا الموقف، وتقول في هذا الصدد: «إن المقصود بالموقف هنا موقف الشاعر ونظرته العامة نحو الحياة والإنسان، أما اللهجة فالمقصود بها طريقة تعبير الشاعر عن موقفه (…) والموقف شديد الارتباط باللهجة؛ لأن الموقف يقرر اللهجة واللهجة تعكس الموقف» (نفسه: 703)، وتشير كذلك إلى أن الشعر الحديث هو مرآة لعصر القلق، وهذا –ما أدى إلى تمرد الشعراء- تقول الجيوسي: «يلجأ بعض الشعراء إلى طرق متنوعة للتعبير عن تمردهم، فاستخدام الأساطير ومواد التراث الشعبي تكثف تأثير تجربة الشاعر، إذا أحسن استعمالها. فقد شبه شعراء التمرد أنفسهم بشخوص الأساطير مثل سيزيف» (نفسه: 717)، وخلصت للقول: إن الشعر الحديث أو ما أسمته بالشعر الطليعي يعبر عن الموضوعات العادية بأسلوب جديد، وضربت مثالًا لمعالجة هذا الشعر لموضوع الحب، ونجدها تقول: «فشعر الحب سرعان ما اتخذ أسلوبًا جديدًا مع التغير في الحساسية الفردية. يصور هذا الموضوع أكثر من غيره مواقف الناس الثقافية، ولا شك في تغير الرؤيا نحو الحب، كما تبدو في شعر الرجال والنساء معًا في هذه الفترة» (نفسه: 723)، وتحدثت الجيوسي كذلك عن لغة الشعر وتذهب إلى أن هذا الشعر أحدث ثورة على التقاليد الشعرية، وتتوقف الجيوسي أمام تجربة المجذوب بوصفها نموذجًا لهذه الثورة وتقول: «والشاعر السوداني محمد المهدي المجذوب سار في الاتجاه ]اتجاه الثورة والتمرد[ نفسه بفعل غريزة شعرية أصيلة تغذت بلغة الصوفية الدسمة، مما يثبت الأساس الفنيّ الأصيل لهذا النوع من التطور» (نفسه: 736)، لكن الكاتبة سرعان ما تعود للقول بأن المجذوب لم يستطع المضي في طريق الثورة والتمرد، فهي تقول: «لكن جذور الكلاسيكية في شعر المجذوب قد عملت ضده في النهاية، فلم يستطع الاستمرار في هذا الإنجاز الباهر ولم يتمكن (لا هو ولا سواه من شعراء السودان قبل السبعينيات من فتح الطريق للتحرر الكامل في اللغة والأسلوب» (نفسه: 737).

وقد خلصت للقول: إنه من الصعوبة بمكان -مع ما ذهبت إليه حول تجربة المجذوب- تصنيف تجربة المجذوب «إن الصراع في شعره ]المجذوب[ بين الكلاسيكية المتجذرة في دراسته الأدبية واللغوية المبكرة من جهة، ونبوغه الشعري الخاص الذي كان يحاول إثبات تمرده على اللغة الكلاسيكية وعلى النظرة التقليدية إلى الحياة من جهة أخرى كان صراعًا بطوليًّا. وقد يفسر صعوبة تصنيف المجذوب مع أي جماعة من الشعراء الذين يكتبون الآن في الوطن العربي» (نفسه: 738).

تحويل القصيدة الثورية إلى غنائية

صلاح أحمد إبراهيم

لعل أكبر مساهمات علي الشعرية مع غيره من أساتذته ومعاصريه هي تحويل القصيدة الثورية إلى قصيدة غنائية تخلو من الهتاف والتقريرية والمباشرة، وهذا منجز يشترك فيه كل الشعراء الثوريين مثل: جيلي عبدالرحمن، وصلاح أحمد إبراهيم، وعبدالرحيم أبو ذكرى، وكمال الجزولي، وعلي عبدالقيوم، ولا بد أن عوامل عدة تفسر هذا الأمر، ربما رومانسية هؤلاء الشعراء، هذه الرومانسية التي لم تفارقهم حتى وهم يبدعون للوطن والنضال والطبقة بل الحزب، مما لا شك فيه أن هناك كثيرًا من العناصر المشتركة بين أغلب شعراء الخمسينيات والستينيات أي شعراء الحداثة، وهذه العناصر في جملتها لا تخرج عن أهم ملامح حداثة الشعر العربي، هنا نقول بثقة: إن الشاعر السوداني أضاف إلى هذه الحداثة كثيرًا لكن عادة ما يتم التركيز عند الحديث عن الحداثة إلى شعراء مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب من العراق، وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي من مصر، ولا تتم الإشارة إلى شعراء سودانيين تمثل أشعارهم هذه الحداثة أحسن تمثيل مثل: جيلي عبدالرحمن، ومحمد المهدي المجذوب، وصلاح أحمد إبراهيم، ومصطفى سند، ومحمد المكي إبراهيم، وعبدالرحيم أبو ذكرى، وبالطبع علي عبدالقيوم.

وها نحن بصدد الحديث عن شاعرية علي عبدالقيوم وتمثيلها لحداثة الشعر العربي المعاصر، وعادة ما يشار إلى ملامح عدة هي الملامح الأساسية في هذا الشعر، مثل: الطاقة الدرامية في القصيدة، وتوظيف التراث وبخاصة الشخصيات التراثية التي عادة ما يوظفها الشاعر كقناع يختبئ خلفه، والموقف من المدينة أو التقدم الصناعي وهو الموقف ذاته الذي اتخذه شعراء المدرسة الرومانسية، أضف لهذا استخدام العامية، إضافة إلى توظيف التراث العالمي والعربي، وسنلاحظ في هذا الصدد تركيز الشعراء على الأسطورة الإغريقية الأمر الذي يعدّه محمد عبدالحي واحدًا من تأثيرات الشعر الإنجليزي والأميركي على الشعر العربي الرومانسي، وذلك في مؤلفه تجليات الشعر الإنجليزي والأميركي في الشعر العربي الرومانسي (عبدالحي: 2013م)، يقول عبدالحي: «ولم يظهر الاهتمام الأدبي بالأسطورة الإغريقية عند العرب إلا في القرن التاسع عشر تحت تأثير الأدب الفرنسي والإنجليزي. كان رفاعة رافع الطهطاوي أول من استعار كلمة ميثولوجي (الآن ميثولوجيا) من اللغة الفرنسية في كتابه: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» (نفسه: 162)، ولعل صلاح أحمد إبراهيم من أكثر شعراء الحداثة السودانية توظيفًا للأسطورة، ونجد هذا التوظيف واضحًا في ديواني «غابة الأبنوس» و«غضبة الهبباي» وفي الأول نجد قصائد مثل أغنية «التروبادور للجزائر» (إبراهيم،2013م: 25)، ويشرح الشاعر مصطلح التروبادور قائلًا: «التروبادور هو الشاعر- الموسيقار الذي ظهر في القرن الثاني عشر في أجزاء كثيرة من أوربا (إسبانيا) واشتهر بأغاني الحب على قيثاره» (نفسه: 25)، ونجد توظيفًا آخر في قصيدة صلاح «صورة دوريان غراي»، ويشرح الشاعر الأسطورة قائلًا: إن دوريان غراي «فتى منح الوسامة المفرطة، وحين تفتحت بصيرته على هذه الحقيقة في صورة رسمت له تمنى أن يدوم له الجمال والصبا» (نفسه: 43)، وفي قصيدة «مرية» يشير صلاح إلى «فدياس» قائلًا:

«يامرية:

ليت لي إزميل «فدياس» وروحًا عبقرية

وأمامي تل مرمر

لنحتّ الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك

تمثالًا مكبر» (نفسه: 47)

وفي نفس القصيدة نجد إشارات إلى «باخوس» إله الخمر وإلى «بروميثيوس» وإلى «يوليس» وجميعهم شخصيات معروفة في الأساطير الإغريقية.

وفي شعر عبدالقيوم نلاحظ توظيف الأسطورة واضحًا؛ مثلًا نجد قصيدة بعنوان: «زرقاء اليمامة» يقول الشاعر:

«وزرقاء اليمامة لم تزل تجثو

على ظهر المنائر

تستشم روائح العار

فما انتحرت

ولا نبذت نبوءتها لوجه الريح وارتحلت.» (عبدالقيوم: 22)

وللشاعر كذلك قصيدة بعنوان: «ليدي ماكبث» وهي الشخصية المشهورة في مسرحية ماكبث لوليم شكسبير، يقول الشاعر في مستهل القصيدة:

«ينبوع الحكمة الدموية

يا سليلة الانتقام المريع

سيدة النضال النافذة

يا قاتلة النيام

يا نافذة القاتل نحو الظلام الأزلية الأبدية!.» (عبدالقيوم: 46)

كذلك لا يخلو شعر علي من تناص مع التراث الصوفي، بل إن الشاعر في بعض المرات قد يتناص في قصائده مع القرآن، كما نجد في قصيدته (زمليني) التي يقول فيها:

«منحتني

الهجر طويلًا فارغًا

فلتمنحيني

بعض الذي في الهجر من شعر

وعلميني

كيف أشكل الوفاء صافيًا» (نفسه: 86)

يبدو واضحًا في قصيدته (امرأتان) التي يقول في مقطعها الأول وهو بعنوان: «أنثى منافقة»:

«كانت ولم تزل منافقة

يختال مثلها الطاووس

لكنها تختال بين الرفض والموافقة

لذا هجرتها

هجرتها كما عشقتها… إلى الأبد

يا قدرتي على الصمود

يا تماسكي

مدد… مدد… مدد» (نفسه: 74)

ولا نحتاج للإشارة إلى توظيف الشاعر لمصطلح «مدد» الذي يحيلنا مباشرة إلى السياق الصوفي، ولعبدالله الطيب ديوان معروف باسم: برق المدد بعدد ولا عدد.

على كل، إن عبدالقيوم لا يوظف التناص كيفما اتفق ولكنه يوظفه بطريقة لا تخلو من ذكاء ومع قصد واضح لهذا التوظيف، ففي قصيدته التي رثى فيها صديقه وأستاذه علي المك وهي قصيدة «قمر السلام» لم يكن غريبًا أن يختم القصيدة أو البكائية كما أسماها بمقطع مطول من قصيدة خليل فرح: «ما هو عارف قدم المفارق» ويبرر عبدالقيوم هذا التناص واصفًا الأبيات بأنها «مقتطفات من غنائية بالعامية السودانية للشاعر الراحل خليل فرح الذي حقق ديوانه الأديب الــراحل «علي المك» مضيفًا بذلك للمكتبة السودانية كنزًا حقيقيًّا كان عرضة للضياع» (نفسه: 126) لهذا كان الاقتباس أو التناص مناسبًا جدًّا، وينسجم مع مناخ القصيدة، وقد حقق الشاعر عددًا من الأهداف عبر هذا التناص، وأهمها تماهي شخصية الراحل علي المك مع شخصية خليل فرح، يقول عبدالقيوم:

«يا صديق الخليل

ويا أرحم الناس بالمبدعين

لماذا تدللنا هكذا؟» (نفسه: 122)

ويمهد عبدالقيوم للتناص مخاطبًا علي المك:

«كأني بصوتك قد جاءني خلسة

يترنم ممتزجًا بنحيب الأرامل

ويح قلبي المانفك خافق

فارق أم درمان باكي شاهق

ما هو عارف قدموا المفارق» (نفسه: 125)

ولا نحتاج للوقوف أمام الإشارة لأم درمان تلك الساحرة التي تصل بين عبدالقيوم وعلي المك وخليل فرح، وقد كانت المدينة أثيرة لدى ثلاثتهم، ]ولدى صلاح أحمد إبراهيم، وعلي المك، وعلي عبدالقيوم[، فهي مسقط رأسهم أما الخليل فقد عاش فيها صباه وتغنى بحبها -كما هو معروف- فقد أفرد علي المك قصيدة مطولة لمعشوقته أسماها (مدينة من تراب)، وقد أشار الطيب صالح إلى ولع صلاح بأم درمان، أو ما أسماه بـ«الروح الأمدرماني المتحضر» وذلك في المقدمة التي كتبها الطيب صالح لديوان غابة الأبنوس (إبراهيم: 2013م) يقول الطيب صالح: «لما فتح الإنجليز بلاد السودان، اهتم الحكم الجديد اهتماما خاصًّا بمدينة أم درمان؛ إذ كانت مركز المقاومة لوجودهم، فكأنه أراد أن يروضها ويستلّ سخيمتها (…) فأتيحت لأهل أم درمان فرص لم تتح لغيرهم» (نفسه: 5-6)، ويضيف الطيب صالح قائلًا: «تشرب صلاح أحمد إبراهيم هذا الروح الأمدرماني المتحضر، وكانت مدارس أم درمان في الأربعينات والخمسينات، حين بدأ الشاعر، هي خير مدارس السودان» (نفسه: 6).

إن عليًّا يحمل وعيًا كبيرًا لمساهمة الأجيال السابقة له ونراه يقول صراحة حينما سُئل عن المدارس الشعرية: «فأنا لا أتصور مبدعًا يكتب الشعر ولا تكون له علاقة بالمتنبي أو الشعر الجاهلي، ويبدأ رأسًا بعلاقة مع أدونيس، ويدعي بأن الشعر يبدأ من هنا» (نفسه: 151) بل إن عليًّا يذهب إلى القول: إن الحداثة ليست سوى تطور طبيعي وتلقائي للشعر، وذلك في إشارته للشعراء: حمزة الملك طمبل والتجاني يوسف بشير، وهو يقول: «وفي رأيي أن هؤلاء الشعراء يمثلون الجسر الحقيقي بين جيلنا والجيل الذي سبقنا كجيل صلاح وتاج السر وآخرين.. بنفس الوضع كان هناك شعراء يكتبون الشعر بالتفعيلة، إلا أنهم واقعون تحت إسار التقليدية. طبعًا هم يمثلون أغلبية» (نفسه: 152)، ويضيف علي قائلًا: إن حداثة هؤلاء الشعراء أتت تلقائية دون تنطع؛ ذلك أن هؤلاء الشعراء «لم يكتبوا الشعر مقلدين، وإنما من داخل قصيدة العمود تناولوا قضايا في غاية الجرأة، وهذا يتضح في شعر المجذوب، مع احترامي الفائق للتجاني يوسف بشير» (نفسه: 152-153)، وبسبب إعجاب علي بالمجذوب نجده يرثيه بقصيدة بعنوان: (شيخي)، ويستهلها بقوله:

«كانت الشمس في ألق الاستحاء الصباحي تدري

وأهل الفجيعة لا يدركون

(إنهم نائمون)». (عبدالقيوم: 105)

وفي خاتمة القصيدة يقول الشاعر:

«صار شيخي (ضمير الوطن)

لغة ثرة في كفن

غادرت لغتي ظلمات الكفن

صار قلبي ضريحًا لشيخي». (نفسه: 106)

تداخل الشعر مع الأجناس الإبداعية

وثمة ملمح من ملامح الحداثة نراه بوضوح في شعر علي عبدالقيوم وهو تداخل الشعر مع الأجناس الإبداعية الأخرى مثل: القصة والدراما بل التشكيل، ومن السهل ملاحظة الطاقة الدرامية الهائلة في شعر علي، وهذا ليس بالأمر الغريب؛ لأن عبدالقيوم مولع بالمسرح منذ أيام دراسته بالجامعة؛ إذ أخرج كثيرًا من المسرحيات للمسرح الجامعي في ستينيات القرن الماضي، من هذه المسرحيات مسرحية سمك عسير الهضم للكاتب مانويل غاليتش من أميركا اللاتينية ومسرحية «إنت اللي قتلت الوحش» لعلي سالم، ومن المعروف أن عليًّا بعد تخرجه سافر إلى بولندا ودرس السينما؛ مما يؤكد محبته وولعه بالدراما في المسرح والسينما، انظر مثلًا قصيدة البغلة في الإبريق، نلاحظ تعدد الأصوات وشيئًا قريبًا من الحوار يقول الشاعر:

«مستلقيًا على ظهري

أقذف بالحصى نحو النجوم

غنيت للنخيل:

يا شجر النخيل

السامق النبيل». (عبدالقيوم: 36)

ثم يعود الشاعر في القصيدة ليقول:

«وهكذا يا سادتي

غنيت حتى خانني الغناء

وقلت للسماء أمطري

فأمطرت دماء». (نفسه: 36)

والأمر نفسه نلاحظه في قصيدة (جنازة) حيث نقرأ شيئًا أشبه بالمشهد المسرحي، وذلك حين يقول الشاعر:

«الضجيج المفخخ يعتلي صهوة الصمت

لا يختشي

الجنازة محمولة فوق أكتافهم

ثلة القتلة يحملون الجنازة ملفوفة في السواد». (نفسه: 127)

وفيما بعد يقول الشاعر:

«وتبكي على نفسها حينما نبشوها

وأعادوا لها اعتباراتها الماضية

غافلتهم بصمت القبور

وارتضت رقصة مارسوها

حينما حاكموها

ثم عادت لقبر قصي». (نفسه: 127)

وقد انتبه فضيلي جماع لتمثيل شعر علي للحداثة بل إن فضيليًا يذهب إلى تفوق علي في هذا الأمر (جماع: 1999م) يقول جماع: «يكتب علي عبدالقيوم منذ الستينيات وكان طالبًا جامعيًّا كلامًا يضعه في المرتبة الأولى للحداثيين من أبناء حقبته، فقد ظل المشروع الحداثي الشعري في السودان منذ الخمسينيات حتى اليوم محاولة لاختراق الجاهز ليس في مجال الإسقاط السياسي، إنما محاولة تحطيم القوالب الجاهزة في الثقافة وإبدال مفاهيم معاصرة بها» (نفسه: 114)، ويضيف جماع: إن شعر علي يمثل خروجًا على المألوف وفي تقدير جماع أن هذا الخروج «سمة أولى من سمات الحداثة- تتشكل صعودًا، وتتغير بقدر ما تتبدل رؤيا الشاعر. ولا يمكن للرؤيا أن تكون متقدمة وذات مدلول مغاير إذ لم يقفز الشاعر فوق الحواجز، مزودًا بنار التجربة المقدسة، متشبعًا بثقافة هي بنت عصرها، ثقافة تطرح الأسئلة الجادة في عصرنا» (نفسه: 115). أما عن توظيف الموروث في شعر علي فهو واضح ولا يحتاج إلى جهد لاكتشافه، فمثلًا نجده يعطي إحدى قصائده عنوان «البغلة في الإبريق»، وهنا إحالة واضحة للمثل الشعبي: «من يقول البغلة في الإبريق» وفي قصيدة جرداق للمطر يقول علي:

«في هذه الظهيرة الندية العيون

لا بد أن أقول شعرًا للمطر

****

لما دعت لنا عجوز من أرض فور حافية

-جاءت لتحتمي بنا من جلدة السحاب-

بأن ننام –بعد دفقة السماء- عافية».

وليس خافيًا هنا أن عليًّا يستخدم عبارة التحية التي يستخدمها أهل دارفور قائلين: «ارقدوا عافية» وما أكثر العبارات العامية أو عبارات الخطاب اليومي في شعر علي، وفي هذه قصيدة جرداق للمطر يقول علي:

«وهذه الخرطوم – بنت دار الصبح

لصة الزراع». (نفسه: 15)

ولا شك أن عبارة «دار الصبح» هي تفصيح للعبارة العامية «دار صباح»، ولا شك أن شاعرية علي الواضحة في ديوانه الوحيد الخيل والحواجز الصادر في 1994م، هي شاعرية ضخمة تنبئ عن موهبة فذة، وقد انتبه صلاح أحمد إبراهيم لهذه الشاعرية في الحوار الذي أجري معه في مجلة الخرطوم (التني: 1969م) يقول صلاح عن علي: «علي عبدالقيوم يتميز شعره بالبساطة الريفية. في شعره رقة وعفوية تبلغ حد السذاحة أحيانًا. شعره يحمل ذكريات الطفولة ومكتنزات القرية، ونقاء الريف، وكلمته عذبة وفيها صراحة، قروية عذراء من عذارى الشايقية وميسان النخيل وشجو السواقي.» (نفسه: 51) وقد أصاب الناقد الكبير والشاعر الفطحل صلاح في كل ما ذكره عن شاعرية علي، ونتفق مع صلاح في أن مفتاح قصيدة علي هي البساطة، أو ما أسماه صلاح بالبساطة الريفية، وتحتشد قصائد الديوان بهذه السمة، لكن ليس أدل على ذلك من أول قصائد الديوان وهي قصيدة «جرداق للمطر» يقول علي في القصيدة:

«هذا المساء لو يباع

تنهشه الخرطوم من عيونكم

حتى تبل ريقها

ويستجم السادة الكبار

تحت أذرعه

وتستحم في ندائه الشوارع المرصعة

لكنه يقر في براءة الرمال

يستفزه توهج الأسفلت والحديد

لا يباع

وهذه الخرطوم- بنت دار الصبح-

لصة الذراع

تسرقكم نداوة الرذاذ

كي تقر في بيوت السادة الكبار». (نفسه: 14-15)

ونلاحظ في هذه الأبيات المعاني الكبيرة الواضحة والجلية، فالشاعر يتحدث عن الصراع الطبقي، وظلم الأثرياء للكادحين، وظلم المدينة أي الخرطوم التي «تنهش» المساء من عيون البسطاء، والسادة الكبار الذين يستجمون تحت مساء الخرطوم، ولكن الشاعر لم يسقط في إغراء لغة تقريرية مباشرة وهتافية ليعبر عن الصراع الطبقي، كما هو متوقع، وتحدث عن هذا الصراع بكلمات بسيطة ذات تكثيف شعري عالٍ، والأمر نجده واضحًا في كل قصائد الديوان، حتى في القصيدة السياسية نلاحظ هذه الغنائية، انظر قصيدته ثلاثية الغضب التي تغنى ببعض أبياتها المغني الضخم محمد وردي، يقول علي في مستهل القصيدة وفي المقطع الأول الذي أسماه المشنقة:

«العار الأول

لقياها

العار الثاني

مرثاها

العار الثالث

ذكراها». (نفسه: 68)

وتتصاعد الشاعرية في كثافة واضحة في المقطع الثالث الذي عنوانه «أبي»، يقول الشاعر:

«وإذا أصلى ظلال عيونك التعبى

هجيرى من سعير الحزن والأسف

وأكسر قيدك الذهبي

أهجر قلبك المعمور مختارًا

يجلجل صوتك العملاق

في برية العصيان هدارًا». (نفسه: 69)

وهذه الغنائية لم تفسد أو تشوه موقف علي تجاه العالم وتجاه الإنسانية، فهو موضوعي في موقفه وإدانته للظلم والقمع، وربما ضللت هذه الغنائية بعض متلقي وقراء شعر علي ووصفوه بالذاتية، وهو الأمر الذي لاحظه فتحي محمد الفضل في مقالة له عن شعر علي (الفحيل: 1999م) يقول الفضل: «ويقال أن عبدالقيوم –كان في الأغلب- ذاتيًّا في شعره غلبت عليه رنة الحزن والحب القاتل والهزيمة. لكنه- بتكوينه وبانتمائه- كان شعره تجسيدًا لموقفه الإنساني من جملة القضايا الوطنية، يبدأ صعودًا من الذات، ليصب في بحر البشر والموضوعية». (نفسه: 16) ولا شك أن هذه الغنائية المفعمة بالعذوبة هي واحدة من أهم ملامح شعر عبدالقيوم وشعر أغلب –إن لم يكن جميع- شعراء الحداثة السودانية، خير من يمثل هذه الغنائية جيلي عبدالرحمن وعبدالرحيم أبو ذكرى ومصطفى سند من مبدعي الشعر الفصيح، ويقف أساطين الشعر العامي الثوري على قائمة هذه الحداثة منهم بلا جدال الراحلان محمد الحسن سالم حميد ومحجوب شريف، ومحمد طه القدال وأزهري محمد علي.

نظرة إلى جيل آباء الحداثة

وما كان لهذه الحداثة خاصة عند عبدالقيوم أن تتم لولا نظرته لجيل آباء الحداثة في السودان، وعلى رأسهم من دون منازع محمد المهدي المجذوب، ومثل غيره من شعراء الستينيات، نظر علي للمجذوب كأستاذ وقائد لهم في التجربة الشعرية وهو يذهب إلى أن المجذوب وبعض معاصريه تمردوا على الشعر العمودي أو التقليدي بأدوات هذا الشعر نفسه، نلمس ذلك في قوله: «في رأيي أن هؤلاء الشعراء ]التجاني وخليل فرح وطمبل والمجذوب[ يمثلون الجسر الحقيقي بين جيلنا والجيل الذي سبقنا كجيل صلاح وتاج السر وآخرين (…) لكن الذي يهمني هو خروج شعراء العمود عن العمود من داخل العمود (…) أولًا: إن رؤى هؤلاء الشعراء كانت سودانية ولم يكتبوا الشعر مقلدين، وإنما من داخل قصيدة العمود تناولوا قضايا في غاية الجراءة. وهذا يتضح في شعر المجذوب، مع احترامي الفائق للتجاني يوسف بشير، وذلك مرده قصر حياة التجاني، وعليه فإن المجذوب قد شيد الجزء الأكبر من ذلك الجسر الذي ربط بين التقليديين والمجددين مع آخرين كتوفيق صالح جبريل، ويوسف التني، وسلسلة من الأسماء التي نادت بالتغيير الاجتماعي المربوط بحركة فكر معين، ولولا تلك المحاولات لكان من الصعب القفز من التقليدية الكلاسيكية إلى التجديد والواقعية الاشتراكية». (الفحيل: 152-153).

ويضيف علي أن أهم إضافات المجذوب الشعرية هي سودانوية الصورة في شعر المجذوب، نلمس هذا في قوله: «ولم نكن نحن أول المجددين، ولا حتى الجيل الذي سبقنا، ولكن المحاولات الجادة التي سبقتنا كان لها الأثر الكبير في نضوج قصيدة التفعيلة. وإذا تناولت أية قصيدة للمجذوب ترى الصور منتزعة انتزاعًا من واقع الحياة السودانية، بالتالي أدى هذا لانتزاعه من قصيدة العمود» (نفسه: 153)، ولعلي إلى جانب المجذوب أساتذة من كبار الشعراء العرب من عهود مختلفة، ويأتي على رأسهم أبو الطيب المتنبي والسياب ومحمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم، ونجده يقول عن المتنبي: «فأنا لا أتصور مبدعًا يكتب الشعر ولا تكون له علاقة بالمتنبي أو الشعر الجاهلي، ويبدأ رأسًا بعلاقة مع أدونيس، ويدعي بأن الشعر يبدأ من هنا» (نفسه: 151). أما عن السياب فنجد عليًّا يقول: أما مفهوم وحدة القصيدة، فقد تطور في قصيدة التفعيلة، إلى الشكل المناسب للمضمون وسلسلة الصور التي تكوّن وحدة القصيدة (…)، ثم العمق أصبح بديلًا للإعراب اللغوي، والإدهاش من أجل الإدهاش. وطبعًا داخل عملية التجديد تجد سلسلة من الطفرات هي أشبه بالمخاض إلى أن نضجت، وأعتقد بأن هذا النضوج تم على يد السياب». (نفسه: 151)

وليست هذه المرة الأولى التي ينتبه فيها بعض الشعراء وبخاصة تلامذته إلى العلاقة القوية بين المجذوب والهوية، أو ما أسميناه بالسودانوية، فقد أشار إلى الأمر محمد عبدالحي وسامي سالم، وتوقف عبدالحي كثيرًا أمام قصيدة المجذوب التي يصف فيها العرس السوداني (عبدالحي: 1984م) يقول عبدالحي: «الشــاعر ]المجذوب[ يصف عرسًا سودانيًّا، وهو حدث ثقافي امتزجت في طقوسه وشعائره العناصر الوثنية مع العناصر الإسلامية، ويركز الشعر في الناحية الحسية من التجربة، ويتحسر الشاعر على اضمحلال ذلك الطقس في المدينة الجديدة» (نفسه: 11)، ويصف عبدالحي شعر المجذوب بأنه «أثيل الجذور في تربة الثقافة المحلية ولغة فصيحة مجودة على القصيدة المعجم الشعري وعلى علاقة الكلمات ببعضها بعضًا». (نفسه: 11)

وفي هذه القصيدة وفي غيرها من القصائد نلاحظ اهتمام علي بشكل القصيدة وليس بموضوعها فحسب، ولا نقصد بشكل القصيدة لغتها ومفرداتها، لكننا نقصد أسلوب كتابة القصيدة وهو ما يسمى بالتشكيل النصي، وهذا التشكيل ليس خاصًّا بالشعر وحده، بل يمكن ملاحظته في جميع الأجناس الأدبية الشعرية والسردية، وقد أفرد الناقد محمد صابر عبيد دراسة في هذا الأمر في مؤلفه التشكيل النصي: الشعري، السردي، السير الذاتي (عبيد: 2013) ونجده يقول عن مفهوم التشكيل: «يظل مفهوم التشكيل المشتغل في منطقة الأدب عمومًا، وفي منطقة الشعر خصوصًا، مفهومًا عصيًّا على التحديد الإجرائي الدقيق، وصعبًا على التقنين الاصطلاحي المجرد، وذلك لأنه محول أولًا من منطقة الأدواتية الفنية والجمالية، وثانيًا لأن حركته في ميدان اللغة واسعة وغامضة وعميقة ومتداخلة ومشتبكة لا يمكن أن تحدها حدود واضحة» (نفسه: 5)، ويشير عبيد إلى ضرورة الصنعة في التشكيل الشعري قائلًا: «ومن هنا يمكن النظر إلى أهمية الصنعة وضرورتها في التشكيل الشعري بوصفها القدرة على إيصال النص إلى أعلى مرحلة إبداع تقاني ممكنة؛ لأنها تعمل على ضبط عمل الأدوات ودقتها وتحقيق التوازن التشكيلي المطلوب بين العناصر، وتنقية الفضاء الشعري ليبلغ ذروة الصفاء الأسلوبي والتعبيري والتصويري» (نفسه: 6). في واقع الأمر، إن كثيرًا من شعراء الحداثة في السودان يهتمون بهذا التشكيل الشعري وعلى رأسهم يأتي عميد شعراء الحداثة محمد المهدي المجذوب، وكذلك نلحظ هذا الاحتفاء واضحًا في قصائد محمد عبدالحي وبخاصة مطولته «العودة إلى سنار» أما عند علي فالتشكيل الشعري واضح في ديوانه الخيل والحواجز ونجده في قصيدة جرداق للمطر، وذلك في قول الشاعر:

«يا طيبون، مهرجانكم

والأرض لم تزل غريقة بالماء

والخور يستطيل عزة وكبرياء

بهرجني

كما عيونكم

تطرزت

بالعشب

والدليب

والذرة». (نفسه: 13)

ويبدو التشكيل واضحًا في قصيدة (الاختيار) حيث يقول الشاعر:

«يقينًا ما عرفت قبيلها طعمًا كهذا الطعم!

هل ذاق الفؤاد قبيلها ما ذاق

من أرق

ومن رهق

ومن إسراء؟!

وهل واتاك ما واتاك في حضراتها

الزرقاء

والحمراء

والورقاء

والهيفاء؟!» (نفسه: 96)

حاولنا فيما سبق إضاءة أهم ملامح شعر علي عبدالقيوم الموجود في طيات ديوانه الوحيد الخيل والحواجز، وحاولنا تأكيد أطروحتنا التي تؤكد شاعرية علي الضخمة والرقيقة التي تتجلى في قصائد الديوان مع تنوع وتعدد مضامين وأشكال هذه القصائد، وقلنا: إن شعر علي عبدالقيوم مع شعر رصفائه من أساتذته الشعراء من لدن محمد المهدي المجذوب وجيلي عبدالرحمن وتاج السر الحسن، ومن مجايليه من لدن كمال الجزولي وعبدالرحيم أبو ذكرى، إن شعر هؤلاء جميعًا يمثل الحداثة الشعرية العربية أصدق تمثيل، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن هذا الشعر يشكل إضافة حقيقية إلى هذه الحداثة، لكن عوامل كثيرة حالت دون الالتفات إلى هذا الشعر والتركيز عند الحديث عن هذه الحداثة على أسماء بعينها من مصر والشام والعراق، مهما يكن من أمر فإن شعر علي عبدالقيوم نموذج ساطع للحداثة؛ لما يحتويه من كثير من -إن لم يكن كل- ملامح الحداثة وعناصرها، وتوقفنا عند بعض هذه الملامح والعناصر في شعر علي مثل: التشكيل النصي والتدوير وتداخل الشعر مع الأجناس الأدبية الأخرى مثل الدراما وغير ذلك، مهما يكن من أمر فإن هذه الدراسة لمست جزءًا يسيرًا من شاعرية علي عبدالقيوم، هذه الشاعرية التي تتميز بالفخامة مما يتيح الانفتاح على كثير من الأسئلة التي تطرحها هذه الشاعرية.

المراجع:

إبراهيم، محمد المكي، في ذكرى الغابة والصحراء، 2008م، أم درمان: مركز عبدالكريم ميرغني.

إبراهيم، صلاح أحمد، غابة الأبنوس وقصائد أخرى، 2013م، الخرطوم: أبنوس للنشر.

تني (ال) إبراهيم عمر، «لقاء مع الشاعر صلاح أحمد إبراهيم»، 1969م، مجلة الخرطوم العدد الثاني، نوفمبر، ص 46-52.

فضل، صلاح، أساليب الشعرية المعاصرة، 1995م، بيروت: دار الآداب.

فتح الرحمن، إلياس، جيلي عبدالرحمن: شاعر الوقت في سياق، وحيدر إبراهيم علي، آخر 1996م، القاهرة: مركز الدراسات السودانية.

فحيل (ال) إسماعيل علي، من ترى أنطق الحجر، علي عبدالقيوم، 1999م، (1943-1998م)، (إعداد)، الدوحة: مطابع الراية.

سعيد (ال) عائشة موسى، تجليات الشعر الإنجليزي والأميركي في الشعر العربي (ترجمة) العربي الرومانسي، 2013م، أم درمان: مركز عبدالكريم ميرغني.

عبدالقيوم، علي، الخيل والحواجز، 1994م، القاهرة: دار قضايا فكرية للنشر والتوزيع.

عبيد، محمد صابر، التشكيل النصي: الشعري، السردي، السير الذاتي، 2013م، كتاب الرياض رقم (179)، الرياض: مؤسسة اليمامة الصحفية.

كركي (ال) خالد، الرموز التراثية العربية في الشعر العربي، 1989م، الحديث بيروت: دار الجيل، عمان، مكتبة الرائد العلمية.

صديق (ال) عبدالهادي، اتجاهات الشعر السوداني المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية، 1995م، الخرطوم: دار الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع.

جيوسي (ال) سلمى الخضراء، الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث، 2001م، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

سند، مصطفى، البحر القديم، د.ت، الخرطوم: جامعة الخرطوم، قسم التأليف والنشر.

27/5/2017م