حكاية بابل مع غوركي.. البحث عن الجمال المنشود في الحياة

حكاية بابل مع غوركي.. البحث عن الجمال المنشود في الحياة

 جودت هوشيار – كاتب ومترجم عراقي

في شتاء عام 1916م وصل العاصمة الروسية القديمة «بطرسبورغ» كاتب ناشئ اسمه إسحاق بابل، في الحادية والعشرين من عمره، قادمًا من مدينة أوديسا الواقعة على البحر الأسود. كان متوسط القامة، ممتلئ الجسم، يرتدي نظارات طبية دائرية سميكة. وكان قد نشر عدة قصص في المجلات المحلية في أوديسا، لكنها لم تلفت إليه الأنظار، وأدرك أن الشهرة الحقيقية، إنما تنطلق من عاصمة الإمبراطورية لا من أطرافها، هنا في بطرسبورغ تصدر المجلات الأدبية الشهيرة، وتتصارع فيها شتى التيارات الفنية والأدبية، حيث يعيش ويعمل كبار الكتّاب والشعراء الروس. أخذ الشاب يتجول في أنحاء المدينة، ويرتاد مقاهيها الأدبية الصاخبة، حيث يقرأ الأدباء على الحاضرين قصائدهم وقصصهم القصيرة أو مقاطع مثيرة من رواياتهم، ويزعم كل واحد منهم أنه مؤسس ورائد مذهب أدبي حداثوي جديد. كان شتاء ذلك العام قارس البرودة، لكن الشاب القادم من مدينة الشمس -التي يطلق عليها كتّابها وشعراؤها اسم مرسيليا الأوكرانية– لم يكن يحفل بالبرد ويشق طريقه في شوارع العاصمة الغارقة تحت أكوام الثلوج من دون أن يلبس أي معطف. كان لديه مثل هذا المعطف، لكنه لم يكن يلبسه عن عمد. يحمل معه نصوصَ عدةِ قصصٍ قصيرة جريئة واستفزازية للذائقة الأدبية السائدة إبان العهد القيصري المتأخر. هذا ما يحدثنا عنه بابل نفسه في سيرته الذاتية المعنونة: «البداية».

قصص جديدة في مضامينها وأسلوبها الاختزالي، وإيقاعها. نثر فني أشبه بالشعر باستعاراتها الجميلة، وصورها الفنية النابضة بالحياة. تخترق التابوهات، التي لم يكن كاتب آخر يتجرأ على الاقتراب منها. قصص حب لا تخطر على البال، ولا تشبه قصص الحب عند الكُتاب الروس الكلاسيكيين منهم والمحدثين. كان الشاب الأوديسي يطرق أبواب المجلات الأدبية لكن من دون جدوى. لم يكلف أي رئيس تحرير نفسه عناء إلقاء نظرة على قصص كتَبَها شاب أوديسي مغمور، وإن فعلها كان يشعر بالاشمئزاز منها؛ لأنها تتناول ما هو مستور في المجتمع، لا ينبغي للأدب أن ينتهكه. رئيس تحرير إحدى المجلات أرسل له مع (البواب) روبلًا واحدًا. وقال رئيس تحرير مجلة أخرى: إن هذه القصص محض هراء، وإن حماه يمتلك مخزنًا للحبوب، وعرض على بابل العمل في هذا المخزن بصفة كاتب مبيعات. لكن الشاب الباحث عن المجد الأدبي رفض هذا العرض بإباء، وقال لنفسه: «من الأفضل أن أتشرد وأجوع أو أدخل السجن من أن أقبع عشر ساعات في اليوم في مكتب للقيام بأعمال روتينية مملة. حكمة أجدادي راسخة في ذهني: لقد خلقنا –نحن البشر– للاستمتاع بالعمل الخلاق، والكفاح، والحب».

لا خيار سوى غوركي

أدرك بابل أن لا خيار له سوى الذهاب إلى مكسيم غوركي الذي كان يصدر مجلة ثقافية معارضة باسم «ليتوبيس» أي «الوقائع»، وتضم هيئة تحريرها نخبة من الأدباء والنقاد والفلاسفة والمفكرين الروس المعروفين. كانت مجلة رصينة اكتسحت السوق خلال أشهر عدة، وأصبحت أكثر المجلات انتشارًا وتأثيرًا. توجه الكاتب الأوديسي الشاب إلى مقر المجلة، بقلب واجف وقد تملّكته الرهبة من لقاء الكاتب الشهير.

في غرفة الانتظار تجمع جمهور غير متجانس من شتى الفئات الاجتماعية، لا يجمعهم سوى عشق الأدب: سيدات المجتمع الراقي، والصعاليك، وموظفو التلغراف، ورجال الدين الرافضون للطقوس الأرثوذكسية، وعدد من العمال البلشفيك، حيث كان من المقرر أن يلتقي الجميع مكسيم غوركي. وما إن حلت الساعة السادسة حتى فتح الباب ودخل غوركي بقامته الفارعة. كان أشبه بهيكل عظمي ضخم، نحيفًا وقويًّا. عيناه زرقاوان، ويلبس بدلة أجنبية واسعة بعض الشيء، لكنها تبدو أنيقة ورائعة على جسده الممشوق. جاء غوركي كعادته في الوقت المحدد تمامًا، فقد كان طوال حياته وفيًّا لهذا الانضباط والدقة. قُسِّم جمهور المنتظرين إلى مجموعتين: الأولى: تضم أولئك الذين جاؤوا لاستلام أعمالهم وعليها ملاحظات غوركي وقراره النهائي بصدد مدى صلاحيتها للنشر في المجلة. والثانية الأشخاص الذين جلبوا معهم مخطوطات أعمالهم لغرض تسليمها إليه. توجه غوركي في البداية إلى المجموعة الأولى. كانت خطواته خفيفة ورشيقة، وهو يحمل بيده دفاتر كتب على بعضها ملاحظات أكثر من نص المؤلف نفسه. تحدث طويلًا مع كل واحد منهم. كان يُصيخ السمع إلى كلام محدثه، ويعبر عن رأيه على نحو مباشر وصارم، مختارًا الكلمات التي عرف هؤلاء قوتها في وقت لاحق، عندما قطعت طريقًا طويلًا إلى قلوبهم، وظلت راسخة في أذهانهم طوال حياتهم.

عندما انتهى غوركي من الوجوه المعروفة له من المقابلة السابقة، توجه إلى المجموعة الثانية، التي كانت تضم أصحاب النصوص الجديدة. وأخذ يجمع المخطوطات. ويقول بابل: «تطلع إليّ غوركي للحظة خاطفة. كنت في ذلك الوقت فتًى يافعًا، ممتلئ البدن، خليطًا غير مختمر من أفكار تولستوي والاشتراكي– الديمقراطي. لم أكن أرتدي معطفًا، لكنني كنت مسلحًا بالنظارات… كان ذلك في يوم الثلاثاء. أخذ غوركي الدفاتر الجديدة، وقال: «تعالوا يوم الجمعة لاستلام الإجابات». وأثار ذلك دهشة بابل، فقد كانت المخطوطات تبقى لدى إدارات المجلات، شهورًا عدة، وربما للأبد».

عاري القدمين يسير فوق المسامير

في يوم الجمعة كانت هناك مجموعة جديدة في الانتظار، مثلما في المرة السابقة. وكانت تضمّ أميرات، ورهبانًا، وضباط بحرية، وطلابًا. حين دخل غوركي الغرفة، ألقى على بابل نظرة عابرة، لكنه تركه ينتظر للأخير. غادر الجميع وبقي غوركي وبابل، الذي شعر –كما يقول– كأنه سقط من كوكب آخر. دعاه غوركي إلى مكتبه. الكلمات التي سمعها هناك قررت مصيره الأدبي. قال له غوركي: «هناك مسامير صغيرة، وأخرى كبيرة بحجم إصبعي –ولوّح بسبابته قريبًا من عيني بابل– إصبع طويل، وقوي، لطيف الطراز -مسار الكاتب مليء بالمسامير الكبيرة غالبًا. وعلى الكاتب أن يسير فوقها عاري القدمين وهو ينزف دمًا غزيرًا. ومن سنة إلى أخرى يزداد تدفق الدم على نحو أقوى. أنت إنسان ضعيف– سيشترونك ويبيعونك. سيضعون أمامك عقبات، وسيخدعونك، إلى أن تتلاشى، لكنك ستتظاهر أنك شجرة مزهرة. عبور هذا المسار للإنسان الصادق، وللكاتب الصادق، وللثوري الصادق، شرف عظيم. أباركك على هذا الطريق سيدي».

ويقول بابل: «حقًّا لم يكن ثمة في حياتي، ما هو أكثر أهمية من تلك الساعة التي قضيتها في مقر مجلة (ليتوبيس). وعندما خرجت من البناية، فقدت الإحساس الجسدي بكياني. ركضت في البرد الحارق. ومضيت ثملًا، وتائهًا، أهذي في شوارع العاصمة الفسيحة الخضراء المفتوحة على السماء المظلمة البعيدة. ولم أسترجع رشدي إلا عندما تركت ورائي النهر الأسود والقرية الجديدة في أطراف المدينة». مضى نصف الليل قبل أن يرجع الشاب الأوديسي الحالم، إلى غرفته في شقة تعود إلى أحد المهندسين. كان بابل قد استأجر الغرفة من زوجة المهندس، وكانت امرأة شابة قليلة الخبرة. وحين عاد زوجها من عمله ونظر إلى الشاب الغريب، أمر زوجته أن تأخذ من المدخل المعاطف والقبعات، وأن تقفل الباب بين غرفة المستأجر المشبوه وغرفة الطعام. رجع بابل إلى الشقة ليلًا، وعندما دخل رأى المشجب في مدخل الشقة خاليًا من المعاطف والقبعات التي تعلق عليه في العادة. كانت روح بابل تغلي وتسكب عليه حرارة الفرح وتستبد به مطالبة بالخروج. لم يكن أمامه من خيار سوى أن يقف في المدخل مبتسمًا لشيء ما، ثم فتح فجأة باب غرفة الطعام. كان المهندس وزوجته يشربان الشاي. وعندما رأياه في هذا الوقت المتأخر اصفرّ وجهاهما. توقع المهندس الشر من القادم الجديد، واستعد أن يبيع حياته غاليًا. خطا بابل خطوتين نحوه، وقال للزوجين: إن مكسيم غوركي وعد بنشر قصصه في مجلته الشهيرة. وأدرك المهندس أنه أخطأ حين اعتبر الشاب الغريب شخصًا شريرًا. جلس بابل أمام المائدة، وسحب نحوه كوب شاي ساخن، وقال: سأقرأ لكما بعض قصصي، تلك التي وعدني غوركي بنشرها.

الثورة البلشفية تنقذهما من المحاكمة

ظهرت قصتان لبابل على صفحات المجلة في عدد نوفمبر عام 1916م، وهما: «إيليا إيساكوفيتش ومرغريتا بروكوفيفنا» و«ماما، ريما، آلا». أثارت القصتان اهتمام القراء والسلطة القضائية، التي وجّهت إلى بابل وغوركي ثلاث تهم في آنٍ واحد. وهي: نشر البورنوغرافيا، وانتهاك المقدسات، ومحاولة قلب نظام الحكم القائم. ولكن ثورة فبراير 1917م أنقذتهما من المحاكمة التي كانت ستجري في شهر مارس. ويقول بابل عن تلك المحاكمة متهكمًا: «إن المحاكمة لم تُجْرَ لأن الشعب ثار من أجلي، وأحرق ليس ملف قضيتي فقط، بل بناية المحكمة بأسرها». اجتذبت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم بابل معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على غوركي، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: إنها غير صالحة للنشر. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال غوركي بصوته الجهوري الأجش: «إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك في فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة».

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة غوركي بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من غوركي رسالة يقول فيها: «ربما الآن يمكنك أن تبدأ».

كان غوركي مفعمًا بالحماس للإبداع البشري والزيادة المستمرة مهما يكن الأمر في عدد الأشياء الجميلة والمنشودة في الحياة، ويبحث عن الموهوبين. يتابع محاولاتهم في الكتابة الإبداعية، ويقرأ نصوصهم بصبر وتمعّن، ويشير إلى نقاط الضعف فيها، ويرشدهم ويرعاهم بالنصح والإرشاد، سواء في أثناء اللقاءات المباشرة أو من خلال الرسائل المتبادلة معهم، وهي حالة نادرة إن لم تكن الوحيدة في تاريخ الأدب العالمي. كان يتعذب عندما يرى الإنسان الذي كان يتوقع منه كثيرًا يخيب ظنه. وكان سعيدًا يفرك يديه من الفرح، ويغمز للعالم، وللسماء، وللأرض، عندما تتحول الشرارة إلى شعلة ملتهبة. ولولا غوركي لَما عرف الأدب الروسي والعالمي عشرات الكتّاب المبدعين. وفي مقدمتهم إسحاق بابل، أحد أنبغ أساتذة فن القصة القصيرة في القرن العشرين.

سيلڤيا بلاث.. عميقًا، في شقوق الرخام، يصدح صَرّارُ الليل شذرات من دفتر اليوميات

سيلڤيا بلاث.. عميقًا، في شقوق الرخام، يصدح صَرّارُ الليل شذرات من دفتر اليوميات

 اختيار وترجمة: تحسين الخطيب – شاعر ومترجم أردني

في الساعة الرابعة والنصف (11 فبراير 1963م) وضعت سيلڤيا بلاث رأسها في فرن المنزل، بعد أن أغلقت الغرف التي تفصلها عن طفليها النائمين، بشريط لاصق وبعض الثياب والمناشف، ثم أدارت مفتاح الغاز، لتموت مختنقة بأول أكسيد الكربون. عُرفت بلاث -سواء عبر مجموعتها الشعرية، «التمثال الضخم وقصائد أُخَر» (كتابها الشعري الوحيد الذي نشر خلال حياتها) أو من خلال «إيريل»، مجموعتها الشعرية التي نُشرت بعد موتها بعامين- بوصفها شاعرة ذات نزعة اعترافية صارخة؛ حيث «الأنا»، وتجربتها الشخصيّة، هما الفضاء الذي تدور فيه القصيدة؛ تلك التجربة التي لا تتردد عن «البوح» بكلّ ما هو حميميّ، وخارج عن المألوف: العذابات والمرض والجنس. هي شاعرة من طينة شعراء ملعونين أفنوا حيواتهم إمّا في المصحات العقلية وعيادات الطب النفسي، كروبرت لويل؛ أو بدّدوها منتحرين، مثل: آن سكستون وجون بيرمن.بدأت سيلڤيا بكتابة هذه اليوميّات (التي نقدم، هنا، ترجمة لشذرات منتخبة منها) منذ أيامها الأولى بكلية سميث في عام 1950م، وظلت تواظب على كتابتها حتى وفاتها. لم يُنشَر شيء من هذه اليوميات إلّا في عام 1982م، بعد أن سمح زوجها، الشاعر تيد هيوز بذلك، وأشرف على تحريرها. ولكنّ باقي اليوميات ظلت حبيسة لدى هيوز، حتى قرر الإفراج عنها، ونشرها، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاتها، في 11 فبراير 2013م. وفي عام 2000م، أصدرت دار النشر الأميركية «أنكر بوكس» طبعةً من يوميّات بلاث، بعنوان: «The Unbridged Journals of Sylvia Plath»، وهي النسخة التي اعتمدنا عليها في ترجمة هذه الشذرات.

1950 م

ثمة أوقات يخامرني فيها شعور بالترقب والانتظار، كما لو أن شيئًا هناك، تحت ظاهر وعيي وإدراكي، ينتظرني كي أقبض عليه. إنه الشعور المعذب ذاته الذي يصيبك حين تكون على وشك أن تتذكر اسمًا، ولكنك لا تتمكن من الوصول إليه تمامًا. أستطيع الشعور بذلك، حين أفكر في الناس، وفي تلميحات الارتقاء التي يوحي بها قلع ضرس العقل، وفي ضيق الفكّ الذي لم يعُد محتاجًا لمضغ تلك الألياف كما تعود؛ والتلاشي التدريجي للشعر من الجسد الآدمي؛ وتكيّف العين مع النصوص المطبوعة بخط صغير، والحركة السريعة الملوّنة للقرن العشرين. يأتي الشعور، مبهمًا وغائمًا، حين أتأمل المراهقة الطويلة لجنسنا البشري؛ شعائر الولادة والزواج والموت؛ كل الطقوس البربرية، البدائية، التي انسابت إلى الأزمنة الحديثة. أكاد أعتقد بأنّ النقاء الوحشيّ، الجامحَ، كان الأفضل. آه، ثمة شيء هناك، في انتظاري. ولعلّ الرؤيا سوف تغمرني، ذات يوم، وتفيضُ عليَّ، فأبصر الجانب الآخر من هذه الدعابة الغريبة الجسيمة. ثم سوف أضحك. ثم سوف أعرف ما هي الحياة.

سيلڤيا بلاث مع زوجها تيد هيوز

رغبتُ الليلةَ في أن أخطو إلى الخارج لبضع دقائق قبل أن أخلد إلى النوم؛ كان البيت غارقًا في الدفء والهواء البائت. كنت أرتدي منامتي، وشعري المغسول للتوّ معقوص فوق رأسي. حاولت أن أفتح الباب الأمامي. طقطق التِّرْباس حين أدرته؛ فأدرت المقبض إلى الجهة الأخرى. لا حركة البتّةَ. برمت بالترباس؛ فليست إلّا أربع توليفات محتملة لإدارة المقبض وفتح الترباس، ولكن الباب ما زال عالقًا، أبيضَ، خاويًا، ومحيّرًا. اختلست النظر عاليًا. خلال المربع الزجاجي، عاليًا في الباب، فرأيت قطعة من السماء، وقد شقتها الرؤوس الحادة السوداء لشجر الصنوبر عبر الشارع. وها قد كان القمر، بدرًا أو يكادُ، لامعًا وأصفرَ، وراء الأشجار. شعرتُ فجأةً بانقطاع أنفاسي، وبأنني أختنق. كنت حبيسةً، رفقةَ تربيعة الليل الصغيرة المعذبة فوقي، وهواءُ البيتِ الأنثويُّ الدافئُ الذي يطوقني بحضنه المُريَّش الخانق.

تجتاحني الكآبة في هذا الصباح. فلم أنم جيدًا ليلةَ الأمس، مستيقظةً، أتقلّب في الفراش، تنتابني أحلام صغيرة، متنافرة وسوداوية. أستيقظ، رأسي ثقيل، فأشعر كما لو أنني قد خرجت من سباحة في بركة ماء دافئ ملوّث. كان جلدي زلقًا، وشعري يابسًا، ومزيّتًا، ويداي كما لو أنهما قد لمستا شيئًا لزجًا وغير نظيف. هواء أغسطس الثقيل لا يسعفني البتّةَ. أجلس هنا ببلادة، ووجع في قفا عنقي. أشعر بأنني لن أستطيع شطف الغشاء اللزج الوسخ، حتى لو غسّلت نفسي بالماء النقيّ البارد طيلة النهار؛ ولن أكون قادرة على تخليص فمي من الطعم الكريه المرعب لأسناني التي لم تنظف بالفرشاة بعد.

كان كل شيء في الداخل قد غشيته السكينة، لبرهة، في هذه الليلة. خرجت من البيت القابع في الجهة الأخرى من الشارع، قبيل الساعة الثانية عشرة، يستبدّ بي سأم شوق لم يتحقق، وحيدةً، ألعن نفسي. وهناك، على نحو خارق، كان ليل أغسطس. كانت قد أمطرت للتوّ، وكان الهواء طافحًا بالرطوبة الدافئة وبالضباب. وكان القمر، بدرًا، يحبل بالضياء، قد تجلى على نحو غريب خلف الغيوم الصغيرة المعتادة، متوازنًا كأحجية صور تناثر بعضها عن بعض، والضوء في الخلفية يؤطر كل قطعة، كأن لا ريح هناك، ولكنّ أوراق الأشجار اهتزّت، هائجة، فسقط الماء منها قطرات هائلة على الرصيف، وبصوت يشبه ذاك الذي يصدر عن السائرين في الشارع. ثم فاحت الرائحة الغريبة لأوراق الأشجار الميّتة، المنخورة، والمتعفنة، في الهواء. كان المصباحان فوق السلالم الأمامية قد لفهما السديم بهالتين غبشيّتين نيّرتين، فرفرفت حشرات غريبة قبالة الزجاج الحاجب، هشّةً، ورفيعةَ الجناح، معميّةً، ودائخة، يُنَمِّلُهَا البريق الوهّاج.

برقٌ، برق حار، رَمَّشَ، كما لو أنّ عامل مسرح كان يلعب بمفتاح الضوء. صَرّارا ليلٍ، عميقًا في شقوق السلالم الرخامية، صَدَحا بصوت عذب مرتعش، مرةً بعد أخرى. ولأنه كان بيتي، فقد أحببتهما. تدفق الهواء من حولي كدِبْسٍ كثيف، وانشقّت الظلال المنبعثة من القمر ومصباح الشارع كأشباح زرقاء مفصومةٍ، غريبة، وتكرر أنفسها على نحو شاحب.

سيلڤيا بلاث مع أبنائها

من أنا، يا إلهي؟ أجلس في المكتبة الليلةَ، والأضواء تلمع فوق رأسي، ومروحة السقف تطنّ بصوت مرتفع. فتيات، فتيات في كل مكان، يقرأن الكتب. وجوه مُكبّة، وبشرات وردية وبيضاء وصفراء، وأنا جالسة هنا بلا هوية، بلا وجه. رأسي يؤلمني. ثمة تاريخ يتوجب عليّ قراءته.. قرون ينبغي الإحاطة بها قبل النوم، وملايين الحيوات التي لا بُدَّ من استيعابها قبل الإفطار غدًا. وها هو موعدي الغرامي في نهاية الأسبوع: فثمة من يعتقد بأنني إنسانة، ولست مجرد اسم فحسب. وهذه ليست إلّا الإشارات التي تدلّ على أنني إنسانة كاملة، ولست مجرد كتلة من الأعصاب، بلا هوية. إنني ضائعة. كان «هكسلي» سيضحك. فأيّ مركز مكيف هو هذا المكان! مئات الوجوه، مكبّة على الكتب، ومراوح السقف تطنّ، مبددة الوقت على حافة الفكر. إنه كابوس. فلا شمس. بل حركة متواصلة فحسب. لو أستريح، لو أستبطن ذاتي، فسوف أجنّ. ثمة الكثير، وأنا ممزّقة في جهات مختلفة، متوتّرة، ومشدودة صوب آفاق قصيّة لا يمكنني الوصول إليها. أن أتوقف مع القبائل الألمانية وأستريح قليلًا: ولكن، كلّا! بل يتوجب عليّ أن أواصل المسير، وأن أواصل المسير. عبر عصور من الإمبراطوريات، من الانحطاط والسقوط. بخطوات سريعة، متواصلة. أَفَلَنْ أستريح تحت أشعة الشمس ثانيةً- متوانية، ومنهكة، يغمرني ذهب السكينة؟

أعتقد أنني أعرف الآن معنى العزلة. العزلة الخاطفة، على أيّ حال، إنها تأتي من باطن النفس الغامض- كمرض يصيب الدم، وينتشر في أنحاء الجسد فلا يستطيع المرء تحديد مصدره، وموضع العدوى. عدت إلى غرفتي في «هيڤن هاوس» بعد عيد الشكر. الحنين إلى الوطن هو الاسم الذي يطلقونه على السأم الذي يتملّكني الآن. فأنا وحيدة في غرفتي، بين عالمين.. لا أكاد أستطيع تذكر تلك الأيام الأربعة من عيد الشكر- صورة البيت غائمة، وهو أصغر ممّا تركته، وبقع الجرائد الصفراء الداكنة أكثر وضوحًا؛ لم تعد غرفتي القديمة تخصني، وقد اختفت منها كل أشيائي؛ لا أستطيع أن أخدع نفسي وأكفّ عن التفكير في الحقيقة المجردة الصارخة بأنّه مهما كان المرء متحمسًا، وبصرف النظر عن يقينه بأنّ الشخصية قدَرٌ، فلا شيء حقيقيّ، سواء في الماضي أو في المستقبل، حين يكون المرء وحيدًا في غرفته وساعة الحائط تدق عاليًا في الضياء البهيج الزائف للمصباح الكهربائي. فلو كنتَ بلا ماضٍ أو مستقبل -الذي هو، في النهاية، ما ينطوي عليه الحاضر- فلماذا قد تتخلص من صَدفة الحاضر الفارغة وتقدم على الانتحار؟.. لا كائنَ حيًّا إلّايَ على الأرض في هذه اللحظة. أستطيع السير في الممرات، والحجرات الفارغة تتثاءب ساخرة منّي في كل اتّجاه. ولكنّ الحياة هي العزلة، يا إلهي، على الرغم من كل الحبوب المنوّمة، على الرغم من كل المرح الصاخب المُبهرَج لـ«حفلات» بلا غاية، على الرغم من كل الوجوه الباسمة الزائفة التي نرتديها. وحين تعثر في النهاية على شخص تشعر بأنك قادر على أن تجعل روحك تفيض من أجله، تتملكك الصدمة من الكلمات التي تلفظها -إنها كلمات باهتة، في غاية البشاعة، عقيمة وبلا أيّ معنى من طول الاحتفاظ بها في أعماقك المتشنجة المعتمة. نعم، ثمة فرح، وتحقُّق، وعِشرة- ولكنّ عزلة الروح، في وعيها الرهيب، مفزعةٌ وقاهرة.

لقد ذرّتِ الريحُ قمرًا أصفرَ حارًّا فوق البحر؛ قمرًا بصليَّ الشكل، شطأَ في السماء النّيلية الملطّخة، ثم سفحَ بتلات ضوء لامعة، رامشةً، فوق المياه السوداء المرتعشة.

وحين أقرأ، يا إلهي، النثرَ الجزل والمحكم والفائض لـ«لويس أنترماير»، والأبيات المكثفة، المصفّاة، لشاعر بعد آخر، أشعر بأنني مخنوقة، وسقيمة، وشاحبة، وغارقة في العبث، ويجافيني الكلام المعسول. ثمّة قبسٌ غائم، بلا لون، من مشاعر رقيقة، يلمع في داخلي. يا إلهي! هل سأفقده في إعداد البيض المخفوق من أجل رجل ما.. ولا أسمع شيئًا عن الحياة إلّا عبر الأقاويل، مطعمة جسدي، تاركة لقوى حسّي وإدراكي، وما يعقبها من تعبير وفصاحة، أن تترهل وتصبح بليدة جراء التجاهل والإهمال؟

1951 م

مُكبّةً على وجهي فوق الصخرة الدافئة المسطّحة، تاركةً لذراعي أن تتدلّى من طرفها، ويدي تفرك الحواف الدائرية للحجر الذي لوّحته الشمس، فشعرت بتضاريسه الناعمة. جعلتني حرارة الصخرة، وذلك الدفء الوثير الجاسئ، أشعر كأنها جسد آدميّ. محتدمًا خلال ثوب سباحتي، تفشّى الحر العظيم في أنحاء جسدي، فتوجع صدري فوق الحجر المسطّح القاسي. ثمّ هبّت ريح ملحيّة ونديّة، رطبةً في شعري؛ فاستطعت أن أرى زرقة المحيط المتلألئة عبر كتلة كبيرة ولامعة من شعري. تسرّبت الشمس إلى كل مسام، مالئة كل أنسجة جسدي المتذمرة بسكينة ذهبية، غامرة ولامعة.

وباعتمادي على المجازات والتشبيهات والاستعارات، وجدت فجاة آليّةً للإفصاح عن بعض الأفكار، من بين تلك الأفكار المقلقة الكثيرة، التي كانت تنتابني منذ الأمس…. لوصف الشعور الذي أمتلكه تجاه الجزء المجهول من شريط ماساتشوستس الساحليّ. وبكل البساطة التي قد تبدو عليها هذه المهمة، رغبت في الانتظار حتى أستطيع إنجازها بإنصاف واقعي؛ لأنها تشكل جوهر فلسفتي الفكرية والعملية، التي تتطور على نحو مستمر.

فعلى شاطئ حجريّ، مهجور نسبيًّا، ثمة صخرة عظيمة تنتأ فوق البحر. وبعد الصعود، والهبوط من موطئ قدم جاسئ إلى آخر، يصل المرء إلى جرف طبيعي يستطيع أن يتمدد فيه على طول جسده، ويحدق في المد وهو يعلو ويهبط في الأسفل، أو خلف الخليج، حيث تلتقط الأشرعة الضياء، ثم تخيّم عليها الظلال، ثم يضربها الضوء مرة أخرى، حين تنحرف بعيدة صوب الأفق. لقد لفحت الشمس هذه الصخور، وحطم المد والجزر العظيم المتواصل الجلاميدَ، وسحقها بقوّة، حتى فتتها إلى حجارة ملساء، سفعتها الشمس، على الشاطئ، حيث تخشخش وتغيّر أماكنها، تحت أقدام كل من يمشي عليها. تغمرني سكينة تجاه الحتميّة الوئيدة للتغيرات التدريجية التي تحدث في قشرة الأرض.. والشمس تلفح الصخرة، والجسد، والريح تنفش العشب والشعر، ثمة وعي بأنّ القوى الهائلة العمياء، المجهولة وغير الواعية، والقوى الحيادية سوف تدوم وتبقى، وبأنّ ذلك الكائن العضوي، الهشّ، المخلوق على نحو خارق، الذي يفسّر تلك القوى، ويمنحها المعنى، سوف يرتحل قليلًا، ثمّ يتداعى، يسقط، ويتحلّل في النهاية ترابًا مجهولًا، بلا صوت، وبلا وجه، وبلا هويّة.

خرجت من هذه التجربة كاملة ونقيّة، وقد تغلغلت الشمس في كل ذرّة من كياني، وطهّرتني البرودة القارصة للماء المالح، ناشف جسدي وأبيض بالسكينة الهنيئة التي تغمرني منبعثة من المكوث بين الأشياء البدائية.

وينبثق، من هذه التجرية أيضًا، إيمان بأن أعود إلى عالم إنسانيّ من رغائب صغيرة وتفاهة مضللة. إيمان، ساذج وبريء، ولدته، كما هو، البساطة المتناهية للطبيعة. إنه شعور بأنَّ ثمة يقينًا وجمالًا نادرين في الحياة التي يمكن تقاسمها علانيةً، في الريح وأشعة الشمس، مع إنسان آخر يؤمن بالمبادئ الأساسية ذاتها، وبصرف النظر عن سلوك الآخرين والأفكار التي يؤمنون بها.

1952 م

يا إلهي، لو كان ثمة وقت اقتربت فيه من الرغبة في الانتحار، فهو هذه اللحظة، والدم الأَرِقُ، الدائخ، يسري في عروقي، والهواء الرمادي طافح بالمطر، والرجال الصغار الملعونون عبر الشارع يطرقون على السقف بالمعاول والفؤوس والأزاميل، وذَفَرُ القطران؛ الذَفَرُ الجهنمي اللاذع.. إنني خائفة. لست قوية، إنني جوفاء.. أريد أن أقتل نفسي، أن أهرب من المسؤولية، أن أزحف عائدة بوضاعة إلى الرحم. لا أعرف من أنا، ولا إلى أين أذهب.. إنني أجلس هنا الآن، أكاد أبكي، خائفة، ناظرة إلى الإصبع الذي يكتب خيبتي الجوفاء على الجدار، ويلعنني.

الواقع هو ما أصنعه. هذا ما قلت: إنني قد آمنت به. ثم أحدق في الجحيم التي أتمرّغ فيها، الأعصاب مشلولة، والأفعال باطلة – الخوف، والحسد، والكراهية: كل المشاعر المزعجة للاطمأنينة التي تنخر نفسيّتي المرهفة. الوقت، والتجربة: الموجة العملاقة، الموجة المَدِيّةُ الكاسحة تغمرني، فأغرق، أغرق. أنَّى لي أن أجد الديمومة، تلك الصلة المستمرة مع الماضي والمستقبل، ذلك التواصل مع الكائنات البشرية الأخرى التي أحنّ إليها؟ هل لي أن أقبل، بكل أمانة، إجابةً زائفة محتومة؟ أنَّى لي أن أسوِّغ، وكيف لي أن أبرِّر ما تبقى من حياتي؟

وها هي مغالطة الوجود: فكرة أن يكون المرء سعيدًا إلى الأبد وأن يهرم في مقام معلوم أو سلسلة من الإنجازات. لماذا انتحرت فيرجينيا وولف؟ أو سارة تيزديل أو النساء الباهرات الأخريات؟ هل كُنّ عُصابيّات؟ هل كانت كتاباتهن (آه، أيها الكلام المرعب) تعليةً لرغائبهن الفطرية العميقة؟ لو أنني أعرف، فحسب. لو أنني أعرف، فحسب، كيف أجعل أهدافي، ومتطلباتي في الحياة، ذات مقاصد سامية! إنني في مقام فتاة عمياء تلعب بمسطرة لوغاريتمات القيم. إنني الآن في حضيض قواي الحاسبة.

أنتِ معلقة على صليب القيود التي تفرضينها على نفسك. لا يمكن تغيير اختياراتك العمياء؛ إنها الآن نهائية ولا رجعة عنها. لقد كانت لديك فرص، فلم تغتنميها، وها أنتِ تتمرّغين في خطيئتك الأصلية؛ القيود التي تفرضينها على نفسك. حتى إنك لا تستطيعين العزم على التمشّي في الريف: ولست متأكدة من أن ذلك مهرب أو علاج منعش لحبس نفسك في غرفتك طيلة النهار. لقد ضيّعت كل مسرّات الحياة. أمامك صف كبير من الأزقة المسدودة. وها أنتِ تديرين ظهرك لحياة الإبداع، ولا تتشبثين بها، يائسة، على نحو ما، وعن سابق إصرار ما. إنك تصبحين ماكينة محايدة. لا تستطيعين الحُبّ، ولا حتى لو عرفت كيف تشرعين في الحبّ. كل فكرة شيطان، جحيم- لو استطعت القيام بأشياء كثيرة مرة أخرى، آه، لأنجزتها على نحو مختلف! تريدين العودة إلى موطنك، إلى الرّحم. إنكِ لتنظرين إلى العالم وهو يصفق بابًا إثر بابٍ في وجهك، بقوّة، وصفاقة. لقد نسيتِ السرَّ الذي عرفتِه، ذات مرّة، آه، ذات مرّة؛ أن تفرحي، وتضحكي، وتفتحي الأبواب.

1953 م

انظر إلى ذلك القناع البشع الميت هنا ولا تنسه. إنه قناع طبشوري بسمّ مميت ناشف خلفه، كملاك الموت. إنه القناع الذي كُنْتُهُ في هذا الخريف، ولا أريد أن أكونه البتّة مرة أخرى. الفم المتبرّم الحزين، والعينان الباهتتان، الضجرتان، الخدرتان، الخاليتان من المشاعر: أعراض الخراب القبيح في داخلهما.

1956 م

قصيدة:

غضب عنيف وهائج- ثلج بارد: سديم مستنقعات كثيف أبيض- المصابيح تتدلى. بقع معتمة. ساكنة.. ساكنة.. أوراق أشجار متجمدة. شحرور أحدب: غضب -«ثانية أخرى، وهسيس القطط سوف ينتشر». الإحاطة بالغضب الساحق الخانق- المشي في عالم أبيض فارغ- رمز الانقطاع عن الرؤية العادية الواضحة- الهيجان العبثيّ. القيود الإنسانية ضدّ القوّة المرمريّة العظيمة المترامية للبرد، والثلج، والنجوم، والعتمة- أقحوانات مندثرة: بيضاء في الرأس، ومتذكّرة من الصيف- إنها تضعها على سويقات جرداء ناشفة- مشهد تبايُنٍ مشرق، العبور القطبي للموسم، والطقس- سناسل حجرية سوداء- منظر طبيعي موحش- قطّ أسمر، نار فحم حمراء، وجنات محترقة، قط أسفل منزل الفحم- زرازير تلتقط جذاذات الشحم- وشمع متجلّد- عالم الطبيعة الحيادي، الرحب والأبيض، ضدّ الشرارة الصغيرة والعنيقة للمشيئة.

المصدر: «يوميات سيلڤيا بلاث»، دار: أنكر بوكس، في الولايات المتحدة، عام 1998م.

إيمي سيزير.. شاعر أسود كبير

إيمي سيزير.. شاعر أسود كبير

 أندريه بريتون – شاعر وناقد فرنسي         ترجمة: جمال الجلاصي – كاتب ومترجم تونسي

«شاعر أسود تنتصب كلماته كسنبلة الضّوء، متحدّيًا بمفرده عصرًا بأكمله» بهذه الكلمات يقدّم أندريه بريتون إيمي سيزير. لكن ما الذي يجمع السوريالية بحركة الزنوجة؟ ما الذي شدّ رائد السوريالية الأوربية إلى هذا الشاعر الأسود المعادي للاستعمار؟ يردّ إيمي سيزير: «إنّ لقائي بأندريه بريتون له دور كبير فيما أصبحت عليه الآن، إنّه الطريق المختصر نحو نفسي». إنّ إلقاء الضوء على شاعر مغمور من المستعمرات بقلم رمز من رموز الشعر الفرنسي يُعدّ في حدّ ذاته سابقة. لكن أن تُكتب مقدّمة لديوان شعريّ يعدّ من الدّواوين التي أثْرت وأثّرت في حركة الشعر الفرانكفوني والإفريقي عامة، إن لم يكن الشعر العالمي، (باعتبار ترجمة الديوان إلى أكثر من 32 لغة، باستثناء العربية، وقد يزول هذا النقص قريبًا بإصداري لمختارات شعرية موسّعة للشاعر) أن تكتب مقدّمة بكلّ هذه الحماسة وهذه الحميميّة الصادقة دليل على التّوافق الرّوحي بين الشاعرين والانبهار بهذا الاكتشاف.

هنا ترجمة لمقدمة أندريه بريتون:

نيسان 1941م. مسمّرًا بالشُّعَب المرجانيّة إلى أرض الشّاطئ، يغلق هيكل سفينة تتقاذف عليه الأمواج الرؤيةَ –على الأقلّ لم يحلم الأطفال بأحسن من هذا ليبتهجوا طيلة النّهار– بثباته لم يترك أيّة هدنة للاهتياج أن يتنقّل إلّا بخطوات محسوبة، في المسافة بين حربتين: معتقَل لازارييه في مرسى فور دي فرانس. الحرّية بعد بضعة أيّام، بأيّ ظمأ ارتميتُ في الطرقات بحثًا عمّا يمكنها أن تقدّم لي من أشياء لم أرها قطّ، فتنة الأسواق، العصافير الطّنّانة السّاكنة في الأصوات، النّسوة اللاتي أخبرني بول إيلوار بعد جولة حول العالم أنّهن الأجمل من بين كل نساء الأرض. رغم ذلك، يظهر سريعًا حطام سفينة مهدّدًا باحتلال كلّ المشهد: المدينة نفسها لا تتمسّك بأيّ شيء، تبدو محرومة من أعضائها الأساسيّة. التّجارة في الواجهات البلورية تأخذ شكلًا نظريًّا مقلقًا. الحركة تبدو أبطأ قليلًا ممّا يجب، الضّجيج واضح كما في الأشياء الغارقة. في الهواء الرّقيق يتواصل الرّنين البعيد لناقوس الخطر.

في هذه الظروف، من خلال مصادفة شراء شريط شعر لابنتي، تصفّحت منشورًا معروضًا في الدكّان حيث اشتريت الشّريط. بتقديم شديد التواضع، كان العدد الأوّل الذي صدر في فور دي فرانس لمجلّة عنوانها «مدارات». لا حاجة إلى القول: إني عالم إلى أيّ مدى وصلت الاستهانة بالأفكار منذ سنة، وشاعر بغياب أيّ إدارة حسنة وهو الأمر المميّز للرجعية البوليسيّة في المارتينيك، بدأت قراءة هذا المصنَّف بحذر شديد… لم أصدق عينيّ، فما يقال هنا هو ما يجب أن يُقال! تمزقت كل تلك الظلال المكشّرة، تشتَّت كلّ ذلك الكذب، كل ذلك الاحتقار سقط مزقًا: هكذا لم ينكسر صوت الإنسان، يُغطَّى، لكنّه ينتصب من جديد هنا تمامًا مثل سنبلة الضوء.

اسم من كان يتكلّم: إيمي سيزير

لن أدافع عن نفسي قائلًا: إنّي لم أحسّ من فوري ببعض الغرور: فما يعبّر عنه ليس غريبًا عنّي بتاتًا، أسماء الشُّعراء الذين يذكرهم والكتّاب كانوا وحدهم ضمانًا كافيًا، لكن لهجة هذه الصّفحات خاصة لا تخدع أبدًا، تشهد أنّ رجلًا انغمس بكلّيته في المغامرة، وفي اللّحظة ذاتها فهو يمتلك كل الوسائل الكفيلة بالتّأسيس، ليس من النّاحية الجمالية، لكن أيضًا من النّاحية الأخلاقية والاجتماعية، ماذا أقول عن أهمّية تدخّله وضرورته. كشفت لي النُّصوص التي تجاور نصّه كائنات موجَّهة بحساسيّة مثله، بأفكار تلتحم بأفكاره. في تناقض تامّ مع ما نُشر منذ أشهر في فرنسا، وهو يحمل علامات المازوشيّة حين لا يحمل علامات العبودية، تواصل «مدارات» حفر الطّريق الملكي. «نحن من الذين يقولون: لا للظّلّ» يصرّح إيمي سيزير.

نعم، هذه الأرض التي تكشف وتساعد على كشف الأصدقاء، هي أرضي أيضًا، هي أرضنا التي خشيت خطأً أن أراها مظلمةً. وحين أحسست بها تثور، حتى قبل أن أعرف بشكل أحسن خطابه، كيف أقول، نحسّ أن الكلمات من أبسطها إلى أندرها تمرّ تحت لسانه عارية. من هنا جاء بلوغ أوج الواقعية عنده، هذا النسق العالي لصوته الذي يمكّن من التفريق بين كبار الشعراء وصغارهم. ما تعلّمته يومئذ أنّ الآلة الشّهية لم تفقد حتى انسجامها وسط الإعصار. يجب ألّا يكون العالم مشرفًا على الغرق: سيعود له الوعي. لم يتأخّر الدّكّان المارتينيكي، بواحدة من تلك المصادفات الثانويّة التي تلهمها ساعات الحظ، أن يصبح معروفًا من قبل أخت روني مينيل، وهو، مع سيزير، المنشّط الأساسي للمدارات. واسطتها قلّصت إلى الحدّ الأدنى تقدّم الكلمات القليلة التي خربشتها على طاولة دكّانها. وبعد أقلّ من ساعة بدأت تبحث عنّي في الطرقات؛ كي تحدّد لي موعدًا مع أخيها. مينيل: الثقافة العظيمة في أقل مظاهر تفاخرها، والإيقاع الدّقيق، إضافة إلى ذلك العصب وكل موجات الارتعاش.

ومن الغد سيزير. أجد ردّة فعلي الأولى عنصريّة، حين اكتشفت أنّ سواده نقيّ، وبخاصّة إذا رأيته في النظرة الأولى مقنّعًا بابتسامة. عرفت ذلك منه، أراه وكلّ شيء سيثبت لي لاحقًا، أنّه الحوض الإنساني في أقصى درجات غليانه، حيث المعارف، في أعلى مستوياتها تختلط مع المواهب السّحريّة. بالنّسبة إليّ بدا ظهوره، لا أريد القول يومها فحسب، تحت مظهر خاص به، في قيمة علامة العصر. هكذا، متحدّيًا بمفرده مرحلة اعتقدنا أنّنا نحيا خلالها استقالة كلّية للفكر، حيث يبدو أن لا شيء يُخلَق إلا على صورة تكمل انتصار الموت، حيث الفنّ ذاته يهدّد بالانزواء في المعطيات القديمة، النفس الأوّل الجديد، الذي يعيد الحياة، القادر على منح كلّ الثقة هو عطاء إنسان أسود. وهو أسود يتقن اللغة الفرنسية كما لا يوجد أيّ أبيض يتقنها. وهو أسود يقودنا اليوم نحو المجهول، واضعًا أولًا بأوّل، كما في اللّعب، اللّمسات التي تجعلنا نتقدّم فوق الشّرر. وهو الأسود ليس فقط أسود بل كلّ الإنسان، الذي يعبّر عن كلّ التساؤلات، وكلّ المخاوف، والآمال والنّشوة، الذي سيفرض ذاته عليّ بقوّة كنموذج للشّرف. لقاءاتنا، في حانة يجعل منها الضوء الخارجي قطعة من الكريستال، مساء، بعد نهاية دروسه التي يقدمها في المعهد التي كان محورها حينها أعمال رامبو، والاجتماعات في باحة منزله التي يكمل سحرها حضور سوزان سيزير، جميلة مثل شعلة شراب البنش، وأكثر من ذلك رحلة في عمق الجزيرة: دائمًا، أرانا من جديد منحنين حدّ الهلاك على هاوية آبسالون، مثلما على التجسّد ذاته للمصهر الذي تشكَّل فيه الصّور الشّعرية حين تكون بالقوّة التي تزعزع العالم، دون أيّ علامة وسط دوّامة النباتات المجنونة غير زهرة الخيزران الكبيرة الملغزة وهي قلب ثلاثيّ يخفق في أعلى رمح.

هناك وتحت بشائر هذه الزّهرة، بدت لي المهمّة الموكولة للإنسان، بأن يقطع بحدّة مع طرائق التفكير وبأن يحسّ أنّها جعلته غير قادر على تحمّل وجوده بشكله غير القابل للتّقادم. هناك تأكّدت نهائيًّا من فكرة أن لا شيء سيكون إذا لم يقع كشف بعض المحرّمات؛ إذا لم نتمكّن من نزع السّموم القاتلة من دم الإنسان التي يغذّيها الإيمان –الذي يزداد كسلًا– بالماورائيّات، وفكر الأجساد الملتصق بالأمم والأعراق والنّذالة القصوى التي تُدعى سلطة المال. لا شيء يمكن أن يُصنع إلّا حين آل الأمر للشعراء منذ قرابة قرن بأن يزعزعوا ذلك الهيكل الذي يخنقنا، ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ الأجيال القادمة لن تكرّس إلّا أولئك الذين مضوا بعيدًا في هذه المهمّة.

ذلك المساء، أمام الفتحة الباذخة لكل حيويّة الخضرة، أحسست قيمة أن أكون متّحدًا شعوريًّا مع أحدهم، أن أعرف أنّه من بين الجميع كائن ذو إرادة صلبة، وأنّي في الجوهر لا أفرّق بين إرادته وإرادتي. أن أعرف بحجج دامغة أنّه كائن المنجَزات الكاملة: قبل أيّام قليلة أهداني «كرّاس العودة إلى الوطن»، في نشرة محدودة إضافة إلى مجلّة من باريس حيث مرّت القصيدة من دون أن يلحظها أحد سنة 1939هـ، وهذه القصيدة لم تكن سوى أكبر صرح غنائي في عصرنا. جلب لي أثرى اليقين الذي لا يمكن انتظاره من ذاتك فحسب: لقد قامر كاتبها على كلّ ما حسبته صوابًا طيلة حياتي، وقد كسب الرّهان من دون أدنى شكّ. وقد كان الرّهان، بقطع النّظر عن العبقرية الخاصة بسيزير، إدراكنا المشترك لمعنى الحياة. وأوّلًا نعرف من خلالها تلك الحركة الغزيرة من بين الجميع، ذلك الفيض في الدّفق وفي الشّظايا، تلك القدرة على التحذير الدّائم للعالم الشّعوري كلّيًّا إلى أن يصبح رأسًا على عقب، وهو ما يميّز الشعر الأصيل المناقض للشعر المزيّف، للشعر المصطنع، من الجنس المسموم الذي يتكاثر حوله. أن تغنّي أو لا تغنّي، هذا هو السؤال، ولن يكون هناك سلام في الشعر لمن لا يغنّي، رغم أنّه يُطلب من الشاعر أكثر من الغناء. ولست في حاجة إلى القول: إن من لا يحسن الغناء، ويلجأ إلى القوافي، والمتر الثابت والتفاهات الأخرى لا يمكنه سوى إزعاج آذان ميداس. قبل كل شيء إيمي سيزير هو المغني.

كراس استثنائي

بعد تجاوز هذا الشرط الأول، الضروري وغير الكافي، يرتفع الشعر الجدير بهذا الاسم إلى مرتبة الامتناع الصريح، الرفض الذي يفرضه وهذا الجانب المنكر في طبيعته يوجب أن يُعتبر مؤسسًا: ينفر من السماح بمرور كل ما شوهد من قبل، كل ما سمع، كل ما اتُّفق عليه، أن يستخدم ما استُخدِم من قبل، إذا لم يقع تحويل وظيفته القبْلية. من هذا المنظور يكون سيزير شديد الصلابة، وهذا ليس فقط لأنه شديد النزاهة بل لأنه صاحب معرفة شاسعة، فهو من أحسن وأوسع الشعراء اطلاعًا. أخيرًا –وهنا، لقطع الطريق على كل التباس مؤكدًا أن كراس العودة إلى الوطن، سوى قصيدة «موضوع» أو «قصيدة قضية»، أؤكد أني أستند ليس فقط إلى من قلدوه، بدرجات مختلفة- قصيدة سيزير مثل كل القصائد العظيمة وكل فن عظيم، تستمد قيمتها الشاهقة من القدرة الكبيرة على التحول، التي تستعملها وتتمثل -من خلال الأدوات الأكثر ابتذالًا، ومن ضمنها القبح والإذلال- في إنتاج ليس الذهب كحجر للفلسفة بل الحرية. موهبة الغناء، والقدرة على الرفض، ومهارة التحويل الاستثنائية التي يعتنقها، سيكون الأمر عبثيًّا إذا أرجعنا كل هذا إلى بعض الأسرار التقنية. ما يمكن استنتاجه هو أن الثلاثة يجمعها قاسم مشترك أكبر هو الدفق الشديد للدهشة الاستثنائية أمام مشهد الحياة (المسبب للاندفاع والسعي لتغييرها) الذي يظل حتى إشعار آخر غير قابل للنقص. فالنقد قادر على الأقل على إبراز تناقضات الشخصية المقصودة وبيان الظروف المسببة لهذه التناقضات. يجب أن نعترف ولمرة واحدة أننا سنخرج من هنا بأقصى سرعة من اللامبالاة.

من هذه الناحية يبدو «كراس العودة إلى الوطن» وثيقة متفردة غير قابلة للاستبدال. العنوان بمفرده، وإن محونا القصيدة- يهدف إلى وضعنا في قلب الصراع الأكثر حساسية بالنسبة إلى الكاتب، الصراع الذي يُعتبر تجاوزه حياتيًّا بالنسبة إليه. فواقعيًّا، كُتبت القصيدة في باريس بعد أن غادر المدرسة العليا وهو يستعد إلى العودة إلى المارتينيك. الوطن الأم، نعم، كيف يمكن مقاومة نداء هذه الجزيرة، كيف لا نستسلم إلى إغراء سماواتها، إلى تموجات حورياتها، إلى كلماتها التي تفيض دلالًا؟ لكن، فجأة ينتصر الظل: يجب أن نكون مكان سيزير لندرك إلى أي مدى كانت هذه القفزة وعرة. خلف هذه المجزرة يوجد بؤس الشعب الاستعماري، واستغلاله الوقح بواسطة حفنة من الطفيليين الذين يتحدون حتى قوانين البلاد التي ينتسبون إليها ولا يحسون بأي حرج من أن يكونوا عارًا عليها، يوجد خضوع هذا الشعب الذي يقف ضده أنه ظل دومًا بعيدًا منثورًا على البحر. خلف كل هذا، توجد، على مسافة أجيال قليلة، العبودية، وهكذا ينفتح الجرح من جديد، ينفتح على كل عظمة إفريقيا الضائعة، وذكريات الأسلاف عن المعاملات الوحشية التي تلقوها، وعي حاد بإنكار مطلق للعدالة كانت شعوب بأكملها ضحية له. شعوب بأكملها ينتمي إليها ذلك الذي سيسافر، غنيًّا بكل ما يمكن للبِيض أن يعلموه وفي تلك اللحظة أكثر ما يكون تمزقًا.

عودة أشد درامية

إيمي سيزير

من الطبيعي أن المطالبة تُصارِع، في الكراس، الكآبةَ، وأحيانًا اليأس، حتى إن الكاتب يتعرض إلى العودة الأشد درامية إلى نفسه. هذه المطالبة هي الأشد أهمية في الوجود والأكثر معقولية، رغم أنها قانونيًّا من حق الأبيض فقط أن يراها تتحقق. لكننا نخطئ كثيرًا، رغم أنها بدأت تصبح باحتشام موضع عناية واهتمام: «في المستعمرات القديمة، التي يجب أن تخضع إلى أنظمة جديدة وأصبح تطورها نحو التحرر موضوعًا دوليًّا، على الديمقراطية أن تضع نهاية، ليس لاستغلال الشعوب الملونة فحسب، بل للعنصرية الاجتماعية والسياسية للرجل الأبيض». ننتظر أيضًا بنفس نفاد الصبر، خارج المستعمرات، أن نكف عن حشر حشود الرجال الملونين بعيدًا في الأعمال والوظائف الثانوية. إذا خاب أمل هذا الانتظار بواسطة القوانين الدولية التي ستدخل حيز التنفيذ في نهاية الحرب الحالية، فعلينا بالضرورة أن ننحاز، مع كل التبعات التي سيجرها ذلك، إلى فكرة أن تأهيل الشعوب الملونة لن يكون سوى عمل هذه الشعوب ذاتها.

لكن هذا سيعني التخفيض الشديد، المجحف لتدخل سيزير، إذا أردنا التمسك بالجانب المباشر لمطالبته. ما يجعلها في نظري ذات قيمة، أنها تتجاوز في كل لحظة الرعب الذي يرتبط بالنسبة إلى أسود، إلى مصير السود في المجتمع الحديث، ورغم أنه يتوحد مع مطالبة كل الشعراء وكل الفنانين، وكل المفكرين المحترمين، فإن رصيد العبقرية الشفهية الذي يمتلكه يجعلها تلامس كل ما في المجتمعات الحديثة من وضعيات سيئة، والوضعيات القابلة للتحسن للإنسان بشكل عام في هذا المجتمع. وهنا يُسجل بحروف غليظة الأمر الذي جعلته السوريالية الفصل الأول من برنامجها: الإرادة الثابتة لإطلاق رصاصة الرحمة على المدعو «الحس السليم»، حيث بلغت الوقاحة حد مماثلته بلقب «العقل»، الحاجة الملحّة لإنهاء هذا الانقسام القاتل للفكر البشري الذي تمكن أحد أجزائه من أخذ جميع الحقوق على حساب الآخر وفي الأغلب لن تفلت فرصة تفجير هذا الأخير من شدة الرغبة في تهييجه. إذا اختفى النخاسون ماديًّا من العالم فمن الأكيد أنهم موجودون في العقول حيث ما زال «خشب زانهم» حلمنا، لم يعد النصف المدلل من طبيعتنا، إنها الشحنة المبكرة التي يُستحب أن تُحشر في قعر السفينة. «لأننا نمقتكم، أنتم وعقلكم، نطالب بالجنون المبكر، بالجنون المستعر، بالآدمية المتصلبة… تأقلموا أنتم معي، أنا لن أتأقلم معكم».

وفجأة هذه النظرة المتجلية، الزغب الأزرق على الجمر، مثلما عند وعد بخلاص غير ماكر: يعبر ذاك الذي نعتبره أنا وسيزير النبي الأكبر للأزمنة القادمة، أقول إيزيدور دوكاس، الكونت لوتريامون: «قصيدة لوتريامون جميلة مثل مرسوم نزع الملكية… فهو يكدس في شكل نُثار غنائي وشاحب – مثلما تسقط في انحلال المساء أصابع الكمثرى الاستوائية- أبواقَ موت الفلسفة الساخرة التي ترفع إلى شرف عجائب عالم طبقي، الإنسانَ، الأقدامَ، الأيادي والسرةَ الزاعقة بأيادي عارية ضد حاجز السماء… أول من اعتبر أن الشعر يبدأ في الإفراط، في المغالاة، في السعي المحفوف بالموانع، في التامتام الكبير الأعمى، حتى مطر النجوم الغامض…».

كلمات إيمي سيزير جميلة مثل الأكسجين الوليد.

نيويورك 1943م

كراس العودة إلى

أرض الوطن (مختارات)

بعيْدَ الفجر،

صحتُ به اغربْ، يا وجه البوليس، يا وجه البقرة، اغربْ، أَمقتُ أذلاءَ النظام وخنافس الأمل. اغربي أيتها التعاويذ الشريرة، يا بقةَ الراهب الصغير. ثم استدرتُ نحو جنات أُعدت له ولأهله الضائعين، وأنا أكثر هدوءًا من وجه امرأة تكذب، وهناك كنت أغذي الرياح، يهدهدني تصاعد فكرة لا تعرف التعب، أُطلقُ أسْر الوحوش، وأنصت من الجهة الأخرى من الخراب إلى تصاعد نهر من الحمائم ونَفلِ السهوب الذي أحمله أبدًا في أعماقي بعلو معكوس للطابق العشرين من المنازل الأكثر وقاحة، وحذَرا من القوة المعفنة لأجواء الغروب، تمسحها ليلًا نهارًا شمس الزُّهري.

بُعيد الفجر، تبرعم بالخلجان الرقيقة جزر الأنتيل الجائعة، جزر الأنتيل الموشومة بالجدري، جزر الأنتيل الملغَمة بالكحول، الغاطسة في طين ذاك الخليج، في غبار تلك المدينة الجزر المشؤومة الساقطة.

بُعيد الفجر، القرحة القصوى الخادعة الموحشة على جرح المياه، الشهداء الذين لا يشهدون زهور الدم التي تذبل وتتبعثر في الريح عديمة الجدوى مثل صراخ ببغاء ثرثار، حياة عتيقة بابتسامة مضلِّلة، شفاهها مفتوحة من رعب عمومي، بؤس عتيق يتعفن تحت الشمس صامتًا. صمتٌ عتيق منهك بالدمل الفاتر، الفراغ الشنيع لعلة وجودنا.

بُعيد الفجر، على هذه الأرض الأكثر هشاشة، التي يتجاوزها بإذلالٍ مستقبلُها العظيم – ستنفجر البراكين، سيحمل الماء العاري لطخات الشمس الناضجة، ولن يبقى سوى غليان فاتر تنقره الطيور البحرية – شاطئُ الأوهام واليقظة الحمقاء.

بُعيد الفجر، هذه المدينة المسطحة – الممددة، تترنح بحسها السليم، هامدة، تلهث تحت العبء الهندسي للصليب أبدي التكرار، تعاند قدرها، خرساء، مغيظة في كل حال، عاجزة عن النمو حسب نسغ هذه التربة، معرقَلة، مفتَّتَة، مُحقَّرة، في قطيعة مع الحيوان والنبات.

في هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد الغريب الذي لا يزدحم، لا يختلط: ماهر في اكتشاف نقطة فك الاندماج والهروب والانسحاب. هذا الحشد الذي لا يعرف الاحتشاد، هذا الحشد اكتشفنا أنه وحيد تمامًا تحت الشمس، مثل امرأة تؤمن بقدراتها الغنائية فتستدعي مطرًا افتراضيًّا وتأمره بعدم الهطول. أو مثل حيوانية وقورة لمزارعة تتبول واقفة بساقين منفرجتين متصلبتين.

بُعيْد الفجر، الجبل الصغير المقرفص أمام السُّعار الكامن للصواعق والطواحين، يقيء ببطء تعبه الإنساني، الجبل الصغير وحيدًا ودمه المتناثر، الجبل الصغير وضماداته الظليلة، الجبل الصغير وقهقهاته الخائفة، الجبل الصغير وقبضاته الهوائية الكبيرة.

لكن من يبدل صوتي؟ من يسلخ صوتي؟ غارزًا في حنجرتي ألف ناب من البامبو. ألف مسمار قنفذ.

هذا أنت يا طرف العالم القذر. هذا أنت أيها الفجر القذر. هذا أنت أيها الحقد القذر. هذا أنت يا ثقل الشتيمة ومئة عام من السياط. هذا أنت يا مئة عام من صبري، مئة عام من العناية فقط حتى لا أموت.

رُوووح أوه

نغني الأزهار المسمومة المتفجرة في البراري الهائجة، سماوات الحب المقطوعة بالانصمام الرئوي، الصباحات المصروعة، الحريق الأبيض للرمال السحيقة، هبوط الحطام في الليالي المصعوقة بالروائح الوحشية.

ماذا أستطيع هنا؟