«كتاب النوم» لهيثم الورداني.. عندما تستيقظ الغـفوة

«كتاب النوم» لهيثم الورداني.. عندما تستيقظ الغـفوة

هيثم الورداني

 طارق إمام – كاتب مصري

ما الذي «يفعله» المرء حين ينام؟ هل يفعل شيئًا بالأساس أم أنه يستسلم لفعل آخر يسوقه ويُسيّره و«يجتزئه» مثل جملةٍ مقتطعة من صفحة اليقظة اليومية؟ أي «عبارة» هي ذلك النائم، وقد طفت وحدها بعيدًا من معجمها، خارج مفرداتها، بمعزلٍ عن حكايتها؟ وما الذي يمكن أن نتحدث عنه عندما نتحدث عن النوم؟ أي نص يشكِّله ذلك «الهامش» القائم على السكون والصمت واللازمنية والمفتقر لأي نظامٍ علاماتي من تلك التي تتعرف بها الذات الإنسانية على وجودها، حيث لا موجودات ولا لغة؟

هل النوم، أساسًا، محاكاة لذلك الجانب الآخر الذي ينهض على طرف نقيض وندعوه اليقظة أم أنه استعارة تخفت علاقتها بالمرجع كلما التفتت إلى نفسها؟ هل هو تشويه أم فعل قطيعة كأن اليقظة هي موروثُه غير المرغوب فيه لكونه لا يلائم «حاضره»؟ أم أن النوم، في تأويل متطرف، هو اعتراض السكون على ضجيج العالم الذي لا يتحقق سوى بعينين مفتوحتين؟ ربما أخرج الكاتب المصري هيثم الورداني «كتاب النوم» (دار الكرمة، القاهرة) ليدحض هذه الثنائية الأخيرة خاصة، منطلقًا من فرضية أن «واقع النوم ليس واقعًا نقيضًا لواقع اليقظة، وإنما هو امتدادٌ له، ولكن بترتيب جديد». في كتاب الورداني ثمة اقتراب دقيق من ذلك العالم الغائب في شرطه الخاص، اقتراب يطمح لقراءةٍ لصيقة، على الرغم من أن من يكتب النوم هو بالضرورة شخص مستيقظ، وبالتالي فلن يتحقق الحلم المستحيل بكتابة من داخل النوم أبدًا. الورداني يُقدِّم رؤيةً لذلك الانقطاع، الصمت الوجودي، بوجدان ناجٍ من النوم.

ترتيب الشعر

النومُ نص غير سردي، إنه يوقف خطية الزمن واطِّراده: «النوم عاجز عن توليد وقائع، ناهيك عن الاحتفاظ بها. امتدادُ النوم وارتخاؤه يجعلان ما يمسك به يتسرب ثانيةً من بين أصابعه، يجعلانه عاجزًا عن مدِّ خطوط أي سردية على استقامتها. النوم الذي تنقطع عنده السرديات ينتمي على الأرجح إلى ترتيب آخر غير عالَمَيِ الحقيقة والاختلاق، ينتمي إلى ترتيب الشعر الذي هو حقائق مختلقة وخيالات واقعية». ربما لذلك قارب الورداني «النوم» ببنية فنية مشابهة، تنهض على سبعة وثمانين مقطعًا قصيرًا متلاحقًا، لا يتجاوز أطولها صفحتين في كتاب صغير القطع وضيق المساحة تؤلفه مئة وأربع وثلاثون صفحة فقط. مقاطع لا يُسيّرها اطِّرادٌ خطِّيٌّ ولا فكرةٌ تنمو. الفكرة في هذا الكتاب تتمدد، وتوسِّع من مداخلها، تاركةً سيل الأفكار المولّدة تتشكل مثل بركٍ صغيرة متماسة، كل منها بوجود خاطف، وتاركةً القارئ يكتب نصه الخاص من خلالها. فالنوم، بخلاف اليقظة، ليس ذلك النص المشترك، الذي يمكن أن يجمعنا في نقطة على اختلاف اتجاهاتنا. النوم نص فردي تمامًا، يختلق فيه كل فرد تعبيره الصامت عن فرديته ووجوده الذي لا سبيل إلى اقتحامه. مقاطع كثيفة، مثل تأملات تومض وتنطفئ في فيض لاهث، كأن اليد تدوِّنها على عجل خشية أن يباغتها النوم، وربما خشية أن تباغتها اليقظة. رغم ذلك، تُراوِح طبيعة المقاطع لتؤلِّف بنية نص يحاول أن يحاكي الشهيق والزفير لجسد ساكن يمور بالعوالم. يبدو الورداني كما لو كان منتبهًا لجسد كتابه بحيث يصبح في الإجمالي محاكاةً لإيقاع النائم، يعلو بطنه وينخفض، يتلقى النفس ويردّه، قد يتلفظ بهمهمات من مونولوغ غائم قُمِع في اليقظة، يراوح بين الحياة لكونه على قيدها والموت لكونه أقرب لصمته وظلمته. في «كتاب النوم» تهمس اللغة، تختار مفرداتها بدقةٍ وقسوة، لغة استبعاد لا مكان فيها سوى لما تعيه الفكرة أو المقولة. الفائضُ اللغوي في النوم هو اللغة نفسها؛ لذا فمقاربة النوم لغويًّا بحاجةٍ إلى تحديدٍ صارم. بذكاء، يُضمِّن الورداني أحلامه، يُسلِّلها من دون أن يفصح عن كونها أحلامًا؛ لتخترق تأملاته في النوم، مستقلةً ومنسلّة، وهو الذكاء نفسه الذي جعله يبتعد من فخ الحديث عن «الحلم»، كمعطى بديهي في كتاب موضوعه النوم، فللحلم جاذبية سهلة وقريبة، كان يمكن أن يشد كتابًا مثل هذا إلى عالمه ولا يُعيده. الأحلام في «كتاب النوم» هي فواصل النوم وليس اليقظة، ليصبح النوم هو المتن والهامش معًا.

أن تنام في سرير العالم

في سياق إذابة الثنائيات، لن يغفل الورداني العلاقة «الجاهزة» بين النوم والموت. هل النوم موت مؤقت أو صغير؟ أم أنه يمكن أن يكون، ليس فقط أحد أشكال الحياة، بل إحدى «ذُراها»؟ يذهب الورداني إلى أن النوم «ليس خروجًا من الحياة، وإنما عودة إلى قلبها السائل المضطرب بالتحوّلات». من هذا التأسيس، ينتقل الورداني إلى علاقة النوم بالفضاء العام، ليقدم رؤيةً ثاقبة لهذه العلاقة الشائكة. والفضاء العام يبدأ من موجودات متجسدة مثل: الشوارع والميادين والمواصلات العامة، وينتهي بأفكار مجرّدة. كيف يوجِد النوم نفسه، هو الفعل المتوحِّد، في محيطه المشترك وهوائه العمومي؟ يُلحّ هذا التساؤل في كتاب الورداني، ولا يخلو من مقاربات ذكية: «يحدث أن يتوقف الحيز الاجتماعي عن أن يكون ساحةً للتفاوض والصراع، ومجالًا لتبادل الآراء والحوار، ليظهر ساعتها ملمحٌ آخر خفي في التجربة الاجتماعية، وهو الصمت المشترك. النوم في المواصلات، أو الميادين العامة، في قاعات الدرس، أو أثناء العمل، هو رفض مضاعف للفعل الاجتماعي؛ إذ إنه لا يحدث في غرف النوم الخاصة، وإنما في قلب أماكن الاحتكاك الاجتماعي التقليدية». يذهب الورداني مباشرةً إلى حلول النوم في أعلى لحظات «التيقظ العام» إن جاز التعبير: «الجسد الراديكالي المتوتر والمحتشد ينبسط وتتراخى أوتارُه، يتخلى عن دفاعاته، مُظهِرًا ضعفه وهشاشته. ومن خلال تراكم وتجاور الضعف والهشاشة، من خلال مشاركة التعب والألم وكشفهما أمام أعين الجميع، يتحوّل النوم إلى مصدر للقوة ووسيلة للتغيير». في جميع محطّاته، يُشيِّد هيثم الورداني طريقًا يسير النوم فيه باحثًا عن شخصٍ يعرفه، و«كتاب النوم»، في بنيته الأشمل، هو يدُ النوم تحاول أن تكتب سيرتها.

في أننا «ملح الأرض»

في أننا «ملح الأرض»

 هدى بركات – كاتب لبنانية

– «أنتم ملح الأرض، قال جبران. لهذا يهاجر اللبناني ابنُ الجبل الأشمّ. لهذا تجدنا في أصقاع الدنيا.

– بل هو المسيح يا خال، قال هذا مخاطبًا تلاميذه

– جبران هو ابن الإنسان. أي جبران ويسوع واحد…»

كان اللبنانيّون أكثر الشعوب العربيّة مفاخرة بأنفسهم، يزايدون ويبالغون في تفوّقهم من دون تدقيق في موجبات المقارنة مع شعوب أخرى، قريبة كانت أم بعيدة. وهم يردّون هذا التفوّق إلى سعة انتشارهم، وإلى أسباب أخرى، مبهمة أو فولكلوريّة… لذا كنّا نستظرف الخال، ونحب «ذكريات» هجرته الطويلة، التي عاد منها إلى القرية على حدود الكهولة. كان كأنّه ما زال هناك، في الأرجنتين، لا يخبرنا إلّا عن تلك البلاد التي حملوه إليها رضيعًا. كأنّ كلّ حكاية حياته حصلت وانتهت هناك. فرغم كونه أحد وجهاء البلدة، بإرثه عن جدّه وأبيه، وبثرائه من ملكيّة الأراضي، فهو ظلّ غائبًا عن حاضرها، لا رأي له في الانتخابات، ولا تدخّل في الدوائر العليا لتقديم الخدمات مثل غيره من الزعماء؛ لذا انفض عنه الناس بحسرة، ومنهم من راح ساخرًا من سذاجته، يلقّبه بالـ«أرخنتيني» بحسب لفظه هو، ما يزيد في سعادته واستفاضته بالحديث…

حين صار عجوزًا اختلف جمهوره. يتجمّع حوله الفتيان والشبّان طالبين المزيد من مبالغاته وحكايات مفاخراته. فراح، لمّا نفد ما في جَعبته، يضيف القصص والمغامرات اللامعقولة. وردًّا على طلب الجمهور كان يعود بخاصة إلى تلك الحكاية التي يخبّر فيها كيف التقى النابليون على إحدى السفن المتوجّهة إلى بلاد عجيبة في عمق الأمازون، حيث الألماس كحبوب الحمّص عندنا، وأحيانًا يكون كحبّات البطاطا… وفي تلك الرحلة سدّد له النابليون نصائح لا ولن ينساها أبدًا، ومنها ألّا يأكل الكثير من الفاصوليا؛ لأنّها من الطبيخ الذي يغشّي النظر ويُنيم الرأس فلا يستطيع آكلها السيطرة على المفاوضات فيما يخصّ تجارته. وكانت هذه النصيحة الثمينة شخصيّة جدًّا؛ إذ أردف النابليون أنّ بعض الشعوب مثل السوريين واللبنانيين والأفارقة لا ولن ينجحوا في التجارة بسبب ولعهم بالفاصوليا وما شابهها، ناصحًا إيّاهم ولو من غير كبير أمل بتعلّم الطبخ الفرنسي… أمّا بيت القصيد، ومهما اختلفت حيثيّات الصيغة المعتمدة، فهو نهاية الحكاية حيث يذلّ الخال النابليون بوضع أرزة «البازابورت» أمام عينيه صارخًا في وجهه أنّه يجهل- فيما يجهله- الكبّة النيئة من لحم الماعز، ولقمة التبُّولة ملفوفة بورق العنب إلخ إلخ… إلى أن يتراجع النابليون ويعتذر، رغم سداد رأي القائد الفرنساوي فيما يخصّ الفاصوليا بالذات. في عمق بلاد الأمازون.

***

كنّا وما زلنا نفاخر بما أبلينا في بلاد الهجرة. وإشعاعنا هناك كان يمتد نورُه إلى هنا. إلى حيث تتّجه أنظارنا من خلف البحار وقلوبنا المتعلّقة بأرض نبني عليها بيتًا – أو قصرًا – يشهد بنجاح «ملح الأرض». عائدين بالشوق والحنين المتوجّبين وباللكنة المحبّبة إلى قلوب الأقرباء، رافعين، حالما نترك السفينة أو الطائرة تلك الأرزة الخضراء الممهورة على جوازات السفر كمن يرفع راية انتصاره في الغزوات الكبرى… حتّى توالت الهجرات… وحتى جاءت أيّام صاروا يفرزوننا فيها في المطارات، وبحسب جوازاتنا إياها، في صفوف تشمشمنا فيها الكلاب بحثًا عن مخدّرات أو متفجّرات قبل السماح لنا بعبور الحدود. صار الصبر، ثمّ المزيد من الصبر والتواضع أكثر تعقّلًا من الهوبرة بالباسبور اللبناني… واليوم يصاب الجواز العربي عمومًا بما هو أدهى بكثير.

***

الآن، كلّ شباب العرب في بحث محموم عن باسبور أجنبي. كلّهم يعرف «ثمن» الباسبور الأجنبي في البورصة العالميّة المفتوحة للجميع. الأدقّ أنّها مفتوحة لمن يملك مالًا ويقدر على الشراء. بورصة لأثمان جوازات تعطيك إيّاها بلدان مثل مالطا وغرانادا والدومينيكان والباراغواي وجزر يونانيّة و… ويعرفون أيّها يُقرن بالجنسيّة، وأيّها يعفي من الإقامة أو يعفي من دفع الضرائب… والتكلفة في سلّم الأسعار تبدأ من خمسة آلاف دولار لتصل إلى المليون، لكن كلّها يفتح لك حدود 147 بلدًا بلا تأشيرة ولا بهدلة… جواز سفر كوني يستحق أن يلقّب حامله بكلّ فخر بـ«ملح الأرض».  أمّا الـ«آخرون» فلهم القوارب المطّاطيّة المثقوبة القعر.

وصايا المغني الحضرمي.. الدائمة أبو بكر سالم صوت احتفال كوني

وصايا المغني الحضرمي.. الدائمة أبو بكر سالم صوت احتفال كوني

 محمد ديريه – كاتب وطبيب صومالي يقيم في نيويورك

بإمكانك أن تمر بجوار التلفاز، بوسعك أن تنتقل بين قناتين، أن تدعو نديمك للاستماع إلى أغنية جميلة، شريطة ألا يكون شاغل الأثير أو الرجل الذي على الشاشة أفلج، أسود الشعر مرسله، أعسر يمسك عوده بالشمال حال جلوسه، واقفًا مهيبًا كأن أكثم بن صيفي احترف الغناء، يمكنك دائمًا أن تستمع إلى الموسيقا وحيدًا أو على طاولة العشاء، لكن ليس أبدًا حين يكون الصوت صوت موكب مهيب قادم من بعيد كصوت أبو بكر، ليس أبدًا حين يصدح رجل بسبعة أصوات وخمس هيئات ويد حين تلقي العود تدوزن الإيقاع وتقول للجمهور: هاكم هذا السطر كي تشاركوا في الاحتفال الكوني، غنوا وقوفًا، اجلسوا واقفين، كونوا منتصبين حتى أنتهي من وصايا الكمال. لا يلام على الانتساب إليه أحد، فقد كان وحيدًا تمامًا في القمة وإن ترك خلفه ستة من الأبناء، كان كأول حروف اسمه وأول حروف أسماء أبنائه الستة، كان الألف في أول النوتة، وكان أبًا للفرقة حتى حين يعطيها ظهره العريض، وبكرًا في ثلاثة لا ينازعه فيها أحد: شاعرًا قبل الطرب، ملحنًا داخل الأغنية، ومطربًا رغم أنف الوزن والقافية، بموته نُعي إلينا بحر الكامل في الأغنية العربية الحديثة.

ولد في مدينة حُكمها حُكم المسجد، فلا يدخلها منتعل؛ لذا أتم أول البقرة حتى يس، وأتبعها بالصافات حتى قال أعوذ برب الناس، ومن ثم تناول النحو حتى أتمه وعلمه لثلاث سنين، فاستقام لسانه استقامة من انتسب إلى بلفقيه، في الوادي تتبع أول السيل حتى قبله مع الصبية في حضرموت، ومن أسواق المكلا أزهرت ألوان فوط البساطة في عينيه، ومن دوعن تحلى بالعين وباللسان، ورأى في شبام ناطحات مانهاتن الصحراء، فكيف لا يغني حين شكك الناس في انتسابه لأهله مرددًا ومؤكدًا في نهاية كل جملة لحنية: وأنا، من الغنا مدينة حضرموت!

أصابه ما أصاب الناس من تقلب الأحوال في النصف الثاني من القرن العشرين، فهاجر – عادة أهله الحضارم – أول ما هاجر في سن الرابعة عشرة إلى نجران بحثًا عن لقمة العيش، شده حنين الواحة فما أتم الشهرين هناك، عاد إلى حضرموت، نمى علم غنائه لأهله فأصابه ما يصيب الحيي الخجول – وقد كان كذلك طوال حياته رحمه الله – فتلطف بمديح سيد الخلق أحمد، وذاك من محمود الفعال، حتى زاد الدف وضبط الإيقاع، ثم كان العود في عدن، ومن لم يغن في عدن فما رأى الدنيا يا ناس؛ لذا حين غادرها بكى وانتحب من غدر الزمان، تخيل الحضرمي الذي جرب أحوال الدنيا كل معقول، اللهم إلا أن يفارقك يا عدن.

ساقه لطف المقادير إلى لقيا المحضار، على قبريهما اليوم شآبيب الرحمة ولطف الرحمن، فوجد في رقة شعره رائحة الوادي ونسيم آخر الليل بين نخيل البلاد، لم يكن المحضار شاعرًا فحسب، بل كان جامعة الفنون الحضرمية لمن فاته الدرس، شاعرًا يصيبه الإيقاع قبل الكلمات، يدوزن بعلبة الكبريت والنقر على الكف حتى يسلم اللحن إلى فرقة اسمها أبو بكر، ولم يكن على أبو أصيل إلا أن يقحم صوته في الكلمات، فيقطعها ويجمعها ويلونها ويرسمها، تارة بسحيق القرار الذي لا يهتدي إليه سواه، وأخرى برفيع الجواب حتى يخال المستمع المدهوش أن كورالًا مضمر الحد قد صعد إلى مئذنة القرية، وحين يمسك المخرج بالكاميرا وأبو بكر على المسرح فقد انظلم الحاضرون ورب البيت، تأملوا حفلاته من عدن إلى مسقط، ومن أبها إلى أبوظبي، هذا رجل يسرق النور من جوف العيون، ليمنع المخرج من حالة سوى دهشة الوقوف متطلعًا إليه.

أحب الشعر حب العربي للضيف، ما من لقاء تلفزيوني إلا ويضيف إلى أذنيك بيتين من شوارد المعنى، لم يلحن يومًا، لا في فصيح ولا في عامي، ومن أنكر على أبو بكر شيئًا فلا يلومن إلا أذنيه. صعد صنعاء بعد الوحدة فمارس لعبة اليمنيين في حل الأحاجي داخل الأغنيات، وتلك من ألعاب القوم في سعيد أيام اليمن السالفة، قبل احتراب القوم وتحريم الفنون في سائر جزيرة العرب:

أحبة ربا صنعاء عجب كيف حالكم

وهل عندكم ما حل بالعاشق المضني

وهل تذكرونا مثلما ذكرنا لـكــم

وهل تسألوا من جاء إلى أرضكم عنا

لأنا وحق الله من شوقنا لكــم

نسائل نجوم الليل عنكم إذا جنـى

فلو تنظروا المملوك يرعى خيالكم

ويسجع من صوت الحمام كلما غنى».

ولم يكن المرحوم أجوف يغني لأجل المال، ولا طالب شهرة يتمايل ميل الفارغين، بل كان – كعادة الحضرمي أينما حل – صاحب معنى ورسالة، حكمته صافية المنبع، فيا سهران تختصر توكل الحضارم أينما كانوا، والبيع والشراء حاضران في طرف كل أغنية لمن أرخى السمع، فلا هو بالذي يشتري بالود من باعه، ولا هو بالباخس ثمن العنب إن باعه أهله، ولا هو مخطئ ميزر النبوت إن رام غزالة من ظباء اليمن، وهو كثير التحنان، كثير تصريف هذا المصدر لمن تتبع فنه، فحين غزاه الشيب نادى نداء يعقوب قارعًا سنه:

وا ويح نفسي

لا ذكرت أوطانها حنّت

حتّى ولو هي في مطرح الخير رغبانه

وعلى الموارد لا جت للشرب تتنغّص

قدها مقالة.. شرب النّغص يتعب الإنسان

وإن طال سكوت الحضارم، فما ضر قومًا صمتهم إن كان  صوتهم للدنيا صوت ابن سالم، من شال أعراسهم، وخلد مخارج حروفهم، فأبعد عنهم تهمة البخل والحرص. لعمري لقد أطرب ابنكم كل حي فتيهوا على غيركم، وقد أجلس ابن محفوظ على الأرض حتى أمسك برأسه، وصير ابن عبده كورالًا في جلسات روتانا فما اسطاع إلا أن يقول: سبحان من خلق صوت هذا الشيبة العظيم. ولا يحزننّ أحدكم إن قرأ في تعريفه غير أمه والغنا، فالحضرمي ابن كل أرض ذكر فيها اسم الله، وهو الأمين على المال قبل اللحن، والوفي للصاحب، وصاحب الحكمة والمشورة، ولو لم تسر الركبان بشيء من كلامكم إلا بعض وصايا المرحوم في «تسلى يا قليبي» أو مقطع من مقاطع «يا سهران»، لكفاكم شاهدًا ووكيلًا:

 يا سهران اهدأ ونعم قلبك لا تحمله هم

المكتوب واللي انقسم بيأتيك من حيث كان.

الصدق، التوكل، ألا أعود لمن باعني، وحقيقة أن الدنيا مخلاة، وكم من مال يمسي لمولى غير مولاه، وأخيرًا أن أمدح سيد الخلق في حضرة من يفهم، مولودًا في تريم أو مدفونًا في الرياض، فتلك رسالة الحضرمي أينما انطلق صوت أبو بكر وغنى سيدي المحضار.

التلابُس الجندري في نجاح محمود صباغ وإخفاقه «بركة يقابل بركة»

التلابُس الجندري في نجاح محمود صباغ وإخفاقه «بركة يقابل بركة»

 علي المجنوني – كاتب سعودي

يمكن اعتبار فلم محمود صباغ «بركة يقابل بركة» (٢٠١٦م) تعليقًا نقديًّا على المجتمع السعودي اتخذ أكثر من طريقة، ولكن مقدار نجاحه في تحقيق هدفه يتباين من طريقة إلى أخرى. كتب غيرُ واحدٍ عن الصوت الرسالي المباشر الذي يرتفع من وقت إلى آخر في أثناء الفلم، تحديدًا من خلال بضع لحظات مونتاجية يطلب فيها المخرج من المشاهد أن يعود إلى الوراء ويفكر. إنها لحظات إشكالية، يمكن أن تقدم معلومات تاريخية ومعاصرة للمشاهد الأجنبي، ومع ذلك يصعب القول: إن اللجوء إليها، باستخدام تقنية المونتاج، كان إيماءة بريختية ترمي إلى نزع الألفة وتوفير مساحة نقدية، كما فعل بريخت في المسرح الملحمي الذي يهدف إلى الحيلولة دون تماهي الجمهور مع الشخصيات عاطفيًّا، ودفعهم عوضًا عن ذلك إلى التفكير بوعي. ليس غريبًا أن يكون استخدام المونتاج ذاك أضعف أجزاء الفلم لأنه يقدّم، في الأغلب عبر بركة عرابي، رسالة مباشرة من دون أن يكون للجمهور دورٌ في الحكم عليها. أبرز اللحظات المونتاجية كانت حينما اندفع بركة عرابي في نوبة نوستالجية إلى ماضٍ صامتٍ وحبيس (عرابي العجوز المُقعَد لا يتكلم طوال الفلم) ليؤسس تباينًا صارخًا بين الماضي والحاضر، ويتهم فيه خطابًا معينًا بالمسؤولية عن الحاضر المتعثر. كل هذا في وقتٍ لم يكن فيه الفلم مشغولًا بتفسير ما حدث أو بتبرير هذا الحنين من دون إضعاف موضوعه.

على أية حال، مقابل هذا الإخفاق، ينجح الفلم إلى حد كبير في تصوير العلاقات الاجتماعية، خصوصًا تلك المرتبطة بالأدوار الجندرية، بمعالجة سينمائية بعيدة من المباشرة. لعلّ خير مثال على هذا كيفيةُ تعامل الفلم مع ما أسميه «التلابُس الجندري» أو الـ«crossdressing» وهي ممارسة يرتدي فيها الفرد من فئة جنسية أو جندرية معينة ملابس مرتبطة، حسب الأعراف المتواطأ عليها، بفئة جنسية أو جندرية أخرى. وُجدت هذه الممارسة في الفلم من خلال بضع حالات ارتدى فيها الممثل الذكر ملابس نسائية أو ارتدت فيها الممثلة المرأة ملابس رجالية حسبما سيأتي من تفصيل. يمثّل تبادلُ الملابس بين جنسين مختلفين ازدواجًا يتوازى والازدواجَ الذي أشار إليه عنوان الفلم. وتكمن أهمية الحديث عنه في كون القراءات السابقة للفلم تجاهلت تناول هذه الممارسة تقريبًا، على الرغم من أن الإنتاج التلفزيوني والسينمائي والمسرحي في السعودية يزخر بحالات مشابهة. إضافة إلى ذلك يقدّم هذا الجانب حالة من النقد الذاتي لفلمٍ ذاتيّ الوعي (ليس أدلّ على وعي الفلم بذاته من الإشارات المتكررة إلى شتى الفنون، والإلماحة الذكية في مستهلّ الفلم إلى استخدام التشويش للتيسير على الآخرين أداءَ عملهم، وباقي الجوانب الناتجة عن وعي الفلم بذاته باعتباره جهدًا ثقافيًّا وفنيًّا في وسط معين هو ناتِجُه في الوقت نفسه الذي يعلقّ فيه عليه).

أعراف اجتماعية صارمة

أعود إلى التلابس الجندري باعتباره نقدًا ذاتيًّا، فهو بتعقيده يقدّم نقيضًا للمباشَرة آنفة الذكر. ويهمّنا التركيز على صورتين لهذه الممارسة شديدتي الأهمية، وهما ارتداء بركة عرابي ملابسَ نسائية في المسرحية التي يؤديها داخل الفلم، وارتداء بيبي حارث ملابسَ رجالية في حفلةٍ تقيمها عائلتها التي تبنّتها انتهت بأن خرجت بيبي إلى الشارع تقود سيارة. هاتان الصورتان —في تقابلهما— تقدمان تعليقًا غير مباشر، وبالتالي أكثر إقناعًا، على الأعراف الاجتماعية الصارمة في مجتمع الشخصيتين اللتين تقاسمتا بطولة الفلم. إن الشخصيتين كلتيهما، بركة عرابي وبيبي حارث، لا تعرِّفان نفسيهما على أنهما تتوقان إلى هوية جندرية غير التي يستطيع الجمهور تمييز انتماء كلّ منهما إليها. إنهما ليستا «ترانسجندر» مثلًا ولا تتماهيان بالضرورة مع الهوية الجندرية المعطاة لهما مؤقتًا في أثناء التلابس الجندري. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الإيماءة تقدِّم حالةً تُمرَّر من خلالها أفكار مهمة لموضوع الفلم. إضافة إلى كونها هوية مؤقتة، هي أدوارٌ تعطى للشخصيات من جهة خارجية ولم تكن —على الأقل في البداية— تُعتنَق تطوّعًا أو ابتداءً. بعبارة أخرى لا تتضمن هذه الممارسة في الحالتين «خداعًا ضروريًّا» ولا تدخُّلًا في أعراف الهوية الجندرية السائدة في المجتمع نابعًا من رغبة الشخصية في تعريف نفسها بأنها مختلفة عما يُمليه عليها مجتمعها. أقول في البدء على الأقل لأن كلتا الشخصيتين تأخذ هذه الهوية الجديدة إلى واقعها في مغامرة صغيرة كما سنرى. في كلتا الحالتين يأتي قبول الشخصيتين بذلك الدور المؤقت استجابة للظروف المحيطة، وهو ما يساعدنا في فهم سلوك الشخصيات ودوافعها عبر مجموعة أسئلة منها: هل اكتسبت الشخصيتان في أثناء ارتدائهما ملابس الجنس الآخر معرفةً، ما كان لهما أن يكتسباها في ظرف آخر؟ وكيف استثمرتا تلك المعرفة إن وجدتْ وهما تخرجان من هويتهما المؤقتة إلى مجتمع يبني معياريته الجندرية على أساس المغايرة؟

مشهد من الفيلم

بالنظر إلى الاتجاه الذي تمثله كل حالة من هاتين الحالتين يمكن الاهتداء إلى تحليل كاشف، ففي حالة بركة عرابي الآتي من الطبقة الاجتماعية الدنيا، يأتي اشتراكه في المسرحية —حيث يكون عليه أداء دور شخصية امرأة— جزءًا من محاولته تحسين وضعه وربما الهروب من الظروف الاقتصادية. أما في حالة بيبي حارث الآتية من الطبقة الاجتماعية العليا، فاشتراكها في حفلة «القيسة» امتثالٌ لأعراف طبقية ترفيّة، لكنها أيضًا تتحدى تلك الأعراف بقيادة السيارة مستفيدة من الهوية المؤقتة التي أعطيت إياها. وفي الحالة الأخيرة إشارة مهمة؛ إذ أدّى هذا التعامل مع الهوية الجديدة إلى كسر حاجز إلى الأسفل سببه رغبة بيبي حارث المستمرة في الخروج من ربقة الطبقة الاجتماعية التي تحكمها سننٌ ذكورية صارمة وميكانيكية، يرافق تلك الرغبة توقٌ إلى طبقة أقل (قد تكون الأصل لكونها بنتًا مُتبنّاة) ولكنها طبقة أقل صرامة حين يتعلق الأمر بالحياة الاجتماعية، على الأقل فيما يبدو لبيبي. فرق آخر في الاتجاه الذي تمثله كلتا الحالتين هو في دوافع المشاعر التي يجدها المشاهد تجاه كلتا الشخصيتين وهما ترتديان ملابس الجنس الآخر. تقريبًا يمتنع المشاهد عن التعاطف مع بركة عرابي نظرًا للمساحة العاطفية المخلوقة من أجل الكوميديا. دور أوفيليا واحد من أكثر لحظات الفلم كوميديا الباعثة على الضحك لسبب بسيط هو أن الميكانيكية الشديدة التي يؤدي بها بركة الدور الأنثوي تتباين تباينًا عظيمًا مع حيوية السياق الذي وجدت فيه، وهذا لبّ الكوميديا؛ لذلك لا غرو أن يشعر المشاهد بحاجة إلى الضحك، حيث يرى الشخصية تواجه صعوبة في أثناء ارتدائها ملابس الجنس الآخر، خصوصًا أن التجربة بعيدة تمامًا من تجارب المشاهد، وهو ما يجعل أمر الضحك عليها ممكنًا ومستساغًا. أما حينما يتعلق الأمر ببيبي حارث فالوضع على العكس تمامًا. إنها تنزع نفسها من سياق تراجيدي كئيب يدفع المشاهد للتعاطف معها وهي تتحرر مؤقتًا من بيئة ضاغطة وخانقة.

في حالة بركة عرابي، يأتي ارتداء بطل الفلم ملابس نسائية استجابة لتمثيل دور أوفيليا في مسرحية «هاملت» التي يُخرجها صديقه. وتكمن أهمية هذه الحالة في كون الفنان مضطرًّا لتمثيل هذا الدور وتحقيق نجاح صغير في حياته المتواضعة، وذلك بقبوله دورًا لم يكن سيحصل عليه لولا أن تنازل عنه الفنان المعيّن له أصلًا (هل تنازل عنه لأنه دور امرأة؟ ربما). هذه الممارسة هي أيضًا تعليقٌ على ملمح من ملامح الحياة الفنية والاجتماعية في السعودية، وهي منع وجود الجنسين معًا على خشبة المسرح. إذن، السبب الذي أوجد هذا الدور في الأساس هو مشكلة سياسية. جدير بالذكر أن الشخصية هنا تؤدي الهوية الجندرية الجديدة أداءً رديئًا يخفق في إقناع الجمهور، بدءًا من المسرحية، حيث الممثل يخفق في تقديم أداء مقنع لدور أوفيليا، وانتهاءً بحياته الشخصية التي يبدو فيها ساذجًا جدًّا عندما يتعلق الأمر بالجنس الآخر الذي ارتدى ملابسه. من هنا تبرز قيمة الصورة الأيقونية التي افتُتح بها الفلم، أعني صورة بركة عرابي وهو يتفحص حمالة الصدر، يقف أمامها عاجزًا عن الفهم كأنه يقف أمام لغزٍ، أعزلَ من كل دراية. حتى حينما اكتسب قليلًا من الخبرة، بفضل أدائه للهوية الجندرية الجديدة، لم تكن خبرته مُعينًا له في مغامرته العاطفية، ولم يستفد من تلك الهوية المؤقتة، بل على العكس خلقت مواقف متباينة في وظائفها وغير متوقعة. فمثلًا، في موقف كوميدي، يُهدي بيبي قطعة ملابس داخلية في أول لقاء لهما. وفي موقف درامي، يسألها عن نوع حمالة الصدر «الپوش أپ» التي اقترح عليه مُخرج المسرحية أن يلبسها. إخفاقه في توقيت السؤال أدى إلى سوء تفاهم وقد توقع أن المعرفة التي منحتها إياه تلك الهوية المؤقتة ستكون عاملًا في رتق واقع بيبي حارث. بالطبع لم تتفهم بيبي الإيماءةَ بل استنكرتها بفضل الصرامة التي اعتادت عليها في محيطها الذكوري، فهو إمّا يعرف ما لا يجدر به أن يعرف من مفردات العالم الأنثوي الحميم، وإمّا يتودد إليها بطريقة فجّة ومستغِلة. كانت تلك الحادثة التي ختمت مغامرة عاطفية يتحمل مسؤولية انتهائها المجتمع. أدركت بيبي بفضل الحادثة أنها إنما كانت تلعب دورًا في مسرحية اجتماعية، دورًا انتهى بحَمْل ميّادة وما ترتّب عليه من نتائج، في مفارقة إضافية، وهي أن انتهاء دورها في تلك المسرحية كان بسبب وساطة بركة في سعي ميادة للحمل على يد الداية سعدية. إن كان هذا الإدراك قد فتح عينيها على حقيقة وضعها، فإنه لم يعتقها من ربقة استغلال مؤسسة العائلة الأرستقراطية إلا ليضعها في ذمة استغلال آخر تقوم عليه مؤسسة رأسمالية ستستمر على النهج نفسه في استغلال الفرد وتشييء الجسد.

هروب من الواقع

أما في حالة بيبي حارث، فترتدي بطلة الفلم ثوبًا رجاليًّا وشاربًا في مناسبة أقامتها ميادة احتفالًا بحَمْلها بعد عقود من العقم. في تلك الحفلة ظهرت ميادة في زي رجالي كامل (ثوب وشماغ وعقال وبشت) وظهرت بيبي في زيّ شامي كامل بشارب مبالغ فيه، إضافة إلى مجموعة من الضيفات على رأسهن الداية سعدية التي أنهت عقم ميادة. هذه الممارسة من جانب العائلة لا تمثل استجابة لظروف معينة ولا تطمح إلى صعود في السلّم الاجتماعي (كما هي الحال مع بركة عرابي) إنما هي هوية «موضعية» و«تجربة معيشة» بصورة مؤقتة. بمعنى آخر، يمكن اعتبارها تجربة طوعية و«حدودية» تمثل هروبًا من الواقع إلى عالم لا يبني معياريته الجندرية على أساس المغايرة. استكمالًا لهذا الدور المؤقت أخذت بيبي مفتاح السيارة وخرجت في زيها الرجالي تقود سيارتها في ليل جدة. إذن، ثورة بيبي حارث على عائلتها ليست ناجمة بالكلية عن وعي بزيف الطبقة التي تنتمي إليها العائلة وإخفاقها في التأقلم وفقًا لنواميسها، إنها ناجمة عن رغبة في الاستقلال الاقتصادي، وبالتالي النفسي، كما هي ناجمة عن انجذابها العاطفي إلى بركة عرابي. وهذا ما يجعلنا نقول: إنها تمثيل لحالة غامضة ترمي إلى تحقيق قيم مُستقاة من الطبقة البرجوازية التي ترعرعت فيها مثل قيمة الاستقلال (بفضل النجومية التي حققتها)، وتتحداها في الوقت نفسه بالحب عبر الطبقات الاجتماعية. حتى قيادتها السيارة، الفعل الذي كان يمكن أن يكون ثوريًّا، لم يترتب عليه من النتائج ما يعود عليها بمشاكل إضافية.

لا يقود التلابس الجندري، حسب الحالتين الموصوفتين أعلاه، إلى إحداث غموض في جندر الشخصيتين؛ لأن أيًّا منهما لم يكن يتحدى الأعراف الجندرية السائدة، لكنه عوضًا عن ذلك يكشف كشفًا غير مباشرٍ المجتمع السعودي المعاصر من خلال توظيف موفَّق لإبراز التباين بين وضعَيِ الرجل والمرأة فيه. يؤسس فلم «بركة يقابل بركة» لتباين مستمر بين ما هي الأمور عليه وما ينبغي أن تكون، وهذا التباين لا يشكل في الأغلب دافعًا للحدث وللشخصيات، بل عقبة متينة في طريق تحقيق الشخصيات أهدافها. ولهذا السبب لم تغير نهاية الفلم في مصاير الشخصيات إلّا على مستوى الإدراك، وهو تغيير لا يستهان به، لكنه لا يجمع البطلين في تتويج ناجح لعلاقتهما العاطفية. لقد اختار الفلم رسوخَ الأدوار الجندرية وصرامتها أحد موضوعاته، لكنه في الحين الذي يلوم فيه المجتمع لومًا مباشرًا قد يخفق في القبض بحساسية على تعقيدات العلاقات الاجتماعية، يُقارب الموضوع نفسه مقاربة مقنعة وغير مباشرة من خلال الاعتماد على التلابس بين الجنسين.

«حبل غسيل».. تجربة في الارتجال المسرحي  حققت انتشارًا غير مسبوق سعوديًّا

«حبل غسيل».. تجربة في الارتجال المسرحي حققت انتشارًا غير مسبوق سعوديًّا

 عباس الحايك – كاتب سعودي

المسرح السعودي ينشط ضمن مسارين؛ المسار الأول هو مسار المسرح الجماهيري الذي يقدم في المناسبات مثل الأعياد أو الإجازات الرسمية، وهذا المسار يقدم مسرحًا كوميديًّا يلامس قضايا المجتمع ويتجاوز الكوميديا إلى كوميديا الفارْس أو التهريج وهو ما يعرف بالمسرح الجماهيري، المسار الآخر هو مسار المسرح النوعي أو مسرح المهرجانات، وهو الذي يقدم عروضًا مسرحية تبتعد في الأغلب من ملامسة القضايا الاجتماعية المحلية إلى قضايا إنسانية أكثر شمولية، ومنصتها المهرجانات المسرحية محلية كانت أو خارجية، وهذا النوع من المسرح لا يشاهده في الأغلب الجمهور بشتى أطيافه، بل تقتصر مشاهدته على طيف واحد هو طيف المسرحيين والمهتمين أو ضيوف المهرجانات. والمألوف أن المسارين لا تُقدم ضمنهما عروض متكررة ومتواصلة، وبخاصة مسار المهرجانات، حيث يتدرب الطاقم لأسابيع من أجل عرض واحد أو اثنين فقط، أو أن تنجز المسرحيات لغاية المشاركة في مهرجان. بينما في المسرح الجماهيري تتكرر العروض وقد تصل في أحسن حال إلى عشرة عروض.

مسرحية «حبل غسيل»، تجاوزت هذا المألوف في عروضها حتى كتابة هذا المقال إلى 71 عرضًا مسرحيًّا جابت بها الفرقة مدنًا سعودية، وشاركت في مهرجانات متنوعة مثل مهرجانات مسك الخيرية أو مزاين الإبل أو في عروضها الأسبوعية التي يحتضنها فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام. وهنا تكمن فرادة هذه المسرحية، فلم يتأتَّ لأي مسرحية سعودية أن تصل لهذا الرقم في تعداد العروض. وتكمن فرادتها أيضًا في اعتمادها على مبدأ الارتجال، وانضوائها تحت مفهوم مسرح البلاي باك Playback Theatre. بدأ مسرح البلاي باك أولًا في عام 1975م في نيويورك بواسطة جوناثان فوكس، وقد بدأ فوكس هذا النوع من المسرح الذي كان امتدادًا للمسرح الارتجالي ومسرح ما يعرف بالحكواتي عند العرب، مع زميلته الناشطة الاجتماعية والكاتبة جو سالس وبعض المسرحيين الذين كونوا الفرقة الأولى لمسرح البلاي باك. ويعرّف مركز البلاي باك هذا المسرح بأنه «شكل من أشكال المسرح الارتجالي، حيث يحكي الجمهور أو أفراد المجموعات قصصًا من حياتهم، ثم يشاهدونها تُجسد على المسرح»: (http://www.playbackcentre.org/).

واستُخدم هذا النوع من المسرح في الأساس في مجالات تعليمية، وعلاجية، وللورش التدريبية للمسرحيين الجدد، إضافة إلى التعبير عن القضايا الاجتماعية. ولتكريس هذه النمط المسرحي أخذت الفرقة التي تأسست، عروضها إلى المدارس والسجون ودور المسنين والمؤتمرات والمهرجانات في محاولة لتشجيع الناس على سرد قصصهم، وقدمت هذه العروض دوريًّا بشكل شهري، حتى هذا اليوم، فالفرقة تحولت إلى مركز لمسرح البلاي باك، تقدم فيه دورات وورشًا في مهارات الارتجال.

استغراب ودهشة

في الوطن العربي، قُدم مسرح البلاي باك في أكثر من دولة عربية من بينها فلسطين عبر عروض فرقة مسرح (انسمبل فرينج) في الناصرة في عام 2012م، وفي مصر يقوم أستوديو عماد الدين بتنظيم دورات متواصلة في فنون الأداء وتقنيات مسرح البلاي باك. أما في الخليج فلم يظهر هذا النمط المسرحي إلا من خلال مجموعة مسرحية «حبل غسيل» إذا استثنينا تجارب الارتجال الأولى المؤسسة للمسرح في الخليج، وهي بعيدة من مفهوم مسرح البلاي باك. وكانت «حبل غسيل» أثارت الاستغراب والدهشة والتساؤلات حين انطلقت الفرقة بأول عروضها المسرحية. فكيف يمكن لمجموعة من الممثلين ارتجال مشهد مسرحي قائم على فكرة أو حكاية أو حلم بالتشارك مع الجمهور من دون تنسيق ولا ترتيب مسبق ولا نص، ارتجال ابن لحظته، حيث قدموا مادة مسرحية كوميدية تناسب طبيعة الجمهور السعودي الميال للكوميديا والضحك في المسرح، وهذا ما وعته الفرقة واستثمرته لترفع من رصيد تواصلها مع هذا الجمهور.

من المسرحية

يقول مخرج هذه التجربة الفريدة المخرج البريطاني الأردني محمد الجراح عن بداية الانطلاقة «الفكرة بدأت عندما أحسست بأن المسرحيات السعودية التي تعرض غير مشبعة للجمهور ومدة عرضها لا تزيد على عرض أو عرضين وموضوع المسرحيات المقدمة أيضًا نوعًا ما صعب، ومن هنا جاءت «حبل غسيل» بسهولة طرحها وقربها من الجمهور. إضافة إلى الخروج عن العروض التقليدية المعروفة لدى الناس بوجود نص مكتوب جاهز. جاءت الفكرة لإعطاء الفرصة للجمهور للتحكم بموضوع العرض من خلال طرح أفكارهم وقضاياهم ومشاكلهم وأحلامهم». في «حبل غسيل»، ثمة ارتجال بنكهة المسرح الجماهيري الاجتماعي، لكن الفارق قدرة الممثلين على الحفاظ على اتزان عروضهم وعدم الاقتراب نحو التهريج والإسفاف، فهناك عقد ضمني بعدم الخروج عن هذا الاتزان، وهذا ما لاحظناه في مجمل عروض المسرحية، فالموضوعات التي دارت حول القضايا الاجتماعية في الأغلب، وبخاصة أن المسرحية اختلفت في هذه الجزئية عن التجارب العربية الأخرى التي فتحت الباب أمام كل الموضوعات المطروقة اجتماعيًّا حتى تلك التي تحمل ملمحًا سياسيًّا وهو ما أخذت منه «حبل غسيل» مسافة قصية، حيث كان الاتفاق الأوَّلي مع الجمهور ألَّا تتجاوز الأفكار التابوهات الثلاثة (الدين، والسياسة، والجنس)، ولكن هذا لا يمنع أن المسرحية قدمت قائمة طويلة من الموضوعات التي تهم الجمهور السعودي في كل المدن التي جالت فيها المسرحية، ومنها الموضوعات الآنية التي تتداول بين الناس، وهو ما قرب هذه العروض كثيرًا من الجمهور لكونها أصبحت أشبه بترجمان بصري لما يجول في أذهانهم.

أكثر ما ميَّز المسرحية القدرةُ الأدائية والعفوية عند ممثليها (فيصل الدوخي، وإبراهيم الحجاج، ومحمد القحطاني، وناصر عبدالواحد) حتى قدرة الارتجال الموسيقي لدى ماجد السيهاتي، فلولا هذه القدرة لَما استطاعت هذه المسرحية أن تقترب من السبعين عرضًا، فهي قائمة على سرعة بديهة ممثليها وقدرتهم على توظيف ممكناتهم في تحويل فكرة الجمهور خلال برهة من الوقت لمشهد مسرحي مرتجل، إضافة إلى قدرتهم على فهم بعضهم بعضًا عبر لغة إشارية مضمرة. وأظن أن ما خلق هذا النوع من التفاهم والقدرة على فهم الممثلين بعضهم بعضًا ودخولهم في دائرة المشهد المسرحي عائد إلى تلك الألفة أو ما يقال عنها الكيمياء بينهم، فمن يتتبع عروض هذه المسرحية وخارج العروض تتجلى له تمامًا هذه الألفة بين طاقم المسرحية. وهذه الألفة أيضًا انعكست على علاقتهم بجمهورهم، فالمسرحية أولًا كسرت الجدار الرابع في المسرح التقليدي، فليس هناك جدار وهمي يفصل هذا المتفرج عن المسرحية، فيكون دوره متلقِّيًا فقط، بل تحول المتفرج إلى صانع لهذه اللعبة المسرحية، حيث أدخل بكل رحابة إلى خشبة المسرح كصاحب فكرة، وهو ما يربط هذا المتفرج برابط حميمي مع طاقم المسرحية؛ لأنهم يجسدون أفكاره وأحلامه. وعن اختيار الجراح لممثليه، يقول: «لم يكن اختيار الممثلين سهلًا وبخاصة لحداثة العمل والأسلوب داخل المملكة، فـبعد خمس سنوات من البحث والتعامل مع كثير من المسرحين جرى اختيار هذا الفريق»، ويواصل الجراح تدريباته مع ممثليه قبل كل عمل مسرحي ولا يكتفي بتدريبات التأسيس، حيث تشمل هذه التدريبات «التمرينات والتدريبات العامة المتعلقة بالارتجال كفنٍّ عام، ومنها التدريبات الخاصة كتكنيك الارتجال بأسلوب البلاي باك». «حبل غسيل» مسرحية، أبدعت في فرادتها، وفي حضورها، وفي انتشارها، وفي قدرتها على تجديد العلاقة مع الجمهور الذي غاب عن المسرح لأنه لم يجد ذاته حاضرة فيه. وكل هذا لا يمكن أن يتأتى من دون وجود مايسترو بارع قادر متعمق في فهم العلاقات بين الممثلين والجمهور، فالجراح لم يكن مجرد مخرج مسرحي، لكنه امتلك قدرات المدرب المسرحي حيث أخرج قدرات ممثليه؛ لأنه استطاع أن يدخل إلى عوالمهم. المسرحية استمدت قوتها وقدرتها على الانتشار من كل هذه العوامل، فقد منحت الجمهور «الحرية الممنوحة في اختيار موضوعات العروض، ومنحته الدهشة والإبداع اللذين يصنعهما الممثلون، فالعروض تتسم بالبساطة فيتقبلها الجمهور، وبخاصة مع سهولة تقديمها في أي مكان، والأهم هو عدم التنبؤ بما سيكون عليه العرض، لا بالنسبة للجمهور ولا للممثلين»، هذا ما يراه الجراح.

دوائر أكثر اتساعًا

ومما استمدت منه المسرحية قوة الاستمرار والتواصل والقدرة على التسويق والانتشار، كان دخول قناة «سين» التي نشطت على اليوتيوب وتحولت لشركة بما تملكه من قاعدة جماهيرية عريضة جدًّا على خط العمل كمنتج ومسوق، فهذا أخرج المسرحية إلى دوائر أكثر اتساعًا ورحابةً، لتخرج لنا كل هذه التوليفة. ويرى المدير التنفيذي لـ«سين» عبدالمجيد الكناني أن «تميز الفكرة وعدم طرحها مسبقًا على مستوى المملكة، إضافة إلى أن هناك عوامل متشابهة بين المحتوى الرقمي وفكرة المسرحية مثل الحالة التفاعلية مع الجمهور وتجدد المحتوى في كل عرض «جعلهم في سين يتبنون المسرحية ويسوقونها، حيث قدمت لها «شبكة تسويق في الإنترنت للعروض، إضافة إلى المهام الإدارية والتنظيمية والتسويقية التي تسمح بانتقال العروض إلى مناطق متعددة في المملكة والاستفادة من مواهب بعض المنتمين لسين». ويصف الكناني تجربتهم في «سين» مع «حبل غسيل» بأنها «رائعة على الصعيد المهني ومثرية على الصعيد الفني، وقد تكون أيضًا فرصة لإعادة حالة الجماهيرية في المسرح حيث استطاعت المسرحية إيجادها بين شرائح متعددة من الجمهور السعودي». ويؤكد أنه من الممكن لاحقًا أن تفكر «سين» في إنتاج أعمال مسرحية مقبلة «خصوصًا أن المسرح أحد أعمدة الفنون التي ننطلق منها في إنتاجاتنا عبر «سين»، أما بخصوص المواصفات فدائمًا هناك بحث عن الجديد، الفكرة الجديدة والخلاقة هي أهم معيار نستطيع من خلاله تقديم الدعم الإنتاجي والتسويقي للعروض المسرحية». 

تملك حبل غسيل ممكنات الاستمرار والوصول للرقم الهدف الذي تسعى له الفرقة وهو رقم (100) من تعداد العروض، فكل عرض يختلف عن الآخر من منطلق الموضوعات والمشاهد التي يجسدها الطاقم وتنوعها، لكن السؤال هل استطاعت هذه المسرحية باستقطابها لعدد كبير من الجمهور أن تغير من نمط التفكير تجاه المسرح لدى الجمهور السعودي، هل يمكن لمسرحية أخرى أن تنجح كما نجحت هذه المسرحية، وأعني المسرحيات المتكئة على نص وتمارين أداء، باستقطاب جمهور يعادل جمهور «حبل غسيل»؟! وما الذي يمكن أن تقدمه الفرقة ضمن مسرح البلاي باك من جديد بعيدًا من تجربة هذه المسرحية؟! فالمسرح يحتاج لحركة دؤوبة ولا يكفيه تجربة ناجحة تنتهي ويتوقف بعدها هذا الزخم. يحتاج المسرح السعودي من جهته للالتفات لهذه التجربة واستثمار نجاحاتها، واكتشاف سر وصولها للجمهور، ويحتاج للاستفادة منها والاشتغال على تطويرها أو تطويعها لصالح التجارب المسرحية المتنوعة التي تبدو في الأغلب محصورة في المهرجانات وتؤرشف في الكتب والمقالات البحثية من دون أن يكون لها متلقٍّ يحضر ويتفاعل ويصفق، وهذا ما يحتاجه المسرح أكثر من احتياجه لعروض مهرجانات لا يشاهدها أحد. فالجمهور أساس علاقة التلقي المفترضة في أي شكل من أشكال الفنون البصرية، ومنها المسرح.

تشكيلي عراقي يميل نحو الأعمال التركيبية ذات النمط التجريبي غسان غائب: ثقافة الدفاتر منحتني حرية الحركة في إدارة عملي الفني

تشكيلي عراقي يميل نحو الأعمال التركيبية ذات النمط التجريبي غسان غائب: ثقافة الدفاتر منحتني حرية الحركة في إدارة عملي الفني

 حوار: خضير الزيدي – صحافي عراقي

تشكل تجربة الفنان العراقي غسان غائب أهمية تحظى باهتمام نقدي ومتابعة متواصلة من متذوقي الفنون الإنسانية. فهو لم يكتف بنمط واحد من العمل والتقنية بل عمد منذ حقبة الثمانينيات إلى متغيرات بنائية جعلته يشق طريقًا خاصًّا في عالم اللوحة وتراكيبها ودلالاتها ومن ثم يسعى إلى تجديد خطاب العمل الفني من خلال الأدوات الحديثة. في هذا الحوار مع «الفيصل» عودة إلى مرحلة الثمانينيات، وأهم المعارض، وكيف ينظر إلى شاكر حسن آل سعيد وضياء العزاوي وأساتذته في بغداد. حوار لا يخلو من معرفة فهمه للفن وكيفية النظر إلى خطاب ومناهج الفن الغربي وتأثيرها فيه، إضافة إلى مكاشفات أخرى.

لماذا التركيز على المدرسة التجريدية، منذ بدايات التجربة؟

■ دخولي معهد الفنون عام 1980م كان في العام والشهر نفسيهما اللذين كانت تقرع فيهما طبول الحرب بين العراق وإيران، لوّثت الطائرات وصواريخها بغداد الحبيبة، تذوقنا الفن ودرسناه واستمتعنا به بشغف أشبه بالطفل المندهش بهذا العالم الساحر داخل معهد الفنون، وفي الخارج دخان الحرب ينذرنا ويتوعدنا بولادة طفل غير شرعي، هذا الطفل الذي كبر ونضج وما فتئ مصاحبًا لنا كظلنا كأنه قدر مكتوب علينا أن نجره وراءنا ميراثًا مضافًا لكمّ من الانكسارات والخيبات والهزائم، فالمجهول قادم لا محالة خلف جدران معهد الفنون ونحن في داخل المعهد هو بيتنا ونحن سعداء حقيقة بحريتنا واكتشافاتنا فيه. هذا كان جزءًا من المناخ والفضاء الخارجي للرحم الذي نشأنا فيه طلاب فن ومن ثم فنانين. في سنتَيِ المعهد الأوليين بدأ اهتمامي ينصب على القراءات الأدبية إضافة إلى دروس المعهد الأكاديمية المقررة علينا، من الدروس التي عشقتها جدًّا هو درس تاريخ الفن، أستاذتنا كانت الدكتورة كريمة حسن، وهذا أحد العوامل التي زرعت بذرة التحفيز بقوة للتفاني في حب الفن والإيمان به كضرورة، كان درسًا ممتعًا يتناول المدارس الفنية وحياة الفنانين ورؤيتهم وعذاباتهم التي كانت محفزًا إيجابيًّا جدًّا. ومن أكثر الفنانين قربًا لي وتأثيرًا في -في تلك الحقبة، وإلى الآن- هو رامبرانت الذي أثارني تعامله مع النور والظل بحس سيكولوجي ووجداني مؤثر. النور ليس فقط أشعة فيزيائية، رامبرانت حوله إلى حس وجداني مفعم بالمعاناة والألم، حوله إلى مساحة مقدسة وفي أحيان كثيرة نابعة من جسد الموديل، مساحة من النور تسبح وسط الظلام، وفي حينها رسمت لوحة كبيرة لرامبرانت «صلب المسيح»، وكان لتوجيهات سلمان عباس الأثر الكبير الداعم لي؛ إذ شرح لي الطريقة في الرسم المعتمدة على الكثافة والحك والتحزيز. إدارة ذلك الفنان لعمله وتعامله مع النور والظلمة تركت أثرها فيّ إلى الآن.

● أفهم من كلامك أنها الانطلاقة المهمة نحو التجريب؟

■ في سِنِي المعهد الأخيرة كانت روح التمرد والتجريب تتسلل لنا، كنا حريصين على إثبات وجودنا، فمنّا من نجح في مسعاه، ومنا من لم يوفق، وكان لأساتذتي دور في تحفيزي ودعمي. محمد علي شاكر كنت معجبًا بمعالجاته لسطوحه اللونية وغناها، ومحمد مهر الدين هو من علّمني المغامرة، وكنت معجبًا بأعماله ذات الطابع السياسي، وفي إحدى المرات سألته: ما هذه الكلمات والجمل غير المكتملة في أعمالك؟ أجابني: هي أشبه بالمفاتيح ترشد المتلقي وتحيله إلى التفكير وتحليل العمل بشكل مختلف. الحقيقة أنا تأثرت بهذه المعلومة، وأدخلت الكلمات وبعض الأشعار في أعمالي في الثمانينيات، وكذلك أستاذ سلمان عباس كان له دور في تعليمي أكاديميًّا، وأيضًا رافع الناصري الذي شجعني بشدة في أعمالي الأولى، وطالما نصحني بضرورة الاهتمام بالمواد التي أستعملها مثل: الحبال والعلب والخشب المستعمل، قال لي: فكر بعد مئة سنة كيف ستصمد هذه المواد، أجبته: إن الإنسان يموت يوميًّا بالعشرات. لم أكن مهتمًّا كثيرًا بديمومة المادة لإيماني بتفاهة الحياة وعدم جدواها، كانت المحاولات الأولى للتجريب تستمد روحها من محيطنا المشبع بالظلم والموت، ومن خلال قراءاتي الأدبية ذات الطابع الوجودي العبثي التي تلاءمت بشكل كبير مع المناخ العام المحيط بنا حيث الخراب ينمو بشكل سريع، والحرب تكبر بشكل أسرع، والموت يزداد بشاعة. ومن الكُتاب الذين أثروا في، ووجدته قريبًا لي في حينها الكاتب الفرنسي ألبير كامو، استلهمت من أدبياته: رواية «الطاعون» ورواية «الغريب» لاقتران أجواء هذه الأدبيات مع مناخ تلك الحقبة. أربعون سنة بين طاعون مدينة وهران والحرب في مدينة بغداد، شبح الطاعون يحوم حول وهران، وعجلة الحرب تطحن الأجساد في بغداد، الخراب واحد والفناء واحد حيث لا قيمة للحياة ولا معنى للموت. أنجزت عملين وعرضتهم في قاعة كولبنكيان في معرض الشباب 25-10-1985م، كان اهتمامي في تلك الحقبة تجريبيًّا، ويعتمد على استعارة خامات مستهلكة من المحيط، محاولًا تشكيلها بشكل يتلاءم مع مناخ الأعمال مثل: (الحبال – إسمنت- علب- خشب – إلخ) وأنجزت مجموعة كبيرة في تلك الحقبة، وتحديدًا في منتصف الثمانينيات، كانت مرحلةً منافسة وتحديًا مع الذات وصعبة جدًّا؛ إذ ليس من السهل العرض في ذلك الوقت، وضمن هذا المناخ كنت أميل نحو الأعمال التركيبية ذات النمط التجريبي بشكل خاص، الذي يمنحني حلولًا تتلاءم مع ما أحاول التعبير عنه في حينه.

المساحات والسطوح الخشنة

● ماذا عن المدرسة التجريدية؟

■ الحقيقة كانت معرفتي بالمدرسة التجريدية بسيطة في ذلك الوقت، الموضوع لم يكن اختيارًا، بل جاء بشكل طبيعي وعفوي ضمن نسق منسجم مع نفسيتي وتطلعاتي الفنية. في معهد الفنون لم أكن أميل نحو إنجاز أعمال فيها دقة وتفاصيل عالية، ولم أكن ميالًا نحو التصميم، وكان درس التصميم مشكلة عندي، كانت تثيرني المساحات والسطوح الخشنة مع تراكم ظروف التعرية وآثار الزمن على الجدران والخروج عن إطار اللوحة… عندما أتعرض لموقف معين دائمًا أتجه نحو الحلول الكلية العامة والشاملة، والأجزاء والتفاصيل لا أهتم بها… لم أكن أعلم شيئًا عن مدرسة الجشطلت وأدبياتها في تلك الحقبة. التجريد تلاءم مع ما أنا عليه من الجانب الشخصي والفني والحقيقة لا بد أن أشير إلى أننا نشأنا في معهد الفنون وسط مجموعة من الفنانين الرائعين داخل المعهد وخارج المعهد. وكانت حقبة الثمانينيات هي التكوين والنضوج، مرحلة حرجة جدًّا ومغدورة من ناحية التقييم النقدي؛ لأنها مرحلة جيل مضغوط وقع بين جيل الستينيات وسطوته وتميزه بشكل لافت ونحن جيل الثمانينيات… في تلك الحقبة شاركت في مهرجانَيْ بغداد العالمي الأول عام 1986م وبغداد العالمي الثاني عام 1988م وكان فرصة عظيمة اطلاعي على تجارب عالمية رائعة.

● عُرف عنك أنك تمارس التنوع في طريقة العمل، هل يكمن السبب في انفتاحك على الفن الغربي بعد خروجك من العراق؟

■ غادرت العراق بشكل نهائي عام 2003م، ولكن قبل ذلك كانت لي زيارات كثيرة ومشاركات فنية متعددة خارج العراق خلال عقد التسعينيات، وفي عام 2003م كان استقراري في عمان، استطعت أن أكون على تماسّ بعدد من الفنانين العراقيين والعرب وهو ما أدى إلى تبني عدد من المشاريع الفنية، أسهمت في نضوج تجربتي الفنية، وفتحت لي مجالات لم أكن أعالجها، مثل المجسمات (الأوبجكت) التي منحتني مجالًا وحرية حركة واقتراحات واسعة جدًّا على صعيد المادة والرؤية. فالمجسمات هي أكثر من نحت صريح وأكبر من دفتر، وسطوح مختلفة عن مجرد قماش لوحة هي تجربة غنية جدًّا، وسعت مجال معالجاتي البصرية وعدم الاكتفاء بالمساحات اللونية وبعض الضربات بالفرشاة، بل دخل الفوتو وبعض الدلالات الإنسانية الصريحة؛ إذ برزت النزعة العاطفية والوجدانية بشكل أكثر تدفقًا وتوهجًا من قبل. كان هناك كثير من المعارض والمشاركات الجماعية في الأردن أو في الخليج وأوربا وأميركا. على سبيل المثال كان هناك معرض مهم جدًّا في المتحف البريطاني (لندن) عنوانه «الكلمة في الفن»، وكانت تجربة غنية جدًّا، حتى عندما كنت داخل العراق كانت مشاركات مهمة داخل العراق وخارجه أقمنا معرضًا للفن العراقي في معهد العالم العربي في باريس، وفي بغداد أقمنا معرضين مهمين (كريم رسن وهناء مال الله وغسان غائب) في قاعة أثر للفنون: الأول عام 2000م، والثاني عام 2005م، جاءت كطروحات مختلفة وجميلة. خروجي من العراق كان حلًّا وفتح لي أبواب التعرف إلى ثقافات العالم الفنية وغيرها، النموذج الغربي هو مثال لكل حلولنا إن كانت سياسية أو اقتصادية أو فنية… إلخ. نحن لا نملك حرية الاختيار، والمنهج الغربي دخل عقولنا وحجرات منازلنا بالقوة، لاحظ التنظيم العقلاني للاقتصاد، وتخطيط مدننا، ومَكْنَنة الصناعة، وتبني مناهج التعليم وأصول البحث في جامعاتنا كل ذلك ذو منهج غربي، نحن درسنا تاريخ الفن 95% غربيًّا… هناك تراكم معرفي كبير (فلسفة ونظريات جمالية)… إلخ.

● هناك هالة من الكتلة الحمراء ترافق أعمالك، هل ثمة لغز سيميائي أو إشارة تود الإفصاح عنها؟

■ الحقيقة ليس الأحمر فقط بل الأسود كذلك، وعادة ما يكونان مترافقين تارة ومتصارعين تارة أخرى، اللون هو جزء من موقف فني عام يؤثث سطح العمل الفني وغالبًا ما تكون هناك ألفة وصراع بين اللون والشكل بحس دراماتيكي، في البدء تكون العملية بشكل تلقائي وعفوي، واللون هو من يختارني وبتلقائية البداية البسيطة جدًّا وتدريجيًّا يأخذ التوهج المقترن بالانفعال طريقه في الغليان، ومن دون قصدية وإرادة واعية تقترح الأشكال والألوان أنفسها ولا أستطيع رفضها، الإرادة الواعية والتفكير القصدي يأتي في النهاية من ناحية التنظيم والحذف والإضافة. الحقيقة لا أستطيع أن أرسم من خلال سكيج أو أن أحدد نمطًا بإرادة مسبقة إطلاقًا. في البدء الخيال هو السيد والعقل الواعي يأتي لاحقًا، عادة ما يكون اللون ذا دلالة ملحمية وطابع درامي ورمزي يتلاءم مع روح وشكل العمل بشكل عام، ويشير إلى شيء وقد يمثل شيئًا ليس بالضرورة مرئيًّا. في أحد أعمالي التي أنجزتها عام 1987م استعرت أبياتًا شعرية لوليام فوكنر أثارتني جدًّا، يقول في أحد الأبيات: «تتوقف الموسيقا لتعلن سقوط الصمت المهشم». الحقيقة أرى هذا السقوط أشبه بلوحة صرخة مونش (إدفارت مونش) يكون مشحونًا بدلالة انفعالية وسيكولوجية تتجاوز هذا السقوط وتلك الصرخة، هذا ما أحاول أن أشير إليه. اللون يملك دلالة إشارية لا تدرك سوى بالبصيرة.

● يكتب الناقد عاصم عبدالأمير أن «غسان غائب» يلقي بنفسه في لجة اللامعنى، أين نجد هذا التصور الذي يشير إليه عاصم في أي من مراحلك الفنية؟

■ أخذت نزعة الاستعارات المادية المستهلكة من المحيط، وبعض الأنظمة البصرية، حتى الاستعارات الأدبية تقل تدريجيًّا في نهاية الثمانينيات، والانزياح نحو التجريد الخالص وتجاوز نطاق الدلالات المباشرة إلى النظرة التي تتجه نحو الشمول والنظرة الكلية والابتعاد من النظرة الذاتية للأشياء. ومن خلال النظرة الكلية نتذوق ما يحيطنا، وغرضنا لا يتعدى سوى الرؤية فقط المنزهة عن المعنى الذي من شأنه أن يوقظ المدركات الواعية (الحدس- التخيل- التأمل) وعلى ضوء هذه الرؤية حاولت تنظيم عناصر اللوحة على شكل طبقات متراكمة وعلاقات لونية لا تخلو من الانفعال والضربات السريعة، مع الاحتفاظ ببعض الرموز الإشارية والهندسية ذات العلاقة بجغرافية المكان (كالمربع والصليب والمثلث). أخذ مناخ اللوحة يتجه نحو العلاقات اللونية ذات الحس الموسيقي، وفي بداية التسعينيات أقمنا معرضًا مشتركًا (ياسين عطية ووليد رشيد وغسان غائب) في مركز الفنون في بغداد وتلاه معرض في الأردن أيضًا مشترك مع الفنان وليد رشيد. في الأردن في التسعينيات كانت حقبة خصبة وغنية، أنجزت فيها تجارب ذات علاقة بالتجريد الخالص.

آل سعيد والعزاوي

● أراك تتلاعب بطريقة أقرب للوجدان في صناعة دفاتر الرسم، السؤال هنا: هل يمكن أن يكون لكل دفتر طريقة معينة وفهم خاص من التركيب الجمالي؟

■ الطابع العام لتجربتي له مساس وجداني، والوجدان لم يغب عن أعمالي، قد ينزاح في حقبة التسعينيات نحو اللامعنى لكنه يعود بقوة لاحقًا، وخلال العشرين سنة الأخيرة كانت العاطفة والسمة الوجدانية السيكولوجية حاضرة بقوة وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالدفاتر الفنية والمجسمات (الأوبجكت). اسمح لي أن أعود إلى البدايات الأولى لولعي بالدفاتر بشكل خاص، كنت شاهدت بعض دفاتر شاكر حسن آل سعيد عندما كنا نعرض معًا في أكثر من مناسبة، وكانت عبارة عن مطوية صغيرة جدًّا عادة ما يحملها في جيبه، كانت ساحرة ومدهشة وتدعو للتأمل حقًّا، وأحب أن أضيف شيئًا تبنيته من شاكر حسن آل سعيد وتعلمته منه وتلاءم مع ما أنا أعمل عليه في لوحاتي من خلال استعارة المواد المستهلكة وإضافتها.. شاكر كان ينظر إلى كل شيء أمامه ويحوله إلى قطعة فنية، شاكر حسن كنا ننظر إليه وهو دائمًا بقيافة أنيقة وراقية، ولا أحد يعلم أنه كان يحمل (سيكوتين – عبوة لاصق صغيرة جدًّا) في جيب سترته وعددًا من المطويات الصغيرة. فاجأني في إحدى جلساتنا وكانت جلسة اجتماعية عادية جدًّا حيث أخذ ورقة بيضاء (ورقة استنساخ) واستأذن مني بأخذ علبة سجائري وأخرج عبوة لاصق من جيب سترته، وأخذ يعمل في تهشيم علبة السجائر وتثقيب الورقة وبدا منسجمًا بما يعمل، وفي النهاية طوى العمل ووضعه في جيبه، وأخرج دفترًا صغيرًا آخر لنراه وفيه بعض الحروف ذات البعد الصوفي، الحقيقة أنا شخصيًّا تأثرت بهذه الروح الخلاقة المبدعة والشغوفة بإنتاج الجمال. وفي عام 1997م أقمنا معرضًا تحت عنوان: «البيئة والمحيط» في المتحف الوطني الأردني، بعد معرضنا هذا أقام المتحف الأردني معرضًا لفنانين كتالونيين من إسبانيا، وكان منهم بيكاسو وسلفادور دالي، وخوان ميرو، وعدد كبير جدًّا من الفنانين العالميين، وكانت أغلبية المعروضات هي دفاتر فن مع أعمال طباعة ولوحات… إلخ، وأنا كنت في عمّان، وشاهدت المعرض، كان مذهلًا. والحقيقة لم أفكر حينها أنه ممكن أن تكون الدفاتر ثقافة مضافة تعزز مشروع الفنان إلا من خلال ضياء العزاوي.

● متى تعرفت إلى ضياء العزاوي؟ وما الذي تعلمته منه؟

■ تعرفت أول مرة إلى ضياء العزاوي من خلال الفنان طارق إبراهيم في عمّان، أعتقد عام 1998م، وقتها سألني: إن كنت أنتج أعمالًا خارج نطاق ثقافة اللوحة التقليدية، فأجبته بلا لم أنجز، وسألني سؤالًا ثانيًا: هل تنجز أعمالك من خلال سكيج مسبق؟ أجبته: لا، ومن خلال هذا الحوار الأولي البسيط تحدث عن ضرورة وأهمية أن تكون هناك طروحات أخرى غير اللوحة التقليدية لاغتناء التجربة الفنية. وعدت بعدها إلى بغداد، وبدأت بصناعة دفتر «المومس العمياء» وهو أول مشروع دفتر أنتجه عام 1999م، كنت سعيدًا جدًّا على صعيد تجربتي، أعتبرها إضافة مهمة، والكتاب من مجموعة ضياء العزاوي وعرضه بعدها في المتحف البريطاني عام 2006م، وكان لتشجيع ضياء ودعمه لي ولأقراني وأصدقائي الفنانين الأثر المهم في إعلاء شأن ثقافة الدفاتر الفنية؛ لما لها من أثر في إغناء الذائقة الفنية للمتلقي بشكل عام غير المتعود على هذا النمط الفني. وعلى غرار هذا النشاط ساهم ضياء العزاوي في إقامة مشاريع فنية تخص الدفاتر في أوربا وأميركا، وأصبحنا نقيم معارضنا والدفتر جزء مهم ومكمل لمشروع المعرض يعززه ويغنيه. والحقيقة كل دفتر هو مشروع مستقل مكتفٍ بذاته، له حياة وشخصية وطريقة بناء، وله آلية في التنفيذ تختلف في الشكل والمضمون عن الآخر على صعيد المادة والحجم والإخراج. ثقافة الدفاتر منحتني حرية حركة مضافة في إدارة عملي الفني من خلال اقتراحات فكرية لم أستطع تنفيذها على سطح اللوحة فألجأ إلى الدفتر، على سبيل المثال: استعارات الجرائد والفوتو والخرائط، حتى الجسد الإنساني، واستعارات النصوص الشعرية في أعمالي أكثر وأكبر من تجاربي الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، هنا اقتراحات طباعية كالسلكسكرين والغرافيك، وأيضًا الديجتال آرت، وتقنيات عدة من شأنها إغناء رؤية الفنان.

الأزمة تفرز مثقفها

الأزمة تفرز مثقفها

 تركي الحمد – كاتب سعودي

تعيش السعودية هذه الأيام تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية جذرية، لدرجة أننا يمكن أن نسميها «ثورة» من الأعلى تقوم بها القيادة السعودية من أجل التجديد. بل يمكن القول إعادة التأسيس. بإيجاز، إن السعودية اليوم تغير جلدها الذي ضاق عليها فلم يعد يستوعب تغيرات العالم المتسارعة، سواء في مجال التكنولوجيا، أو الاقتصاد، أو الثقافة الحديثة. وحين نتحدث عن التحولات فإننا في الوقت ذاته نتحدث عن الأزمات. فالأزمة وفق التعريف التقليدي، هي تغير مفاجئ سواء نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، وكلاهما أمر نسبي، أي أنها نوع من عنق الزجاجة الذي لا بد أن تمر به المجتمعات التي تشهد تحولات كبرى، كالتي تشهدها السعودية هذه الأيام. ومن هنا يبرز السؤال: ما دور المثقف أو المفكر في مثل هذه التحولات أو لنقل الثورات التي تنقل المجتمعات من حالة إلى حالة تكاد تكون نقيضة لها إن لم تكن في تناقض تام معها؟

الأزمات والتحولات الكبرى في التاريخ تفرز مثقفها أو مفكرها، سواء مع بداية التحول أو قبيل التحول حين يكون المجتمع في أزمة حقيقية. فقبل مجموعة الإصلاحات التي قدمها الأمير محمد بن سلمان في الرؤية، كان المجتمع يعيش أزمة حقيقية نتيجة هيمنة أيديولوجيا أدت دورها التاريخي؛ لكنها لم تعد قادرة على استيعاب التغيرات الاجتماعية والثقافية ناهيك عن الاقتصادية على مر تاريخها منذ لحظات التأسيس، وبخاصة في أثناء العقود الثلاثة من الصحوة. أيديولوجيا ألبست السعودية ثوبًا أصبح خانقًا لها ولتطورها لضيقه، وهو الذي كان مناسبًا لعقود خلت. ومن هنا بدأت أصوات تعلو بضرورة التغيير وأنه لم يعد مجرد خيار، بل هو حتم إذا كان بقاء الدولة وتماسك المجتمع وازدهار الاقتصاد هو الغاية. وكانت هذه الأصوات، مثقفون ومفكرون، تحذر من المآل إذا استمرت الحال على ذات الحال، وفي ذات الوقت تصف، أو تحاول أن تصف وتنظر بكيفية الخروج من عنق الزجاجة وتداعيات الأزمة بطرح حلول تختلف من مفكر لآخر، ومن مثقف لآخر، لكنها تتفق في النهاية على أن هنالك أزمة، أو أننا في الطريق إلى أزمة، وعلى ضرورة التغيير وكيف يكون ذلك، وهنا يكمن دور المثقف والمفكر في حالة التحولات الكبرى وما يسبقها من أزمات: قرع الجرس للتنبيه إلى أزمة، ومحاولة طرح الحلول لأزمة قائمة أو أزمة قادمة.

أثينا وسقراط

عندما كانت أثينا، أو دولة المدينة آنذاك، تعاني أزمةً في وجودها، من حيث تحول من حولها إلى النمط الإمبراطوري للدولة ممثلًا في الدولتين الفارسية والرومانية، وأزمةً في ثقافتها ونظامها الاجتماعي والسياسي، ظهر سقراط مشككًا في عقائد أثينا من خلال أسئلته المحرجة، وظهر أفلاطون وجمهوريته الفاضلة القائمة على حكم الملك الفيلسوف المالك للحقيقة المطلقة، كبديل لنظام أثينا الديمقراطي المهترئ، وظهر أرسطو مناقشًا علاقة الأخلاق بالسياسة وصفات المواطن الصالح والفرد الصالح، وظهرت الرواقية المبشرة بالصبر على الألم، والأبيقورية المبشرة بالمتعة والمتعة فقط، وغيرها من مدارس أقل شأنًا. كل هذه المدارس وأولئك المفكرين كانوا إفرازًا لأزمة أثينا سواء الداخلية أو الخارجية، وكل يصف الأزمة وفق تصوره، ويطرح حلًّا لها وفق رؤيته بطبيعة الحال.

وعندما بدأت أوربا تخرج من النظام الإقطاعي في بداية الطريق إلى العصور الحديثة، وظهور طبقات جديدة على حساب الطبقات الآيلة للسقوط، وأهم هذه الطبقات الجديدة هي الطبقة البرجوازية، بدأ ظهور مفكرين يفسرون ما يجري من ناحية، وينظرون لما سيأتي من ناحية أخرى. فرينيه ديكارت مثلًا بدأ مشروعه في الاستهلال بنقد أسس المعرفة التقليدية القائمة على الثقافة الدينية وتغيراتها للكون والحياة، ممزوجة بنظريات أرسطو وإقليدس وبطليموس وغيرهم. بدأ ديكارت مشروعه من الصفر حيث نفى كل معرفة، وشك فيها ولم يبق إلا الذات المفكرة التي لا شك فيها، ويلخصها الكوجيتو الشهير له: «أنا أفكر إذًا أنا موجود»، ومن هذه البديهة البسيطة بنى ديكارت نظامًا معرفيًّا متكاملًا كان أحد الأسس التي قامت عليها المعرفة الحديثة. هذا من الناحية المعرفية، ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، ظهر مفكرون لعل أبرزهم فيما يتعلق بموضوعنا مفكرو العقد الاجتماعي (توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو)، الذين شخّصوا أزمة المجتمع القديم وجموده، وقدموا حلولهم لكيفية المجتمع الجديد، على اختلاف بينهم في البنية الضرورية للمجتمع الجديد.

وعندما تنمرت الرأسمالية في القرن التاسع عشر، وأظهرت وحشيتها حين لا تكون مقيدة ومقننة، وهو ما أدى إلى تفاقم تناقضاتها وازدياد قسوتها تجاه القوة العاملة (البروليتاريا)، سواء فيما يتعلق بالأجور المدنية أو تشغيل الأطفال، ظهر المفكرون والمنظرون الاشتراكيون على اختلاف اتجاهاتهم، سواء الثوري منهم مثل: كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، أو الطوباويون منهم مثل: شارل فورييه، وروبرت أوين، وسان سيمون وغيرهم.

وفي روسيا، وقبل انهيار النظام القيصري بسنوات طويلة نتيجة تعنت هذا النظام لمتغيرات الداخل والخارج، وتحكم المصالح الخاصة وانتشار الفساد وتحكم الإكليروس بالدولة واستبداد القيصر، تكاثرت الأصوات التي كانت تنادي بالتغيير وتصف حال المجتمع في ظل القيصرية الجامدة آنذاك، لعل من أبرزها الروائي الروسي ليو تولستوي، وكذلك فيودور دوستويفسكي، حتى سقط النظام في النهاية على يد البلشفي فلاديمير إيلتش لينين في ثورة دموية نتيجة عدم قابلية النظام للتغيير، وهو ذاته ما حدث للاتحاد السوفييتي لاحقًا، حين صارت الأيديولوجيا الشيوعية المؤسسة للاتحاد، هي ذاتها المعوِّقة لتغير وتطور هذا الاتحاد، وهو ذاته ما حدث في الصين حين تحولت الأيديولوجيا الشيوعية، أيديولوجيا الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ، إلى عائق يقف في طريق تطور الصين ونموها، حتى جاء دنغ شياو بنغ وشرع أبواب الصين للاقتصاد الحر.

العرب يكتشفون تكلسهم

وفي عالمنا العربي، أدى اكتشاف هذا العالم للغرب الحديث في أواخر القرن الثامن عشر إلى صدمة حضارية، حيث اكتشف العرب أن الغرب المتخلف الذي عرفوه قبل قرون من الزمان، لم يعد ذلك الكيان المتكلس بل اكتشفوا فجأة أنهم هم المتكلسون وبدأت الأسئلة الوجودية الكبرى في الظهور: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا؟ كيف يمكن اللحاق بركب الحضارة؟ هل يتوافق الإسلام مع الحضارة الحديثة؟ وغيرها من أسئلة وجودية كبرى كلها يدور حول هذه الأزمة؛ أزمة اكتشاف تخلف الأمة وتقدم العدو التقليدي لهذه الأمة. تعددت الإجابات عن هذه الأسئلة بطبيعة الحال، وصفًا لهذه الأزمة وأسبابها، وحلًّا لهذه المعضلة التاريخية على اختلاف مضمون هذا الحل، فمن قائل: إن الإسلام هو الحل، وما تخلفنا إلا نتيجة الابتعاد عن جوهر الإسلام، والعودة إليه هي الحل الأوحد، وذلك ما تمثله دعوة صاحب المنار محمد رشيد رضا، المتأثر كل التأثر بالدعوة الوهابية في نجد، ومن قائل بضرورة التوفيق بين الإسلام وحضارة الغرب وعلومه. كما عبر عن ذلك فكر الشيخ محمد عبده مثلًا، ومن قائل: إن الحل لا يكمن في هذا ولا في ذاك، بل هو في اعتناق فكر الغرب وتشرب حضارته بالكامل من دون محاولات توفيق أو تلفيق، وهذا ما تمثله تجربة محمد علي باشا الكبير في مصر ومن جاء بعده، وكذلك طه حسين مثلًا في بداياته حين حاول أن يطبق مبدأ الشك الديكارتي لنقد التراث في كتابه: «في الشعر الجاهلي»، ونادى باعتناق الحضارة المعاصرة بكل أبعادها في كتاب: «مستقبل الثقافة في مصر». والحقيقة أن عالم العرب لم يخرج من أسئلته الوجودية الكبرى حتى هذه اللحظة، وما زالت الإجابات تُراوِح بين عودة غير مقيدة للإسلام وتراثه، وبين الاعتناق الكامل لحضارة العصر كما فعلت اليابان وغيرها للّحاق بهذه الحضارة والإسهام فيها، وبينهما محاولات التوفيق والتلفيق، ويبدو أن مقولة محمد عابد الجابري صادقة حين وصف الزمن العربي بأنه زمن ميت.

نعود الآن إلى السؤال الرئيس في هذه العجالة: ما دور المثقف والمفكر في ظل التحولات الكبرى والأزمات التي تسبقها، أو ترافقها أو تعقبها؟

بكل بساطة دوره هو الوصف والتقرير واقتراح الحل، لكن في النهاية إن كل ما يفعله المثقف لن يكون له ذلك التأثير من دون سلطة تسانده، ومن هنا يأتي دور السلطة السياسية في إحداث التغيير حين تكون مقتنعة بضرورة التغيير، وأنها مسألة حياة أو موت. السلطة السياسية هي في النهاية من يقرر الحل الأمثل لاستمرارية الدولة والمجتمع في حالة الأزمة، وهذا لا يتأتى من دون نوع من التناغم بين المثقف والسلطة: فالمثقف هو عقل المجتمع، والسلطة هي اليد المنفذة. لقد مر حين من الدهر كانت فيه العلاقة بين المثقف والسلطة متوترة، بل عدائية، نتيجة أدلجة المثقف واستبداد السلطة وتعنتها، وأظن أنه قد آن الأوان لمد خيوط الثقة بينهما، فالمصير واحد، والهدف في النهاية واحد.

الهاكرز… إلى أين؟ القرصنة مسألة غامضة ومصطلح يغطي العديد من الخطايا

الهاكرز… إلى أين؟ القرصنة مسألة غامضة ومصطلح يغطي العديد من الخطايا

 كريس هول  – صحافي متخصص في العلوم والتكنولوجيا     ترجمة: عبدالله بن محمد  – مترجم تونسي

على شبكة الإنترنت تحوّلت أعمال القرصنة إلى فرص للجريمة والتحركات الشعبية حتى التّدخل في الشؤون السياسية للدول الأخرى. فمَن الهاكرز؟ وهل يمكن إيقافهم؟ الأشهر الستة الأخيرة كانت حاسمة على الصعيد السياسي بأوربا بعد أن توجه الناخبون في كل من النمسا وهولندا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى صناديق الاقتراع. وقد تميّزت مدة ما قبل الانتخابات بالمخاوف من أن تتمكن القوى المعادية، التي تنشط على الإنترنت، من التلاعب بنتائج الانتخابات. وكادت المخاوف أن تتحقق بفرنسا، بعد أن وقع الرئيس الجديد إيمانويل ماكرون وحزبه (En Marche) ضحية لتسريب حزمة من رسائل البريد الإلكتروني بحجم 9 غيغابايت قبل 48 ساعة فقط من التصويت. الأمور مختلفة قليلًا عبر المحيط الأطلسي، بعد تشكيل أربعة لجان برلمانية، فضلًا عن مكتب التحقيقات الفدرالي، للتحقيق في التأثير الروسي المزعوم في نتائج الانتخابات الأميركية، بما في ذلك قرصنة رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون. وفي المملكة المتحدة، أخبار القرصنة تصدّرت مؤخرًا العناوين بعد أن شلّ الهاكرز نظم الحاسوب بأربعين مستشفى شهر مايو الماضي باستخدام فيروس Wanna Cry بهدف الحصول على فدية مالية.

عادة، في أعقاب كل هجوم، يسارع السياسيون في التذكير بالحاجة إلى «تنظيم» الإنترنت. في العالم الغربي، تتعرض ديمقراطيتنا وحريتنا إلى هجوم مستمر، وكسب المعركة يكمن في تحكمنا في التكنولوجيا. ربما يبدو ذلك مبالغًا، أو حتى عرضًا لمقتطفات أحد الأفلام. حسنًا، ضع في حُسبانك أن الشخص العادي في المملكة المتحدة يقضي 25 ساعة أسبوعيًّا على الإنترنت ويملك ما بين 27 و40 حسابًا إلكترونيًّا. ومن المقرر أن يصبح هناك 8.4 مليارات جهاز متصل في العالم نهاية عام 2017م، و20 مليارًا بحلول عام 2020م.

في عام 2016م، سجّلت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 1000 عملية خرق للبيانات المسجّلة. القرصنة لا تقتصر على الخروقات فقط؛ ولم تعد تقتصر أيضًا على سرقة كلمات السر: لقد ورث المهووسون الأرض وانتهى. يقول ديفيد إمس، الباحث الأمني ​​الرئيس بمركز المتخصصين في مكافحة الفيروسات وأمن الإنترنت (كاسبيرسكي): «ليس هناك شك في وجود المزيد من البرامج الضارة اليوم أكثر من أي وقت مضى»، وأضاف «الحجم يتزايد بشكل كبير. نحن نحلِّل مليون وحدة [من الشيفرات الخبيثة] يوميًّا في مختبر الفيروسات، وأكثر من 60 في المئة من النتائج كانت تعليمات برمجية جديدة.

الجريمة الإلكترونية

هذه التهديدات الواسعة مصدر قلق بالتأكيد، لكن من الصعب فهمها والتحكم فيها. القرصنة مسألة غامضة فهذا المصطلح يغطي العديد من الخطايا. يمكن أن تكون الهجمات الإلكترونية جرائم خطيرة كالسرقة أو الابتزاز أو التجسس أو التشهير أو الاحتيال، لكنها يمكن أن تكون كذلك سلوكًا مزعجًا على الأقل. هذه المقارنة تختلف مع الجريمة في الواقع حيث إن الاختراقات أو التسريبات يمكن أن تغذّي جرائم أكبر مثل: تجميع البيانات المسروقة وتداولها على سوق الإنترنت المظلمة (مواقع مشفرة لا يمكن العثور عليها باستخدام المتصفحات القياسية أو محركات البحث)، في حين تقوم الأنظمة المخترقة بتجميع شبكات «بوتيت» الشاسعة لاستخدامها بشكل غير مقصود للإيقاع بأهداف كبيرة.

دعونا نلقي نظرة على الهجوم على المستشفيات كمثال جرى تنفيذه بأدوات سُرِّبت على الإنترنت من جانب مجموعة إجرامية Shadow brokers (وسطاء الظل)، قبل أن يتمكّن المجتمع الأمني ​​الدولي وفريق مكافحة الحروب السيبرانية التابع لوكالة الأمن القومي من معرفة تلك الأدوات. احتوت على هجمات استغلت الثغرات الأمنية غير المكتشفة «هجوم من دون انتظار» (zero day exploits) التي يمكن استخدامها للوصول إلى أجهزة الحاسوب التي تعمل بنظام التشغيل مايكروسوفت من ويندوز 2000 إلى الإصدار ويندوز 8. لكن مجموعة أدوات القرصنة -المعروفة باسم الأزرق الخالد Eternal Blue– تميّزت بنقاط ضعف عديدة مكّنت الجناة من نشر فيروس Wanna Cry في جميع أنحاء العالم.

الأسوأ من ذلك هو دوافع الهجوم باستخدام Wanna Cry. يبدو أن الهدف كان الحصول على فدية مالية، لكن المبلغ كان ضئيلًا نسبيًّا – 126 ألف دولار فقط في جميع أنحاء العالم (من السهل تتبع ذلك بفضل معاملات بيتكوين المفتوحة التي استخدمت في الدفوعات). وقد أُوقِف الهجوم من دون عناء كبير من باحث أمني أدرك، من غير قصد، أنه من خلال تسجيل عنوان داخل البرمجيات الخبيثة، تفعّلت خدمة «صدّ السرقات» (kill-switch) المدمجة في النظام. لم يكن ذلك مناسبًا للأدوات المتطورة التي استُخدمت في الهجوم، أو القدرات الكبيرة لمن يقف وراء الهجوم (البعض يتهم كوريا الشمالية). لكن كيف وصلنا إلى المرحلة التي ينشط فيها الهاكرز ويُفلِتون من العقاب -وإن صحّت التحليلات- تورّط دول مثل روسيا أو كوريا الشمالية في الحملات السياسية لدول أخرى؟ كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وشك الاعتراف بإمكانية تورّط عناصر روسية في عمليات القرصنة السياسية الأخيرة فى إحدى المقابلات مؤخرًا: «إذا كان الهاكرز يتحركون بدافع الوطنية، فهم يقدمون إسهاماتهم لما يعتقدون أنه معركة الطيبين ضد من يتحدثون بشكل سيئ عن روسيا». (المطّلعون على التاريخ يعلمون أن التّدخل في انتخابات الدول الساتلية كان النشاط المفضّل للولايات المتحدة خلال سنوات 1980م- فقط أن ذلك لم يكن على الإنترنت).

الجواب، في أحد جوانبه، هو استخدامنا للإنترنت. ومع تطوّر إنترنت الأشياء، عزّزنا «الفرص لهجومات» أخرى في حياتنا؛ نحن نفتح المزيد من الأبواب للهاكرز. يقول إمس: «لم نعتمد بعد تقنية المنازل الذكية عالميًّا؛ لذا فإن الهاكرز ليس لديهم كثير من المكاسب الثمينة عدا الإزعاج». لكن ذلك قد يتغيّر قريبًا عندما تصل التكنولوجيا المنزلية الذكية إلى نقطة التحوّل، وتتوافر ثغرات يجري استغلالها. يقول ديفيد هارلي، المستشار الأمني ​​وكبير موظفي العمليات لمعلومات مكافحة الفيروسات: «الشركات التي لم تضطر قط إلى التفكير في أمن الإنترنت في سياق المنتجات المستقلة تستيقظ على الحاجة إلى الأمن عند تشغيل إنترنت الأشياء» مضيفًا، أن حجم المنزل الذكي الشاسع يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا: «بسبب التنوع الواسع للعلامات التجارية والتقنيات والأجهزة، فإن نطاق الهجوم الفردي قد يكون محدودًا نسبيًّا». محدود أم لا، ذلك موكول للهاكرز المتجردين من الأخلاق. ويضيف إمس: «تخيّل أن نظام التدفئة بمنزلك يتعرض إلى هجوم مقابل فدية!». لذلك، لا تقلق إذا قام أحدهم بقرصنة غلّاية القهوة الذكية في منزلك. لكن ذلك يعود في الأساس إلى توافر طرق سهلة للمجرمين تمكنهم من الحصول على ما يريدون، سواء كان ذلك عن طريق شراء البيانات المسرّبة، أو إرسال بضعة آلاف رسالة بريد إلكتروني للتصيد، أو استغلال الثغرات الأمنية التي لم يعمل المستخدمون على تثبيتها وإصلاحها بسبب إهمال تحديث برامجهم.

لوم متبادل

لا يمكننا أن نلقي باللوم كلّه على الأفراد أو الشركات غير الناشطة؛ ويتفق معظم الباحثين في المجال الأمني على أنه في ظل غياب العقاب تزدهر الجريمة. يقول ستيفن كوب، الباحث الأمني ​​البارز ضمن فريق اختصاصيي مكافحة الفيروسات ESET: «إن القول بأن المجرمين يملكون عصا سحرية مجرد أسطورة»، وأضاف: «اليوم اكتسب مجرمو الإنترنت صورة خارقة بسبب فشل الحكومات في الحشد لتطبيق القانون الدولي. كم عدد الجناة المتورطين الذين قُدِّموا للعدالة؟! من الواضح أنه لم يكن بشكل كافٍ لردع الوافدين الجدد إلى الميدان».

لكن من هؤلاء الهاكرز في كل الحالات؟ إن المجتمع الأمني ​​عادة ما يكون حذرًا في تحميل مسؤولية الهجمات إلى جماعات أو بلدان معينة، معتبرًا أن إنفاذ القانون مسؤولية رجال القانون والأمن، من منطلق تحليلهم وفهمهم الخاص للقانون. لكن قدرتهم على التخفي عبر الإنترنت تجعل من الصعب الجزم بحقيقة الهاكرز؛ لذلك فإن المجموعات القليلة من الهاكرز المعروفين لدى الباحثين الأمنيين هي الاستثناء وليست القاعدة، وقد يكون من الصعب جدًّا تحديد عضويتهم الحقيقية.

اكتسب كال ليمينغ سمعة سيئة بوصفه أصغر هاكرز تقع إدانته في المملكة المتحدة في عام 2007م. ووفقًا ليمينغ، فقد منح هذا الطفل موهبته الطبيعية «حرية أكثر من اللازم». كان يقوم بهجمات غير قانونية في سن الثانية عشرة، ثم حُكم عليه بالسجن في عام 2006م لاستخدام بيانات بطاقة ائتمان مسروقة لشراء سلع بقيمة 750000 جنيه. وفي الوقت الحالي يدير هذا الهاكر الشاب مكتب استشارات أمنية خاصة للأثرياء. عندما سئل عن مشابهة الهاكر للصورة الموجودة في مخيلة العامة، ضحك وقال: «القوالب النمطية موجودة عمومًا لسبب ما». لكن تجربته الخاصة لم تبلغ تلك القوالب النمطية، حيث إنه عمد إلى القرصنة في طفولته بدافع الحاجة إلى دعم أسرته بدلًا من الرغبة في الأذى. «عندما بدأتُ، كان الغرب المتوحش حقيقة ثابتة، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب. عندما التقينا في غرف الدردشة، لم ندرك حقًّا أننا بصدد تكوين عصابات إجرامية. كنت أعتقد أن الإنترنت يجب أن تكون حرة تمامًا، لا تحكمها قواعد، وكل شيء مباح»، وأضاف: «لكننا وصلنا إلى النقطة التي جلبت فيها الإنترنت، والقدرة على التخفي بالخصوص، أبرز المساوئ في ثقافتنا، حتى الأفضل أيضًا، لكننا أصبحنا غير راضين عن أسلوبنا الفظيع في تعامل بعضنا مع بعض». وباعتباره من القراصنة اليافعين، يفتقر ليمينغ إلى التوجيهات، لكنه يشعر أيضًا بأن القانون كان صارمًا أكثر من اللازم «لقد جرّم القانون ضررًا بسيطًا سببه طفل في المدرسة»، وأشار إلى أن الجرائم الصغيرة تتحوّل عادة إلى جرائم كبيرة.

«نحن بحاجة إلى الذين يمكن أن يتفاعلوا مع هذا النوع من الشباب – الأشخاص الذين لا يقيدون كثيرًا الأخلاقيات أو المسؤولية الشخصية». ومع ذلك، يجمع الخبراء على أننا بحاجة إلى القبول بالهاكرز وبأن القرصنة لن تختفي أبدًا، لكن ذلك لا يعني وقف القتال. يقول كوب: «سيكون هناك دائمًا فصل من القرصنة الإجرامية، لكن من الممكن تحسين السلوك البشري. على سبيل المثال، معدّلات الجريمة في أميركا والمملكة المتحدة اليوم أقل بكثير مما كانت عليه قبل 25 عامًا، لا لأن جميع المجرمين قد أصبحوا على الإنترنت». عندما يكون التشخيص شاملًا باعتبارها قضية عالمية مثل الجريمة السيبرانية، تكون العلاجات بعيدة المنال. بالنسبة لديفيد إمس في كاسبيرسكي، هي قضية تعليم. «الهجمات السيبرانية تعتمد في كثير من الأحيان على البشر وأخطائهم، لذلك يمكن للشركات الكبيرة أن تقطع شوطًا كبيرًا في التعامل مع المشكل من خلال التركيز بكثافة على ثقافة الوعي وتطوير التعليم»، ويضيف: «إنها مثل الأبوة والأمومة، لا يمكنك أن تلزم أبناءك بالقيام بعمل ما مرة واحدة، وأن تتوقّع أنهم لن يكرروا ذلك مجددًا. إنه مسار طويل».

ومع ذلك، الثغرات موجودة وبشكل خطير بالتأكيد. يقول كوب: «أعتقد أن شركات التكنولوجيا الكبرى تحتاج إلى التأمل لتدرك أن أرباحها المستقبلية معرضة لخطر كبير إذا لم تحسن الأمن السيبراني في جميع المجالات»، وأضاف: «هناك شركات تقنية ضخمة تملك المليارات نقدًا، وأود أن أقول: إن جزءًا من تلك الأموال مصدره الربح السهل الذي قمنا به حتى الآن». ولكن هذا لا يعني أن المشهد برمته مأساوي وقاتم. ويقول هارلي: ستتحوّل المسألة إلى أسطورة تمجيد إن لخّصنا المشكل في «هاكرز عبقريين مقابل شركات أمنية متثاقلة»، لكن إذا اعتبرنا أن الهاكرز مجرمون عاديون وجب الاحتراس منهم بالطريقة نفسها، فليس هناك سبب لأن يخفق المجتمع، بما في ذلك عامة الناس، ووسائل الإعلام والشركات والحكومات، في الإبقاء على الجريمة السيبرانية تحت السيطرة.

المصدر: مجلة BBC Focus، صيف 2017.

*كريس هول- صحافي متخصص في العلوم والتكنولوجي

مكاوي سعيد.. كتابة الاغتراب في الرواية المصرية

مكاوي سعيد.. كتابة الاغتراب في الرواية المصرية

مكاوي سعيد

 رضا عطية – ناقد مصري

عملت الكتابات السردية للمصري مكاوي سعيد (يوليو 1956 ــ ديسمبر 2017م) سواء في الرواية أو القصة على سرد حياة الذات في الفضاء المديني، وتمثيل إغراباتها وأحلامها وإخفاقاتها فيه، كذلك تجسد كتاباته السردية قلق الذات بالمكان ورحيلها وعدم استقرارها بين الأماكن، وكذلك اضطراب علاقة الذات بالآخر، بغيرها من الشخوص؛ إذ تنقل أعماله السردية حالة الاغتراب واللاانتماء التي تعيشها الذات في عالمها وتحسها إزاء الآخرين، مهما كانت لها من بعض علاقات صداقة أو ألفة بشخوص ما أو أماكن ما، تظل الذات تائهة في عالمها، تشعر بشتات مزمن فيه. الغالب على شخوص مكاوي سعيد الرئيسية وأصواته السردية المركزية أنها تنتمي إلى شريحة المثقفين من الطبقة الوسطى اجتماعيًّا الذين يمثلون وعي المجتمع النابض ومراياه في رصد التحولات التاريخية والتغيرات السوسيوثقافية، التي لحقت بالمجتمع وغيرت ملامحه حد أن نسخت شخصيته الجمعية.

يغلب على الذوات اللائي يقدمهن في سرده أنهن ذوات إشكالية يحملن وعيًا محبطًا، مثلما كانت حال بطله في روايته «تغريدة البجعة». تمثّل الشخصية الرئيسية في «تغريدة البجعة» – كما هو غالب في رواياته ومعظم قصصه- لجيل الإحلام المجهضة والأماني المحبطة، ذلك الجيل الذي صُدِم بعصر الانفتاح الساداتي ومعاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، الجيل الذي انعكس شعوره بالإحباط مكتويًا بنار واقع سياسي يرفضه وتراجع اقتصادي قومي على إحساسه الذاتي بفشل المشاريع الحياتية لأفراد هذا الجيل، ما أثقله بشعور استسلامي راضخ إزاء الإحساس بالهزيمة التي أثقلت كاهله. وفيما يتبدى أنّ ثمة نزعة غنائية تطغى على سرد مكاوي سعيد، حيث صوت مفرد يغني حالته الشعورية ويطرح مواجده ومكابداته في نزوع بوحي، كما يحضر ضمير المتكلم، الضمير السردي الأول، بشكل طاغٍ في سرده، لتُمسي حكاياته التي تبثّها أصوات سرده كشهادات تحمل سمات كتابة الاعتراف، كما يستحوز الفعل الماضي على النصيب الأكبر من زمن السرد لديه، رُبما لأنّ عملية السرد تريد أن تقف بساردها ومتلقيها على مسافة زمنية من زمن الحكاية التي يتم بثها عبر السرد، في تثبيت للحظة ما أو مجموعة لحظات ومشاهد أو لإصدار حكم ما على تجربةٍ انتهت الذات الساردة منها.

اللاانتماء

في تمثل الذات للعالم، الموضوع الحاضر في وعيها -في كتابات مكاوي سعيد السردية- نجدنا إزاء ذات تشعر باغتراب متفاقم ولا انتماء مُؤكَّد تجاه عالمها الذي تشعر بأنّه يلفظها حد العداء، كما في «تغريدة البجعة». تبدو الذات في تمثلها أحداث العالم واستيعاب أفعاله المحايدة مسكونة بشعور معاداة العالم لها، شعور اغترابي وإحساس ما بتآمر أشياء العالم ضدها وتربصها بها، لتستحيل الذات قنصًا أو هدفًا للعالم للإيقاع بها وسحقها. ويلازم إحساسَ الذات بمعاداة العالم ومحاصرته لها إحساسٌ آخر بافتقادها البيت. من علامات الاغتراب في سرده أنّه يساكن معظم الذوات شعورٌ بافتقاد البيت والإحساس بالبيتية، فلا ألفة تنشأ بين الذات والبيت الذي تسكنه، ما يعني افتقاد الذوات الشعور بالخصوصية والأمان اللذين يَسِمان البيت. ومن تبديات الشعور بالاغتراب الذي ينقله لنا سرده ضيق الذوات بالتكنولوجيا والتقدُّم التقني في هذا العالم وخصوصًا عند الغياب عن الوطن والرحيل عنه للعمل وكسب العيش. كأنّ الذات في إحساسها بأثر التقدّم التكنولوجي للمعيشة عليها تضيق بهذا التقدّم التقني؛ إذ تعمل التكنولوجيا وفقًا للتصوُّر الماركوزي على تسطيح الإنسان ومفاقمة اغترابه، مثلما طرح هربرت ماركوزه في «إنسان البعد الواحد» فكرة أنّ التطوُّر الآلي والتقني يعمل على إفقاد الإنسان الشعور بإنسانيته كما تعمل التكنولوجيا على إخماد شعور الإنسان بالتمايز والاختلافات والفوارق ما يضاعف من إحساس الإنسان بالاغتراب الوجودي.

يبدو موقف الذات من العالم وإدراكها لوجودها في هذا العالم وموقعها منه أمرًا مهمًّا في تبيُّن رؤية الذات الوجودية في إحساسها بالعالم وتمثُّلها له، وفي سرد مكاوي سعيد يبدو أنّ للذوات وضعًا خاصًّا في إدراكهن العالم. في سرده تنحو الصورة المشهدية -في الأغلب- إلى تصوير الذات الإنسانية في مواجهة الطبيعة والعالم على هيئة أعزل، وحيد يجابه عنف الطبيعة الذي هو رمز مادي لعنف الوجود وقسوته وعصفه بالذات، ولكنّ المفارقة تبدو -هنا- في تمثيل علاقة الذات بالموضوع، العالم، وتمثُّل التفاعل الحاصل بينهما، بتصوير الذات كمركز يتَّسم بثبات ما بينهما يبدو العالم، الموضوع، هو الذي يمارس حركة ما باتجاه هذه الذات، حيث يقترب الميدان الفسيح المغمور بالأضواء الكابية من الذات، فتقلب الصورة اتجاهية الحركة من الموضوع إلى الذات بعكس منطق الواقع فيما يعكس مركزية الذات في تصورها العالم وإحاطته بها. وتتبدى عناية كتابة مكاوي سعيد السردية في وصفها العالم والتقاط أشيائه الصغيرة ورصد حركاتها ولفتاتها الدقيقة. وتعمل الصياغة السردية في كتابته على تذويت العالم؛ إذ تعمل الذات في تَمثُّلها العالم موضوعًا لإدراكها على إسقاط تمثُّلاتها النفسية على أشياء العالم، فما الأغصان المتهاوية الموسومة بالعجز والخيبة إلا انعكاس وتمثيل للذات نفسها التي تشعر بالعجز والضعف في مواجهتها العالم، فتعكس ذلك على موضوعاتها المُدرَكة، وهو ما يؤكده توقع الذات حصول انهيار ما، فالشعور بعنف العالم يثقل بوطأته وعي الذات بهذا العالم وبأشيائه.

مأساة أطفال الشوارع

مع عناية كتابة مكاوي سعيد بالمهمشين والمارقين فإن «تغريدة البجعة» قد قدمت مأساة أطفال الشوارع في مدينة القاهرة، هذه الفئة التي تمثُّل شريحة مجتمعية وظاهرة بارزة بوصفها ملمحًا من ملامح التحولات الاجتماعية التي طالت المجتمع المصري في العقود الثلاثة الأخيرة. وتتبدى المأساة التي تجسدها «تغريدة البجعة» في فقدان الإنسان إنسانيته وسلبه إياها منذ طفولته وحداثة وعيه بالحياة، فقد أمسى الفرد مجرد رقم بين آخرين في تجلٍّ باد لاغتراب الذات الإنسانية. كذلك يعمل السرد على كشف الجيوب الخبيئة للمدينة وتمثيل عوالم المهمشين والمارقين والمتمردين والتمزُّق والتفسُّخ الاجتماعي الحاصل في بنية المجتمع. الحقيقة أنّ الراحل الذي كان يبدو منذ روايته الأولى «فئران السفينة»، معنيًّا في كتابته السردية بالتفاصيل الدقيقة التي تُشكِّل مشهد السرد. إذ يبدو السرد عند مكاوي سعيد الذي يسعى في حكاياته إلى المراوحة بين الأمكنة وبيان شخصيتها، سينمائيًّا في بث الحكاية بعناية السارد على مشهدة الأحداث ونثر التفاصيل الدقيقة والحركات الصغيرة؛ مما يجعل للسرد إيقاعًا مدققًا في رصد العالم وبث أحداثه. كما يكثر في السرد لديه حضور الأشخاص المجهلين والعابرين والفواعل الثانويين؛ مما يضفي على سرده سمتًا من الواقعية ويمنحه قدرًا من الثراء المشهدي.

كما يتسم السرد لديه -مع كلاسيكيته- بتشجُّر بنية الحكي وتعدد مسارات السرد لتعدد الحكايات التي تتفرع عن البناء السردي؛ ففي «تغريدة البجعة» ثمة أكثر من خط سردي وأكثر من حكاية يرويها السارد، كحكايته مع زينب، وحكايته مع «مارشا»، وحكاية «يوسف حلمي» مدير الإنتاج السينمائي، وحكاية «كريم» ورفاقه من أطفال الشوارع، وفي رواية «أن تحبك جيهان» تبرز تقنية الأصوات المتعددة بتأسيس الحكاية على رواة ثلاثة، ومع تعدد مسارات السرد نجد أن ثمة تقاطعات، تربط أوصال الحكاية، تتمثل في وعي ساردها الرئيسي وعلاقاته المتشعبة بأطرافها.

خريف باريس

خريف باريس

 محمد بنيس – شاعر وناقد مغربي

علينا ألا نستسلم لهذا الخراب الذي يحاصر العالم العربي؛ إرهاب ديني متعدد الأشكال، تدمير الشعوب والبلدان، انغلاق في العلاقة مع الآخر المختلف دينيًّا وحضاريًّا، تراجع الثقافة عن مكانتها، إنكار ما كنا وما سنكون. نعم، بكل صرامة علينا أن نغضب على أنفسنا المتهاوية، ونتوجه نحو ما نظن أنه الممكن للبقاء على قيد الحياة. بهذا أغالب اليأس الذي أكاد أعثر في كل المناحي على ما يبرره. شيء من الغضَب، ثم خطوة ثانية نحو العالم. أشاهد وأقرأ وأنصت.

ما الفرق بين العالم والمكتبة؟ سؤالٌ ليس هيّـنًا، وهو يغري بقليل من الصمت. في المكتبة تكمن أسرار لا تتكشّف لك إلا بعد أن تتعلم آدابها. وهي تمنحك اليوم، كما منحتك من قبل، ما يساعدك على الجلوس في ركن، أنت تختاره، وتنظر إلى نفسك، ومن نفسك إلى العالم من حولك. مكتبتك التي بنيْتَها عبر سنوات من الشغف بالقراءة والسؤال هي دليلك الأول. مكتبة اقتنيت عناوينها من مكتبات مختلفة، من داخل بلدك ومن خارجه. ويفتح لك السفر إلى مناطق مخصوصة في العالم أبواب مكتبات عامة وخاصة، تضاعف من رغبتك في القراءة والإقبال على عوالم المعرفة والإبداع، من زاوية لم تكن تخطر على بالك.

بهذا أقنعت نفسي وأنا أتوجه إلى باريس في خريفها. لم أعذّبْها بالتخلص من شيء لا يمكن التخلص منه، بل رغبت في أن أسمح لها بأن تتنفس قليلًا من الهواء النازل من أعالي النفوس المبدعة. هواء في كوْن تعودتُ على زيارته منذ شبابي، وما زلتُ وفيًّا له حتى اليوم، وأنا على طريق الشيخوخة. هناك جهات في العالم لا عمر لها، نصاحبها عبر جميع فترات الحياة، وتظل هي نفسها. تظل ضرورة للمعرفة والتأمل والحوار. ذلك هو شأني مع عدة مدن في العالم، وباريس في مقدمتها.

نهاية خريف في باريس. كنت أحس برجّة عاتية ترفعني وتلقي بي في الأمكنة التي أحب أن أزورها. لا يمكن أن نزور مدينة بكاملها، هذا مستحيل؛ لذا نختار جوانب من المدينة، نختار شوارع، متاحف، مكتبات، قاعات للعروض السينمائية أو المسرحية أو الموسيقية. نختار حدائق ومطاعم ومقاهي وحانات. باريس توفر إمكانية الاختيار، مثلما هي لندن، أو نيويورك، أو مدريد، أو برلين، أو طوكيو. مدن تجسد مفهوم المدينة، حيث تجمع عمارتها بين الجمال والمنفعة والمتعة. باريس اليوم تخبرني بأن باريس التي عرفت في الستينيات شملتها تحولات عديدة، لكنها تظل مدينة الحضارة الغربية في عصرها الحديث.

* * *

أول ما كان يشدني إلى خريف باريس هو النشاط الثقافي الذي يطبع هذا الفصل من فصول السنة. خريف باريس هو بامتياز فصل الكتاب، أو ما يعرف بالدخول الثقافي. منذ نهاية أغسطس تشرع دور النشر في إصدار عناوينها الجديدة. ومع أكتوبر يبدأ انتظار الإعلان عن الجوائز. جائزة نوبل في شهر أكتوبر. واجهات المكتبات يملؤها العمل الأدبي الفائز بالجائزة، وإلى جانبه أعمال أخرى للفائز، تكون في غالب الأحيان قد صدرت من قبل مترجمة إلى الفرنسية. ومن أكتوبر إلى ديسمبر، تتكاثر التكهنات بالعناوين التي ستفوز بجوائز فرنسية، وفي مقدمتها جائزة الغونكور الشهيرة. سنة بعد أخرى تصبح الجوائز ذات طغيان إعلامي وذات سلطان على عرض الكتب في المكتبات. ومنذ التسعينيات من القرن الماضي لم تعد المكتبات تخفي رغبتها في الاكتفاء بعرض ما هو قابل للبيع بكميات كبيرة. وأنا من بين القراء الذين لا يعبؤون كثيرًا بالجوائز. لباريس ومكتباتها عوالم لا متناهية من الكتب؛ منها ما يصدر في خريف كل سنة، أو خلال شهورها، ومنها ما صدر من قبل ولم يتمكن كثيرون من اقتنائه.

عالم الكتاب عجيب ومدهش. عندما تطأ قدماي مكتبة أنسى بسرعة ما هو خارجها. أتوقف قليلًا لتحية المكتبة، قبل وضع القدم على عتبتها. هكذا احتفلتُ بالمكتبات يوم كان حي السان ميشيل والسان جيرمان يتوفران على مكتبات من أصناف مختلفة. كل واحدة منها تقدم لك في الغالب فرصة التعرف على ما لا تحتفي به مكتبات سواها. الذهاب إلى المكتبات لاقتناء الكتب أجمل ما أغتنمه من السفـر. غالبًا ما أدخل إلى المكتبة وأنا أحمل في يدي ورقة تضم لائحة الكتب التي أبحث عنها. أكون حريصًا على البحث عن هذه اللائحة. لكن الأجمل دائمًا هو أن أعثر، إلى جانب تلك التي أبحث عنها، على عناوين لا أعلم بصدورها أو ضاعت مني فرصة اقتنائها، أو أتوفق في اللقاء بمساعد في المكتبة، ذكي وخبير، يعرف جيدًا طبيعة احتياجات القراء، فيدلني على عناوين مفيدة، وقد تكون أحيانًا ذات أهمية غير اعتيادية.

* * *

تلك المكتبات، التي كانت تملأ الشوارع، أضحت في عهد امتياز السياحة مجرد محلات تجارية لمختلف أنواع السلع. مرة بعد أخرى تتغير الواجهات والمعروضات. وأنا أحافظ على علاقتي بباريس. في هذه السنة، كما في السنوات السابقة، توجهتُ إلى المكتبات التي أفضلها. هي مكتباتي. وأنا متأكد من أنها ستوفر لي ما أبحث عنه أو ما أحتاج إليه.

بذلك اليقين أقبلتُ على مكتبات. لكن ما صدمني هذه المرة كان أكثر مما أهداني مفاجآت جميلة. قلتُ، في البدء، لا بدّ لي، من باب الفضول، أن أبحث عن الرواية الفائزة لهذه السنة بجائزة نوبل. أريد أن أراها أولًا. «بقايا النهار» للروائي البريطاني كازو إيشيغورو. أريد أن أراها. هذا يعنيني، قلت في نفسي. فأنا أودّ أن أفهم قليلًا سبب تجنب لجنة نوبل إعطاء الجائزة لكاتب عربي. عندما أقبلتُ على أكثر من مكتبة وجدتُ أن الكتب المعروضة فوق طاولاتها هي التي فازت في شهر ديسمبر بالجوائز الأدبية الفرنسية، فيما هي رواية الفائز بنوبل غير معروضة في المكان المفترض وجودها فيه. فضلتُ ألا أسأل عنها أيَّ مسؤول في المكتبات التي زرتها. وبعد جهد، وتغيير مكان مجموعات الأعمال المعروضة، عثرتُ على رواية كازو، بل عثرتُ على عدد من رواياته.

هذه الحادثة العابرة نبهتني على معنى زيادة تسلط الحس التجاري على السوق الثقافية. مركز المكتبات مخصص للكتب ذات السلطة الآنية. هي وحدها التي تحتكر وجاهة العرض. أما التي مضى على صدورها وقت قصير، حتى لو كانت من صنف جائزة نوبل، فهي محكومة بالانسحاب إلى الخلف، ومن الخلف إلى النسيان فالإهمال. كان واضحًا، منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، أن عمر الكتاب يتقلص شيئًا فشيئًا. لكننا اليوم لسنا فقط أمام هذا النوع من التعامل التجاري الوقح مع الكتاب، بل نعاين الانتقال إلى مرحلة أعلى يتقلص فيها عمر الكتب إلى أقل فترة ممكنة.

* * *

ما الذي سنقوله عن كتب ليس لها قوة المبيعات نفسها؟ قديمًا، كانت قيمة الكتاب تتمثل فيما يأتي به من اجتهاد في مجال معرفي من مجالات العلوم الإنسانية، مثلًا، أو في مجال الإبداع الأدبي. كانت المكتبات تتسابق في عرض كتب الفلاسفة وكتب النقاد الأدبيين وعلماء الاجتماع والتحليل النفسي، إضافة إلى ما كان للشعر من مكانة عليا في العرض وأحيانًا في التقديم. وكان للمسرح ما كان للشعر. أما اليوم فالقيمة، كل القيمة، بدون تقسيط، محفوظة للكتاب الذي يحقق المبيعات العليا. بهذا المعنى نفهم السبب وراء تخصيص زاوية جانبية للدواوين الشعرية. الجديد منها، لدى دور النشر المميزة، يحظى بعرض لمدة قصيرة، ونادرًا ما يصل إلى واجهة المكتبات، التي تفوز بها الأعمال المرشحة لتحقيق أعلى المبيعات.

خريف باريس هو موسم الكتاب في فرنسا. عديدة هي المدن التي تحتفي بالكتاب في الخريف، ربما بطريقة باريس نفسها. لكن ما لا يجب أن أنساه هو هذا التحول الجارف الذي يزيح الكتاب الثقافي عن صدارة الأحداث الثقافية ليحل الكتاب التجاري محله. ثمة عنف في هذا السلوك، الذي لم يعد يبالي بالقيمة الثقافية للكتاب ولا يوليها الاعتبار الذي تستحقه.

عزيز ضياء.. حياة مع الجوع والحب والحرب

عزيز ضياء.. حياة مع الجوع والحب والحرب

 محمد بن عبدالرزاق القشعمي – باحث سعودي

في ليلة 11-12/4/1996م (23-24/11/1416هـ) كنت في ضيافة الأستاذ عزيز ضياء – رحمه الله – في منزله بجدة وعلى مدى ليلتين كنت أسجل معه ضمن برنامج «التاريخ الشفوي» لمكتبة الملك فهد الوطنية الذي بدأته قبل سنة، وكان برفقتي الصديقان عبدالسلام الوايل ومحمد زايد الألمعي.

بمجرد أن اتصلت به وعرف أنني في جدة رحَّب بي وبمشروعي، وحدد الموعد بعد مغرب اليوم التالي. ذكرته بلقائنا قبل ثلاث سنوات بالرياض بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة، وهو مشاركته وحضوره الأخير للمهرجان، وفي العام التالي عندما دعاه النادي الأدبي بالرياض لإلقاء محاضرة عن «الحرية» وعاد لجدة ليلة افتتاح المهرجان الوطني للتراث والثقافة التالي بالرياض، من دون أن يدعى له كالمعتاد. وذكرته أيضًا بلقاء جمع بعض الأدباء بمنزل الأستاذ صالح الصالح، وكان ضمن الحضور الشاعر محمد العلي، وكان الحديث بينهما مسيطرًا على المجلس، وكان العلي يذكره بما سبق في إحدى مناسبات الجنادرية وهما في ضيافة سمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – الملك فيما بعد، لتناول طعام الغداء، وكما جرت العادة أن تلقى بعض الكلمات والقصائد في حفل الاستقبال الذي يسبق طعام الغداء، وأن أحد المدعوين من المغرب العربي بدأ الكلام مشيدًا بما شاهده من نهضة عمرانية حضارية تدعو للعجب ومن واقع مشرق شاهده ولمسه، واستمر في المديح والإطراء. وبعد نهاية كلمته استأذن عزيز ضياء بطلب الكلمة وأذن له، فشكر المتحدث والأمير والحضور، وشكر المهرجان وما يقوم به من دور حيوي ثقافي جمع أبناء العروبة من مشرقها إلى مغربها، إضافة إلى بعض المهتمين من الدول الغربية وقال: «إن هذا المهرجان لهو المنبر الثقافي الحقيقي الذي يستطيع المواطن أن يعبر فيه عما يجيش في نفسه وما يحلم أن يرتقي به للمستقبل». وقلتَ: إن هذا لا يكفي، وإن المواطن يريد أن يشعر بالحرية حتى يرتقي بتفكيره ويحقق ما يطمح إليه.. وبعد نهاية التعليق صفَّق لكَ الكثير وتبعك محمد العلي وأنتما في طريقكما لسفرة الطعام، وقال لك: أتمنى أن تموت الآن! فرددت عليه قائلًا: هذه دعوة صديق.

بدأ يروي قصة حياته وذهاب والده وهو في بطن أمه إلى دول شرق آسيا لجمع تبرعات من الدول الإسلامية؛ لإنشاء جامعة إسلامية بالمدينة المنورة، فانقطعت أخباره حتى الآن. ولد عبدالعزيز بن ضياء الدين بن زاهد في المدينة المنورة عام 1332هـ/ 1914م، وتلقى علومه الأولية بالمدرسة الراقية الهاشمية، وفي عام 1345هـ التحق بمدرسة الصحة بمكة، وبعد سنتين عيِّن كاتبًا لمديرية الصحة العامة، ثم إدارة الأمن.

أهداني الجزأين الأول والثاني من سيرته «حياتي مع الجوع والحب والحرب» التي افتتحها بقوله: «الحياة كالبصلة يقشرها المرء وهو يبكي» وكتب على الجزء الأول: «مع الامتنان وبالغ التقدير إلى الأستاذ محمد القشعمي حفظه الله.. جدة في 23/11/1416هـ، 11/4/1996م». توقيع عزيز ضياء»، الذي أهداه: إلى أمي فاطمة بنت الشيخ أحمد صفا شيخ الطريقة النقشبندية وشيخ حجاج القازاق في روسيا: وأنا أسميهم (فغَّم).

محطات مهمة

وعلى مدى يومين وهو يروي ويتذكر المحطات المهمة في حياته، ومنها: سفره إلى مكة للالتحاق بمدرسة الطب التي اكتشف فيما بعد أنها تخرج ممرضين، فالتحق بالأمن العام كاتبًا، ثم حول إلى السلك العسكري برتبة (مفوض ثالث)، حتى وصل إلى وظيفة نائب مدير الأمن العام لشؤون المباحث والجوازات. وقال: إنه أتى للرياض للسلام على الملك سعود في بداية حكمه، وكان في قصر الناصرية يتحدث مع أمير عسير تركي الأحمد السديري، وإذا برئيس الاستخبارات العامة سعيد كردي يأتي ويؤدي التحية العسكرية المعتادة – لكونه أعلى منه رتبة – قائلًا له: يا بيه يريدونك في (المصمك)، فاعتقد أنهم سيستعينون به للتحقيق مع من استعصى عليهم، وما علم أنه سجين، وكان مأمور المصمك ابن سيف له معرفة به من قبل؛ إذ أرسل له أخاه للعمل كجندي بمكة. وقد علَّمه أبو ضياء مبادئ القراءة والكتابة، فرقِّي من جندي إلى ملازم، فحفظ له هذا المعروف، ولهذا خيره في أفضل الأمكنة في السجن وهي الأبراج – غرف واسعة مميزة عن البقية – وكانت تُعرَف بمَن سَبق أن سُجن بها مثل: برج العنقري، وبرج الأمير مشاري بن عبدالعزيز، والثالث لشيوخ إحدى القبائل.

وهو لا يعرف تهمته، ويتعاطف معه الجندي المكلَّف بخدمته بعد أن علمه القراءة والكتابة وأشركه معه في طبخ وتناول الوجبات. وفي أحد الأيام يفاجئه الجندي بفكرة تهريبه خارج المملكة.. ثم يفرج عنه ويجرد من رتبته العسكرية ووظيفته، فيقرضه محمد سرور الصبان 50 ألف ريال يفتح بها منجرة بمكة وذلك في عام 1374هـ تقريبًا، ويطلب منه تصنيع الأبواب والشبابيك للمباني الحكومية. وبعد مدة يطلب منه مغادرة المملكة مع عائلته، وبعد مدة تعلن السفارة البريطانية، طلبها مذيعًا باللغة العربية ليذيع بإذاعة عموم الهند – عندما كانت الهند مستعمرة لها – وكان بالمصادفة يقرأ مسرحية «هاملت» لشكسبير، فأتى الامتحان في هذا الموضوع، فنجح وذهب مع زوجته أسماء زعرور – أم ضياء – فأصبح يقدم البرامج العربية وزوجته تقدم «ركن المرأة»، وبعد سنتين تأتيه برقية من مدير الأمن العام (مهدي الحكيم) بأن عليه الالتحاق بعمله فورًا، فيعود إلى المملكة ليعمل وكيلًا للأمن العام للمباحث والجوازات والجنسية حتى تقاعده.

نسيت الموضوع ولم أتذكره إلا بعد أكثر من عشرين عامًا على هذا اللقاء، وبخاصة عندما وقع بيدي الجزء الثالث من مذكراته – وللأسف لم يذكر تاريخ صدورها – ففرحت لعلِّي أجد بها ما يجدد ذاكرتي، ولكن وجدته ينهيها بتحويله من وظيفة مدنية إلى السلك العسكري برتبة (مفوض ثالث) في حدود عام 1347هـ، وقد تنقل في عمله بعد هروبه من مدرسة الصحة بعد أن ضرب الدكتور المتعالي الذي أطلق عليه زملاؤه اسم «أبو رقعة» و«بارم ديله» و«العم شنطف» وهو المسؤول عن قسم مرضى السل الرئوي، الذي يتعامل معه ومع زميله (محمد الأسود) بخشونة ودائمًا يدعوه بـ«يا حمار.. يا مغفل» مما نفره من الدراسة، واتفق مع زميله الأسود على الانتقام منه. وفي اليوم التالي عند حضور الطبيب، كتفه الأسود وقام عزيز بضربه بكل قوة بعصي المكانس وغيرها حتى بدأ يصرخ، فتركاه وهربا، وكانت هذه آخر علاقته بمدرسة التمريض.

اختفى لدى أحد أصدقاء زوج والدته (عبدالعزيز القارئ المصري) الذي كان يسلمه مصروفه الشهري عبارة عن جنيه ذهب يبعثها عمه (زوج والدته) عن طريقه. حتى حضرت والدته من المدينة للحج، فعلم عمه بما حصل له. وكان على علاقة بمحمود بك حمدي مدير مستشفى جياد، وصدر الأمر بتعيين عمه رئيسًا للصيادلة بمكة، وعن طريقه جرى تعيينه بمكتب مدير المستشفى مقيدًا وكاتب آلة.

هدية الملك فيصل والكتابة في «أم القرى»

وعلى ذكر الآلة فقد ربطته علاقة وطيدة بالدكتور خيري القباني مدير المدرسة وأستاذ التشريح، وكان يكتب على الآلة الكاتبة التي يراها عزيز لأول مرة ويبدي إعجابه بها، فطلب منه أن يجرب الكتابة عليها، ولنباهته وسرعة إتقانه فقد اقترح دعوة الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز لزيارة المدرسة، وإقامة مسابقة في الكتابة على الآلة مع من يتقن الكتابة عليها وهم ثلاثة: (شفيق أفندي الإمام) القادم من الشام والكاتب على الآلة في مكتب المدير العام للصحة، والثاني (السيد عيدروس) الكاتب الوحيد بوزارة الخارجية، والثالث عزيز ضياء الطالب بالمدرسة، وعند وصول الأمير راكبًا على حصان – إذ كانت السيارات غير موجودة بمكة – وقد وقف الأمير يراقب المتسابقين ومحمود بك يملي عليهم من ورقة بيده فكانت النتيجة على النحو الآتي:

التلميذ عزيز (52) كلمة في الدقيقة من دون أي خطأ. شفيق أفندي (43) كلمة في الدقيقة مع ثلاثة أخطاء. السيد عيدروس (35) كلمة في الدقيقة من دون أي خطأ.

محمد العلي

فأعجب الأمير فيصل وأشاد به، وأخرج من جيبه ثلاثة جنيهات ذهبية وسلّمها إياه، وقال: هديتك تأتيك غدًا. وفعلًا أرسل له في اليوم التالي (سيكل) وساعة يد، وقد نفعه إتقانه الكتابة على الآلة الكاتبة ليتعين بمستشفى جياد براتب (ستة جنيهات) شهريًّا. وتوثقت علاقته بالدكتور حسني الطاهر الذي سأله عمن قرأ له؟ فقال: إنه قرأ لجبران خليل جبران «العواصف والعواطف»، فدله على المنفلوطي، وفوجئ بعد يومين بمجموعة كتب المنفلوطي يهديها له. وكان لا يوجد بمكة سوى جريدة «أم القرى» فكتب بعض الخواطر، فأرسلها للجريدة ولهذا نجده في ختام الكتاب (ج3) من مذكراته يقول: «ولا أذكر اليوم، كيف شعرت أن قلبي يكاد يقفز من صدري، وأن رأسي قد تضخم فلا يتسع له الغرفة كلها. أن يأتي يوم أرى فيه اسمي منشورًا في جريدة تحت هذه الكلمات التي أعجب بها الدكتور حسني الطاهـر وصديقه الـدكتور مصطفى عبدالخالق – طبيب في التكية المصرية – فذلك حلم لم يسبق قط أن طاف بذهني في صحوٍ أو منام..». فبدأ يقرأ ويكتب. ومن مقيد أوراق إلى مدير مكتب مدير الأمن العام مهدي بك الحكيم، فيقترح فتح مدرسة أو تأسيسها لتخريج ما يحتاجه الأمن العام من ضباط. فيوافق مهدي على اقتراحه، وتكون (مدرسة الشرطة) طلابها من الموظفين المعينين كتابًا برواتب جنود وتلاميذ دار الأيتام الذين أنهوا دراستهم الابتدائية ويتقاضون رواتب جنود. فتُفتَح المدرسة ويتولى التدريس بها الضباط، ومقرها في (القاووش) القاعة الواسعة بمبنى الأمن العام الذي يتسع لأكثر من خمسين طالبًا، واتفق مع نجار لصنع المقاعد والسبورة.

عبدالله مناع

فينتقل عمله للمدينة للعمل مع الشيخ يوسف بصراوي مدير القسم العدلي لبضعة أشهر ليفاجأ ببرقية من مدير الأمن العام يطالبه بعودته لمكة، ويُصدر أمرًا بنقله للسلك العسكري برتبة (مفوض ثالث) وقال: «لا بد أن ترتدي (البدلة) وسوف تستلم من يوسف جمال (القايش) والمسدس، وسيقوم بتدريبك على الحركات العسكرية». وقال في ختام الجزء الثالث من حياته: «وهكذا بدأت مسيرة مستقبلي الطويل في الشرطة..». وقال ضمن ما قال: إنه وقتها لا يوجد سيارة ولا راديو.. ولعدم وجود تواريخ توضح متى طبعت هذه الأجزاء الثلاثة من مذكراته، حتى تواريخ تلك الأحداث، إلا أنها تجري بين سنتي (1345 و1348هـ)، و(1926 و1929م) قبل توحيد المملكة بسنوات.

مترجم ومذيع ورئيس تحرير

عبدالسلام الوايل

قلت له عندما أهداني الجزأين الأولين من «حياتي مع الجوع والحب والحرب» وعرفت أنهما مقتصرَينِ على طفولته المبكرة وذكرياته عند سفره مع والدته وجمع من أهالي المدينة للشام ضمن حملة «سفر برلك» التي هجرهم لها فخري باشا ممثل الحكومة التركية عند حصار الأشراف لها عند إعلان الحسين بن علي الثورة العربية الكبرى في منتصف ثلاثينيات القرن الهجري الماضي. قلت له: «إنك الآن على أبواب التسعين من عمرك المديد ولم تستكمل مذكراتك، أو على الأقل المحطات المهمة من حياتك». فقال: «إن ابني يسجل ذلك بالفيديو ولعله يكتبها بعدي». والآن وقد مضى أكثر من عشرين عامًا على وفاته – رحمه الله – صدر في أثنائها الجزء الثالث منها الذي انتهى بدخوله السلك العسكري في حدود عام 1348هـ 1929م وكل حياته كانت حافلة بالعلم والعمل. ولهذا اضطر إلى الاستعانة ببعض ما كتبه الدكتور علي جواد الطاهر في معجم المطبوعات، «… دخل معترك الحياة في وظائف الحكومة في سن مبكرة، وتقلب في عدة مناصب، كان من بينها مدير مكتب مراقبة الأجانب، ثم وكيل للأمن العام للمباحث والجوازات والجنسية… يجيد الإنجليزية والفرنسية والتركية، كان من أوائل من كتبوا في جريدة «صوت الحجاز» عند صدورها لأول مرة. هو واحد من الرواد.. فكرًا وأدبًا ويعتبر من أفضل النقاد السعوديين… وفي عام 1384هـ تولى رئاسة تحرير جريدة المدينة المنورة لمدة 40 يومًا… حاول أن يدرس في القاهرة وبيروت فلم يتهيأ له أن ينهي دراسته، وعاد إلى المملكة ليعيَّن في الشرطة رئيسًا لقسم التنفيذ، ثم عندما تأسست وزارة الدفاع التحق بها، ثم مديرًا عامًا للخطوط الجوية.

محمد زايد الألمعي

ونتيجة لخلاف بينه وبين مسؤول آخر فُصل وسار إلى القاهرة، وبعد إقامته سنتين تقريبًا التحق بوظيفة مذيع مترجم في إذاعات الهند في دلهي، وبعد أن قضى سنتين تقريبًا استدعته الحكومة برقيًّا ليشغل وظيفة مدير مكتب مراقبة الأجانب، ثم صدر الأمر بتعيينه وكيلًا للأمن العام للمباحث والجنسية… ثم انقطع للكتابة والتأليف والترجمة. وكتب للإذاعة والتلفزيون. وهو أول من أصدر جريدة عكاظ أسبوعية بامتياز الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار. وقال: إنه ترجم «عهد الصبا» لإسحاق الدقس و«النجم الفريد» وقصص سومرست موم، ثم «جسور إلى القمة»، وقصص من طاغور.. ويسهم جادًّا مع تهامة فيما تصدر من كتب الأطفال، وينقل لها عن الإنجليزية مجموعة حكايات. ومعروف معلقًا سياسيًّا، وفيه والكلام سنة 1984م: أن له تسعة كتب مطبوعة وخمسة عشر تحت الطبع…». وهو يودعني في نهاية لقائي الثاني معه 24/11/1416هـ سألني: من ستقابل غدًا؟ قلت: عابد خزندار.. فقال: هناك من هو أهم منه.. هناك والده فلا يفوتك فلديه معلومات مهمة.. فاستغربت لعدم سماعي به، فقلت: أما زال على قيد الحياة؟.. قال: ستجده أقوى من ابنه عابد.. وهكذا كان.

علمت بعد سنة أن عزيز ضياء غادر الولايات المتحدة للاستشفاء ولم يمكث سوى أيام، فسمعت بوفاته رحمه الله. فقال الدكتور عبدالله مناع وهو يرثيه: إنه رغم تقدم سنه إلا أنه يسهر إلى الثانية ليلًا ويصحو مبكرًا؛ ليتناول فطوره في الثامنة صباحًا. ولا يشاركه الفطور سوى قطة أليفة مؤدبة يوضع لها ملعقة وشوكة مثل ما يوضع له، وتجلس على الكرسي المقابل له بكل أدب لتتناول الفطور معه.

زهر وأشواك

زهر وأشواك

 رابندرانات طاغور – شاعر وفيلسوف هندي        ترجمة: رياض نسيم – مترجم يمني

كسلًا مطمئنًّا

يستلقي الريش على التراب

وقد نسي سماءه.

٭٭٭

الزهرة الفريدة

لا تحتاج أن تحسد الأشواك العديدة.

٭٭٭

لَشدَّ ما يقاسي العالم 

من طغيان النوايا الحسنة.

٭٭٭

ننال الحرية بعد أن ندفع الثمن كاملًا

من أجل حقنا في الحياة.

٭٭٭

هداياك البسيطة العفوية،

أشبه بشُهب ليلة خريفية،

تشعل نار العاطفة في أعماقي.

٭٭٭

الإيمان الكامن في قلب البذرة

يَعِدُ بمعجزة حياةٍ

آتية لا محالة.

٭٭٭

مترددًا يقفُ الربيع على باب الشتاء

فتهب إليه زهرة المانجو

قبل أوانها وتلقى حتفها.

٭٭٭

العالم هو الزَّبَد المتغير دومًا

الطافي على بحر الصمت.

٭٭٭

تسكعتُ في طريقي إليك

حتى فَقَدَتْ شجرة كرزك برعمها

لكن زهرة الأضاليا، يا حبيبتي،

جلبتْ لي غفرانك.

٭٭٭

بُرعمُ رمانتك الصغير الخجول

المتورد الخدين اليومَ خلف خماره

سيتفتح غدًا زهرة مشبوبة

وقد صرتُ بعيدًا.

*رابندرانات طاغور، شاعر وفيلسوف هندي

الجوائز الثقافية.. بين مضار السياسة وأزمة الشرعية

الجوائز الثقافية.. بين مضار السياسة وأزمة الشرعية

 محمد اليحيائي – كاتب عماني

شكلت الجوائز الثقافية في العالم العربي ظاهرة خلال العقود الثلاثة الماضية، وبدا أن ثمة قدرًا من التنافس الإيجابي بين المؤسسات العربية، الحكومية والخاصة، على إطلاق جوائز تُعنى بالإنتاج الثقافي، والإبداع الأدبي والفني، وتسعى إلى دعم وتشجيع المبدعين في حقول الثقافة والمعرفة والآداب، والتعريف بهم وبإنتاجهم، على مستوى حركتي النشر والقراءة في العالم العربي، وعلى مستوى ترجمة الإنتاج الأدبي العربي إلى لغات عالمية، حتى يكاد لا يخلو بلد عربي اليوم من جائزة أو أكثر تُمنح سنويًّا.

دول الخليج العربية لديها تاريخُها في إنشاء الجوائز التي تعنى بجوانب الإبداع المختلفة، بل إن هذه الدول تحتضن بعضًا من بين أقدم الجوائز الثقافية، وأكثرها حضورًا وتأثيرًا، وأكبرها حجمًا من حيث القيمة المادية؛ مثل: جائزة الملك فيصل العالمية التي أُنشئت عام ١٩٧٩م، وجائزة الكويت للتقدم العلمي التي أنشئت أيضًا عام ١٩٧٩م، وجائزة سلطان العويس (١٩٨٧م)، وجائزة الشيخ زايد للكتاب (2006م)، والجائزة العالمية للرواية العربية التي تمولها هيئة السياحة والثقافة في أبوظبي (٢٠٠٧م)، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب (٢٠١١م). هذا إلى جوار جوائز أخرى محلية، مثل تلك التي تمنحها جمعيات واتحادات الكتاب والجامعات.

غير أن الخليج في جوائزه (مثلما هو في مكونه الثقافي والتاريخي والحضاري) ليس واحدًا، فهذه المبادرات، على أهميتها، وأهمية دورها وأثرها، بها بعض الاختلافات، وتعتورها بعض الإخفاقات التي لم تتمكن المؤسسات والهيئات التي تُشرف عليها من معالجتها أو تجاوزها، على الأقل حتى الآن.

يُمكن تلخيص هذه الاختلافات والإخفاقات في أمرين: الأول- أن بعض هذه الجوائز لم تتجه إلى اكتشاف وتقديم، أو تكريس أسماء جديدة، أو أسماء لم تكن معروفة ومُكرسة في حقول الإبداع الثقافي (الأدبي والفني) المختلفة، باستثناء الجائزة العالمية للرواية العربية التي قدمت في السنوات الأخيرة أسماءً لم تكن معروفة ومُكرسة عربيًّا مثل الروائيين؛ الكويتي سعود السنعوسي، والعراقي أحمد السعداوي. على العكس من ذلك سعت هذه الجوائز، وبعضها لا يزال، إلى تكريس المُكرس من الأسماء بهدف إيجاد شرعية للجائزة من خلال المكانة الأدبية لمن تَمنح الجائزةُ نفسها لهم.

والثاني: هو عدم قدرة هذه الجوائز، أو الجهات والمؤسسات التي ترعاها، على التسامي فوق الخلافات بين الدول. فحتى الجوائز التي تصدر عن مؤسسات أهلية، أو مدنية، أو التي تمولها هيئات خيرية أو عوائل تجارية، لم تتمكن من البقاء في منطقتها الثقافية بما تعنيه من الوقوف على الحياد، وتجنب الاصطفاف وتجاوز الخلافات أو حتى المواقف السياسية (وبعض تلك المواقف تسقط، بوعي من القائمين على الجوائز أو من دونه، في الرطانة الوطنية) فيبدو الثقافي والإبداعي، مع هذه الرطانة، هامشيًّا أو تفصيلًا صغيرًا.

ولعلنا، في هذا السياق، نتذكر تلك الضجة التي أثارتها مواقف الشاعر العراقي سعدي يوسف من سياسة دولة الإمارات، بُعيد الغزو الأميركي للعراق في عام ٢٠٠٣م – وهي مواقف، قد يبدو رفضها وانتقادها مشروعًا. وكان سعدي يوسف قد مُنح عام ١٩٩٠م جائزة سلطان العويس في مجال الشعر. وإذا كانت مواقف الشاعر العراقي بدت مُستهجنة ومرفوضة، وكاتب هذه السطور مِن بين مَن أعلن رفضه لما كتبه سعدي يوسف حينها، فإن موقف الجائزة منها كشف ضيق المسافة بين الخاص والرسمي في هذه المنطقة، عندما قررت مؤسسة سلطان العويس الثقافية (وهي مؤسسة أهلية لا حكومية تحمل اسم الشاعر ورجل الأعمال الإماراتي الراحل سلطان العويس) سحب الجائزة من الشاعر العراقي التي كان مضى على منحها إياه أكثر من ثلاثة عشر عامًا، وشطب اسمه من قائمة الحاصلين عليها، وهو موقف سياسي لجائزة ثقافية، يتعارض من حيث المبدأ مع بيان منح الشاعر للجائزة «تقديرًا لريادته الشعرية ولدوره الإبداعي في النهوض بالقصيدة العربية الحديثة». فريادة سعدي يوسف الشعرية، ودوره الإبداعي باقيان، بصرف النظر عن مواقفه السياسية.

كما أن خلافات أهل السياسة لا تزال تلاحق، وإن بصورة أقل رطانة وتشنجًا، الجائزة العالمية للرواية العربية؛ التي تُعرف خطأً بـ«البوكر العربية»، كل عام تقريبًا، فمرة تُتَّهم بالوقوف ضد سوريا وضد الروائيين السوريين بسبب عدم منحها لأي روائي سوري، مُسايرة – حسب المنتقدين – لمواقف الجهة الممولة للجائزة، ومرة تتهم بالميل إلى بلدان الخليج مسايرة للموقف ذاته، وتارة في إعلانها موقفًا، صُنّف سياسيًّا حيال «الثورة التونسية» بمنحها عام ٢٠١٥م لشكري المبخوت عن روايته الأولى «الطلياني» التي كُتبت حولها ملاحظات نقدية وجيهة. ورغم أن اختلاط وتداخل السياسي بالثقافي في الجوائز الخليجية أمر يصعب تجنبه لطبيعة الدولة الحاضنة لهذه الجوائز، حتى تلك التي تصدر عن مؤسسات غير حكومية؛ لأن معظم هذه الدول لا يؤمن بالاختلاف والتعدد، ويضيق فضاؤه السياسي إلا على من يتفق ويتوافق مع سياسة الدولة ومواقفها وعلاقاتها، بصرف النظر عن صواب تلك المواقف أو خطئها من وجهة النظر الثقافية، ومن ثم فإن مبدأ استقلالية المؤسسة التي تمنح الجائزة مكفول طالما بقيت حركته في مدار الدولة وعلى ذات ألوانها. رغم ذلك، فإن هذه الجوائز غير معفية من محاولة العمل على خلق هامش ضروري من استقلالية قراراتها ومواقفها.

جوائز غير ملتزمة

غير أن الإخفاق الأول هو ما يجدر مناقشته أكثر؛ لأن هذه الجوائز وحدها تتحمل المسؤولية فيه، أو كان بمقدورها تجنب الوقوع فيه، ووحدها قادرة على معالجته، ذلك أن معظم هذه الجوائز لم تُخلص للمبدأ الذي تدّعي التزامه؛ وهو أن قراراتها في اختيار أسماء الفائزين أو الممنوحين الجائزة، تخضع فقط للقواعد الفنية والعلمية الحاكمة، أو تلك التي يتضمنها دستور الجائزة، ولا يتدخل في القرار، لا مجالس أمناء ولا مجالس إدارة ولا الهيئات الممولة، ولا الميول والذائقة الخاصة لأعضاء لجان التحكيم. توجد استثناءات لجوائز خليجية ذات ضوابط وتقاليد مؤسسية راسخة مثل: جائزة الكويت للتقدم العلمي، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب. وهذه الأخيرة قد تقع في المُشكلة نفسها التي تعانيها جوائز أخرى، ما لم يُسارع إلى مأسستها، على نحو علمي ومهني رصين وصارم، وتدعيم مجلس أمنائها ومنحه الاستقلالية اللازمة عن إدارة المؤسسة الراعية للجائزة.

لقد بدا أن بعض هذه الجوائز «الخليجية» كأنها تعاني عقدة المركز والأطراف، عبر ما بدا من انشغالها في البحث عن شرعية وعن وجود لها قائم على مركزية الأسماء الأدبية والثقافية، لا على مبدأ الإبداع ومعايير الاختيار. ونبقى في المثالين السابقين –للتمثيل فحسب– فجائزة سلطان العويس التي انطلقت عام ١٩٨٧م لم تهدف، منذ انطلاقتها إلى البحث عن أسماء مبدعين غير معروفة وغير مُكرسة، بل سعت، على العكس من ذلك، إلى «منح نفسها» للمكرس والمشهور من الأسماء، فكان ممن مُنحت لهم شعراء وكتاب كبار مُكرسون، ليس على المستوى العربي فقط، لكن على المستوى العالمي أيضًا؛ مثل: فدوى طوقان، وسعدي يوسف، وعبدالله البردوني، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وصنع الله إبراهيم، وحنا مينا، وزكي نجيب محمود وغيرهم من الأسماء الكبيرة التي لم تُضِف لها جائزة العويس شيئًا سوى المبلغ المالي. وعندما نعود إلى تأمل مرحلة النصف الثاني من الثمانينيات حتى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، ونقارن الحضور الكبير لجائزة العويس بأيامنا هذه، حيث لا يكاد أحد يأتي على ذكرها إلا في مناسبات قليلة، نستطيع تبين الخطأ الذي وقعت فيه الجائزة في محاولة تأسيس الشرعية والحضور والشهرة على أسماء متحققة، عوضًا عن خلق شرعيتها عبر اكتشاف وتكريس أسماء جديدة، سيرتبط تاريخ بروزها باسم الجائزة وتاريخها. الأمر ذاته صاحب الجائزة العالمية للرواية العربية، خصوصًا في دورتيها الأولى والثانية؛ ٢٠٠٨م بمنحها الروائي المصري المعروف بهاء طاهر، و٢٠٠٩م للمصري أيضًا يوسف زيدان. (جائزة كتارا تبدو أنها تعاني المشكلة نفسها، حيث مُنحت في دورتيها الأولى والثانية ٢٠١٦- ٢٠١٧م لروائيين مُكرسين أمثال واسيني الأعرج، وإبراهيم عبدالمجيد، وإبراهيم نصر الله، وإلياس خوري).

العطف على الآخر العربي

إن شعور بعض دول الخليج، أو النخب الثقافية في هذه الدول، خصوصًا تلك التي في مواقع القرار في المؤسسات الراعية لهذه الجوائز، بما يُمكن وصفه «الالتزام القومي الأخلاقي» عبر سعيها إلى «تكريم» الأسماء الإبداعية العربية ماديًّا، هو شعور يحمل ضمنيًّا، في لا وعي هذه النخب على الأغلب، معنيين مُتلازمين: معنى النقص الذاتي لدى هذه النخب من جهة، ومعنى العطف على الآخر العربي، الذي حقق مكانته ولم يعد ينقصه سوى المال من جهة ثانية، وهي حالة تتطلب بحثًا في «السوسيوثقافي» ليس محله هذا المقال.

مؤخرًا دُعيت، ضمن مجموعة من الكتاب والمشتغلين والمهتمين بالشأن الثقافي في عُمان، إلى اجتماع «عصف ذهني» في مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم في العاصمة مسقط. كان هدف إدارة المركز الاستماع إلى آراء المدعوين في البرامج والأنشطة التي ينفذها، ورؤيتهم لتطوير هذه البرامج والأنشطة أو تحسينها، وهي كثيرة ومتنوعة، من ضمنها جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب التي تُمنح سنويًّا في حقول معرفية وإبداعية مختلفة. وقد أثرتُ في الاجتماع الملاحظة نفسها التي لدي عن الجوائز الخليجية الأخرى، متمنّيًا من جائزة السلطان قابوس حديثة السن (أطلقت عام ٢٠١١م) ألا تقع فيما وقعت فيه تلك الجوائز، وأن تحقق شرعيتها وتاريخيتها في اكتشافها وتكريسها وتعريفها بأسماء جديدة، عُمانية وعربية، مع المحافظة على معايير التحكيم العلمية التي تعتمدها أمانة الجائزة، وأن تتجاوز هذه الجائزة التقسيم غير الثقافي وغير المنهجي، في تخصيص دورة للعمانيين وحدهم، ودورة مفتوحة للجميع، العمانيين والعرب. وهو تقسيم قد يُفهم منه أن العمانيين غير قادرين على التنافس مع غيرهم، وهذا غير صحيح، وغير مقبول من الناحية المنهجية لعمل أي جائزة، التي إما أن تكون محلية فقط أو تكون غير محلية. غير أن هذا لا يتحقق إلا إذا كان للجائزة مجلس أمناء، أو هيئة إشراف علمية مُحايدة، تتمتع بالاستقلال في اتخاذ قراراتها، بما في ذلك قرار اختيار أعضاء لجان التحكيم.

لعل ما تحتاجه الجوائز الثقافية في هذه المنطقة، خصوصًا هذه التي تنفتح على الأفق العربي والإنساني، هو روح المؤسسة وتقاليدها، التي تضمن لها الاستقلال والرسوخ والتطور والاستمرار، وأن تتحول إلى مؤسسات أو صناديق «وقف» تضمن بها لنفسها الاستقلال المالي، مقدمة لتحقيق هامش استقلالها عن السياسة واصطفافاتها وعصبياتها الضارة بأي عمل ثقافي.

«خيانة آينشتاين»  محنة العالِم الرحّال في أوطان الآخر الأميركي

«خيانة آينشتاين» محنة العالِم الرحّال في أوطان الآخر الأميركي

إيريك إيمانويل شميث

 رسول محمد رسول – ناقد عراقي

اختار الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي من أصول بلجيكية «إيريك إيمانويل شميت» في مسرحيته «خيانة آينشتاين» لتناول حياة عالِم الفيزياء الألماني الأصل الأميركي والسويسري الجنسية ألبرت آينشتاين (1879 – 1955م)، الذي هرب من جحيم النازية إلى فضاء الحرية الأميركية لكنه صار تحت سطوة عين الرقيب المخابراتي الأميركي الذي وضع آينشتاين ككينونة مُهاجرة غير مريحة في وقت كانت المؤسسات المخابراتية الأميركية على إدراك عال لأهمية هذا الفيزيائي العِلمية التي قد يستغلها الروس لصالحهم ويستخدمون خبراته ضد المعسكر الأميركي الرأسمالي، وكانت تلك الشكوك الفاسدة موضع إزعاج لآينشتاين ذاته لكنه أمسى ذاك الذي لا حول ولا قوة له فهو المهاجر الذي استبدل الرمضاء بالنار رغم أن آينشتاين كان في سنة 1921م قد حصل على جائزة نوبل في الفيزياء، لكن هذا المنجز العِلمي لم يشفع له أمام العين المخابراتية الأميركية التي كانت تلاحقه في مرحلة حرجة قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية بقسوة رغم أنه أبدى إخلاصه العلمي لوطنه البديل.

تتضمن المسرحية ثمانية مشاهد يشترك فيها «آينشتاين» نفسه، وشخص أميركي أسود «المشرَّد»، ومخبر من (FBI) اسمه «أونيل»، وامرأة تدعى «هيلين دوكاس» لم تظهر إلّا في آخر المشهد الختامي بطريقة فجائية غامضة، وتدور أحداثها قبل الحرب العالمية الثانية نحو سنة (1934م) لتستمر بعدها بسنوات في مدينة «نيوجرسي» بالولايات المتحدة الأميركية التي كان يقطنها آينشتاين.

أميركا الرمضاء

قدم «شميت» بطل مسرحيته آينشتاين على أنه ذلك العالِم الألماني القادم إلى الولايات المتحدة الأميركية هربًا من نازية هتلر، آينشتاين اليهودي الأشكنازي أُمًّا عن جد، لكن شميت لم يركِّز على ذلك الأصل العرقي كثيرًا إنما ظل، وفي أثناء المشاهد الثمانية، يحرص على بيان شخصية آينشتاين بوصفها هدفًا تحت رقابة الاستخبارات السرية الأميركية (FBI)، وجعل من شخصية «أونيل» الشخصية التي تضطلع بالمراقبة ليس بعيدًا من شخصية «المتشرِّد» الذي كان يواجه أسئلة من مثل: «هل انتقد آينشتاين الولايات المتحدة؟ هل تحدَّث حديثًا شيوعيًّا؟»، ومن ثم كان الرقيب يخبر المتشرِّد «أن آينشتاين يريد تلويث الولايات المتحدة بنقلهِ سُمّ الشيوعيَّة. إنه خائن يخدم الحمر»، وكذلك يقول له عن الألمان: «إن يهوديتهم تخفي طبيعتهم»، ومن ثم يقول للمتشرِّد: إن آينشتاين «ألماني، والألماني يبقى ألمانيًّا» كما أن ارتباطه «بالولايات المتحدة غير واضح، فهو لم يعلن حبه لوطننا قط». لعلَّ هذه التوضيحات التي ينقلها أونيل إلى المتشرِّد كفيلة بجعل آينشتاين في مراصد دوائر المخابرات الأميركية السرية له وهو الشخص غير العادي من حيث مكانته العلمية ولا سيما نيله لجائزة نوبل، وهو ما يكشف مستوى الرذيلة التي تمارسها هذه الدوائر المخابراتية بإزاء إنسان لاجئ هرب من جحيم النازية العنصرية إلى فضاء بلد يُعرف بالحرية، لكن «شميت»، وفي هذه المسرحية، يسلِّط الأضواء ساطعةً على زيف هذه الحرية التي يُحاصَر فيها العُلماء والمبدعون والمثقفون من دوائر مخابراتية. في أثناء هذه المسرحية يسعى «شميت» إلى استجلاء طبيعة خطاب آينشتاين المفكِّر والعالِم والإنسان، فهذا الأخير يقول للمتشرِّد: «لا ينبغي للرجال أنْ يقتل بعضهم بعضًا»، و«لا أريدُ أن تقع حرب»، وقوله: «أنا أفضِّل المفاوضات والسمو الأخلاقي على الحرب»، وفي معرض حديث المتشرِّد عن إحراق كتب آينشتاين وسط ساحة عامة في وطنه ألمانيا، كان جوابه: «هتلر لن يتمكَّن من إحراق الفكرة؛ لأن الفكرة هي النار نفسها».

لقد كانت هذه هي مبادئ آينشتاين قبل أن يتورَّط ويقترح معرفته النووية على «فرانكلين روزفلت» لصناعة القنبلة الذريَّة، أما بعد انفلاق القنبلة الأميركية الصنع على مدينة «هيروشيما» اليابانية، أخذ يعبِّر عن ندمه، ويبث إلى المتشرِّد شكواه وأفكاره الأخلاقية في لحظة حرجة لم يمر بها في حياته، فهو يعترف له بأن «أميركا ربحت الحرب لكن الإنسانيَّة خسرت السلام، فيا لها من خيانة! أعْددنا القنبلة لمقاومة الألمان وها هو ترومان يلقيها على اليابانيين»؛ ولذلك «تسبب هاري ترومان في أكبر مجزرة في التاريخ» -عندما أمرَ بإلقاء القنبلة الذرية في أغسطس 1945م على مدينة هيروشيما- ويدافع عن نفسه قائلًا للمتشرِّد: «لم أخترع القنبلة النووية، ولم ألهمها؛ لم تكن معادلاتي تقصد الكارثة، كانت أبحاثي نظرياتٍ خالصةً، أعمالًا فيزيائيةً قاعديةً».

وفي الوقت الذي اقترح فيه آينشتاين على «روزفلت» أن هتلر سينتج قنبلة نووية، نراه يندم على ذلك حتى يقول: «أنا لا أحمِّل نفسي شيئًا واحدًا، إني راسلت روزفلت؛ لأني علمتُ أخيرًا أن الألمان لم يكونوا متفوِّقين كما كنّا نعتقد. ولو كنتُ أعلم أن النازيين سيخفقون في صناعة القنبلة النووية، ما كنت لأتكلَّم، كنتُ أجهل أن هتلر ثبط العُلماء متخلِّيًا عن البحث النووي». وفي لحظة ندمٍ يداهم آينشتاين البكاء، فيقول: «لم أفعل شيئًا لكن لن أسامح نفسي». وصار يعتقد، كما قال سابقًا بأن «لغز البشر دنيء»، ليكرر قوله: إن «الشر بشري وليس إلهيًّا. ومن الآن فصاعدًا أصبحت للإنسان الوسائل ليدمِّر نفسه ويفني كُل مظاهر الحياة»، ولاحَ تشاؤمه أكثر عندما قال: «أصبحت نهاية الثقافات المتعدِّدة حروبًا عالميَّة، ومعسكرات للاعتقال، وقنابل نووية وهيدروجينية لم تصْنَع غير الموت». ويعترف للمتشرِّد بأنه أصبح له ضحايا بمئات الآلاف بل الملايين في الغد القادم، ستفوح منها رائحة الجثث المتحلِّلة. وأخذ يجلد نفسه ندمًا بقوله: «أنا أَحَد أكبر المنتجين للنفايات على هذه الأرض»، ولهذا كان يحلُم بذلك اليوم الذي «تتخلَّص فيه البشرية من العنف والخوف.. ويجب تجريد العقول من أسلحتها قبل أن نجرد الجنود من أسلحتهم». لينتهي إلى وصف نفسه بأنه «ملاك طوعي وشيطان على الرغم منه».

غريب الدار

في خضم ذلك، راح يدعو إلى توقيع «نداء للسلام»، وهو ما كان يثير دوائر المخابرات الأميركية حتى إن «أونيل» أوصى إدارته بضرورة الاستمرار في مراقبة هذا النزيل الألماني في الدِّيار الأميركية، وأوصى بأن «يخضع إلى مراقبة عالية، يخضع كُل شيء؛ بريده، نفاياته، مُكالماته، زواره، لا نترك أيَّة تفاصيل جانبًا. لقد بدا هذا الفيزيائي الألماني غريب الدار في نيوجرسي، بدا مهاجرًا يعيش ألم الخديعة التي كرهها؛ بل الغباء الذي تجنبه في حياته فسقط في حبائله حتى إن المتشرِّد صار يقارن نفسه به لينتهي إلى نتيجة مُعاكسة عندما قال لآينشتاين: «في الواقع أنتَ المتشرِّد، وبلا جذور، وبلا هويَّة، والغريب من كُل مكان». لقد اعترف آينشتاين بالخيانة، خيانته للإنسان والإنسانية لا خيانته لألمانيا أو أوربا أو أميركا؛ فقد كان في موضع المغدور به عندما استمع إلى زملائه العُلماء بأن يقترح على سياسيي أميركا وعسكرييها بضرورة صنع قنبلة ذريَّة قبل أن يحوزها هتلر، لكنه لم يكن يعْلم أن هتلر عزف عن صناعة القنبلة، فصار الأمر إلى أميركا التي استخدمتها لا لقتل ألمان هتلر، كما ظن هو غباءً، إنما لقتل اليابانيين ليؤكِّد قوله: «إن أميركا ربحت الحرب لكن الإنسانية خسرت السلام، يا لها من خيانة! أعددنا القنبلة لمقاومة الألمان وها هو ترومان يلقيها على اليابانيين!». لقد صدرت رواية «خيانة آينشتاين» بالفرنسية عام 2014م، ووجدتْ طريقها إلى العربية مؤخرًا بترجمة «سعيد بوكرامي» لتصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب «سلسلة المسرح العالمي/ العدد 388» بالكويت، بمراجعة الدكتورة نادية كامل، وتقديم الدكتور محمد شيحة.

الأدب والحياة قراءة في يوميات فرناندو بيسوا

الأدب والحياة قراءة في يوميات فرناندو بيسوا

فرناندو بيسوا

 صدوق نور الدين – ناقد مغربي

يرسم «أدب اليوميات» صورة عن حياة الكاتب، وبخاصة في الحالات التي يغفل فيها عن تدوين سيرته الذاتية. ويحدث، تحقق الجمع بين الكتابة في أدب السيرة، واليوميات، والمذكرات والرسائل، علمًا بالتقارب أو التجاور الذي يَسِم هذه الأجناس الأدبية -إذا حق- ما دام المنطلق الرئيس تشكيل صورة عن الذات، وأيضًا التفاوت المتمثل في الخاصات التي يتفرد بها كل جنس عن الآخر. فاليوميات التي تهمنا -أساسًا- يتحقق التركيز فيها على مكون الزمن؛ إذ يذهب الباحث الفرنسي «جورج ماي» في كتابه «السيرة الذاتية»، إلى كون مفهوم اليوميات يتحدد في الكتابة يومًا بيوم. واللافت أن من أبرز التجارب الإبداعية في «أدب اليوميات» يوميات: «أناييس نن»، «سلفادور دالي»، «كافكا» و«تشيزاري بافيزي». أمّا عربيًّا فتستوقفنا «يوميات نائب في الأرياف» (توفيق الحكيم)، و«جان جنيه في طنجة» (محمد شكري)، و«خواطر الصباح» (عبدالله العروي)، و«يوميات سرير الموت» (محمد خير الدين)، و«يوميات ميونيخ» (حسونة المصباحي).

نشرت يوميات الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا في عام (2007م) بالبرتغال، وهي اليوميات التي أقدم الشاعر المهدي أخريف على ترجمتها (دار توبقال/2017م)، وكان فيما سبق أسهم في ترجمة كتابه اللافت «اللاطمأنينة» (المركز الثقافي العربي/2015م). ويبدو للمتلقي الحصيف، أن الصوغ الذي أنجز في ضوئه كتاب «اللاطمأنينة» يوحي في قسم بالكتابة اليومياتية التي تتجلى في الرهان على الشذرية وكثافة الاختصار، بعيدًا من سرد التفاصيل.

وتغطي يوميات «فرناندو بيسوا» السنوات من (1906م) إلى (1915م)، علمًا بأنه يحدث ألا يدوّن كاتب اليوميات شيئًا عن سنة؛ إما لعامل النسيان، أو القيمة الممنوحة للحدث. بيد أن ثلاث خاصات وسَمَت هذه المذكرات مثلما ورد في مقدمة المترجم «المهدي أخريف»:

الخاصة الأولى: تتمثل في تشميل اليوميات جوانب دقيقة من حياة بيسوا المبكرة طالت مستواه الدراسي وتكوينه الثقافي.

الخاصة الثانية: كون منجز اليوميات صِيغَ في جانب منه باللغة الإنجليزية: «لقد كتبت أجزاء عديدة من هذه اليوميات بالإنجليزية في الأصل. وهي لغة الدراسة والتكوين في جنوب إفريقيا». (المقدمة).

الخاصة الثالثة: تتمظهر فيما طبع اليوميات من انفتاح وتجاور لأكثر من نوع كتابي: الخطاطات، والملاحظات، والبيوغرافيا والببليوغرافيا. واللافت أن هذا التجاور طالعنا في رسائله التي ظهرت مؤخرًا، والدالة على روافده الثقافية وتعدد حقول الكتابة شبه الموازية لتعدد الأسماء التي كان يحملها، ولئن كان المهيمن الإبداع الشعري. «أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية، مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء، وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون… وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه ذاهلًا من سقطته». (ص/8)

***

ويمكن القول بأن المعنى الذي تعمل هذه اليوميات على إنتاجه يتحكم فيه منطق الزمن من حيث التتابع الموازي -على السواء- لما تعرفه الشخصية من تحولات نفسية وفكرية. من ثم يحق تصنيف مستوياته إلى ما يرتبط بالتكوين، والتثقيف، والإبداع والجانب النفسي والإنساني.

أ ـ التكوين: يحيل عليه الجانب الدراسي، ويتمثل في تنوع واختلاف المواد التي يتحقق دراستها. واللافت أن اليوميات المدونة بصدد هذا المستوى، ترتبط -كما سلف- بالمراحل المبكرة في حياة الشخصية: «سنة دراسية عليا. درس جغرافيا بالإنجليزية». «حضرت درس الفرنسية». «درس في التاريخ رتيب، وإن كان راموس (الأستاذ) مسليًا جدًّا» «درس في فقه اللغة».

ب – التثقيف: ويركز فيه على الجانب الفلسفي قديمه وحديثه، من دون الغفل عن الأدبي. وكأن «بيسوا» في هذا المستوى يعي مطلق الوعي بأن ما يثير عملية التفكير ويخلف قلق السؤال، هو الرهان على المرجعية الفلسفية التي تقتضي توظيف الحس النقدي كتعليق، وإبداء ملاحظات واستخدام في سياق عملية الإنجاز الإبداعي: «لم أذهب إلى الجامعة. كنت في المكتبة أقرأ الأورغانون لأرسطو». «في المكتبة، قرأت ويبر، تاريخ «الفلسفة الأوربية»، و«المدرسة الإيونية»، و«طاليس»، و«أنكسيمندر» و«أنكسيمينيس»: كتاب محكم. دونت ملاحظات». «ما زلت في عطلة. في المكتبة الوطنية بدأت بقراءة «نقد العقل الخالص» في الترجمة الفرنسية لبارني».

ت – الإبداع: يتحدد مفهوم الإبداع لدى بيسوا من خلال هذه اليوميات، في الاعتبار الذي يولي الأهمية للإبداع عن العيش. والأخير يفهم كمطلب جسدي حياتي، من ثم يورد «بيسوا» في هذه اليوميات سيرة الكتابة كنثر (نموذج مجموعة «الباب» المترجمة مؤخرًا).

وأيضًا ككتابة شعرية: «العيش ليس ضروريًّا. الإبداع هو الضروري». «واصلت كتابة «الباب»… ووددت لو كتبت هذا بأسلوب أفضل. لكن قدرتي على الكتابة تلاشت». «بعد عودتي إلى المنزل خططت ليلًا لقصيدتين بالإنجليزية».

إن ما يَسِم مستوى الإبداع، التنوع. وسواء أتعلق بالنثر أو الشعر فلقد تفوق فيهما «بيسوا» بشكل كبير.

ث – الجانب النفسي والإنساني: ونستكشف انطلاقًا منه واقع الشخصية المبدعة ومعاناتها غياب الحب، واهتزاز ثقة الذات، وهو ما قد يتولد عنه التفكير في مصاير ومآلات (قد) تلحق الأثر السلبي على الشخصية: «أنا كائن خجول. لا يروقني إطلاع الآخرين على انشغالاتي».

  «لا محبوبة عندي ولا رفيقة حلوة عدا ما تجود به علي تخيلاتي المحبطة تمامًا في فراغ مطلق»، «بوسع المرء أن يعاني ببذلة حرير نفس ما يعانيه في كيس أو تحت غطاء ممزق»، «لكنني أعاني. أعاني حد الجنون».

***

يتضح مما أقدمنا عليه، أن يوميات فرناندو بيسوا، صورة جد دقيقة عن شخصيته، وبخاصة من حيث التكوين الذي خضعت له، والمؤهل لما غدت عليه من بعد وصيت عالميين. إنها بمثابة صورة عن ثقافة المبدع، والمبدع المثقف، وهو ما يتيح للتلقي النقدي إمكانات استجلاء المرجعيات المعتمدة حال الإنجاز الإبداعي. وهي المرجعيات الجامعة بين الفلسفي والأدبي. ويحق – على السواء – اعتبار هذه اليوميات جزءًا من سيرته، إذا ما ألمحنا للتحديد الزمني (1906/ 1915م). وهو الجزء المستكمل للوارد في رسائله. على أن التحديد السابق يوحي (وهو ما لم تشر إليه المقدمة)، بأن ثمة قسمًا آخر من يومياته لم يعمد إلى ترجمته ونشره. ويمكن القول ختامًا بأن ترجمة هذه اليوميات، يشكل إضافة لأدب اليوميات الذي بدأ يعرف تداولًا موسعًا على مستوى الترجمات الأدبية العربية؛ إذ من الممكن أن يدفع ذلك العديد من الكتاب والمبدعين العرب إلى تدوين يومياتهم في غياب سيرهم الذاتية، أو بالموازاة والسير، وهو ما سيغني هذا الجنس الذي ظل شبه مجهول، اللهم إلّا من التجارب المذكورة سابقًا.

القاهرة منتصف القرن التاسع عشر

القاهرة منتصف القرن التاسع عشر

المؤلف: إدوارد وليم لين

المترجم: أحمد سالم سالم

الناشر:  الدار المصرية اللبنانية

يدفعنا إدوارد وليم لين للعيش في مصر القديمة والتماهي مع كل تفاصيلها وحكاياتها بداية من النشأة بعد الفتح العربي حتى عام 1847م، ذلك التماهي الذي عاشه لين بشكل فعلي مع القاهرة القديمة وحضارتها في عام 1833م حين استقر بشكل رئيسي في القاهرة، وتحت اسم منصور أفندي الذي أطلقه عليه المصريون عاش حياتهم وارتدى زيهم وجاور عمائرهم الأثرية، بعد ثلاث رحلات إلى مصر مسح فيها وليم لين البلاد مسحًا كاملًا، واتصل بمن استطاع من العلماء، ونسخ ما يستطيع الوصول إليه من المواد في آلاف الصفحات، وبذل قصارى الجهد في الوصول إلى المخطوطات الأصلية الملحقة بمكتبات المساجد وغيرها، استطاع لين أن يقدم مجموعة متميزة جدًّا من الكتب منها: «المصريون المحدثون»، وكتاب «وصف مصر».

نخدشُ الليلَ ونصعد

نخدشُ الليلَ ونصعد

سيلفيا بلاث، وأليس ووكر، ومارغريت أتوود

ترجمة: إلياس فركوح

الناشر: دار أزمنة

ليس من سببٍ واحد أدّى إلى «تكوين وضَفْر» هذا الكتاب، ضامًّا بين غلافيه مجموعة القصائد الأربع عشرة، العائدة إلى ثلاث شاعرات؛ اللهم سوى المحافظة عليها من التشتت (وربما التبدد) بين الصحف، والمجلات، والمواقع التي نُشِرت فيها أوّل مرّة، وفـي أوقات متباعدة وسياقات مختلفة. هذا مبرري الصريح وراء إقدامي على جَمْع تلك القصائد/ النصوص. ربما لا يعثر القارئ على ما يجمع بين عوالم الشاعرات الثلاث، إذا ما اكتفى بقصائدهن المنشورة فـي هذا الكتاب، وربما يجتهدُ فيجدُ قواسم مشتركة. لكنه، وفقًا لشتّى الاحتمالات الممكنة، قد يخلقُ بفعل قراءته الخاصّة موضوعات صغرى تناثرت فـي معظم تلك القصائد؛ عندها نراه يجتهدُ فيعاينها ملمحًا موَحِّدًا لهنَّ.

الراوي والمروي له والقارئ، دراسات في التواصل السردي

الراوي والمروي له والقارئ، دراسات في التواصل السردي

المؤلف: مجموعة من المؤلفين

ترجمة وتقديم: بشار سامي يشوع

الناشر: دار الرافدين

يقول (بول أوستر) في حوار معه في جريدة «لوموند»: «هنالك في حياتي فصل كبير بيني وبين الشخص الذي يكتب الكتب؛ ففي حياتي أعرف تقريبًا ما الذي أفعله، ولكن عندما أكتُب أشعر تمامًا بالضياع ولا أعرف من أين تأتيني هذه القصص». وهو ما يؤشر لانبثاق الأعمال الأدبية من الأنا العميقة غير الواعية للكاتب، والفرق الواضح بين الأنا اليومية وتلك المبدعة. يناقش الكتاب أفكارًا حول صوت الراوي والتماهي مع القارئ وأشكال التواصل معه، فضلًا عن الهوية المزدوجة للراوي والمروي له عبر أعمال كتاب عالميين. تُسجل ترجمة هذه الدراسات إضافة تطبيقية مهمة في فهم وتحليل المبنى السردي للأعمال الأدبية.

الصبية والسيجارة

الصبية والسيجارة

المؤلف: بونوا ديتيرتر

المترجم: زهير بوحولي

مراجعة: رمزي بن رحومة

الناشر: دار مسكيلياني

هذه الرواية نُشرت سنة 2005م، ومع ذلك فقد بلغت حد التنبؤ العام والتفصيلي أحيانًا، بما سيحدث في سوريا مثلًا في السنوات الأولى من العشرية الثانية؛ إذ يصور الكاتب مشاهد لهو الإرهابيين السينمائي بضحاياهم مسجلًا سبقًا سرديًّا وحدسيًّا لما سيشاهده العالم بأسره بعد ذلك على شاشات التلفاز. تنقذ سيجارة حياة محكوم عليه بالإعدام فيخرج من غياهب السجن إلى ساحات المجد والشهرة بدعم من لوبيات صناعة التبغ، وتقلب سيجارة حياة موظف رأسًا على عقب فيتهاوى إلى الدرك الأسفل. وبين هذا وذاك رسائل عدة يبعث بها الكاتب: إدانة النفاق الاجتماعي إذ يكرس شعارات «العناية بالطفولة» محل «الأفكار الشمولية» والدعوة إلى الاهتمام بأنموذج بشري كاد يلفه النسيان: الرجل الكهل المنتج، تتغذى الإنسانية من لحم كتفيه ولا يغنم غير الإهمال.

حلم إقليدس

حلم إقليدس

المؤلف: موريس مارجنسترن

المترجم: رشيد برهون 

الناشر: كلمة للترجمة

يدعونا الكاتبُ إلى رحلة في تاريخ الرياضيات وفي سِيَر بعض علماء الرياضيات، متوقّفًا خاصة عند حقبة اكتشاف هندسة القَطْع الزائد التي ساعدت على فهم النظام الداخلي للشبكة العنكبوتية، وشكَّلت مصدر إلهام لعلماء الرياضيات وللفنانين والإعلاميين. ويتناول علاقة إقليدس بهندسة القطع الزائد وإسهامات علماء الرياضيات في بناء صرح هذا المَبْحث الجديد، ومن أشهرها نموذج العالِم الرياضي «بوانكاريه»، ويعرّف الكتاب بالمكانة التي تحتلُّها مفاهيمُ الهندسة الإقليدية داخل هذه الهندسة الجديدة. ويركز الكاتب أيضًا على العقبات التي يواجهها البحث العلمي، وتجارب العلماء في الصمود أمام هذه العقبات وتذليلها.

تشكلات العلماني في المسيحية والحداثة والإسلام

تشكلات العلماني في المسيحية والحداثة والإسلام

المؤلف: طلال أسد

المترجم: محمد العربي

الناشر: دار جداول

لا يقع هذا الكتاب مباشرةً ضمن الأدبيات التـي تتناول ثنائيات العلمانية والدين، والدين والدولة الحديثة. فموضوعه الرئيس عن الكيفية التـي تشكّل ويتشكّل بها العلماني في سياقات زمانية ومكانية متباينة ومتشابكة في آنٍ. يبدأ طلال أسد بحثه عن العلماني بطرح سؤال تحريضـي عما يمكن أن تكون عليه أنثروبولوجيا العلماني. ومن هذا الأساس يستكشف الكتاب المفاهيم والممارسات والتشكُّلات السياسية للعلمانية، بالتأكيد على التحولات التاريخية التـي شكّلت التوجهات والحساسيات العلمانية في الغرب والشرق الأوسط الحديثين.

حكاية بابل مع غوركي.. البحث عن الجمال المنشود في الحياة

حكاية بابل مع غوركي.. البحث عن الجمال المنشود في الحياة

 جودت هوشيار – كاتب ومترجم عراقي

في شتاء عام 1916م وصل العاصمة الروسية القديمة «بطرسبورغ» كاتب ناشئ اسمه إسحاق بابل، في الحادية والعشرين من عمره، قادمًا من مدينة أوديسا الواقعة على البحر الأسود. كان متوسط القامة، ممتلئ الجسم، يرتدي نظارات طبية دائرية سميكة. وكان قد نشر عدة قصص في المجلات المحلية في أوديسا، لكنها لم تلفت إليه الأنظار، وأدرك أن الشهرة الحقيقية، إنما تنطلق من عاصمة الإمبراطورية لا من أطرافها، هنا في بطرسبورغ تصدر المجلات الأدبية الشهيرة، وتتصارع فيها شتى التيارات الفنية والأدبية، حيث يعيش ويعمل كبار الكتّاب والشعراء الروس. أخذ الشاب يتجول في أنحاء المدينة، ويرتاد مقاهيها الأدبية الصاخبة، حيث يقرأ الأدباء على الحاضرين قصائدهم وقصصهم القصيرة أو مقاطع مثيرة من رواياتهم، ويزعم كل واحد منهم أنه مؤسس ورائد مذهب أدبي حداثوي جديد. كان شتاء ذلك العام قارس البرودة، لكن الشاب القادم من مدينة الشمس -التي يطلق عليها كتّابها وشعراؤها اسم مرسيليا الأوكرانية– لم يكن يحفل بالبرد ويشق طريقه في شوارع العاصمة الغارقة تحت أكوام الثلوج من دون أن يلبس أي معطف. كان لديه مثل هذا المعطف، لكنه لم يكن يلبسه عن عمد. يحمل معه نصوصَ عدةِ قصصٍ قصيرة جريئة واستفزازية للذائقة الأدبية السائدة إبان العهد القيصري المتأخر. هذا ما يحدثنا عنه بابل نفسه في سيرته الذاتية المعنونة: «البداية».

قصص جديدة في مضامينها وأسلوبها الاختزالي، وإيقاعها. نثر فني أشبه بالشعر باستعاراتها الجميلة، وصورها الفنية النابضة بالحياة. تخترق التابوهات، التي لم يكن كاتب آخر يتجرأ على الاقتراب منها. قصص حب لا تخطر على البال، ولا تشبه قصص الحب عند الكُتاب الروس الكلاسيكيين منهم والمحدثين. كان الشاب الأوديسي يطرق أبواب المجلات الأدبية لكن من دون جدوى. لم يكلف أي رئيس تحرير نفسه عناء إلقاء نظرة على قصص كتَبَها شاب أوديسي مغمور، وإن فعلها كان يشعر بالاشمئزاز منها؛ لأنها تتناول ما هو مستور في المجتمع، لا ينبغي للأدب أن ينتهكه. رئيس تحرير إحدى المجلات أرسل له مع (البواب) روبلًا واحدًا. وقال رئيس تحرير مجلة أخرى: إن هذه القصص محض هراء، وإن حماه يمتلك مخزنًا للحبوب، وعرض على بابل العمل في هذا المخزن بصفة كاتب مبيعات. لكن الشاب الباحث عن المجد الأدبي رفض هذا العرض بإباء، وقال لنفسه: «من الأفضل أن أتشرد وأجوع أو أدخل السجن من أن أقبع عشر ساعات في اليوم في مكتب للقيام بأعمال روتينية مملة. حكمة أجدادي راسخة في ذهني: لقد خلقنا –نحن البشر– للاستمتاع بالعمل الخلاق، والكفاح، والحب».

لا خيار سوى غوركي

أدرك بابل أن لا خيار له سوى الذهاب إلى مكسيم غوركي الذي كان يصدر مجلة ثقافية معارضة باسم «ليتوبيس» أي «الوقائع»، وتضم هيئة تحريرها نخبة من الأدباء والنقاد والفلاسفة والمفكرين الروس المعروفين. كانت مجلة رصينة اكتسحت السوق خلال أشهر عدة، وأصبحت أكثر المجلات انتشارًا وتأثيرًا. توجه الكاتب الأوديسي الشاب إلى مقر المجلة، بقلب واجف وقد تملّكته الرهبة من لقاء الكاتب الشهير.

في غرفة الانتظار تجمع جمهور غير متجانس من شتى الفئات الاجتماعية، لا يجمعهم سوى عشق الأدب: سيدات المجتمع الراقي، والصعاليك، وموظفو التلغراف، ورجال الدين الرافضون للطقوس الأرثوذكسية، وعدد من العمال البلشفيك، حيث كان من المقرر أن يلتقي الجميع مكسيم غوركي. وما إن حلت الساعة السادسة حتى فتح الباب ودخل غوركي بقامته الفارعة. كان أشبه بهيكل عظمي ضخم، نحيفًا وقويًّا. عيناه زرقاوان، ويلبس بدلة أجنبية واسعة بعض الشيء، لكنها تبدو أنيقة ورائعة على جسده الممشوق. جاء غوركي كعادته في الوقت المحدد تمامًا، فقد كان طوال حياته وفيًّا لهذا الانضباط والدقة. قُسِّم جمهور المنتظرين إلى مجموعتين: الأولى: تضم أولئك الذين جاؤوا لاستلام أعمالهم وعليها ملاحظات غوركي وقراره النهائي بصدد مدى صلاحيتها للنشر في المجلة. والثانية الأشخاص الذين جلبوا معهم مخطوطات أعمالهم لغرض تسليمها إليه. توجه غوركي في البداية إلى المجموعة الأولى. كانت خطواته خفيفة ورشيقة، وهو يحمل بيده دفاتر كتب على بعضها ملاحظات أكثر من نص المؤلف نفسه. تحدث طويلًا مع كل واحد منهم. كان يُصيخ السمع إلى كلام محدثه، ويعبر عن رأيه على نحو مباشر وصارم، مختارًا الكلمات التي عرف هؤلاء قوتها في وقت لاحق، عندما قطعت طريقًا طويلًا إلى قلوبهم، وظلت راسخة في أذهانهم طوال حياتهم.

عندما انتهى غوركي من الوجوه المعروفة له من المقابلة السابقة، توجه إلى المجموعة الثانية، التي كانت تضم أصحاب النصوص الجديدة. وأخذ يجمع المخطوطات. ويقول بابل: «تطلع إليّ غوركي للحظة خاطفة. كنت في ذلك الوقت فتًى يافعًا، ممتلئ البدن، خليطًا غير مختمر من أفكار تولستوي والاشتراكي– الديمقراطي. لم أكن أرتدي معطفًا، لكنني كنت مسلحًا بالنظارات… كان ذلك في يوم الثلاثاء. أخذ غوركي الدفاتر الجديدة، وقال: «تعالوا يوم الجمعة لاستلام الإجابات». وأثار ذلك دهشة بابل، فقد كانت المخطوطات تبقى لدى إدارات المجلات، شهورًا عدة، وربما للأبد».

عاري القدمين يسير فوق المسامير

في يوم الجمعة كانت هناك مجموعة جديدة في الانتظار، مثلما في المرة السابقة. وكانت تضمّ أميرات، ورهبانًا، وضباط بحرية، وطلابًا. حين دخل غوركي الغرفة، ألقى على بابل نظرة عابرة، لكنه تركه ينتظر للأخير. غادر الجميع وبقي غوركي وبابل، الذي شعر –كما يقول– كأنه سقط من كوكب آخر. دعاه غوركي إلى مكتبه. الكلمات التي سمعها هناك قررت مصيره الأدبي. قال له غوركي: «هناك مسامير صغيرة، وأخرى كبيرة بحجم إصبعي –ولوّح بسبابته قريبًا من عيني بابل– إصبع طويل، وقوي، لطيف الطراز -مسار الكاتب مليء بالمسامير الكبيرة غالبًا. وعلى الكاتب أن يسير فوقها عاري القدمين وهو ينزف دمًا غزيرًا. ومن سنة إلى أخرى يزداد تدفق الدم على نحو أقوى. أنت إنسان ضعيف– سيشترونك ويبيعونك. سيضعون أمامك عقبات، وسيخدعونك، إلى أن تتلاشى، لكنك ستتظاهر أنك شجرة مزهرة. عبور هذا المسار للإنسان الصادق، وللكاتب الصادق، وللثوري الصادق، شرف عظيم. أباركك على هذا الطريق سيدي».

ويقول بابل: «حقًّا لم يكن ثمة في حياتي، ما هو أكثر أهمية من تلك الساعة التي قضيتها في مقر مجلة (ليتوبيس). وعندما خرجت من البناية، فقدت الإحساس الجسدي بكياني. ركضت في البرد الحارق. ومضيت ثملًا، وتائهًا، أهذي في شوارع العاصمة الفسيحة الخضراء المفتوحة على السماء المظلمة البعيدة. ولم أسترجع رشدي إلا عندما تركت ورائي النهر الأسود والقرية الجديدة في أطراف المدينة». مضى نصف الليل قبل أن يرجع الشاب الأوديسي الحالم، إلى غرفته في شقة تعود إلى أحد المهندسين. كان بابل قد استأجر الغرفة من زوجة المهندس، وكانت امرأة شابة قليلة الخبرة. وحين عاد زوجها من عمله ونظر إلى الشاب الغريب، أمر زوجته أن تأخذ من المدخل المعاطف والقبعات، وأن تقفل الباب بين غرفة المستأجر المشبوه وغرفة الطعام. رجع بابل إلى الشقة ليلًا، وعندما دخل رأى المشجب في مدخل الشقة خاليًا من المعاطف والقبعات التي تعلق عليه في العادة. كانت روح بابل تغلي وتسكب عليه حرارة الفرح وتستبد به مطالبة بالخروج. لم يكن أمامه من خيار سوى أن يقف في المدخل مبتسمًا لشيء ما، ثم فتح فجأة باب غرفة الطعام. كان المهندس وزوجته يشربان الشاي. وعندما رأياه في هذا الوقت المتأخر اصفرّ وجهاهما. توقع المهندس الشر من القادم الجديد، واستعد أن يبيع حياته غاليًا. خطا بابل خطوتين نحوه، وقال للزوجين: إن مكسيم غوركي وعد بنشر قصصه في مجلته الشهيرة. وأدرك المهندس أنه أخطأ حين اعتبر الشاب الغريب شخصًا شريرًا. جلس بابل أمام المائدة، وسحب نحوه كوب شاي ساخن، وقال: سأقرأ لكما بعض قصصي، تلك التي وعدني غوركي بنشرها.

الثورة البلشفية تنقذهما من المحاكمة

ظهرت قصتان لبابل على صفحات المجلة في عدد نوفمبر عام 1916م، وهما: «إيليا إيساكوفيتش ومرغريتا بروكوفيفنا» و«ماما، ريما، آلا». أثارت القصتان اهتمام القراء والسلطة القضائية، التي وجّهت إلى بابل وغوركي ثلاث تهم في آنٍ واحد. وهي: نشر البورنوغرافيا، وانتهاك المقدسات، ومحاولة قلب نظام الحكم القائم. ولكن ثورة فبراير 1917م أنقذتهما من المحاكمة التي كانت ستجري في شهر مارس. ويقول بابل عن تلك المحاكمة متهكمًا: «إن المحاكمة لم تُجْرَ لأن الشعب ثار من أجلي، وأحرق ليس ملف قضيتي فقط، بل بناية المحكمة بأسرها». اجتذبت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم بابل معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على غوركي، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: إنها غير صالحة للنشر. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال غوركي بصوته الجهوري الأجش: «إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك في فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة».

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة غوركي بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من غوركي رسالة يقول فيها: «ربما الآن يمكنك أن تبدأ».

كان غوركي مفعمًا بالحماس للإبداع البشري والزيادة المستمرة مهما يكن الأمر في عدد الأشياء الجميلة والمنشودة في الحياة، ويبحث عن الموهوبين. يتابع محاولاتهم في الكتابة الإبداعية، ويقرأ نصوصهم بصبر وتمعّن، ويشير إلى نقاط الضعف فيها، ويرشدهم ويرعاهم بالنصح والإرشاد، سواء في أثناء اللقاءات المباشرة أو من خلال الرسائل المتبادلة معهم، وهي حالة نادرة إن لم تكن الوحيدة في تاريخ الأدب العالمي. كان يتعذب عندما يرى الإنسان الذي كان يتوقع منه كثيرًا يخيب ظنه. وكان سعيدًا يفرك يديه من الفرح، ويغمز للعالم، وللسماء، وللأرض، عندما تتحول الشرارة إلى شعلة ملتهبة. ولولا غوركي لَما عرف الأدب الروسي والعالمي عشرات الكتّاب المبدعين. وفي مقدمتهم إسحاق بابل، أحد أنبغ أساتذة فن القصة القصيرة في القرن العشرين.

سيلڤيا بلاث.. عميقًا، في شقوق الرخام، يصدح صَرّارُ الليل شذرات من دفتر اليوميات

سيلڤيا بلاث.. عميقًا، في شقوق الرخام، يصدح صَرّارُ الليل شذرات من دفتر اليوميات

 اختيار وترجمة: تحسين الخطيب – شاعر ومترجم أردني

في الساعة الرابعة والنصف (11 فبراير 1963م) وضعت سيلڤيا بلاث رأسها في فرن المنزل، بعد أن أغلقت الغرف التي تفصلها عن طفليها النائمين، بشريط لاصق وبعض الثياب والمناشف، ثم أدارت مفتاح الغاز، لتموت مختنقة بأول أكسيد الكربون. عُرفت بلاث -سواء عبر مجموعتها الشعرية، «التمثال الضخم وقصائد أُخَر» (كتابها الشعري الوحيد الذي نشر خلال حياتها) أو من خلال «إيريل»، مجموعتها الشعرية التي نُشرت بعد موتها بعامين- بوصفها شاعرة ذات نزعة اعترافية صارخة؛ حيث «الأنا»، وتجربتها الشخصيّة، هما الفضاء الذي تدور فيه القصيدة؛ تلك التجربة التي لا تتردد عن «البوح» بكلّ ما هو حميميّ، وخارج عن المألوف: العذابات والمرض والجنس. هي شاعرة من طينة شعراء ملعونين أفنوا حيواتهم إمّا في المصحات العقلية وعيادات الطب النفسي، كروبرت لويل؛ أو بدّدوها منتحرين، مثل: آن سكستون وجون بيرمن.بدأت سيلڤيا بكتابة هذه اليوميّات (التي نقدم، هنا، ترجمة لشذرات منتخبة منها) منذ أيامها الأولى بكلية سميث في عام 1950م، وظلت تواظب على كتابتها حتى وفاتها. لم يُنشَر شيء من هذه اليوميات إلّا في عام 1982م، بعد أن سمح زوجها، الشاعر تيد هيوز بذلك، وأشرف على تحريرها. ولكنّ باقي اليوميات ظلت حبيسة لدى هيوز، حتى قرر الإفراج عنها، ونشرها، بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاتها، في 11 فبراير 2013م. وفي عام 2000م، أصدرت دار النشر الأميركية «أنكر بوكس» طبعةً من يوميّات بلاث، بعنوان: «The Unbridged Journals of Sylvia Plath»، وهي النسخة التي اعتمدنا عليها في ترجمة هذه الشذرات.

1950 م

ثمة أوقات يخامرني فيها شعور بالترقب والانتظار، كما لو أن شيئًا هناك، تحت ظاهر وعيي وإدراكي، ينتظرني كي أقبض عليه. إنه الشعور المعذب ذاته الذي يصيبك حين تكون على وشك أن تتذكر اسمًا، ولكنك لا تتمكن من الوصول إليه تمامًا. أستطيع الشعور بذلك، حين أفكر في الناس، وفي تلميحات الارتقاء التي يوحي بها قلع ضرس العقل، وفي ضيق الفكّ الذي لم يعُد محتاجًا لمضغ تلك الألياف كما تعود؛ والتلاشي التدريجي للشعر من الجسد الآدمي؛ وتكيّف العين مع النصوص المطبوعة بخط صغير، والحركة السريعة الملوّنة للقرن العشرين. يأتي الشعور، مبهمًا وغائمًا، حين أتأمل المراهقة الطويلة لجنسنا البشري؛ شعائر الولادة والزواج والموت؛ كل الطقوس البربرية، البدائية، التي انسابت إلى الأزمنة الحديثة. أكاد أعتقد بأنّ النقاء الوحشيّ، الجامحَ، كان الأفضل. آه، ثمة شيء هناك، في انتظاري. ولعلّ الرؤيا سوف تغمرني، ذات يوم، وتفيضُ عليَّ، فأبصر الجانب الآخر من هذه الدعابة الغريبة الجسيمة. ثم سوف أضحك. ثم سوف أعرف ما هي الحياة.

سيلڤيا بلاث مع زوجها تيد هيوز

رغبتُ الليلةَ في أن أخطو إلى الخارج لبضع دقائق قبل أن أخلد إلى النوم؛ كان البيت غارقًا في الدفء والهواء البائت. كنت أرتدي منامتي، وشعري المغسول للتوّ معقوص فوق رأسي. حاولت أن أفتح الباب الأمامي. طقطق التِّرْباس حين أدرته؛ فأدرت المقبض إلى الجهة الأخرى. لا حركة البتّةَ. برمت بالترباس؛ فليست إلّا أربع توليفات محتملة لإدارة المقبض وفتح الترباس، ولكن الباب ما زال عالقًا، أبيضَ، خاويًا، ومحيّرًا. اختلست النظر عاليًا. خلال المربع الزجاجي، عاليًا في الباب، فرأيت قطعة من السماء، وقد شقتها الرؤوس الحادة السوداء لشجر الصنوبر عبر الشارع. وها قد كان القمر، بدرًا أو يكادُ، لامعًا وأصفرَ، وراء الأشجار. شعرتُ فجأةً بانقطاع أنفاسي، وبأنني أختنق. كنت حبيسةً، رفقةَ تربيعة الليل الصغيرة المعذبة فوقي، وهواءُ البيتِ الأنثويُّ الدافئُ الذي يطوقني بحضنه المُريَّش الخانق.

تجتاحني الكآبة في هذا الصباح. فلم أنم جيدًا ليلةَ الأمس، مستيقظةً، أتقلّب في الفراش، تنتابني أحلام صغيرة، متنافرة وسوداوية. أستيقظ، رأسي ثقيل، فأشعر كما لو أنني قد خرجت من سباحة في بركة ماء دافئ ملوّث. كان جلدي زلقًا، وشعري يابسًا، ومزيّتًا، ويداي كما لو أنهما قد لمستا شيئًا لزجًا وغير نظيف. هواء أغسطس الثقيل لا يسعفني البتّةَ. أجلس هنا ببلادة، ووجع في قفا عنقي. أشعر بأنني لن أستطيع شطف الغشاء اللزج الوسخ، حتى لو غسّلت نفسي بالماء النقيّ البارد طيلة النهار؛ ولن أكون قادرة على تخليص فمي من الطعم الكريه المرعب لأسناني التي لم تنظف بالفرشاة بعد.

كان كل شيء في الداخل قد غشيته السكينة، لبرهة، في هذه الليلة. خرجت من البيت القابع في الجهة الأخرى من الشارع، قبيل الساعة الثانية عشرة، يستبدّ بي سأم شوق لم يتحقق، وحيدةً، ألعن نفسي. وهناك، على نحو خارق، كان ليل أغسطس. كانت قد أمطرت للتوّ، وكان الهواء طافحًا بالرطوبة الدافئة وبالضباب. وكان القمر، بدرًا، يحبل بالضياء، قد تجلى على نحو غريب خلف الغيوم الصغيرة المعتادة، متوازنًا كأحجية صور تناثر بعضها عن بعض، والضوء في الخلفية يؤطر كل قطعة، كأن لا ريح هناك، ولكنّ أوراق الأشجار اهتزّت، هائجة، فسقط الماء منها قطرات هائلة على الرصيف، وبصوت يشبه ذاك الذي يصدر عن السائرين في الشارع. ثم فاحت الرائحة الغريبة لأوراق الأشجار الميّتة، المنخورة، والمتعفنة، في الهواء. كان المصباحان فوق السلالم الأمامية قد لفهما السديم بهالتين غبشيّتين نيّرتين، فرفرفت حشرات غريبة قبالة الزجاج الحاجب، هشّةً، ورفيعةَ الجناح، معميّةً، ودائخة، يُنَمِّلُهَا البريق الوهّاج.

برقٌ، برق حار، رَمَّشَ، كما لو أنّ عامل مسرح كان يلعب بمفتاح الضوء. صَرّارا ليلٍ، عميقًا في شقوق السلالم الرخامية، صَدَحا بصوت عذب مرتعش، مرةً بعد أخرى. ولأنه كان بيتي، فقد أحببتهما. تدفق الهواء من حولي كدِبْسٍ كثيف، وانشقّت الظلال المنبعثة من القمر ومصباح الشارع كأشباح زرقاء مفصومةٍ، غريبة، وتكرر أنفسها على نحو شاحب.

سيلڤيا بلاث مع أبنائها

من أنا، يا إلهي؟ أجلس في المكتبة الليلةَ، والأضواء تلمع فوق رأسي، ومروحة السقف تطنّ بصوت مرتفع. فتيات، فتيات في كل مكان، يقرأن الكتب. وجوه مُكبّة، وبشرات وردية وبيضاء وصفراء، وأنا جالسة هنا بلا هوية، بلا وجه. رأسي يؤلمني. ثمة تاريخ يتوجب عليّ قراءته.. قرون ينبغي الإحاطة بها قبل النوم، وملايين الحيوات التي لا بُدَّ من استيعابها قبل الإفطار غدًا. وها هو موعدي الغرامي في نهاية الأسبوع: فثمة من يعتقد بأنني إنسانة، ولست مجرد اسم فحسب. وهذه ليست إلّا الإشارات التي تدلّ على أنني إنسانة كاملة، ولست مجرد كتلة من الأعصاب، بلا هوية. إنني ضائعة. كان «هكسلي» سيضحك. فأيّ مركز مكيف هو هذا المكان! مئات الوجوه، مكبّة على الكتب، ومراوح السقف تطنّ، مبددة الوقت على حافة الفكر. إنه كابوس. فلا شمس. بل حركة متواصلة فحسب. لو أستريح، لو أستبطن ذاتي، فسوف أجنّ. ثمة الكثير، وأنا ممزّقة في جهات مختلفة، متوتّرة، ومشدودة صوب آفاق قصيّة لا يمكنني الوصول إليها. أن أتوقف مع القبائل الألمانية وأستريح قليلًا: ولكن، كلّا! بل يتوجب عليّ أن أواصل المسير، وأن أواصل المسير. عبر عصور من الإمبراطوريات، من الانحطاط والسقوط. بخطوات سريعة، متواصلة. أَفَلَنْ أستريح تحت أشعة الشمس ثانيةً- متوانية، ومنهكة، يغمرني ذهب السكينة؟

أعتقد أنني أعرف الآن معنى العزلة. العزلة الخاطفة، على أيّ حال، إنها تأتي من باطن النفس الغامض- كمرض يصيب الدم، وينتشر في أنحاء الجسد فلا يستطيع المرء تحديد مصدره، وموضع العدوى. عدت إلى غرفتي في «هيڤن هاوس» بعد عيد الشكر. الحنين إلى الوطن هو الاسم الذي يطلقونه على السأم الذي يتملّكني الآن. فأنا وحيدة في غرفتي، بين عالمين.. لا أكاد أستطيع تذكر تلك الأيام الأربعة من عيد الشكر- صورة البيت غائمة، وهو أصغر ممّا تركته، وبقع الجرائد الصفراء الداكنة أكثر وضوحًا؛ لم تعد غرفتي القديمة تخصني، وقد اختفت منها كل أشيائي؛ لا أستطيع أن أخدع نفسي وأكفّ عن التفكير في الحقيقة المجردة الصارخة بأنّه مهما كان المرء متحمسًا، وبصرف النظر عن يقينه بأنّ الشخصية قدَرٌ، فلا شيء حقيقيّ، سواء في الماضي أو في المستقبل، حين يكون المرء وحيدًا في غرفته وساعة الحائط تدق عاليًا في الضياء البهيج الزائف للمصباح الكهربائي. فلو كنتَ بلا ماضٍ أو مستقبل -الذي هو، في النهاية، ما ينطوي عليه الحاضر- فلماذا قد تتخلص من صَدفة الحاضر الفارغة وتقدم على الانتحار؟.. لا كائنَ حيًّا إلّايَ على الأرض في هذه اللحظة. أستطيع السير في الممرات، والحجرات الفارغة تتثاءب ساخرة منّي في كل اتّجاه. ولكنّ الحياة هي العزلة، يا إلهي، على الرغم من كل الحبوب المنوّمة، على الرغم من كل المرح الصاخب المُبهرَج لـ«حفلات» بلا غاية، على الرغم من كل الوجوه الباسمة الزائفة التي نرتديها. وحين تعثر في النهاية على شخص تشعر بأنك قادر على أن تجعل روحك تفيض من أجله، تتملكك الصدمة من الكلمات التي تلفظها -إنها كلمات باهتة، في غاية البشاعة، عقيمة وبلا أيّ معنى من طول الاحتفاظ بها في أعماقك المتشنجة المعتمة. نعم، ثمة فرح، وتحقُّق، وعِشرة- ولكنّ عزلة الروح، في وعيها الرهيب، مفزعةٌ وقاهرة.

لقد ذرّتِ الريحُ قمرًا أصفرَ حارًّا فوق البحر؛ قمرًا بصليَّ الشكل، شطأَ في السماء النّيلية الملطّخة، ثم سفحَ بتلات ضوء لامعة، رامشةً، فوق المياه السوداء المرتعشة.

وحين أقرأ، يا إلهي، النثرَ الجزل والمحكم والفائض لـ«لويس أنترماير»، والأبيات المكثفة، المصفّاة، لشاعر بعد آخر، أشعر بأنني مخنوقة، وسقيمة، وشاحبة، وغارقة في العبث، ويجافيني الكلام المعسول. ثمّة قبسٌ غائم، بلا لون، من مشاعر رقيقة، يلمع في داخلي. يا إلهي! هل سأفقده في إعداد البيض المخفوق من أجل رجل ما.. ولا أسمع شيئًا عن الحياة إلّا عبر الأقاويل، مطعمة جسدي، تاركة لقوى حسّي وإدراكي، وما يعقبها من تعبير وفصاحة، أن تترهل وتصبح بليدة جراء التجاهل والإهمال؟

1951 م

مُكبّةً على وجهي فوق الصخرة الدافئة المسطّحة، تاركةً لذراعي أن تتدلّى من طرفها، ويدي تفرك الحواف الدائرية للحجر الذي لوّحته الشمس، فشعرت بتضاريسه الناعمة. جعلتني حرارة الصخرة، وذلك الدفء الوثير الجاسئ، أشعر كأنها جسد آدميّ. محتدمًا خلال ثوب سباحتي، تفشّى الحر العظيم في أنحاء جسدي، فتوجع صدري فوق الحجر المسطّح القاسي. ثمّ هبّت ريح ملحيّة ونديّة، رطبةً في شعري؛ فاستطعت أن أرى زرقة المحيط المتلألئة عبر كتلة كبيرة ولامعة من شعري. تسرّبت الشمس إلى كل مسام، مالئة كل أنسجة جسدي المتذمرة بسكينة ذهبية، غامرة ولامعة.

وباعتمادي على المجازات والتشبيهات والاستعارات، وجدت فجاة آليّةً للإفصاح عن بعض الأفكار، من بين تلك الأفكار المقلقة الكثيرة، التي كانت تنتابني منذ الأمس…. لوصف الشعور الذي أمتلكه تجاه الجزء المجهول من شريط ماساتشوستس الساحليّ. وبكل البساطة التي قد تبدو عليها هذه المهمة، رغبت في الانتظار حتى أستطيع إنجازها بإنصاف واقعي؛ لأنها تشكل جوهر فلسفتي الفكرية والعملية، التي تتطور على نحو مستمر.

فعلى شاطئ حجريّ، مهجور نسبيًّا، ثمة صخرة عظيمة تنتأ فوق البحر. وبعد الصعود، والهبوط من موطئ قدم جاسئ إلى آخر، يصل المرء إلى جرف طبيعي يستطيع أن يتمدد فيه على طول جسده، ويحدق في المد وهو يعلو ويهبط في الأسفل، أو خلف الخليج، حيث تلتقط الأشرعة الضياء، ثم تخيّم عليها الظلال، ثم يضربها الضوء مرة أخرى، حين تنحرف بعيدة صوب الأفق. لقد لفحت الشمس هذه الصخور، وحطم المد والجزر العظيم المتواصل الجلاميدَ، وسحقها بقوّة، حتى فتتها إلى حجارة ملساء، سفعتها الشمس، على الشاطئ، حيث تخشخش وتغيّر أماكنها، تحت أقدام كل من يمشي عليها. تغمرني سكينة تجاه الحتميّة الوئيدة للتغيرات التدريجية التي تحدث في قشرة الأرض.. والشمس تلفح الصخرة، والجسد، والريح تنفش العشب والشعر، ثمة وعي بأنّ القوى الهائلة العمياء، المجهولة وغير الواعية، والقوى الحيادية سوف تدوم وتبقى، وبأنّ ذلك الكائن العضوي، الهشّ، المخلوق على نحو خارق، الذي يفسّر تلك القوى، ويمنحها المعنى، سوف يرتحل قليلًا، ثمّ يتداعى، يسقط، ويتحلّل في النهاية ترابًا مجهولًا، بلا صوت، وبلا وجه، وبلا هويّة.

خرجت من هذه التجربة كاملة ونقيّة، وقد تغلغلت الشمس في كل ذرّة من كياني، وطهّرتني البرودة القارصة للماء المالح، ناشف جسدي وأبيض بالسكينة الهنيئة التي تغمرني منبعثة من المكوث بين الأشياء البدائية.

وينبثق، من هذه التجرية أيضًا، إيمان بأن أعود إلى عالم إنسانيّ من رغائب صغيرة وتفاهة مضللة. إيمان، ساذج وبريء، ولدته، كما هو، البساطة المتناهية للطبيعة. إنه شعور بأنَّ ثمة يقينًا وجمالًا نادرين في الحياة التي يمكن تقاسمها علانيةً، في الريح وأشعة الشمس، مع إنسان آخر يؤمن بالمبادئ الأساسية ذاتها، وبصرف النظر عن سلوك الآخرين والأفكار التي يؤمنون بها.

1952 م

يا إلهي، لو كان ثمة وقت اقتربت فيه من الرغبة في الانتحار، فهو هذه اللحظة، والدم الأَرِقُ، الدائخ، يسري في عروقي، والهواء الرمادي طافح بالمطر، والرجال الصغار الملعونون عبر الشارع يطرقون على السقف بالمعاول والفؤوس والأزاميل، وذَفَرُ القطران؛ الذَفَرُ الجهنمي اللاذع.. إنني خائفة. لست قوية، إنني جوفاء.. أريد أن أقتل نفسي، أن أهرب من المسؤولية، أن أزحف عائدة بوضاعة إلى الرحم. لا أعرف من أنا، ولا إلى أين أذهب.. إنني أجلس هنا الآن، أكاد أبكي، خائفة، ناظرة إلى الإصبع الذي يكتب خيبتي الجوفاء على الجدار، ويلعنني.

الواقع هو ما أصنعه. هذا ما قلت: إنني قد آمنت به. ثم أحدق في الجحيم التي أتمرّغ فيها، الأعصاب مشلولة، والأفعال باطلة – الخوف، والحسد، والكراهية: كل المشاعر المزعجة للاطمأنينة التي تنخر نفسيّتي المرهفة. الوقت، والتجربة: الموجة العملاقة، الموجة المَدِيّةُ الكاسحة تغمرني، فأغرق، أغرق. أنَّى لي أن أجد الديمومة، تلك الصلة المستمرة مع الماضي والمستقبل، ذلك التواصل مع الكائنات البشرية الأخرى التي أحنّ إليها؟ هل لي أن أقبل، بكل أمانة، إجابةً زائفة محتومة؟ أنَّى لي أن أسوِّغ، وكيف لي أن أبرِّر ما تبقى من حياتي؟

وها هي مغالطة الوجود: فكرة أن يكون المرء سعيدًا إلى الأبد وأن يهرم في مقام معلوم أو سلسلة من الإنجازات. لماذا انتحرت فيرجينيا وولف؟ أو سارة تيزديل أو النساء الباهرات الأخريات؟ هل كُنّ عُصابيّات؟ هل كانت كتاباتهن (آه، أيها الكلام المرعب) تعليةً لرغائبهن الفطرية العميقة؟ لو أنني أعرف، فحسب. لو أنني أعرف، فحسب، كيف أجعل أهدافي، ومتطلباتي في الحياة، ذات مقاصد سامية! إنني في مقام فتاة عمياء تلعب بمسطرة لوغاريتمات القيم. إنني الآن في حضيض قواي الحاسبة.

أنتِ معلقة على صليب القيود التي تفرضينها على نفسك. لا يمكن تغيير اختياراتك العمياء؛ إنها الآن نهائية ولا رجعة عنها. لقد كانت لديك فرص، فلم تغتنميها، وها أنتِ تتمرّغين في خطيئتك الأصلية؛ القيود التي تفرضينها على نفسك. حتى إنك لا تستطيعين العزم على التمشّي في الريف: ولست متأكدة من أن ذلك مهرب أو علاج منعش لحبس نفسك في غرفتك طيلة النهار. لقد ضيّعت كل مسرّات الحياة. أمامك صف كبير من الأزقة المسدودة. وها أنتِ تديرين ظهرك لحياة الإبداع، ولا تتشبثين بها، يائسة، على نحو ما، وعن سابق إصرار ما. إنك تصبحين ماكينة محايدة. لا تستطيعين الحُبّ، ولا حتى لو عرفت كيف تشرعين في الحبّ. كل فكرة شيطان، جحيم- لو استطعت القيام بأشياء كثيرة مرة أخرى، آه، لأنجزتها على نحو مختلف! تريدين العودة إلى موطنك، إلى الرّحم. إنكِ لتنظرين إلى العالم وهو يصفق بابًا إثر بابٍ في وجهك، بقوّة، وصفاقة. لقد نسيتِ السرَّ الذي عرفتِه، ذات مرّة، آه، ذات مرّة؛ أن تفرحي، وتضحكي، وتفتحي الأبواب.

1953 م

انظر إلى ذلك القناع البشع الميت هنا ولا تنسه. إنه قناع طبشوري بسمّ مميت ناشف خلفه، كملاك الموت. إنه القناع الذي كُنْتُهُ في هذا الخريف، ولا أريد أن أكونه البتّة مرة أخرى. الفم المتبرّم الحزين، والعينان الباهتتان، الضجرتان، الخدرتان، الخاليتان من المشاعر: أعراض الخراب القبيح في داخلهما.

1956 م

قصيدة:

غضب عنيف وهائج- ثلج بارد: سديم مستنقعات كثيف أبيض- المصابيح تتدلى. بقع معتمة. ساكنة.. ساكنة.. أوراق أشجار متجمدة. شحرور أحدب: غضب -«ثانية أخرى، وهسيس القطط سوف ينتشر». الإحاطة بالغضب الساحق الخانق- المشي في عالم أبيض فارغ- رمز الانقطاع عن الرؤية العادية الواضحة- الهيجان العبثيّ. القيود الإنسانية ضدّ القوّة المرمريّة العظيمة المترامية للبرد، والثلج، والنجوم، والعتمة- أقحوانات مندثرة: بيضاء في الرأس، ومتذكّرة من الصيف- إنها تضعها على سويقات جرداء ناشفة- مشهد تبايُنٍ مشرق، العبور القطبي للموسم، والطقس- سناسل حجرية سوداء- منظر طبيعي موحش- قطّ أسمر، نار فحم حمراء، وجنات محترقة، قط أسفل منزل الفحم- زرازير تلتقط جذاذات الشحم- وشمع متجلّد- عالم الطبيعة الحيادي، الرحب والأبيض، ضدّ الشرارة الصغيرة والعنيقة للمشيئة.

المصدر: «يوميات سيلڤيا بلاث»، دار: أنكر بوكس، في الولايات المتحدة، عام 1998م.

إيمي سيزير.. شاعر أسود كبير

إيمي سيزير.. شاعر أسود كبير

 أندريه بريتون – شاعر وناقد فرنسي         ترجمة: جمال الجلاصي – كاتب ومترجم تونسي

«شاعر أسود تنتصب كلماته كسنبلة الضّوء، متحدّيًا بمفرده عصرًا بأكمله» بهذه الكلمات يقدّم أندريه بريتون إيمي سيزير. لكن ما الذي يجمع السوريالية بحركة الزنوجة؟ ما الذي شدّ رائد السوريالية الأوربية إلى هذا الشاعر الأسود المعادي للاستعمار؟ يردّ إيمي سيزير: «إنّ لقائي بأندريه بريتون له دور كبير فيما أصبحت عليه الآن، إنّه الطريق المختصر نحو نفسي». إنّ إلقاء الضوء على شاعر مغمور من المستعمرات بقلم رمز من رموز الشعر الفرنسي يُعدّ في حدّ ذاته سابقة. لكن أن تُكتب مقدّمة لديوان شعريّ يعدّ من الدّواوين التي أثْرت وأثّرت في حركة الشعر الفرانكفوني والإفريقي عامة، إن لم يكن الشعر العالمي، (باعتبار ترجمة الديوان إلى أكثر من 32 لغة، باستثناء العربية، وقد يزول هذا النقص قريبًا بإصداري لمختارات شعرية موسّعة للشاعر) أن تكتب مقدّمة بكلّ هذه الحماسة وهذه الحميميّة الصادقة دليل على التّوافق الرّوحي بين الشاعرين والانبهار بهذا الاكتشاف.

هنا ترجمة لمقدمة أندريه بريتون:

نيسان 1941م. مسمّرًا بالشُّعَب المرجانيّة إلى أرض الشّاطئ، يغلق هيكل سفينة تتقاذف عليه الأمواج الرؤيةَ –على الأقلّ لم يحلم الأطفال بأحسن من هذا ليبتهجوا طيلة النّهار– بثباته لم يترك أيّة هدنة للاهتياج أن يتنقّل إلّا بخطوات محسوبة، في المسافة بين حربتين: معتقَل لازارييه في مرسى فور دي فرانس. الحرّية بعد بضعة أيّام، بأيّ ظمأ ارتميتُ في الطرقات بحثًا عمّا يمكنها أن تقدّم لي من أشياء لم أرها قطّ، فتنة الأسواق، العصافير الطّنّانة السّاكنة في الأصوات، النّسوة اللاتي أخبرني بول إيلوار بعد جولة حول العالم أنّهن الأجمل من بين كل نساء الأرض. رغم ذلك، يظهر سريعًا حطام سفينة مهدّدًا باحتلال كلّ المشهد: المدينة نفسها لا تتمسّك بأيّ شيء، تبدو محرومة من أعضائها الأساسيّة. التّجارة في الواجهات البلورية تأخذ شكلًا نظريًّا مقلقًا. الحركة تبدو أبطأ قليلًا ممّا يجب، الضّجيج واضح كما في الأشياء الغارقة. في الهواء الرّقيق يتواصل الرّنين البعيد لناقوس الخطر.

في هذه الظروف، من خلال مصادفة شراء شريط شعر لابنتي، تصفّحت منشورًا معروضًا في الدكّان حيث اشتريت الشّريط. بتقديم شديد التواضع، كان العدد الأوّل الذي صدر في فور دي فرانس لمجلّة عنوانها «مدارات». لا حاجة إلى القول: إني عالم إلى أيّ مدى وصلت الاستهانة بالأفكار منذ سنة، وشاعر بغياب أيّ إدارة حسنة وهو الأمر المميّز للرجعية البوليسيّة في المارتينيك، بدأت قراءة هذا المصنَّف بحذر شديد… لم أصدق عينيّ، فما يقال هنا هو ما يجب أن يُقال! تمزقت كل تلك الظلال المكشّرة، تشتَّت كلّ ذلك الكذب، كل ذلك الاحتقار سقط مزقًا: هكذا لم ينكسر صوت الإنسان، يُغطَّى، لكنّه ينتصب من جديد هنا تمامًا مثل سنبلة الضوء.

اسم من كان يتكلّم: إيمي سيزير

لن أدافع عن نفسي قائلًا: إنّي لم أحسّ من فوري ببعض الغرور: فما يعبّر عنه ليس غريبًا عنّي بتاتًا، أسماء الشُّعراء الذين يذكرهم والكتّاب كانوا وحدهم ضمانًا كافيًا، لكن لهجة هذه الصّفحات خاصة لا تخدع أبدًا، تشهد أنّ رجلًا انغمس بكلّيته في المغامرة، وفي اللّحظة ذاتها فهو يمتلك كل الوسائل الكفيلة بالتّأسيس، ليس من النّاحية الجمالية، لكن أيضًا من النّاحية الأخلاقية والاجتماعية، ماذا أقول عن أهمّية تدخّله وضرورته. كشفت لي النُّصوص التي تجاور نصّه كائنات موجَّهة بحساسيّة مثله، بأفكار تلتحم بأفكاره. في تناقض تامّ مع ما نُشر منذ أشهر في فرنسا، وهو يحمل علامات المازوشيّة حين لا يحمل علامات العبودية، تواصل «مدارات» حفر الطّريق الملكي. «نحن من الذين يقولون: لا للظّلّ» يصرّح إيمي سيزير.

نعم، هذه الأرض التي تكشف وتساعد على كشف الأصدقاء، هي أرضي أيضًا، هي أرضنا التي خشيت خطأً أن أراها مظلمةً. وحين أحسست بها تثور، حتى قبل أن أعرف بشكل أحسن خطابه، كيف أقول، نحسّ أن الكلمات من أبسطها إلى أندرها تمرّ تحت لسانه عارية. من هنا جاء بلوغ أوج الواقعية عنده، هذا النسق العالي لصوته الذي يمكّن من التفريق بين كبار الشعراء وصغارهم. ما تعلّمته يومئذ أنّ الآلة الشّهية لم تفقد حتى انسجامها وسط الإعصار. يجب ألّا يكون العالم مشرفًا على الغرق: سيعود له الوعي. لم يتأخّر الدّكّان المارتينيكي، بواحدة من تلك المصادفات الثانويّة التي تلهمها ساعات الحظ، أن يصبح معروفًا من قبل أخت روني مينيل، وهو، مع سيزير، المنشّط الأساسي للمدارات. واسطتها قلّصت إلى الحدّ الأدنى تقدّم الكلمات القليلة التي خربشتها على طاولة دكّانها. وبعد أقلّ من ساعة بدأت تبحث عنّي في الطرقات؛ كي تحدّد لي موعدًا مع أخيها. مينيل: الثقافة العظيمة في أقل مظاهر تفاخرها، والإيقاع الدّقيق، إضافة إلى ذلك العصب وكل موجات الارتعاش.

ومن الغد سيزير. أجد ردّة فعلي الأولى عنصريّة، حين اكتشفت أنّ سواده نقيّ، وبخاصّة إذا رأيته في النظرة الأولى مقنّعًا بابتسامة. عرفت ذلك منه، أراه وكلّ شيء سيثبت لي لاحقًا، أنّه الحوض الإنساني في أقصى درجات غليانه، حيث المعارف، في أعلى مستوياتها تختلط مع المواهب السّحريّة. بالنّسبة إليّ بدا ظهوره، لا أريد القول يومها فحسب، تحت مظهر خاص به، في قيمة علامة العصر. هكذا، متحدّيًا بمفرده مرحلة اعتقدنا أنّنا نحيا خلالها استقالة كلّية للفكر، حيث يبدو أن لا شيء يُخلَق إلا على صورة تكمل انتصار الموت، حيث الفنّ ذاته يهدّد بالانزواء في المعطيات القديمة، النفس الأوّل الجديد، الذي يعيد الحياة، القادر على منح كلّ الثقة هو عطاء إنسان أسود. وهو أسود يتقن اللغة الفرنسية كما لا يوجد أيّ أبيض يتقنها. وهو أسود يقودنا اليوم نحو المجهول، واضعًا أولًا بأوّل، كما في اللّعب، اللّمسات التي تجعلنا نتقدّم فوق الشّرر. وهو الأسود ليس فقط أسود بل كلّ الإنسان، الذي يعبّر عن كلّ التساؤلات، وكلّ المخاوف، والآمال والنّشوة، الذي سيفرض ذاته عليّ بقوّة كنموذج للشّرف. لقاءاتنا، في حانة يجعل منها الضوء الخارجي قطعة من الكريستال، مساء، بعد نهاية دروسه التي يقدمها في المعهد التي كان محورها حينها أعمال رامبو، والاجتماعات في باحة منزله التي يكمل سحرها حضور سوزان سيزير، جميلة مثل شعلة شراب البنش، وأكثر من ذلك رحلة في عمق الجزيرة: دائمًا، أرانا من جديد منحنين حدّ الهلاك على هاوية آبسالون، مثلما على التجسّد ذاته للمصهر الذي تشكَّل فيه الصّور الشّعرية حين تكون بالقوّة التي تزعزع العالم، دون أيّ علامة وسط دوّامة النباتات المجنونة غير زهرة الخيزران الكبيرة الملغزة وهي قلب ثلاثيّ يخفق في أعلى رمح.

هناك وتحت بشائر هذه الزّهرة، بدت لي المهمّة الموكولة للإنسان، بأن يقطع بحدّة مع طرائق التفكير وبأن يحسّ أنّها جعلته غير قادر على تحمّل وجوده بشكله غير القابل للتّقادم. هناك تأكّدت نهائيًّا من فكرة أن لا شيء سيكون إذا لم يقع كشف بعض المحرّمات؛ إذا لم نتمكّن من نزع السّموم القاتلة من دم الإنسان التي يغذّيها الإيمان –الذي يزداد كسلًا– بالماورائيّات، وفكر الأجساد الملتصق بالأمم والأعراق والنّذالة القصوى التي تُدعى سلطة المال. لا شيء يمكن أن يُصنع إلّا حين آل الأمر للشعراء منذ قرابة قرن بأن يزعزعوا ذلك الهيكل الذي يخنقنا، ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ الأجيال القادمة لن تكرّس إلّا أولئك الذين مضوا بعيدًا في هذه المهمّة.

ذلك المساء، أمام الفتحة الباذخة لكل حيويّة الخضرة، أحسست قيمة أن أكون متّحدًا شعوريًّا مع أحدهم، أن أعرف أنّه من بين الجميع كائن ذو إرادة صلبة، وأنّي في الجوهر لا أفرّق بين إرادته وإرادتي. أن أعرف بحجج دامغة أنّه كائن المنجَزات الكاملة: قبل أيّام قليلة أهداني «كرّاس العودة إلى الوطن»، في نشرة محدودة إضافة إلى مجلّة من باريس حيث مرّت القصيدة من دون أن يلحظها أحد سنة 1939هـ، وهذه القصيدة لم تكن سوى أكبر صرح غنائي في عصرنا. جلب لي أثرى اليقين الذي لا يمكن انتظاره من ذاتك فحسب: لقد قامر كاتبها على كلّ ما حسبته صوابًا طيلة حياتي، وقد كسب الرّهان من دون أدنى شكّ. وقد كان الرّهان، بقطع النّظر عن العبقرية الخاصة بسيزير، إدراكنا المشترك لمعنى الحياة. وأوّلًا نعرف من خلالها تلك الحركة الغزيرة من بين الجميع، ذلك الفيض في الدّفق وفي الشّظايا، تلك القدرة على التحذير الدّائم للعالم الشّعوري كلّيًّا إلى أن يصبح رأسًا على عقب، وهو ما يميّز الشعر الأصيل المناقض للشعر المزيّف، للشعر المصطنع، من الجنس المسموم الذي يتكاثر حوله. أن تغنّي أو لا تغنّي، هذا هو السؤال، ولن يكون هناك سلام في الشعر لمن لا يغنّي، رغم أنّه يُطلب من الشاعر أكثر من الغناء. ولست في حاجة إلى القول: إن من لا يحسن الغناء، ويلجأ إلى القوافي، والمتر الثابت والتفاهات الأخرى لا يمكنه سوى إزعاج آذان ميداس. قبل كل شيء إيمي سيزير هو المغني.

كراس استثنائي

بعد تجاوز هذا الشرط الأول، الضروري وغير الكافي، يرتفع الشعر الجدير بهذا الاسم إلى مرتبة الامتناع الصريح، الرفض الذي يفرضه وهذا الجانب المنكر في طبيعته يوجب أن يُعتبر مؤسسًا: ينفر من السماح بمرور كل ما شوهد من قبل، كل ما سمع، كل ما اتُّفق عليه، أن يستخدم ما استُخدِم من قبل، إذا لم يقع تحويل وظيفته القبْلية. من هذا المنظور يكون سيزير شديد الصلابة، وهذا ليس فقط لأنه شديد النزاهة بل لأنه صاحب معرفة شاسعة، فهو من أحسن وأوسع الشعراء اطلاعًا. أخيرًا –وهنا، لقطع الطريق على كل التباس مؤكدًا أن كراس العودة إلى الوطن، سوى قصيدة «موضوع» أو «قصيدة قضية»، أؤكد أني أستند ليس فقط إلى من قلدوه، بدرجات مختلفة- قصيدة سيزير مثل كل القصائد العظيمة وكل فن عظيم، تستمد قيمتها الشاهقة من القدرة الكبيرة على التحول، التي تستعملها وتتمثل -من خلال الأدوات الأكثر ابتذالًا، ومن ضمنها القبح والإذلال- في إنتاج ليس الذهب كحجر للفلسفة بل الحرية. موهبة الغناء، والقدرة على الرفض، ومهارة التحويل الاستثنائية التي يعتنقها، سيكون الأمر عبثيًّا إذا أرجعنا كل هذا إلى بعض الأسرار التقنية. ما يمكن استنتاجه هو أن الثلاثة يجمعها قاسم مشترك أكبر هو الدفق الشديد للدهشة الاستثنائية أمام مشهد الحياة (المسبب للاندفاع والسعي لتغييرها) الذي يظل حتى إشعار آخر غير قابل للنقص. فالنقد قادر على الأقل على إبراز تناقضات الشخصية المقصودة وبيان الظروف المسببة لهذه التناقضات. يجب أن نعترف ولمرة واحدة أننا سنخرج من هنا بأقصى سرعة من اللامبالاة.

من هذه الناحية يبدو «كراس العودة إلى الوطن» وثيقة متفردة غير قابلة للاستبدال. العنوان بمفرده، وإن محونا القصيدة- يهدف إلى وضعنا في قلب الصراع الأكثر حساسية بالنسبة إلى الكاتب، الصراع الذي يُعتبر تجاوزه حياتيًّا بالنسبة إليه. فواقعيًّا، كُتبت القصيدة في باريس بعد أن غادر المدرسة العليا وهو يستعد إلى العودة إلى المارتينيك. الوطن الأم، نعم، كيف يمكن مقاومة نداء هذه الجزيرة، كيف لا نستسلم إلى إغراء سماواتها، إلى تموجات حورياتها، إلى كلماتها التي تفيض دلالًا؟ لكن، فجأة ينتصر الظل: يجب أن نكون مكان سيزير لندرك إلى أي مدى كانت هذه القفزة وعرة. خلف هذه المجزرة يوجد بؤس الشعب الاستعماري، واستغلاله الوقح بواسطة حفنة من الطفيليين الذين يتحدون حتى قوانين البلاد التي ينتسبون إليها ولا يحسون بأي حرج من أن يكونوا عارًا عليها، يوجد خضوع هذا الشعب الذي يقف ضده أنه ظل دومًا بعيدًا منثورًا على البحر. خلف كل هذا، توجد، على مسافة أجيال قليلة، العبودية، وهكذا ينفتح الجرح من جديد، ينفتح على كل عظمة إفريقيا الضائعة، وذكريات الأسلاف عن المعاملات الوحشية التي تلقوها، وعي حاد بإنكار مطلق للعدالة كانت شعوب بأكملها ضحية له. شعوب بأكملها ينتمي إليها ذلك الذي سيسافر، غنيًّا بكل ما يمكن للبِيض أن يعلموه وفي تلك اللحظة أكثر ما يكون تمزقًا.

عودة أشد درامية

إيمي سيزير

من الطبيعي أن المطالبة تُصارِع، في الكراس، الكآبةَ، وأحيانًا اليأس، حتى إن الكاتب يتعرض إلى العودة الأشد درامية إلى نفسه. هذه المطالبة هي الأشد أهمية في الوجود والأكثر معقولية، رغم أنها قانونيًّا من حق الأبيض فقط أن يراها تتحقق. لكننا نخطئ كثيرًا، رغم أنها بدأت تصبح باحتشام موضع عناية واهتمام: «في المستعمرات القديمة، التي يجب أن تخضع إلى أنظمة جديدة وأصبح تطورها نحو التحرر موضوعًا دوليًّا، على الديمقراطية أن تضع نهاية، ليس لاستغلال الشعوب الملونة فحسب، بل للعنصرية الاجتماعية والسياسية للرجل الأبيض». ننتظر أيضًا بنفس نفاد الصبر، خارج المستعمرات، أن نكف عن حشر حشود الرجال الملونين بعيدًا في الأعمال والوظائف الثانوية. إذا خاب أمل هذا الانتظار بواسطة القوانين الدولية التي ستدخل حيز التنفيذ في نهاية الحرب الحالية، فعلينا بالضرورة أن ننحاز، مع كل التبعات التي سيجرها ذلك، إلى فكرة أن تأهيل الشعوب الملونة لن يكون سوى عمل هذه الشعوب ذاتها.

لكن هذا سيعني التخفيض الشديد، المجحف لتدخل سيزير، إذا أردنا التمسك بالجانب المباشر لمطالبته. ما يجعلها في نظري ذات قيمة، أنها تتجاوز في كل لحظة الرعب الذي يرتبط بالنسبة إلى أسود، إلى مصير السود في المجتمع الحديث، ورغم أنه يتوحد مع مطالبة كل الشعراء وكل الفنانين، وكل المفكرين المحترمين، فإن رصيد العبقرية الشفهية الذي يمتلكه يجعلها تلامس كل ما في المجتمعات الحديثة من وضعيات سيئة، والوضعيات القابلة للتحسن للإنسان بشكل عام في هذا المجتمع. وهنا يُسجل بحروف غليظة الأمر الذي جعلته السوريالية الفصل الأول من برنامجها: الإرادة الثابتة لإطلاق رصاصة الرحمة على المدعو «الحس السليم»، حيث بلغت الوقاحة حد مماثلته بلقب «العقل»، الحاجة الملحّة لإنهاء هذا الانقسام القاتل للفكر البشري الذي تمكن أحد أجزائه من أخذ جميع الحقوق على حساب الآخر وفي الأغلب لن تفلت فرصة تفجير هذا الأخير من شدة الرغبة في تهييجه. إذا اختفى النخاسون ماديًّا من العالم فمن الأكيد أنهم موجودون في العقول حيث ما زال «خشب زانهم» حلمنا، لم يعد النصف المدلل من طبيعتنا، إنها الشحنة المبكرة التي يُستحب أن تُحشر في قعر السفينة. «لأننا نمقتكم، أنتم وعقلكم، نطالب بالجنون المبكر، بالجنون المستعر، بالآدمية المتصلبة… تأقلموا أنتم معي، أنا لن أتأقلم معكم».

وفجأة هذه النظرة المتجلية، الزغب الأزرق على الجمر، مثلما عند وعد بخلاص غير ماكر: يعبر ذاك الذي نعتبره أنا وسيزير النبي الأكبر للأزمنة القادمة، أقول إيزيدور دوكاس، الكونت لوتريامون: «قصيدة لوتريامون جميلة مثل مرسوم نزع الملكية… فهو يكدس في شكل نُثار غنائي وشاحب – مثلما تسقط في انحلال المساء أصابع الكمثرى الاستوائية- أبواقَ موت الفلسفة الساخرة التي ترفع إلى شرف عجائب عالم طبقي، الإنسانَ، الأقدامَ، الأيادي والسرةَ الزاعقة بأيادي عارية ضد حاجز السماء… أول من اعتبر أن الشعر يبدأ في الإفراط، في المغالاة، في السعي المحفوف بالموانع، في التامتام الكبير الأعمى، حتى مطر النجوم الغامض…».

كلمات إيمي سيزير جميلة مثل الأكسجين الوليد.

نيويورك 1943م

كراس العودة إلى

أرض الوطن (مختارات)

بعيْدَ الفجر،

صحتُ به اغربْ، يا وجه البوليس، يا وجه البقرة، اغربْ، أَمقتُ أذلاءَ النظام وخنافس الأمل. اغربي أيتها التعاويذ الشريرة، يا بقةَ الراهب الصغير. ثم استدرتُ نحو جنات أُعدت له ولأهله الضائعين، وأنا أكثر هدوءًا من وجه امرأة تكذب، وهناك كنت أغذي الرياح، يهدهدني تصاعد فكرة لا تعرف التعب، أُطلقُ أسْر الوحوش، وأنصت من الجهة الأخرى من الخراب إلى تصاعد نهر من الحمائم ونَفلِ السهوب الذي أحمله أبدًا في أعماقي بعلو معكوس للطابق العشرين من المنازل الأكثر وقاحة، وحذَرا من القوة المعفنة لأجواء الغروب، تمسحها ليلًا نهارًا شمس الزُّهري.

بُعيد الفجر، تبرعم بالخلجان الرقيقة جزر الأنتيل الجائعة، جزر الأنتيل الموشومة بالجدري، جزر الأنتيل الملغَمة بالكحول، الغاطسة في طين ذاك الخليج، في غبار تلك المدينة الجزر المشؤومة الساقطة.

بُعيد الفجر، القرحة القصوى الخادعة الموحشة على جرح المياه، الشهداء الذين لا يشهدون زهور الدم التي تذبل وتتبعثر في الريح عديمة الجدوى مثل صراخ ببغاء ثرثار، حياة عتيقة بابتسامة مضلِّلة، شفاهها مفتوحة من رعب عمومي، بؤس عتيق يتعفن تحت الشمس صامتًا. صمتٌ عتيق منهك بالدمل الفاتر، الفراغ الشنيع لعلة وجودنا.

بُعيد الفجر، على هذه الأرض الأكثر هشاشة، التي يتجاوزها بإذلالٍ مستقبلُها العظيم – ستنفجر البراكين، سيحمل الماء العاري لطخات الشمس الناضجة، ولن يبقى سوى غليان فاتر تنقره الطيور البحرية – شاطئُ الأوهام واليقظة الحمقاء.

بُعيد الفجر، هذه المدينة المسطحة – الممددة، تترنح بحسها السليم، هامدة، تلهث تحت العبء الهندسي للصليب أبدي التكرار، تعاند قدرها، خرساء، مغيظة في كل حال، عاجزة عن النمو حسب نسغ هذه التربة، معرقَلة، مفتَّتَة، مُحقَّرة، في قطيعة مع الحيوان والنبات.

في هذه المدينة الهامدة، هذا الحشد الغريب الذي لا يزدحم، لا يختلط: ماهر في اكتشاف نقطة فك الاندماج والهروب والانسحاب. هذا الحشد الذي لا يعرف الاحتشاد، هذا الحشد اكتشفنا أنه وحيد تمامًا تحت الشمس، مثل امرأة تؤمن بقدراتها الغنائية فتستدعي مطرًا افتراضيًّا وتأمره بعدم الهطول. أو مثل حيوانية وقورة لمزارعة تتبول واقفة بساقين منفرجتين متصلبتين.

بُعيْد الفجر، الجبل الصغير المقرفص أمام السُّعار الكامن للصواعق والطواحين، يقيء ببطء تعبه الإنساني، الجبل الصغير وحيدًا ودمه المتناثر، الجبل الصغير وضماداته الظليلة، الجبل الصغير وقهقهاته الخائفة، الجبل الصغير وقبضاته الهوائية الكبيرة.

لكن من يبدل صوتي؟ من يسلخ صوتي؟ غارزًا في حنجرتي ألف ناب من البامبو. ألف مسمار قنفذ.

هذا أنت يا طرف العالم القذر. هذا أنت أيها الفجر القذر. هذا أنت أيها الحقد القذر. هذا أنت يا ثقل الشتيمة ومئة عام من السياط. هذا أنت يا مئة عام من صبري، مئة عام من العناية فقط حتى لا أموت.

رُوووح أوه

نغني الأزهار المسمومة المتفجرة في البراري الهائجة، سماوات الحب المقطوعة بالانصمام الرئوي، الصباحات المصروعة، الحريق الأبيض للرمال السحيقة، هبوط الحطام في الليالي المصعوقة بالروائح الوحشية.

ماذا أستطيع هنا؟

ربيعة

ربيعة

 وجدي الأهدل – كاتب يمني

حطت (ربيعة) على مكتبها كنورس، وخلعت منقارها الأسود ودسته في شنطتها المسلوخة من جلود البشر. تأملتُ بشغف وجهها البيضاوي الساحر القسمات الذي يستحق أن يُقدّس، وناجيتُ نفسي بأن الوقت قد حان للتقرب منها. صبرتُ حتى تفرغ من تأمل ماكياجها في مرآتها الصغيرة، ثم سبحتُ منجذبًا إلى عبيرها الزكي الذي تفرزه مسامات جلدها، ووضعتُ بين يديها قارورة عطر نسائي مستخلص من مروج المحيطات، وأنا أهمس متهدج الأنفاس بأنها هدية. حملقتْ فيّ بعينيها النجلاوين مستنكرة وفمها ممتعض. سألتني: «ما المناسبة؟». كف الزميلان – عبدالقاهر ونجوى- عن تحريك زعانفهما، وراحا يتابعان ما يجري بتركيز وعيون جاحظة. تأتأتُ بصورة مخزية، ثم نطقت بصوت خافت: «لأننا زميلان في العمل». ردت بنبرة مؤنبة تأديبية: «لكن لماذا أنا؟ لماذا لا تعطي الهدية لنجوى؟». بطرف عيني لاحظتُ (نجوى) التي تحولت ديباجة وجهها إلى اللون القرمزي وسقطت شطيرة البيض المسلوق من يدها. أجبتها بصوت مشروخ باذلًا جهدًا هائلًا للسيطرة على ارتجاف يديّ: «نجوى متزوجة». انبعثتْ من (ربيعة) ضحكة ساخرة: «يعني.. ماذا تريد؟». تشجعتُ وابتلعتُ ريقي: «هل أنتِ مخطوبة؟». سكتتْ برهة، وراحت تحدق فيّ بتركيز شديد وإنسانا عينيها يجوسان ببطء في تقاطيع وجهي، وكأنها تحسب في دماغها ما أستحقه من درجات في اختبار الوسامة.

حبستُ أنفاسي وراح جسدي ينضح عرقًا مترقبًا النطق بالحكم. ساد صمت ثقيل في المكتب وأنا واقف أمامها لا أتزحزح كتمثال حجري، وبدا لي أن (نجوى) و(عبدالقاهر) قد تحولا إلى ميكروفونين عملاقين وفقدا هيئتهما الآدمية. صكّت (ربيعة) زفرة طويلة تعطي انطباعًا بأن المشاعر التي تنتابها هي الضيق والتبرم ونفاد الصبر، التقطتْ قارورة العطر بأصبعين وكأنها تمسك صرصارًا مقرفًا وأعادتها إليّ: «هل تعرف ما الذي لا يعجبني فيك؟». توترت بشدة وقلبي المغلوب على أمره ساح وانزلق نازلًا من فتحة بنطلوني. وقفتْ بإزائي ووضعت سبابتها على أنفي وضغطتْ عليه بقوة وخشونة لم أتوقعهما وكأنها تريد أن تكسره: «أنفك لا يعجبني، يجعلك قبيحًا في عيني». رفعتْ أنملتها ذات الظفر المطلي بالأحمر الفاقع ومسحتها بمنديل ورقي، ثم انتشلتْ حقيبتها وخرجت من المكتب برقبة صلبة ووجه ناشف لا يحمل أدنى تعبير.

بعد مغادرتها استرخى الزميلان في ضحك مكتوم متحرج، ثم تجاسرا على القهقهة بصورة فاضحة ضاربين عرض الحائط بروح الزمالة وأواصر الصداقة. زلقتُ هديتي في جيب معطفي، وتشاغلتُ عن النظر إليهما بإدخال الملفات وترتيبها في أدراج الصوان، وأنا أُفكر هل أُغلقها أم أتركها مفتوحة؟ حسمتُ أمري وقررتُ تركها مفتوحة لكي لا يظن الزميلان أنني أنوي المغادرة. تمالكتُ شتات نفسي بصعوبة وأنا أشعر بركبتيّ متخاذلتين وكأنهما مصبوبتان من عجينة رخوة. انتبهتُ أن أنفي كان يختلج والعصب الذي يتحكم به قد خرج عن سيطرتي، وراح يُعبر بطريقته عن غيظه وألمه من الخزي الذي ناله. بخطوات مترنحة تفتقر للاستقامة، خرجتُ من المكتب معطوف القامة مُديرًا وجهي للجهة الأخرى، في محاولة بائسة لصرف انتباه زميليّ الثرثارين عن ملاحظة حالة أنفي. تمنيتُ فقط ألا أُصادف (ربيعة) في طريقي وأنا خارج من الشركة. حقق الله أمنيتي، ولكن حرس البوابة منعوني من الخروج وطالبوني بتصريح. عدتُ أدراجي ودماغي يصدر صوتًا غريبًا.. ضجة تشبه صوت المضخة! سألني مسؤول حافظة الدوام عن مبرر انصرافي المبكر، شرحتُ له أن أبي قد تعرض لحادث سير وعليّ أن أُباشر إجراءات دفنه. أعطاني أغرب جواب سمعته في حياتي: «هاه.. لأجل هذا يرف أنفك في وجهك كدجاجة مقطوعة الرأس! لكن مع هذا عليك أن تنتظر حتى نهاية الدوام، والدك.. يعني.. لم يعد بإمكانه الذهاب إلى أيّ مكان.. أليس كذلك هاها!!».

لم أستطع مجادلته بسبب تفكك إرادتي وخشيتي من سيلان دموعي دون إذن مني. آليًّا وجدتُ نفسي أخف الخطى إلى المكتب. تناوشني الندم على قراري الاندماج في الجماعة البشرية، وفكرتُ أنه كان من الخير لي لو أن الله خلقني خنزيرًا. حين دخلتُ عاود الزميلان الابتسام فالضحك بصفاقة وكأنهما يريان إعادة لمشهد كوميدي. اتجهتُ إلى الصوان الحديدي وفتحتُ الدرج الأخير – ذاك الذي يُغلق بالقدم- وأفرغته من الملفات، وبدأتُ بحشر جسمي فيه بادئًا برأسي. كان قرارًا نهائيًّا ولا رجعة فيه.. سأسكنُ هناك كنوع من الاحتجاج على رداءة السلوك البشري وقلة اكتراثهم بمشاعر الآخرين.