لماذا أكتب؟

لماذا أكتب؟

أردت باستمرار أن أفهم زمني، معجزاته وخيباته، عبقريته وسخفه. القسط الأعظم من رواياتي يستدعي أحداثًا، يُسَائل، يستجوب عالمنا. ما الذي يمنح جيلًا ما عظمته أو عرضيته، مسؤوليته أو تراخيه، التزامه أو تنصله. من هنا، ينبع سفري عبر الثقافات والذهنيات. أنا لا أدّعي لنفسي الارتقاء بالجماهير نحو الأفضل. إنني أحاول فقط أن ألقي الضوء على ما يفلت منهم ويثير نفور الآخرين. يهدف عملي إلى مقارعة الخلطات والصور النمطية التي تستولي على حسيري النظر وتختزل حكمنا الحر إلى مجرد نبتة مبتذلة وإلى جراحة ترقيعية ضد التسطيحية. لم يعد الناس يفكرون بما فيه الكفاية؛ إذ صاروا يكتفون بالانتماء إلى ما يقال من دون أن يهتموا بالتأكد من صحة مصادره. لقد صرنا مجرد صناديق رنانة، نوع من الورق النشاف الذي يمتص كل شائعات الأرض من دون أن يتوخى أدنى حذر في استخدامها. بهذه الطريقة نضفي الوثوقية على الفواحش ونتعايش مع هذياناتنا مثل ضوارٍ. وعندما تصيبنا مصيبة، حينئذ فقط نتساءل لماذا يفر كل شيء منا.

إننا نتغذى على الإكليشيهات وعلى الأكاذيب كل يوم ونطلب منها المزيد. فنحن نصدر أحكامنا بلا فهم وندين بلا تردد. لقد صارت العنصرية نوعًا من القنزعة التي نحب أن نبثها على سطح الشاشات بينما يندرج رهاب الأجانب من الآن فصاعدًا ضمن حماس منتعش، فوبيا الإسلام تظهر بمظهر الشجاعة الثقافية. والحال كذلك، إلى أين نمضي؟ المثقفون يفكرون في صورهم أكثر مما يفكرون في أفكارهم. وهم، من الآن فصاعدًا، يعيشون في إطار نرجسية مغتبطة بنفسها، وفي هدير مدوخ. الضمائر النقية والنادرة التي تحاول أن تأتي بردة فعل على كل ذلك يتم استبعادها. في هكذا حال تصير الرواية هي الملاذ الأخير المشتبه بالمطالبة بالصدى. إنني أكتب لكي تندرج الرواية ضمن حرية التعبير… ولكي يستطيع العقل أن يسمع نفسه وسط جلبة الأخبار الكاذبة. أكتب لكي أغدو حرًّا. كان نيتشه قد عبر عن سخطه من قبل بقوله: «إن امتلاك الموهبة وحده لا يكفي، ينبغي أن يكون لديك الإذن بالكتابة، أليس ذاك هو الأمر يا أصدقائي؟» لكن نيتشه كان في غنى عن أي نوع من الإذن. فقد استمر في الكتابة لأنه كان حرًّا. والحال كذلك، لنكتب من دون انتظار أي إذن.

لنكتب من دون انتظار أية مباركة. وعلى الشيطان اللعنات! في الوقت الذي تطيع فيه العبقرية الإرادة الحديدية لجماعات الضغط واللوبيات حيث ينشر التبحر في المعرفة بروفيلا هو في مكانة أدنى من الحذلقة وتبادل المنافع، حيث يضفي ذيوع الصيت شيئًا من الموهبة على غير المضطرين لردها، وحيث تحل الإكليشيهات محل حضور الروح، وحيث يجرد الخوف والريبة ورهاب الأجانب الناس من البصيرة، وحيث تقود الاختصارات الجهد الثقافي إلى صيغ مختزلة إلى الحد الذي تورث معه الكسل المفرط، آنئذ يتوجب على الكاتب أن يقاوم وذلك لأنه خرطوشة الوضوح الأخيرة «الجرح الذي يكمن قريبًا من الشمس» (مونتسكيو). رفوف المكتبات هي متاريسه، القراء سلاحه، ورواياته محاطة بالحبر «المقدس» وبالضوء. إذا كان الكاتب صادقًا فإنه سيعرف كيف يمنح بعض الثقة لمغتابيه، ولجرعته السحرية، وللإقصاء الذي يصيبه بالزهد، وللألوان التي يشكل له الناس منها أقواس قزح زاهية. سيقول له كوكتو: «ما سنؤنّبك عليه، شذبه… الأمر عائد إليك»، وسيبوح له غوغول: «المجد لا يصيب بالرعدة إلا الأرواح الجديرة به» وعندما، تحت ثقل الانسحاق أحيانًا، يتخلى الكاتب عن الشكوك والمخاوف، فإنه سيستيقظ مرفوع الرأس من فرحة كونه شجاعًا في عالم مستسلم للدوائر المغلقة ولحجرات الحراسة المظلمة. بما أنه ليس هنالك من فرح حقيقي سوى تلك الأفراح التي تخلصنا من التحشيد بحيث تبقى حريتنا غالية «غلاوة» الحب.

من أكون؟

اسمي هو محمد مولسهول، جزائري، وبعمر الثانية والستين عامًا، روائي، تُرجمتْ أعمالي داخل خمسين بلدًا إلى 43 لغة. لقد مارست تأثيرًا على ملايين القراء في العالم (5 ملايين في فرنسا وحدها) مع ذلك فقد بقيت غير معروف داخل معظم البلدان العربية باستثناء المغرب حيث أُقرأ بكثرة هناك.

اليوم أقدم نفسي للقارئ السعودي والعربي. لم أذهب إلى المملكة العربية السعودية إلا مرة واحدة، في ديسمبر من عام 2013م، لأداء العمرة برفقة زوجتي. ولقد استفدت من مروري على جدة لمقابلة فنانين ومثقفين سعوديين. وإنني لأحتفظ من لحظات المشاركة تلك بذكريات لا تنسى.  ولدتُ في الصحراء الجزائرية، في صبيحة العاشر من يناير 1955م. وأنحدر من سلالة من الشعراء والفقهاء الذين عملوا على تشكيل الوعي والحكمة لدى القبائل خلال ستة قرون: المولسهوليون الذين خدموا في الزاوية التي تحمل اسمهم. في ذلك الوقت، كانت السورا (البلدة التي وُلدت فيها) نقطة التقاء لا مفرّ منها للباحثين عن المعرفة والإيمان، وكان أكثرهم شهرة الأبيض سيد الشيخ (الجد الأكبر لأولاد سيد الشيخ) الذي عاش في القرن التاسع عشر. وكان أحمد مولسهول، وهو عالم متجول، قد عَلَّم في فاس وفي تافيلالت وفي تلمسان قبل أن يوافيه الأجل على طرقات التيه في إقليم سبدو في الغرب الجزائري. ولا يزال ضريحه ينتصب على التل حيث فارقته روحه. في صغري، كنت أحس بأن دماء لها مذاق الحبر تجري في عروقي. وكانت الموسقة المقفاة تقذفني بمنجنيق آلاف النشوات. لقد كنت مفتونًا بالمطلق. لم أكن أعرف بعد أن أربط سيور حذائي عندما كنت أرتجل ما يشبه الأغاني أمام إخوتي، كلمات لا ذيل لها ولا رأس لكن التي كان لها رنين اعتذاري كرنين الأجراس. كنت ألتهم كل كتب الأطفال التي أصادفها.

كتبت قصتي الأولى في سن الحادية عشرة. وصدرت مجموعتي القصصية الأولى «الحرية» عن منشورات (إينال الجير) وأنا في سن السابعة عشرة. لقد كنت صبيًّا متوحّدًا حباه الله قلبًا منشدًا كما لو كنت أعرف سلفًا، في ذلك العمر العذري، أن الحياة التي تنتظرني لا تملك لي شيئًا من العطالة. في التاسعة من عمري، عهد بي أبي، وهو ضابط في جيش التحرير الوطني إلى مدرسة عسكرية، هي مدرسة أشبال الثورة (صممت لاستقبال أيتام الحرب الجزائرية) كي يجعل مني قائدًا عسكريًّا. وكانت هذه المدرسة  تقف على النقيض من طبيعتي. فقد كانت مدرسة متزمتة ومرعبة أحيانًا، ظالمة بنظامها السجني تقريبًا ولقد صاغتني، بواسطة نظامها الصارم، داخل القسوة وطول البال. وهي التي ستسمح لي أن أحدد، فيما بعد، على نحو أوضح العنصر الإنساني الذي سيشكل لي عظيم الفائدة، في صيرورتي كاتبًا. كانت مدرسة الطلبة (المشوار، تلمسان) عبارة عن حصن قروسطي بحيطانها التي بدت لي أكثر علوًّا من الجبال. كان يتملكني الانطباع بأنني أتضاءل في وسط لونها الكابي ومخاطرها. كانت مطالعاتي تهدف، لا شك في ذلك، إلى أن أطرح عني وضعية العصفور ذي الأجنحة المجهضة. فقد كان كل كتاب يغدو لي بمثابة بساطي السحري الطائر. الذي يقودني إلى هناك، إلى حيث يضوع العالم روائحه الطيبة، وحيث تكون الزهور في أوج تفتحها والشخصيات جذابة. إذ كان يعيد موضعة أحلامي المصادرة.

شاعر كالمتنبي

أكتب بالفرنسية لأنني أحب هذه اللغة. عندما أكتب بالفرنسية لا أواجه أية تعقيدات. بخلاف ذلك، عندما أقترف قصائد بالعربية؛ إذ يذهب بالي إلى مفدي زكريا وإلى أبي القاسم الشابي وإلى الشعراء العباسيين، وإذ أفعل ذلك أكتشف أنني بعيد عن موهبتهم. بالنسبة لي ليس ثمة أدب أطفال ولا أدب أبيض، يوجد فقط كُتَّاب. بعضهم يكون استثنائيًّا وبعض آخر أقل استثنائية. بيد أنهم جميعًا يصدرون جميعًا عن السخاء وكرم الذات. اختيار النوع لدي يتجاوب مع مهارات شخصياتي. بعضهم يريدون أن يعبروا عن ذواتهم من خلال الروايات البوليسية وبعض آخر من خلال الحكم الرومانسية، وهناك من يريد أن يعبّر من خلال الكتابة الكلاسيكية. بوصفي ابنًا لثقافتين: العربية – البربرية من ناحية، والثقافة الغربية من ناحية أخرى، أسمح لنفسي بأن أقترح على قرائي أسلوبي في رؤية سوء الفهم الكبير لقرننا، وهو ما قمت به في كل من «الصدمة» و«حوريات بغداد» و«سنونوات كابول» و«المعادلة الإفريقية». ليس لدي أي عرّاب في الأدب لكن لدي الكثير من الأوثان. إنني شديد الإعجاب بالكُتَّاب. إنهم شعبي السماوي. كل الكتاب الجيدين والأقل جودة جردوني من الألياف الحساسة. أحب الكُتّاب الروس من غوركي إلى أوستروسكي، والكُتاب الأوربيين، والأميركيين، والآسيويين، والمؤلفين العرب من الرائع طه حسين إلى النهر الذي لا ينضب نجيب محفوظ مرورًا بالجزائري مالك حداد والمغربي أحمد سفراوي والقائمة لا تنتهي. جنسية الكاتب لا تهمني؛ إذ إنني عندما أقرأ فإنني أحلم وأعيد بناء نفسي. كل السخاء يجد صدى له داخل قلبي وداخل روحي.

ترجمة: محمد أحمد عثمان – روائي ومترجم يمني