الثلاثاء - 3 ربيع الأول 1439 هـ , 21 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كتب
  3. توماس غينولي يسير عكس التيار ويفكك الإسلاموفوبيا

توماس غينولي يسير عكس التيار ويفكك الإسلاموفوبيا

هاشم صالح - كاتب سوري
نشر في: الأحد 05 نوفمبر 2017 | 07:11 ص
757 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

هذا الكتاب «هلوسات مرضية تجاه الإسلام. لماذا تشيطن فرنسا المسلمين» لتوماس غينولي، الصادر حديثًا في الساحة الباريسية يستحق أن يقرأ لسببين أساسيين: أولهما أنه يسير عكس التيار الجارف في الغرب. وهو تيار معادٍ للإسلام ومتخوف منه جدًّا بعد التفجيرات الدموية التي فجعت فرنسا وألمانيا وبلدانًا أخرى. وثانيهما لأنه يضع النقاط على الحروف فيما يخص وضع الجالية العربية الإسلامية في فرنسا. إنه يكشف الحقائق الدامغة. وهذا شيء مدهش فعلًا ويستحق الإعجاب والتقدير. عنوان الكتاب في حد ذاته يعد استفزازًا كبيرًا لجماعات الإسلاموفوبيا. قد تتخيلون أن مؤلفه شخص عربي أو حتى باحث أصولي. أبدًا لا. إنه باحث فرنسي قح. وهذا يعني أن محبي الحقيقة موجودون في كل الأمم والشعوب. فمن توماس غينولي يا ترى؟ قبل أن ندخل في صلب الكتاب ينبغي لنا أن نعرف شيئًا ما عن هذا الباحث الجديد الصاعد حاليًّا في الساحة الفرنسية وغير المعروف عربيًّا.

أولًا- إنه باحث شاب جدًّا من مواليد 1982م أي لا يتجاوز الخامسة والثلاثين عامًا. وهذا يعني أنه نبغ علميًّا وتوصل إلى أعلى الشهادات في وقت قصير. فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. وقد عين أستاذًا في جامعة كريتيه شرق باريس حيث كنت أسكن منذ زمان لسنوات طويلة. وهو الآن أستاذ في معهد العلوم السياسية بباريس. كما أنه مستشار لكثير من وسائل الإعلام الفرنسية كالفيغارو واللوموند وراديو فرنسا الثقافية والنوفيل أوبسرفاتور… إلخ. وقبل هذا الكتاب الجديد كان توماس غينولي قد نشر كتابًا مهمًّا عام 2014م بعنوان استفزازي مثير جدًّا: هل يأكل شباب الضواحي الإسلامية الأطفال الفرنسيين؟ وكشف فيه أن الصورة الشائعة عن شباب جاليتنا العربية الإسلامية خاطئة كليًّا. لا ريب في أنه توجد لديهم شريحة منحرفة وعدوانية بل مجرمة، لكنها لا تتجاوز نسبة 2%. هذا في حين أن المجتمع الفرنسي يعتقد أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة. ويتساءل الباحث: ماذا نفعل بالـ 98% المتبقين من المسلمين؟ هل نعدهم غير موجودين؟ إنهم فقراء في أغلبيتهم ويعيشون بصعوبة ويكدحون طيلة النهار. ولكن على الرغم من فقر أغلبيتهم ومعاناتهم فإنهم أشخاص مسالمون طيبون لا يؤذون أحدًا. وكل ما يطلبونه هو أن يعترف بهم المجتمع الفرنسي بصفتهم مواطنين مثل غيرهم؛ لأنهم يحملون الجنسية الفرنسية في معظمهم. وقد ولدوا في هذا البلد ولم يعرفوا سواه. بل يثبت الباحث على أن شبيبة الجالية قطعت مع التدين الأصولي المتزمت مثلما فعلت الشبيبة الفرنسية المسيحية قبل جيل أو جيلين. والأخطر من ذلك هو أن المؤلف يتّهم المجتمع الفرنسي بأنه يسجن شباب المهاجرين داخل صورة سلبية جدًّا على الرغم من أنهم في أغلبيتهم حائزون الجنسية الفرنسية. ولكنه لا يعاملهم بصفتهم فرنسيين على الرغم من ذلك.

والحق أن مانويل فالس رئيس الوزراء السابق اعترف بوجود نظام الأبارتايد الذي يصيب جالياتنا العربية المسلمة ويهمشها. هذا وقد قدم المفكر المعروف إيمانويل تود للكتاب واصفًا اياه بأنه «كتاب نضالي من أجل قضية شريفة. ثم قال: لقد أصاب كتاب توماس غينولي الهدف بسرعة وعدالة وقوة». وميزة الكتاب هي أنه يكشف عن البؤس الاجتماعي أو الفقر المدقع الذي تعيشه جالياتنا في الضواحي المحيطة بالمدن الفرنسية كالزنار. ولكن يبدو أن أطروحته عن انحسار الأصولية في الضواحي متسرعة. فالأبحاث الميدانية لجيل كيبل ومروان محمد وهوغ لاغرانج تنفي ذلك وتبين أن التيارات الإخوانية والسلفية منتعشة الآن في بعض أوساط الجالية الكريمة. أيًّا كان من أمر فإن الصحافي الكندي جان فيليب سيبرياني أثنى على الكتاب قائلًا: إنه يدحض ويفكك أطروحات إريك زمور وآلان فنكيلكروت وعموم اليمين المتطرف عن الإسلام والمسلمين الفرنسيين.

التعصب الديني محصور في أقلية

توماس غينولي

ننتقل الآن إلى الكتاب الجديد الذي ابتدأنا به هذا الحديث وصدر قبل شهرين فقط في العاصمة الفرنسية. فما أطروحاته يا ترى؟ ما الإضاءات الجديدة التي قدمها عن الإسلام الفرنسي والجاليات العربية الإسلامية الضخمة التي تتجاوز خمسة ملايين شخص في بلاد موليير وفولتير؟ أولا نلاحظ أنه تكملة للكتاب السابق مع إضافات جديدة ومهمة بطبيعة الحال. فعندما أصدر كتابه السابق قبل عامين لم تكن التفجيرات الإرهابية قد أصابت باريس ونيس وسواهما من المدن الفرنسية. ولكن على الرغم من ذلك فإن الباحث الشاب مصرّ على القول بأن التعصب الديني محصور بأقلية قليلة من المسلمين داخل المجتمع الفرنسي. ومع ذلك فإن هذا المجتمع يشكل عن الجالية الكريمة صورة جماعية شبه جنونية أو هذيانية. لقد تحول الإسلام إلى فزاعة للفرنسيين والألمان على الرغم من أنه دين الرحمة والمغفرة. في كل الأحوال فإن المجتمعات الأوربية تشكل عن الإسلام صورة خيالية مخالفة للواقع. وهذا ما يريد أن يكشفه الباحث ويبرهن عليه. وهذا ما يدعوه بمصطلح قوي من الناحية السيكولوجية: الهوس المرضي بالإسلام، أو الخوف الهذياني من الإسلام. ويرى الباحث أن الكليشيهات الشائعة عن دين الله هي مجرد أحكام مسبقة لا تصمد أمام الامتحان.

ونلحظ أنه يركز هجومه على جيل كيبل على الرغم من أنه ينتمي إلى جيل أساتذته. من بين الكليشيهات التي يفككها الباحث أو يفندها ما يأتي: أولًا- جيل كيبل يقول بأن النزعة الطائفية الدينية أصبحت غالبة على مسلمي فرنسا. ولكن التحريات الميدانية أثبتت أن عدد المسلمين المنتسبين إلى جمعيات دينية إخوانية أو سلفية متشددة لا يتجاوز نسبة الـ 6%. فأين ذهب الـ 96% الباقون؟ هل نعمّم الستة بالمئة على أكثر من تسعين بالمئة؟ هل نأخذ الصالح بجريرة الطالح. هنا يكمن الخلل في أطروحة جيل كيبل. إنها صحيحة لكنها لا تنطبق إلا على نسبة قليلة من المسلمين. نقول ذلك وبخاصة أن المسلمين يعيشون في مجتمع حداثي علماني ليبرالي ولا بد أن يتأثروا به بشكل أو بآخر. فبعد العيشة الطويلة في مجتمع ما لا بد أن تتطبع به بشكل ما. والمثل العربي يقول: من عاشر القوم أربعين يومًا صار منهم. فما بالك بالشهور الطويلة والسنوات الكثيرة والإقامة الدائمة لجالياتنا في الغرب. هذا لا يعني أن المسلمين تخلوا عن عروبتهم أو إسلامهم لكن ما عادوا يفهمون الهوية بشكل ضيق متزمت كما يحصل في بعض البلدان المحافظة جدًّا. إنهم يفهمون دينهم بطريقة متسامحة ومنفتحة على الآخر ومحترمة له ولخصوصيته.

تحليل جيل كيبل خاطئ

ثانيًا- يقول جيل كيبل بأن هناك لوبي إسلاميًّا في طور الانبثاق والتشكل في فرنسا. وهدفه الضغط على الانتخابات الفرنسية من نيابية ورئاسية بل محلية. ولكن هذا كلام فارغ في رأي الباحث توماس غينولي. فالحزب الإسلامي الذي تشكل مؤخرًا لم يحصل في الانتخابات إلا على نسبة 4، 0 بالمئة. فلو كان هناك لوبي حقًّا لحصل على نسبة ضخمة تتناسب مع ضخامة الجالية التي تتجاوز خمسة ملايين وبعض يقول: ستة ملايين.

ثالثًا- يرى جيل كيبل أن مصطلح الإسلاموفوبيا، أي معاداة الإسلام وكرهه في فرنسا، هو من اختراع الأصوليين الإسلامويين. ينتج عن ذلك أن كل باحث يعترف بوجود ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا هو بالضرورة «أبله مفيد» للأصوليين. ومصطلح «الأبله المفيد» يطلق عادة على المثقفين الحداثيين الذين يركبون الموجة الأصولية أو ينبهرون بها لسبب أو لآخر. ثم يخدمونها عن طيب خاطر وبكل سذاجة. إنهم مثقفون مغفلون ليس إلا. ولكن تحليل جيل كيبل خاطئ في رأي توماس غينولي. لماذا؟ لأن علماء الاجتماع الفرنسيين في بداية القرن العشرين هم الذين اخترعوا مصطلح الإسلاموفوبيا وليس المسلمون أنفسهم. يضاف إلى ذلك أن هذا المصطلح الشهير مستخدم من جانب عشرات الباحثين العلميين في مختلف الدول الأوربية.

رابعًا- يقول الروائي الشهير ميشيل ويلبيك: إنه اعتمد على أبحاث جيل كيبل في كتابة روايته «خضوع» الصادرة عام 2015م. وفيها يقول الكاتب: إن فرنسا سوف تنتخب عام 2022م رئيسًا مسلمًا يدعى محمد بن عباس! وسوف تنتهي الحضارة الفرنسية العلمانية الحداثية عندئذ. لماذا؟ لأن هذا الرئيس الجديد سوف يؤسلم فرنسا كليًّا. وسوف يحلّ الشريعة والقوانين الدينية محلّ القوانين المدنية. وعلى هذا النحو سوف يفرض قانون تعدد الزوجات مثلما في البلدان الإسلامية المحافظة. وسوف يمنع الاختلاط بين النساء والرجال. وسوف يحبس المرأة في البيت ويمنعها الخروج إلى العمل. وسوف يجبر الفرنسيات على لبس الحجاب، بل حتى النقاب بدلًا من التنورات القصيرة الشائنة. ويصل ويلبيك في هذياناته البارانوية إلى حد القول بأن السوربون سوف تتحول إلى كلية شريعة إسلامية! يضاف إلى ذلك أن الوظائف العليا الحساسة في الدولة سوف تصبح حكرًا على المسلمين فقط.

يقول الباحث توماس غينولي معلقًا: هذا السيناريو هذياني وجنوني بالخالص. لا ريب في أن الكاتب توصل إلى رواية خيالية من أعلى طراز فنيًّا…؟ المهم في الأمر هو أن توماس غينولي يقول بالحرف الواحد: إن ميشيل ويلبيك مخطئ تمامًا في تصوراته الهذيانية. فالجالية الإسلامية الفرنسية في أغلبيتها الساحقة مضادة للتعصب والظلامية الدينية.

أسباب متداخلة لظاهرة الإسلاموفوبيا

أخيرًا، ماذا يمكن أن نقول عن هذا الكتاب؟ ماذا يمكن أن نستخلص منه؟ أولًا ينبغي الاعتراف بأن فرنسا بلد حضاري وديمقراطي ولولا ذلك لما سمحت للمؤلف بأن يعبر عن آرائه بكل حرية. وهي مخالفة لآراء جيل كيبل المسيطر على الساحة والمُتبنى من جانب المراجع العليا. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أبحاث جيل كيبل عن الحركات الأصولية قد أصبحت مراجع عالمية. قد لا تنطبق على الجالية الإسلامية في فرنسا إلا بشكل جزئي ضيق كما بين توماس غينولي. لكنها تنطبق حتمًا على حركات التطرف التي ظهرت في العالم العربي طيلة نصف القرن المنصرم… وعلى أي حال فهناك أسباب متداخلة ومتشابكة لظاهرة الإسلاموفوبيا. أولها التفجيرات الإجرامية بطبيعة الحال. فقد هزّت فرنسا وأوجعتها وأقلقتها. وثانيًا خوف فرنسا من الأفول والانحطاط الديمغرافي. وثالثها إرث القرون الوسطى المعادي للإسلام والمتجذر في الذاكرة الجماعية. ورابعها حرب الجزائر التي لم تُنسَ حتى الآن. وخامسها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. كل هذه العوامل المتضافرة أدت إلى انتشار الإسلاموفوبيا. لكن على الرغم من كل ذلك فقد أثبت الشعب الفرنسي أنه شعب ناضج حضاريًّا ولم يستسلم للغضب العارم وردود الأفعال بعد التفجيرات الأخيرة. ولولا ذلك لهاجت هائجته على العرب والمسلمين، ولجرت الدماء أنهارًا في شوارع باريس ونيس ومارسيليا وسواها…

اترك تعليقاً