الثلاثاء - 3 ربيع الأول 1439 هـ , 21 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. فنون / مسرح
  3. «كلباء للمسرحيات القصيرة 6»: دراما الراهن في مرايا الكلاسيكيات أعمال تعالج الوجود الإنساني وشيوع ثقافة العنف وتدهور مكانة المثقف والفنان

«كلباء للمسرحيات القصيرة 6»: دراما الراهن في مرايا الكلاسيكيات أعمال تعالج الوجود الإنساني وشيوع ثقافة العنف وتدهور مكانة المثقف والفنان

عصام أبو القاسم - كاتب سوداني
نشر في: الأربعاء 01 نوفمبر 2017 | 07:11 م
414 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

سجل مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة في الشارقة حضورًا مميزًا في دورته التي اختتمت أخيرًا. في الندوات النقدية التي استضافها المهرجان، كما في التعليقات المواكبة لفعاليات التظاهرة التي كانت تنشرها الصحف يوميًّا، وصل الانفعال بالمستوى المتطور للعروض، وبخاصة من الناحية التقنية، إلى حد وصفها بـ«العروض المحترفة»، في إشارة إلى ما اتسم به الأداء التمثيلي فوق خشبتها من دقة وانضباط وطواعية، وكذلك ما طبع مناظرها من تدبير حاذق وانسجام دال، سواء في أشكالها أو ألوانها أو فراغاتها وغير ذلك من مكوناتها.

المهرجان الذي انطلق للمرة الأولى عام 2012م، هدفه تأهيل وتطوير المواهب المسرحية ولهذا الغرض تنظم سنويًّا دورة تدريبية تستمر لثلاثة أشهر قبل انطلاق كل دورة من دوراته، وتشمل حصص التدريب مجالات ثلاثة هي: «الإخراج» و«التمثيل» و«السينوغرافيا». وفيما يتصل باللائحة المنظمة للمهرجان فهي تتسم بالمرونة؛ إذ لا تشترط سوى أن يقدم العرض باللغة العربية، وأن يعتمد في بناء مشهديته على الأداء التمثيلي ومجموعة من المجسمات الخشبية التي يوفرها المهرجان، وذلك من مبدأ العمل بكلفة مادية أقلّ وخيال أكثر. وفيما يتعلق بنصوص العروض فالمهرجان يركز على أعمال من مكتبة «المسرح العالمي» اتساقًا مع منهجه التعليمي الذي يوازي بين المعارف التقنية والوعي الثقافي في تمكين منتسبيه وتعزيز خبراتهم المسرحية. وفي مجال يصعب فيه على المرء أن يسجل أو يحقق حضوره المسرحي ما لم يكن منتسبًا لفرقة من الفرق المعتمدة رسميًّا في الدولة. ساعد المهرجان، خلال سنواته الست الماضية، عددًا من الطامحين إلى أن يكونوا فنانين مسرحيين وبات منصة بديلة، لتطلعاتهم وأحلامهم، وبخاصة الشباب منهم. عشرة عروض شهدها الجمهور هذه السنة، بعد أن أدرجتها لجنة فنية مختصة، في فئتين: (داخل المسابقة) و(خارج المسابقة)، لتتنافس ستة عروض على جوائز المهرجان وتقدم البقية على الهامش. ومع أن هذه العروض الستة اشتغلت في معظمها على نصوص تعد من الكلاسيكيات في أيامنا هذه، كما أن كتّابها ليسوا عربًا، إلا أنها بدت جديدة وقريبة الصلة بالمشهد الاجتماعي العربي. الإنسان ومعنى وجوده في هذا الكون، وعقبات عمل المؤسسات الإدارية في المجتمع وشيوع ثقافة العنف والمكانة المتدهورة للمثقف أو الفنان في المجتمع، والدكتاتورية.. كل هذه الموضوعات تناولتها العروض وقدمتها في صور ومشهديات جاءت هي الأخرى، بطبيعة الحال، متنوعة ومتباينة في تكويناتها وعناصرها.

ذاكرة

من مسرحية الذاكرة والخوف

في العمل الموسوم بـ«استعد» وهو من تأليف التركي عزيز نيسين (1915- 1995م)، وإخراج شعبان سبيت، استعارة فنية مكثفة حول المعنى الذي يسبغه الإنسان على الحياة حين يكون صاحب مكان ومكانة وحين يكون بلا شيء. ففي العرض، يستثار الجنرال السابق الذي بات كهلًا وأعمى، ويستعيد ذكريات عزّه في اللحظة التي يشعر فيها بالشك ويظن أن حارسه الشخصي الذي خرج معه في نزهة إلى البحر، قد يكون استغل فقدانه البصر ولم يذهب به إلى موقعه المعتاد من الشاطئ. وعلى الرغم من أن النص يستند إلى حضور شخصيتي «الجنرال» و«الحارس» فوق الخشبة، فإن المخرج شعبان سبيت، عمد إلى استدعاء جانب من حياة الجنرال السابقة، ما قبل التقاعد، عبر جملة من اللوحات المشهديّة، مستعينًا ببعض الممثلين ليتوسع فضاء التشخيص بين بعدين اثنين: الماضي والحاضر، كما تخفف العرض من ثقل طابعه السردي وصار أكثر إيقاعيّة وحيويّة. وبدا كما لو أن المخرج شعبان سبيت ركز على إظهار البعد النفسي وخصوصًا في الأسلوب الأدائي لدور «الجنرال» (قام به شعبان نفسه)، سواء في حركته أو إشاراته وتعبيرات وجهه أو تلوينات صوته تبعًا لحالاته الشعورية، ولعله أفلح في تجسيد معاناة الجنرال، بحيث تبدو صورته فوق الخشبة معبّرة عن اضطرابه وضعفه، فيما هو يستعرض شريط حياته المعقدة، بين خطوط الانطلاق والتوتر والانكسار.

أغنية أخيرة

في العرض المعنون بـ«أغنية طائر التم»، تأليف أنطوان تشيخوف (1860- 1904م) وإخراج أحمد الله راشد، نحن مع «ممثل مسرحي»، هذه المرة، تقدم به العمر هو الآخر وفقد حيويته وجمهوره ووهجه، وراح يبكي أيامه الأولى. شارك مخرج العمل زميله عبدالله الخديم في ترجمة النص إلى العربية وإعداده، واتفقا على استخدام عنوانه حتى يتداخل العمل مع الفكرة الشائعة التي مفادها أن طائر التم لا يغني سوى مرة واحدة وتحلّ حين يأتي ميقات موته. وكان عنوان النص الأساس للكاتب الروسي هو «أغنية البجعة». يشعر الممثل، (قام بالدور عبدالله الخديم) بحالة هي مزيج من اليأس والاستياء والعزلة، عقب تقديمه لعرض مسرحي خلت صالته إلا من القليل، وتنحى في مخزن قصي وراء الخشبة، وأخذ يتداعى حزينًا وكئيبًا، فيدخل عليه «الملقن»، ويبدأ في مواساته وتخفيف وطأة حزنه مشجعًا ومحمسًا له، إلا أن الممثل يبقى على حاله بل يتفاقم حرجه وانهياره حين يستعيد مشواره أيام تألقه وشبابه، ويبدأ في سرد سيرته مع الخشبة والنصوص والجمهور على مدار سِنِي عمره، وقد تحولت، اليوم، إلى حفنة تراب في قبضة يده المهتزة. صمم المخرج أحمد عبدالله راشد (الذي قام بدور الملقن) فضاءً عرضه في هيئة عامة لغرفة أغراض مسرحية: أزياء وإكسسوارات ومساند وتجهيزات مكياج وإضاءة، وقد تراكمت واحتشدت بشكل فوضوي، وقد بدت خلال العرض على صورتين؛ ففي مرة بدت مثل سجن يضيق على الممثل ويحشر حركته في نطاق ضيق، في دلالة على الانحصار والانقباض؛ وفي مرة أخرى، وبخاصة حين أخذ الممثل يستعيد الأنماط الأدائية التي قدمها والأدوار التي ظهر بها فوق الخشبة فيما مضى، وأخذ يجسدها أمام عين الملقن، فلقد كانت الغرفة المخنوقة تتحول إلى فضاء مسرحي رحب يتكون من خشبة مسرح وصالة.. تشع بالأضواء والألوان ولا يعوزها الجمهور.

تيه

من الممكن، أن ننظر في سياق هذا النوع من المسرح، الذي يركز على أوجاع الذات في علاقتها بالمجتمع كما ظهر في العرضين السابق ذكرهما، إلى عرض «العميان» تأليف موريس ماترلينك (1862- 1949م) وإخراج يوسف القصاب، القصاب الذي سجل اسمه بقوة كصائغ حريف للصور البصرية الثرية، حين مزج الألوان والأضواء والظلال والعتمات والأزياء، وجعل الخشبة أشبه بغابة إسكندنافية مفعمة بالبرد. في عمله الذي قدم ثلة من العميان فقدت سبيلها إلى الملجأ، وتاهت في غابة كثيفة في يوم شديد البرودة؛ وأخذت تسأل: أين الطريق إلى العودة؟ وإلى أين يمكن أن يأخذ هذا المسار إلى الأمام أم إلى الخلف؟ ومَن يمكن أن يأتي؟ ومِن أين تصدر هذه الأصوات؟ وفي أي وقت يحصل هذا؟ هذه هي الأسئلة التي تطرحها المجموعة التائهة من فاقدي البصر، في يأس وقلق وخوف؛ وفي تلك الأثناء تتحرك وتتماسك وتتنافر في نموذج مسرحي مصغر لضياع الإنسان في غابة العالم. وقد فاز العرض بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.

بيروقراطية وعنف وتسلط

العروض الثلاثة الأخرى التي تنافست لنيل جوائز المهرجان ارتكزت على ثيمات أخرى، فعرض «سترة من المخملين» من تأليف البلغاري ستانسلاف ستراتييف (1941- 2000م) وإخراج رامي مجدي، نقلنا إلى خط يتصل بالنظم والقوانين المدنية والإدارية وأشكال الوعي بها وتطبيقها بين الموظفين والمواطنين. وذلك بالاستناد إلى موقف تعرض له الأستاذ الجامعي «إيفان» الذي انقلب يومه المستقر انقلابًا تامًّا حين اشترى سترة صوفية من بائع في السوق، وصادف أنها غير مشذبة فدلَّه صديقه على قروي متخصص في قص وتشذيب الصوفيات. يتمنع القروي ولا يُلبِّي طلب إيفان، فيتدخل «إيفغيني» ويدفع له بعض الجنيهات، فيوافق القروي الذي يرعى مجموعة من الأغنام، لكنه يطلب تسجيل السترة كملكية خاصة بالسيد إيفان ولا تتبع للقطيع الذي يرعاه لئلا يقع في مخالفة إدارية. ولم ينتبه السيد إيفان إلى أن سترته جرى تقييدها بوصفها «غنمة» وأنها من أملاكه. ولاحقًا سيدفع الأستاذ الجامعي وقته وجهده ثمنًا لإثبات أنه لم يتملك في أي يوم غنمة؛ وذلك حين تطالبه السلطات برسوم ملكية وبغير ذلك من واجبات على مالكي الأغنام.

من عروض المهرجان

في مقاربته الإخراجية عمد رامي مجدي إلى تغليب الطابع الكاريكاتيري في الشكل العام لعرضه، وهو ما أظهر حيوية لافتة في توظيفه مناطق خشبة المسرح إذ لم يوفر حتى صالة الجمهور؛ سواء بقطع الديكور أو من خلال حركة الممثلين، محولًا خشبة المسرح إلى صورة مجسمة للرؤية الساخرة المضمنة في النص، وبخاصة من خلال أسلوب الأداء التشخيصي الذي تكامل مع الطابع التهريجي للأزياء، بتصميماتها وألوانها اللافتة، وكذلك مع المسامع الصوتية المحاكية لبرامج «المقالب» التلفزيونية. وتداخلت كل هذه الحلول، بشكل متناغم ومنسجم، معمقة للأبعاد الهزلية والهجائية أيضًا التي تضمنها العرض. وقد حاز العرض جائزةَ التمثيل (لبنى حسن).

أما عرض «71 درجة» من إعداد مهند كريم وعبدالله الجروان وأحمد أبو عرادة، والمستوحى نصه من مسرحية «تيتوس أندرونيكوس» لوليم شكسبير، فنهض على إسباغ طابع عصري على الحكاية العنفية التي صورها شكسبير في مسرحيته مستندًا إلى صراعات العرش الروماني التي كانت تزداد ضراوة وحروبًا بمطامع الرجال: إما في النساء أو في السلطة. يستعير عرض مهند كريم بعض المشاهد من المسرحية الشكسبيرية ولكن لبناء نص مسرحي آخر، نص جديد يصور حالة انتقام «تيتوس» من «سارنين»، في سياق جديد؛ فالأخير قتل ابنة الأول وصورها وبعث بصورها وهي قتيلة إلى والدها، وها هو الآن وقد وقع في التجربة ذاتها التي مرت بها القتيلة، فهو في قبضة الوالد المكلوم وعلى وشك أن يعذب ويقتل ويصور من الجميع وتعمم حالة قتله تعميمًا. ويذكر العرض بطابعه هذا بكثير من قصص القتل والانتحار التي انتشرت في وسائط التواصل الاجتماعي على نحو يظهر المدى الذي بلغه استرخاص حياة الإنسان. وقد فاز هذا العرض بجائزتي التمثيل «رجال: أحمد أبو عرادة. ونساء: دينا بدر».

أما العرض المتوج بجائزة المهرجان الكبرى فلقد جاء تحت عنوان: «الذاكرة والخوف» وهو مستلهم عن مسرحية «الملك لير» لوليم شكسبير، وقد اتسم بالدينامية في عناصره السمعية والبصرية مجملة. استند العرض إلى الخط الرئيس في مسرحية «الملك لير» التي تحكي عن ملك يوزع ملكه على بناته الثلاث حين يتقدم به العمر ويرغب في الراحة، لكنه يريد اختبار محبة وإخلاص كل واحدة منهن له!

من هنا، أي من لحظة انهيار المملكة وسقوطها.. يبدأ نص «الحريق» الذي كتبه المسرحي العراقي الراحل قاسم محمد، وعمد المخرج الواعد سعيد الهرش إلى إعداده بطريقته وإخراجه، حيث نكون بإزاء لوحة مسرحية أشبه بمحاكمة قضائية، يُجابه فيها الملك بأسئلة البُهلُول حول مسؤوليته عما لحق البلاد من خراب حين قسم المملكة بين بناته بلا حكمة أو تبصر. حشد الهرش الخشبة بأكثر من «بُهلُول»، أو هو مزج بين شخصية البهلول والشعب، فرأينا بَهاليل في جميع مناطق الخشبة وقد ارتدوا لباس القضاة وحاصروا الملك بأصواتهم ووجوههم وضيقوا عليه المكان. كما وظف المخرج المجسمات الخشبية في أشكال عمودية، بحيث تبدو أشبه بمنصات القضاة في حين، وفي حين آخر تتحول إلى مطارق وأعمدة عمرانية وعلب نارية. وقد وضع المخرج وسط الخشبة «كرسي الملك» الذي بدا أقصر مقارنة بمنصات البهاليل/‏ القضاة. ولإضفاء مسحة راهنية على العمل عمد المخرج إلى إظهار «الملك» في لباس عصري، كما بنى بعض المشهديات التمثيلية بلهجات عربية (عراقية وسورية… إلخ) لفتح دلالة العرض على ما يحصل في الجغرافية السياسية العربية. فاز هذا العرض بجوائز عدة في السينوغرافيا والإخراج والتمثيل إضافة إلى الجائزة الكبرى.

المهرجان الذي ضمّت لجنته التحكيمية خليفة التخلوفة وأيمن الخديم من الإمارات، وزينة ظروف ووليد قوتلي من سوريا، وحافظ خليفة من تونس، حفل بكثير من الأنشطة المصاحبة مثل: الملتقى الفكري الذي جاء تحت عنوان: «المسرح العالمي.. المفهوم وحدوده» وكذلك الدورة الخامسة من ملتقى الشارقة للبحث المسرحي.

اترك تعليقاً