الثلاثاء - 3 ربيع الأول 1439 هـ , 21 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كُتاب-الفيصل / مقالات
  3. كافكا الذي يشبه أبطاله

كافكا الذي يشبه أبطاله

كاتب بحريني - محمد عبدالملك
نشر في: الأربعاء 01 نوفمبر 2017 | 07:11 ص
89 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

يعتبر فرانز كافكا (١٨٨٣ – ١٩٢٤م) الكاتب التشيكي الذي يكتب باللغة الألمانية رائدًا للكتابة الغرائبية في العالم؛ تلك الغرائبية التي كانت تشكل مجمل حياته المليئة بالغرابة والقلق والتردد والخوف. كانت الغرائبية سمة من سمات سلوكه اليومي العادي، فجاءت كتاباته متشكلة من هذا المزيج الملتبس القائم في هذه الحياة. من هذا المفهوم المراوغ والحقيقي تشكلت كتاباته التي مست معاناة الإنسان في المجتمع الرأسمالي الذي يفقد فيه الفرد الشعور بالأمان والطمأنينة. آخر ما اختتم به كافكا حياته القصيرة التي لم تتجاوز الأربعين إلا قليلًا كان حدثًا غريبًا أيضًا بدوره؛ حيث أوصى صديقه الحميم ماكس برود أن يحرق جميع كتبه التي ستصبح بعد موته واحدة من أبرز إبداعات الأدب العالمي الحديث في القرن العشرين؛ إذ إن ماكس برود خالف وصية كافكا، وقام بنشر كتبه التي تركت تأثيرها على كتابات قامات إبداعية كبيرة مثل ألبير كامو، وميلان كونديرا، وجوزيه ساراماغو، وصنع الله إبراهيم -من الكتاب العرب- الذي استخدم في رواية «اللجنة» التقنية الكافكاوية، بأبعادها وأجوائها الكابوسية. لو نفّذ ماكس برود وصية كافكا لحرم القرّاء من متعة رواياته، ولما استفاد هؤلاء الكتاب من تقنياته التي ألهمتهم روائع من الأدب العالمي. مؤلفات كافكا التي نشرها ماكس برود فاجأته كثيرًا حيث لاقت رواجًا كبيرًا لم يتوقعه، ولَم يكن يحدث ذلك لولا أنها كانت تحاكي حياة الناس في إيقاعها اليومي القلق؛ إضافة إلى صياغتها عالية الجودة والصدق؛ فكافكا كما يرى النقاد كان يعيش في كتاباته ويتنفس من خلالها. كان كافكا بدوره –مثل أبطاله- يخاف الحياة، ويجدها ورطة للكائن، وامتحانًا عسيرًا لقدراته المحدودة ووعيه الناقص. وتشكلت حياة هذا الكاتب الإشكالي من مجموعة من المحطات المثيرة؛ إذ كان يرى في الحياة ضربًا من المسؤوليات الصعبة التي تحمل الكائن أحمالًا لا طاقة لديه لحملها منفردة، فما بالك بها مجتمعةً. مع هذه الهواجس والأوهام وجد كافكا نفسه خائفًا وقلقًا كل الوقت، من أمور بعضها واضح وبعضها خفي. وتجلى هذا القلق الدائم في أعراض كان يمر بها هو وأبطاله؛ كما نمر بها نحن؛ لذلك فكافكا يشبهنا، كما نشبهه، وأبطاله قريبون منا وأليفون، ونحن نعرفهم كما نعرف أنفسنا. كافكا من جانب آخر كان مترددًا في اتخاذ القرارات المهمة في حياته؛ وشخصية قلقة بهذا القدر سترى كل القرارات مهمة وإن كانت صغيرة؛ وفي هذه الحالة ستتحول حياته إلى مجموعة من العذابات القاهرة؛ ألا نشعر بذلك جميعًا، قليلًا أو كثيرًا، وبعض الوقت أو كل الوقت؟ هكذا جاءت شخصيات كافكا مكبلة بكوابيس هذا الواقع الذي نمر به ولا نعرف له مخرجًا أو تفسيرًا. وبوسعنا أن نعدد الكثير من الأمور والحوادث العامة والخاصة التي تدخل ضمن هذا المنظور والسياق، الذي اختبره كافكا، كما اختبرناه وعرفه كافكا كما عرفناه؛ وبخاصة نحن أبناء العالم الثالث.

قلق وجودي

ولذلك فكافكا في عرف النقاد هو واقعي بقدر ما هو غرائبي؛ إذ ذهب في رواياته إلى أماكن موجعة فينا؛ هكذا نتقاطع معه في مخاضات هذا القلق الوجودي والواقعي الذي يجعلنا نخاف كل الوقت من أمور كثيرة قد تحدث لنا في أي لحظة وتدمر حياتنا. وعلى نهج أبطال رواياته عاش كافكا خائفًا من مسؤولية الأسرة التي قد يراها البعض سهلة لكنها في عرف كافكا هي ورطة أو مصيدة يجب تجنب الدخول فيها، والاقتراب منها؛ أليست الأسرة بأبعادها وتفاصيلها الكثيرة مسؤولية كبيرة؟ ومثل أي كائن يعيش في هذه الحياة ارتبط كافكا أو تورط -حسب رأيه – بعلاقة حب مع فتاة اسمها فيليس، وبعد أن تطورت العلاقة بينهما تقحمه فيليس في فكرة الزواج فيرتعب ويتردد وتنتابه حالة من القلق والخوف، وتصبح علاقته بفيليس عبئًا عليه. وتحت ضغط فيليس يتقدم لخطبتها، فيتضاعف قلقه، ويفكر في فسخ الخطبة، لكنه يخاف من فسخها، كما يخاف من تثبيتها. ولأنه يحب فيليس فلا بد من الاستمرار في الخطبة، ومن ثم الزواج، فالأطفال.

ويقوده قلقه وتردده إلى التفكير في فسخ الخطبة، فيفعل؛ ولا ينتهي القلق لأنه سيخسر فيليس التي يحبها والتي منحته السعادة بعض الوقت، فيعود إلى خطبتها مرة أخرى، ويعود إلى مخاوفه مرة أخرى، وتتحول هذه العلاقة السارة إلى علاقة مقيتة فيقرر فسخ الخطبة مرة ثانية؛ وتنتهي هذه العلاقة بالقطيعة التامة. كان كافكا يحب العزلة ككل المبدعين، فهي تأخذه للكتابة التي وجد فيها قارب نجاة ومحطة تمنحه بعض السلوى، لكنها كانت تهرب منه أغلب الوقت وإن أخلص لها وابتعد من ملذات الحياة من أجلها؛ لذا لم يكن كافكا غزير الإنتاج مثل الكثير من الكتاب العالميين، وترك خلفه كتبًا قليلة لكنها أحدثت ضجيجًا عاليًا استمر زهاء قرن واحد؛ حتى هذه اللحظة، ما زالت الأجواء الكافكاوية تسم الكثير من الإبداعات الروائية في كل القارات. عاش كافكا حياة قصيرة ومات على مشارف الأربعين، بمرض السل. مات وهو يعتقد أنه كاتب غير جدير بالقراءة. كان دائم الشك في موهبته، وحملته ظنونه إلى الاعتقاد أن ما يكتبه ليس ذا أهمية للآخرين؛ فالكتابات القليلة التي نشرها قبل مماته لم تلقَ رواجًا ولا اهتمامًا من القرّاء. وهذا الشك فيما يكتب هو الذي دفعه لأن يطلب من صديقه الناشر ماكس برود أن يحرق كتبه. وضاعفت حبيبته فيليس من شعور الخيبة لديه؛ إذ كانت تقرأ مخطوطاته ولا تطريها كما تفعل مع الكتاب الآخرين الذين كانت تطريهم في مراسلاتها معه. وكان ذلك يعزز اعتقاده بأن ما يكتبه غير صالح للنشر.

أشهر كتب كافكا روايتا «المسخ» و«المحاكمة»؛ لكن المحاكمة حملت دلالات فكرية ورمزية أكثر اتساعًا؛ إذ غطت مساحات واسعة من معاناة البشر في ظل قوانين جائرة، تحت هيمنة سلطة تسعى إلى تدميرهم وتحقيرهم. الرواية كتبت في بدايات القرن العشرين، وحملت آثار الثورة الصناعية في الغرب وأضرارها التي بدأت في بواكير القرن الثامن عشر، وقد اكتملت وحشية الرأسمالية وقوانينها الجائرة في الحقبة التي عاش فيها كافكا، فلاحظ وعايش جور المؤسسات الرأسمالية التي تسحق الفرد وتهدد لقمة عيشه وتسمم وجوده. عمل كافكا في شركة تأمين، وكان يرى أحوال العمال والمستخدمين في المؤسسات التي يعاينها، وصنوف معاناتهم اليومية المستمرة وقلقهم وخوفهم من رؤسائهم، وشاهد في جولاته على المؤسسات والمصانع أشكال الانسحاق والجور؛ وشعر بأن هذا العالم تتحكم فيه قوى شرسة، تصيغ قوانينه لصالحها. وذات يوم يستيقظ «جوزيف ك» بطل رواية «المحاكمة» على صوت أشخاص غرباء ذوي سحنات قاسية يطلبون منه الذهاب معهم، ليواجه محاكمة على تهمة لا يعرفها، تهمة غير محددة، وغامضة.

مسلوب الإرادة والهوية

ويحاول «جوزيف ك» أن يفهم سبب اعتقاله لكنهم لا يوضحون له السبب، ويحاول أن يثبت براءته، ولكنه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه لأنه لا يعرف تهمته. ويقف بطل الرواية «جوزيف ك» أمام قضاة يعرف سلفًا أنهم لا يستمعون إليه، ولا يكترثون لأقواله، ويشير كافكا إلى بطل الرواية بحرف الكاف للإيحاء بأن بطله مسلوب الإرادة والهوية، ولا اسم واضح له؛ لأن وجوده غير محدد. إن «جوزيف ك» هو ترس في آلة ضخمة تدور وتطحن حياته؛ وهو حرف أو رقم، نكرة أو سجين لا أهمية له. ويدخل «جوزيف ك» في متاهة مظلمة، لا نهاية لها، ويشعر بالغبن والانسحاق والدونية والإحباط، فالتهمة كبيرة رغم أنها غير واضحة، فيتبلبل، ويتيقن أنه يعيش في عالم عبثي ظالم، يتلاعب فيه أشخاص غامضون بحياته، وهم يصوغون له سبل العيش بالطريقة التي يريدونها، لا كما يريدها هو، وما يريدونه فيه الكثير من العذاب والمعاناة له ولأمثاله، وليس له إلا أن يتقبل مصيره، وألا يعترض، وأن يسلم بالأحكام والقوانين التي يفصلونها بمقاييس تخدم مصالحهم.

إنه عالم بغيض ومخيف وظالم ولا قيمة أو أهمية للإنسان فيه. وكأن كافكا الذي كتب هذه الرواية في بداية القرن العشرين يتنبأ بما سيجري في العالم الثالث -الذي لا ينتمي إليه- في أواسط القرن العشرين ونهايته، حتى بواكير القرن الحادي والعشرين. إنها رواية لكل العصور، ولكل الأمكنة، وتعني البشر في كل القارات، وتتطابق حيثياتها ومناخاتها مع ما يجري على وجه الخصوص في بلدان العالم الثالث التي تغيب فيها الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان. إنها رواية المجتمع الرأسمالي في الغرب الذي ينتمي إليه كافكا، وهي رواية بلدان أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والوطن العربي، فالمكان في الرواية غير محدد ولا الزمان، والإبهام يلف الرواية حتى النهاية، فتتعدد تفسيرات القرّاء ويتنوع فهمهم، وربما يصوغ كل قارئ روايته. ويستخدم كافكا تقنية تعتمد على الإبهام والغموض، فيتعدد التأويل، ويتعدد الفهم، ويتنوع التفاعل، ويختلف التحليل. بدأت الصيغة الكافكاوية مع بواكير القرن العشرين لكنها ما زالت تترسخ مع بداية القرن الحادي والعشرين؛ حيث أصبحت هذه الصيغة الروائية الغرائبية المليئة بالفانتازيا والكوابيس ثيمة رئيسة في الرواية العربية الجديدة التي تكتبها أجيال من الروائيين العرب الشباب؛ الذين تنبهوا إلى أن العالم العربي، لا يزال يعيش في متاهة دامية تسحق الإنسان حتى العظم، وأن لا سبيل إلى تجسيد هذه الأحداث والكوارث الواقعية إلا بالغرائبية والفانتازيا واللامعقول؛ أليس الواقع العربي أغرب من الخيال واللامعقول؟ «جوزيف ك» بطل رواية «المحاكمة» وضحيتها هو رمز لملايين يشبهونه.

وكافكا بهذه التقنية التي توحي ولا توضح، وترمز ولا تكشف، يجسد لنا ضراوة المأساة الإنسانية في هذا العالم الذي تتحكم فيه القلة وتدير شؤونه، وتتوزع ثرواته. وفي رواية «المسخ» التي لاقت رواجًا كبيرًا أيضًا، يستيقظ «غريغوري سامسا» بطل الرواية الموظف في شركة ليذهب إلى عمله فيكتشف أنه تحول إلى حشرة كبيرة، ويحاول سامسا أن ينهض من سريره لكنه لا يستطيع، ويحاول أن يرفع صوته فتصدر منه همهمات حيوانية، وأول ما يفكر فيه وهو في هذه الحالة هو الخوف من التأخر عن ميعاد العمل وغضب مديره، وخطورة ذلك على معيشته، ومصير أسرته، فهو عائلها الوحيد، ولكن أسرته التي تعتاش من راتبه تتخلى عنه عندما تراه في هذه الحالة المرعبة. الإيحاءات واضحة في الرواية، لكن صنعة كافكا ولغته تبتعد من الآلية والمباشرة، وتترك المجال للخيال والتأويل والرمز، فيشعر القارئ أن ما يحدث هو حقيقي وواقعي. غريغوري سامسا إذن يعيش في هذا العالم الذي تصوغه العلاقات المادية، وتهدد فيه المؤسسات مجمل حياته واستقراره، وتتخلى فيه عنه عائلته عندما يصبح غير نافع لها ومخيفًا. غريغوري سامسا الذي تحول إلى حشرة، كان يشعر بالدونية والحيوانية قبل هذا التحول في أجواء المكاتب الحديثة التي تحقق منافع وأرباح الأقوياء والمتسلطين، في ظل الرأسمالية البشعة التي تصوغ حياة البشر على الهيئة التي تضاعف أرباحها. غريغوري سامسا هو نحن جميعًا من دون استثناء، وهو قرين لـ«جوزيف ك» بطل «المحاكمة». وأختتم هذا المقال ببعض أقواله التي تضيء ما ذهبنا إليه:

الحياة حرب مع نفسك، حرب مع ظروفك، حرب مع الحمقى الذين خلقوا هذه الظروف/ عندما أنهي ما أكتبه أكتشف أنه مجرد بداية صغيرة لما أريد قوله/ الكتابة هي جرح مفتوح/ لم أظفر في حياتي بثانية واحدة من الهدوء/ لم يحدث أن كنت قادرًا على الاختيار بين مسألتين: ما أريده الآن لا أريده في اللحظة التالية.

اترك تعليقاً