الثلاثاء - 3 ربيع الأول 1439 هـ , 21 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. سرد / نصوص
  3. حكاية صندوق

حكاية صندوق

منتصر القفاش - كاتب مصري
نشر في: الأربعاء 01 نوفمبر 2017 | 07:11 ص
126 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

رأيته دائمًا جديرًا بأن يضم كنزًا، وليس مجرد أوراق قديمة، ينتظر أبي دائمًا الوقت المناسب لفرزها. هذا الصندوق الخشبي المغطاة زواياه الخارجية بشرائط نحاسية، وله بطانة من القطيفة الحمراء. ولا يمكن إغلاقه إلا بالضغط على غطائه بقوة عدة مرات.

كان أبي يسمح بفتحه في وجوده فقط. ويضع كتبًا كثيرة فوقه حتى تكون عقبة أمام من يخالف هذا الشرط. ومنذ خروجه إلى المعاش، صار يغضب كثيرًا إذا وجد الكتب مزحزحة عن مكانها أو تغير ترتيبها. ويثق في أن الصندوق فُتح في غيابه. لم يكن يوجه اتهامًا لشخص بعينه بل يلوم كل من في البيت: أنا وإخوتي وأمي، كلنا مسؤولون عن السماح لأحدنا بالعبث بالأوراق، ويعيد تذكيرنا بأهميتها فمن بينها عقد زواج أبيه من أمه، وشهادات ميلاد أخويه اللذين توفيا منذ سنوات، وعقد بيع البيت الذي قضى فيه طفولته، والأوراق التي كان يكتب فيها الشعر وهو صغير، ورسائل من أصدقاء قدامى لم نر أيًّا منهم، وإن كنا حفظنا أسماء معظمهم من كثرة حديثه عنهم، ويتمنى لو لم يتسبب في ضياع المفتاح وهو صغير.

أراد يومًا أن يرى زملاؤه في المدرسة هذا المفتاح الضخم، المحفورة فيه طيور منمنمة لكن ملامحها واضحة لمن يدقق فيها. وظل المفتاح يتنقل بين أيدي الزملاء المبهورين به حتى اختفى فجأة عن عين أبي، فتش كل الجيوب والحقائب كما حكى لكنه لم يعثر عليه. اشتكى للناظر فغضب لإحضاره المفتاح دون علم أسرته، وعاقبه بوقوفه ووجهه إلى الحائط حصتين كاملتين. ونصح جدي بحرمانه من المصروف لمدة شهر على الأقل، صارت أسبوعًا واحدًا، لم يكلمه فيه جدي الذي ظل يحس بفقدانه أفضل مكان لحفظ الأشياء الثمينة. ورفض أن يلمس الصندوق أي صانع مفاتيح، فكلهم لا يقدّرون قيمته وقد يكسرونه، ولا يستطيعون صنع نسخة مطابقة للمفتاح الأصلي. وصار يغير باستمرار الأماكن التي يخفي فيها خمس عملات ذهبية ومسدسًا وعدة رصاصات ورثها عن أبيه، وأحيانًا كان ينسى مكانها، فيظل يفتش عنها وهو يشتم كل من في البيت، ويسارع أبي بالخروج ولا يعود إلا بعد العثور عليها.

وكنت كلما فتحت الصندوق أمرر يدي ببطء على البطانة القطيفة، وأثق في إخفائها شيئًا ثمينًا لم ينتبه إليه أي أحد من قبل. وأتوقف عند مواضع أحس فيها بوجود شيء صلب تحتها. وأتخيله أحيانًا عملة ذهبية أو رصاصة أو نسخة أخرى للمفتاح.

وفي يوم قررت وضع حد لشكوكي المتزايدة، وفتحت بالمقص فتحة دقيقة في طرف البطانة، أقنعت نفسي بأنها غير ملحوظة، وأدخلت قلم رصاص قصر عن الوصول إلى أماكن أبعد. وسَّعت الفتحة قليلًا، وأدخلت مسطرة طويلة، استطاعت مسح مساحة أكبر دون الاصطدام بأي شيء صلب. دفعت المسطرة بأصابعي بقوة. فتمزقت حواف الفتحة، وسمعت صوت التمزق حادًّا كأنه خرق طبلة أذني، وسمعه كل أفراد أسرتي رغم عدم وجودهم في الشقة. رجعت أمي وأنا أعيد مجلدات الكتب فوق الصندوق. ونبهتني كعادتها بترتيبها كما كانت. لمحت المقص والقلم والمسطرة، وخشيت من أن أكون قد قصصت الأوراق القديمة أو كتبت فيها شيئًا. وقبل تماديها في تخيل ما يمكن أن يفعله أبي صارحتُها بما حدث. ظلت تحدق في التمزق صامتة. ثم أحضرت كيس أدوات الخياطة، وظلت تضاهي الدرجات المختلفة للخيوط الحمراء بلون البطانة، لم تجد الدرجة نفسها. نظرت في ساعة الحائط. وأمرتني بإغلاق الصندوق قبل عودة أبي. وخرجت مسرعة تلف على محلات الخردوات حتى عثرت على درجة اللون. تمنّت، وهي تهمس لي، لو كنت فعلت هذا قبل خروج أبي إلى المعاش. فلم يعد يغادر البيت كثيرًا، وأحيانًا لا يكمل مشوارًا لإحساسه بالألم في قدميه. وصارت أمي موزعة بين رفو التمزق بدقة والإسراع بإعادة كل شيء إلى مكانه ما إن تحس بصعوده السلم. وساهم إخوتي معي في إتمام هذه العملية سواء بتكرار الضغط على الغطاء حتى ينغلق، أو بترتيب الكتب فوقه أو بمسارعة أحدهم لتعطيل أبي عن الدخول.

لازمت أمي وهي ترفو، كانت تظل تحرك أصابعها في الهواء فوق الجزء الذي سترفوه، وتتحدث مع نفسها بصوت عالٍ عن أفضل جانب تمرر منه الإبرة، وعن الخطأ المحتمل لو سلك الخيط هذا الاتجاه أو ذاك، وضرورة أن يمتد مع خيوط النسيج ولا يتقاطع معها، وكثيرًا ما رأيتها سارحة في شاشة التلفزيون تحرك يدها كأنها ما زالت ترفو. وتبادلنا الابتسام حينما ظن أبي أنها تسبح على أصابعها فناولها سبحته حتى لا تخطئ في العدد. استغرقت عملية الرفو أسبوعًا، أكثرت فيه أمي من الدعاء بألَّا ينتبه أبي لما يحدث. وظل القلق ينتابنا جميعًا حينما يستغرق في حكي ذكريات يذكر فيها الصندوق أو الأوراق داخله ولو بشكل عابر. وأبدى سعادته بإنصاتنا له مهما طال حكيه، وعدم تذكيره بسماعنا هذه الحكايات من قبل. وكنت مثل إخوتي أنصت له مترقبًا انفجار غضبه، ومعاقبتنا جميعًا لتواطئنا عليه.

كررت أمي تحذيري من فتح الصندوق أو لمسه. والأفضل اعتباره غير موجود. وظلت فترة طويلة الشخص الوحيد الذي يفتحه في غياب أبي، لتتفرج الجارات على دقة رفوها، وتضحك حينما يفشلن في العثور على موضع الرفو، وتشرح لهن بالتفصيل الطريقة التي اتبعتها، وتحذرهن من ارتكاب أخطاء كادت تقع فيها كما لو أن لدى كل منهن صندوقًا تمزقت بطانته. وفجأة تتوقف عن الكلام، وتغلق الغطاء ضاغطة عليه عدة مرات، ونسارع كلنا ومعنا الجارة بمساعدتها، وإعادة الكتب كما كانت قبل أن يفتح أبي باب الشقة.

اترك تعليقاً