السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. إعلام
  3. الوقف في وسائل الإعلام.. تجارب من بريطانيا

الوقف في وسائل الإعلام.. تجارب من بريطانيا

حبيب بن عبدالله الشمري - صحافي سعودي
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 04:08 م
107 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

تعد القناة التلفزيونية الرابعة وصحيفة الغارديان اليومية وأختها صحيفة الأوبزرفر الأسبوعية من الوسائل الإعلامية العمومية والوقفية في بريطانيا، بمعنى أنها مستقلة تمامًا في تمويل نفسها وإدارة تحريرها وتوظيف كوادرها، وعدم وجود مساهمين أو ملاك أو سياسيين يؤثرون في إيراداتها ومحتواها وتوجهاتها، رغم أن التوجهات التي تسير وفقها هاتان المؤسستان قائمة على المحافظة على القيم الليبرالية، والتحديث، والابتكار، ومواكبة التغير التقني في عالم رأسمالي جشع تسيطر عليه النزعة الربحية التي تغيب معها الحقيقة أحيانًا، ويختفي الصوت الآخر أحيانًا أخرى، وتقترب من طبيعتهما التشغيلية قنوات البي بي سي إلا أن دافعي الضرائب شركاء في سياسة الـBBC ويرفضون تمويلها من الإعلانات التجارية. الحديث عن التنوع في ملكيات وإدارات وسائل الإعلام في بريطانيا مهم ولا سيما في إعلام اليوم الذي تدور رحى صراع الملكية فيه بين الحكومات العربية ورجال الأعمال في تغييب تام للمُشاهد العربي الذي لا يحدد ما يرغب في مشاهدته، بل يُحدَّد له ذلك رغمًا عنه، سواء بتوجهات سياسية أو بضغوطات مُعلِنين.

مؤسسات الإعلام البريطاني

تنقسم مؤسسات الإعلام في بريطانيا إلى ثلاثة أنواع رئيسية: أولها تمثله صاحبة الحصة الجماهيرية الأولى والأكبر هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بوصفها مؤسسة إعلامية حكومية عامة، لكنها لا تتلقى أي دعم من الحكومة البريطانية، بل إن تمويلها وبشكل مباشر من المواطنين البريطانيين عبر ضريبة سنوية مفروضة على كل مواطن يمتلك جهازًا تلفزيونيًّا بما يقارب من 190 دولارًا، في حين يقتصر تدخل الحكومة على تحصيل الضرائب وتحويلها للبي بي سي، وكذلك مساءلتها في البرلمان عن خططها وسياساتها وإخفاقاتها. وبذلك تتحرر البي بي سي من أي تبعية مادية من الحكومة البريطانية؛ الأمر الذي يعفيها من الانحياز للحكومة وأي حزب سياسي، وتضمن الاستقلالية وعدم تدخل الحكومة في سياستها التحريرية، وكذلك تحمي نفسها من سطوة المعلنين؛ إذ إنها لا تبث إعلانات تجارية في قنواتها، ومن ثم تتمتع باستقلالية تامة من الجشع الرأسمالي، وتحصل على حرية تامة مريحة في تناول القضايا، وأهمها ما يمس حياة المواطن المستهلك، وهو دافع الضرائب البريطاني؛ الأمر الذي جعل منها مؤسسة تحظى بثقة واحترام المشاهدين ليس فقط في بريطانيا بل حول العالم.

والنوع الثاني تمثله القناة الرابعة ذات المركز الثالث في نسبة الجماهيرية التلفزيونية وصحيفة الغارديان وأختها الأوبزرفر، إلا أن هناك اختلافًا بسيطًا بينهما، وهو أن القناة الرابعة لا تزال مملوكة من مكتب الاتصالات البريطاني، لكنها هيئة عمومية تديرها شركة خاصة مستقلة تمامًا عن الحكومة في تمويلها وإدارتها وتحريرها، في حين تنفرد الغارديان بأنها وقف خالص يعيد استثمار الأرباح في صناعة صحافة حرة ومستقلة، ومواكبة التطور في المحتوى والتقنية، وتأهيل الشباب البريطانيين في مجال الإعلام.

الهدف الأساس من القناة الرابعة هو تقديم خدمة عامة مفيدة للبريطانيين تقوم على التنوع وقيادة الابتكار في المحتوى والتقنية، وقد أُلزمت هذه القناة منذ تأسيسها بتنفيذ هذا الالتزام تجاه البريطانيين، وتخضع للمساءلة الحكومية فقط في حال إخفاقها في تنفيذ خططها وتحقيق أهدافها، أو شكوى ضدها، وتتغير التزامات القناة بين الحين والآخر بحسب القوانين التي تصدر من مكتب الاتصالات البريطاني، وذلك من أجل تنظيم عرض البرامج التفزيونية، وتحديد الأهداف التي يجب تحقيقها، وتلتزم القناة الرابعة «بتقديم خدمة عامة تتمثل بتوفير طائفة واسعة من البرامج المتنوعة عالية الجودة التي تضم بشكل أساس: برامج تحث على الابتكار والتجربة والإبداع؛ تتناسب مع أذواق واهتمامات مجتمع متنوع ثقافيًّا؛ وتُساهم بشكل رئيس في مقابلة الحاجة إلى قنوات إعلامية مُرخصة تعرض برامج ذات طبيعية تعليمية وأخرى تثقيفية؛ وأن تتخذ طابعًا مميزًا لها». وتلتزم القناة الرابعة أيضًا بتأمين برامج خاصة بالمدارس، إضافة إلى أن تكون نسبة معينة ليست قليلة من برامجها مُنتجة بالتعاون مع شركات من خارج حدود العاصمة لندن؛ من أجل دعم مؤسسات الإنتاج الصغيرة والمتوسطة التي تقع بعيدًا من عاصمة المال والاقتصاد.

ولا يمكن أن يكون الالتزام بمثل هذه الأهداف إلا من طريق إدارة مستقلة وتمويل مستمر ومستقل أيضًا لا يؤثر فيها وفي طريقتها ورؤية القائمين عليها بتنفيذ هذه الالتزامات، ويأتي تمويلها من الإعلانات التجارية، والخدمات الإلكترونية، وبيع المحتوى حول العالم. في حين تعد صحيفة الغارديان من أكثر الصحف الناطقة بالإنجليزية قراءة عبر الإنترنت حول العالم، وراوَحَ مركزها خلال السنوات الماضية بين الثاني والخامس عالميًّا، وتتنافس معها باستمرار مواطنتها صحيفة الديلي ميل، ونيويورك تايمز الأميركية، اللتان تتبعان القطاع الخاص بشكل كامل، فهل أثر الوقف في صحيفة الغارديان؟ تأثرت الصحيفة مثل غيرها؛ بسبب الأزمات المالية، وتراجع نسب التوزيع، وهي مشاكل عصفت بجميع الصحف حول العالم، إلا أنها استطاعت النهوض مرة أخرى، ويرجع السبب برأيي إلى أنها مؤسسة وقفية احتفظت بجميع أرباحها وأصولها واستثماراتها، ولم يقتسم أرباحها مساهمون أو ملاك، وساعد ذلك القائمين عليها باستقلالية القرارات التي ساهمت في تنويع الاستثمار، وتطوير المحتوى، وبناء بنية تحتية تقنية متطورة جدًّا.

في حين يقود النوع الثالث شبكة قنوات (itv) ذات الحصة الجماهيرية الثانية في بريطانيا، إضافة إلى بقية القنوات والصحف والشركات الإعلامية البريطانية، وهو القطاع التجاري الخاص القائم على مبدأ تحقيق الأرباح للمساهمين بأي صورة وعبر أي توجه، حتى لو كان محتوى هابطًا أو عنصريًّا قبيحًا أو إباحيًّا، وهو ليس موضع النقاش في هذا المقال، فالأمثلة كثيرة في الوطن العربي. ويحتم كل من النوع الأول والثاني على سياسة الوسائل الإعلامية أن تهتم بكل بريطاني يتحدر من أي أصول وأعراق وخلفيات أو حتى دين مختلف؛ لأنه في حالة البي بي سي فإن الجميع يدفع لها وشريك في سياستها، وفي حالة القناة الرابعة وصحيفة الغارديان فإن نوعية ملكيتهما وأهدافهما تحتم عليهما العمل وفق مصالح المشاهد البريطاني، وسماع وبث كل الآراء من جميع التوجهات والتيارات، إضافة إلى الأقليات في المجتمع البريطاني، سواء التي تمثل العرق والأصل والدين مثل المسلمين والسود والهنود أو التي تمثل فئات خاصة مثل المرأة والمعاقين.

الإعلام العربي: أبيض وأسود

وفي الوطن العربي يبرز وبشكل رئيس اللونان الأسود والأبيض، فهناك مجموعة قنوات وإذاعات حكومية تعاني وبشكل حاد الضعفَ وعدم القدرة على التطور واستقطاب الجمهور رغم وجود التمويل، وهناك قنوات وإذاعات تجارية خاصة لها جمهورها ومحتواها الجيد لكن بعضها يعاني الخلل وسوء الإدارة وغياب الرؤية وضعف التمويل، وبعضها الآخر -وبخاصة الثرية منها- يعاني توجهات أصحابها أو بسبب النزعة الربحية الشرسة القائمة على جلب المعلن وإرضائه. في حين هناك نوع ثالث لا يكاد يُمَيَّز لضعفه، وهو الوسائل الإعلامية التابعة للأحزاب السياسية، لكنها في غالبيتها صحف مطبوعة أو مواقع إلكترونية ليس لها ذلك التأثير الذي تملكه القنوات الفضائية أو الصحف الأكثر شعبية؛ لذلك تبقى وسائل ضعيفة لا تحمل سوى صوت ولون واحد ممل وهو الحزب. أيضًا يوجد قنوات أنشأها ويمولها بعض رجال الأعمال أخذت على عاتقها الهدف الأسمى، وهو تقديم عمل إعلامي محترم يتوافق مع قيم ومبادئ المجتمعات العربية الإسلامية، لكنها تعاني بصورة شديدة إما بسبب غياب الإدارة الإعلامية المحترفة، أو بسبب نقص وعدم ثبات واستمرار التمويل، ومثل هذه القنوات غالبًا ما تتبع ملاكًا متحمسين يقومون بإنشائها، ثم سريعًا ما يتلاشى الحماس ويتركونها بلا تمويل ولا وقف يساعدها على النهوض في كل مرة.

ولعل أفضل نموذج إعلامي واضح قائم على الوقف في الوطن العربي يمكن الحديث عنه في هذا السياق، هو مجموعة قنوات المجد التي بدأت تعمل وتُموَّل منذ عام 2012م من خلال وقف مخصص لها قادر نوعًا ما على تغطية نسبة كبيرة من تكاليفها بعجز بسيط يغطّيه المؤسسون وفاعلو الخير، والمجموعة قد تأسست عام 2002م ولكن كان تمويلها في البداية يأتي من الشركاء ورجال الأعمال، وتبرز المجموعة بوصفها نموذجًا لحالة الإعلام الوقفي بمعناها الصحيح، ودوره في المجتمع، لكنها هي أيضًا تعاني ضعفًا شديدًا في المحتوى، وغيابًا للإدارة الفعلية، والتخطيط الصحيح، وبغض النظر عن المحتوى الذي تقدمه والجمهور الذي تستهدفه تبقى قنوات المجد رائدةً في صناعة إعلام وقفي مستقل، ويمول ذاته بذاته، ولا يخضع لرغبات المعلنين، لكنه لا ينفك عن تأثير مؤسسي الوقف، وهو ما سيجعل من هذا النموذج بعيدًا كل البعد من هدف الوقف المستقل ومفهومه، وربما مع الخطط المستقبلية للمجموعة في صناعة المحتوى الشائق وفي توسيع أعمالها لتشمل الإنتاج ستكون أكثر جاذبية وأكثر نجاحًا مما هي عليه الآن مع استقلالية تامة من مؤسسي الوقف. هناك نماذج أخرى صغيرة لا تذكر، لكن يبدو أنه في جميع الحالات تعاني، مثل هذه المؤسسات، عدم وجود إدارة إعلامية جيدة، ناهيك عن الرؤية، وتقوم غالبًا على اجتهادات شخصية يعتريها الضعف، وكذلك هناك ضعف في الموارد البشرية، واستقطاب العاملين فيها وتأهيلهم، فالإعلام قضية شائكة وخطيرة على من لا يحسن الإدارة.

الحل لحالات التراجع والانكماش

بعد عرض نماذج الملكية في وسائل الإعلام في بريطانيا وغيرها من المتوافر في الوطن العربي، أستطيع أن أصل لنتيجة تدل على أن الوقف في مجال الإعلام أو المؤسسات العمومية هو الحل الأمثل لحالات التراجع والانكماش والمشكلات الاقتصادية، وهو الحل الأمثل لمعالجة غياب التنوع الثقافي والفكري، وهو بمنزلة ضمان استدامة دخل ثابت ومستمر لوسائل الإعلام للمحافظة عليها وعلى القيم المجتمعية التي يقتلها المعلنون، الوقف الإعلامي سيكون سببًا في معالجة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية من خلال استقلالية الطرح والمناقشة وتقديم الآراء والحلول، وكذلك صيانة الأمن الفكري والثقافي في المجتمع، بل تكريس مفهوم الوطنية الذي يتجسد في تمثيل جميع أطياف المجتمع في أي بلد عربي.

مؤسسات ووزارات الأوقاف أو (الحبوس) في الوطن العربي تعد من أغنى المؤسسات والوزارات ماليًّا وعقاريًّا، لكن يغيب تمامًا عن أدبياتها ومفاهيمها قضية الوقف الإعلامي والتحبيس للعلم والمعرفة والتوعية؛ لأسباب كثيرة نعرف بعضها، ونجهل بعضها الآخر، ولعل أهم سبب ظاهر هو التصاق الوقف بمفهوم الحسيات مثل: المال، والطعام، والبناء مثل المساجد والعمارات، حتى عندما يتصدق رجال الأعمال بأموالهم فإنهم غالبًا ما يبحثون عن مثل هذه الحسيات أيضًا مثل: الطعام والكسوة، رغبة منهم في رؤية أثر عاجل وملموس. ويبقى السؤال في هذا المقال: ما أفضل طريقة وأنسبها لإدارة المؤسسات الإعلامية وتشغيلها بمعنى ملكيتها؟ حتى يستمر تمويلها وتتمتع باستقلالية فكرية وتحريرية، وتبقى قوية قادرة على أداء رسالتها وتطوير مجتمعها وصيانة ثقافته!! نظام الضرائب أم الشركة العمومية أم الوقف؟ أم الملكية التجارية التي تخضع كليًّا لنظريات السوق المتوحش والمتقلب!!

اترك تعليقاً