السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كُتاب-الفيصل / مقالات
  3. الخريطة الروائية للمدينة العربية

الخريطة الروائية للمدينة العربية

روائية وناقدة سورية - شهلا العُجيلي
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 04:08 م
78 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

أورهان باموق

يقول الروائيّ التركيّ أورهان باموق، عن علاقته بالمدينة التي ولد فيها وعاش، وكتب عنها، وذلك في كتابه الذي حمل اسمها: «إسطنبول- الذكريات والمدينة»: «كانت إسطنبول دائمًا بالنسبة لي، مدينة الخراب وسوداويّة نهاية الإمبراطوريّة. وقد قضيت حياتي أحارب هذه السوداويّة أو أجعلها مثل أهل إسطنبول جميعًا، سوداويّتي». (أورهان باموق. ترجمة: أماني توما وعبدالمقصود عبدالكريم، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب). في هذا الكتاب الفريد، من وجهة نظري، يشرّح الروائيّ علاقته بالمدينة، والتشريح في نهاية الأمر فنّ، مهما استند إلى الوقائع، والوثائق، والمعرفة، ولعلّ هذه العلاقة بين الروائيّ والمدينة، مدينته تحديدًا، هي أساس الإبداع الروائيّ، وتبقى علاقة أساسيّة لا تنفصم، حتّى لو هجر الروائيّ مدينته فيزيائيًّا أو كتابيًّا؛ إذ هي المقياس والمرجعيّة في كتابته عن المكان، أيّ مكان، سواء أكان وطنًا أم منفى، بائدًا أم حاضرًا.

يشكّل هذا التشريح مكوّنًا معرفيًّا رئيسًا من مكوّنات الروائيّ، وأداة بيده، وإنّ العمل الأدبيّ هو الذي يجعلنا نفهم المدينة، وليست المدينة هي التي تفسّر العمل، فخطوات الروائيّ في المدينة ليست كخطوات الآخرين، إنّها تصنع خريطة مغايرة، لا تاريخيّة، ولا قومية، ولا كولونيالية، إنّها خريطة روائيّة تشير إلى ذلك كلّه.

يجب ألّا تظهر لنا، بوصفنا متلقّين، عمليّة تشريح علاقة الروائيّ بالمدينة في النصّ، لكن لا بدّ من أن يكون الروائيّ واعيًا لهذه العلاقة، ومن هنا انطلقت نظرية لوكاتش في التأكيد على أنّ الرواية نتاج المجتمع البورجوازيّ، وأنّ البطل الروائيّ، خلافًا لهيدغر، هو كائن تاريخيّ (جورج لوكاتش، معنى الواقعيّة المعاصرة، ترجمة: أمين العيوطي، دار المعارف، مصر). وكذلك فكرة التعدد أو البوليفونيّة الباختينيّة، التي تحقّق اجتماعيّة الرواية وهي شرطها الروائيّ (ميخائيل باختين، 1988م، الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلّاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق. ص 61). التي قد نسمع كثيرًا من الروائيين يتحدّثون عنها بثقة، لكنّها لا تعني الحوارية التي يقصدونها، إنّها حضور الطبقات التاريخيّة الثقافيّة في الرقعة الجغرافيّة، وتبيان تمايزاتها بعضها من بعضها الآخر، حيث يكشف الضدّ عن ضدّه، وتتكوّن الدراميّة والحراك الاجتماعيّ في الرواية. يحكي غونتر غراس في «تقشير البصلة» عن علاقته بمدينته الأمّ دانتسيغ، وهي ميناء بولنديّ على بحر البلطيق، ثمّ بالمدن التي رحل إليها. ( غونتر غراس، ترجمة: عدنان حسن، دال للنشر، سورية). وتتخذ علاقة الروائيّ بالمدينة علاقة سيريّة، تشمل العلاقة مع التحوّلات، منذ انطلاق شرارة الحرب العالميّة الثانية، التي كان مبدؤها ميناء مدينته، ويحيل عنوانه: «تقشير البصلة» إلى عمليّة التشريح هذه، حيث تُفصَل قشور البصلة المتعدّدة، الرقيقة منها والسميكة، حتّى نصل إلى اللبّ.

تحولات الفرد وتحولات المدينة

عبدالرحمن منيف

قدّم عبدالرحمن منيف علاقته بمدينة عمّان في كتابه: «سيرة مدينة- عمّان في الأربعينات». (عبدالرحمن منيف، 1994م، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت)، لقد منح منيف تلك العلاقة طابعًا سيريًّا، إذ لم يفصل تحوّلات المدينة عن تحوّلاته الفرديّة. سنجد تشابهًا في طبيعة الرواية التي كتبها هؤلاء الروائيّون جميعًا، على الرغم من اختلاف هويّاتهم، ولغاتهم، إنّهم امتلكوا هذا الوعي المدينيّ، رغم تباين إمكانيّات مدينة مثل دانتسيغ عن إسطنبول، عن عمّان. إذن يمكن أن نعدّ الفكرة الرئيسة في تصميم الرواية هي الوعي المدينيّ، وأنا أتحدّث هنا عن علاقة الروائيّ بالمدينة، لا عن علاقة الراوي أو الشخصيّات بها، فلا بدّ دائمًا من أن أعيد الاعتبار للروائيّ بعد أن همّشته المناهج البنيويّة ونظريّة التلقّي، فالروائيّ هو الذي يوزّع علاقته بالمدينة على كلّ من الراوي، والشخصيّات، فيحوّل المدينة إلى موضوع أحيانًا، جاعلًا إحدى الشخصيّات تراها بعين ناقدة، ثمّ سيستعير علاقته العاطفيّة بها لشخصيّة أخرى، وسيستفيد من تجربته معها ومن تجارب الآخرين، ومن الوثيقة ومن الوثيقة المضادّة، من غير أن يسيء إلى التدفّق الزمنيّ للمدينة؛ إذ سيكون وفيًّا للمورفولوجيا الخاصّة بها بحيث لا تتناقض الملابس والعمائر ونبض الشارع مع الحسّ التاريخيّ؛ لأنّ الإخفاق المعرفيّ هو إخفاق جماليّ في النهاية، وتلك هي الصنعة التي تنتجها المعرفة بالتشريح، ويمكن أن نقول مع آلان روب غرييه: «ليس لدى الكاتب الحقيقي ما يقوله، بل لديه طريقة لقوله فحسب». (ألبير ليونار، أزمة مفهوم الأدب في فرنسا في القرن العشرين، تر: زياد العودة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق).

إذا تتبّعنا حضور المدينة في الرواية العربيّة بشكل عام، التي تنمّ على علاقة الروائيّ العربيّ بمدينته، سنجد خطّين واضحين: رثاء المدينة الكوزموبوليتانيّة، والحنين إلى المدينة المحليّة الضائعة في المنفى. نشأ روائيّون محظوظون في مدن عربيّة يمكن وسمها بالـكوزموبوليتانيّة، أو الكبيرة، أو الحيويّة، عواصم كانت أو مدنًا مركزيّة، فارتبطت القاهرة روائيًّا بنجيب محفوظ، والإسكندريّة بإبراهيم عبدالمجيد، وحلب بوليد إخلاصي ونهاد سيريس… وثمّة مدن عظيمة لكنّها أقل حظًّا على الصعيد الروائيّ من مثل دمشق، التي قاربها كلّ من خيري الذهبي وفوّاز حدّاد، وكذلك بغداد التي انتعشت روائيًّا مع إنعام كجه جي وسنان أنطون، ولعلّ الظروف السياسية والأيديولوجية هي التي لعبت دورًا في توجيه هذا الحظّ، فحصل طمس للتعدّد المشوب برؤية استعماريّة لم تجد فيها الدعوة القوميّة الراديكاليّة سوى مصدر للخطر والعداء الأيديولوجية. ونشأت مؤخّرًا علاقات روائيّة مع مدن من مثل: الرياض وبدرية البشر، ومكّة ورجاء عالم، ونجد شغفًا لدى المتلقّي لمعرفة مثل تلك العلاقات المغيّبة، لكنّنا نشعر أحيانًا بالمعاناة في الحفر الطبقيّ والوصول إلى الخريطة الروائيّة للمدينة عبر النصّ مما قد يسيء إلى المعالجة الفنيّة.

تدمير واحدية النسق الاستعماري

تظهر علاقة الكاتب مع المدينة العربيّة في الكتابات الروائيّة المتأخّرة أكثر نضجًا ممّا كانت عليه قبل تسعينيّات القرن العشرين، إنّها تقاطعات بين رؤية قومية أو وطنيّة تنتمي إلى الصفاء أو الذات، ورؤية كولونيالية تنتمي إلى الآخر، تلك التي تتسم بالموضوعية الظاهرية، على الرغم ممّا فيها أحيانًا من جهل، أو مبالغة، أو أيديولوجيا. توكّد تلك النصوص على التعددية الثقافيّة للمدينة في مجتمعات ما بعد الاستعمار، ممّا يشير إلى الرغبة في تدمير واحديّة النسق الاستعماريّ المسيطر، فالتعدّد هنا قوّة اجتماعيّة وثقافيّة، يدلّ على غنى حضاريّ تاريخيّ، تتمسّك به الكولونياليّات في صراعها مع القوّة المسيطرة، التي غالبًا ما تجيء من منطلق تفوّقها الأنثروبولوجيّ الثقافيّ، سواء كان دينيًّا أو عرقيًّا، فيظهر التأكيد على مدينية المدينة العربيّة بوصفه جزءًا من إستراتيجية تفكيكية للاستعمار.

تحظى المدن المفتوحة على البحر بامتياز روائيّ مصدره دراميّة الحركة عبر الماء، تمامًا كما يصف باموق إسطنبول، والسفن في البوسفور: «إنّ القدرة على رؤية البوسفور بالنسبة لأهل إسطنبول، ولو عن بعيد، مسألة ذات أهميّة روحانيّة، وربّما يفسّر هذا أنّ النوافذ المطلّة على البحر تشبه المحراب في المسجد، والمذبح في الكنيسة، والهيكل في الكنس». (أورهان باموق، إسطنبول- الذكريات والمدينة). وتزداد أهميّة البوسفور وقت الحرب طبعًا، وتحيلنا هذه العلاقة بينهما إلى العلاقة العضويّة بين طنجة ومحمد شكري.

يعيد أحمد زين بمقاربة مشابهة لباموق، مدينة عدن إلى قلب العالم الروائيّ، وقد عنون روايته أيضًا باسم ميناء «ستيمر بوينت»، ولعلّ صفة الميناء تفصح عن نفسها من خلال حركة القادمين والمسافرين، والعابرين، وكانت نقطة الانطلاق ستينيّات القرن العشرين، حيث حرب اليمن الأهليّة التي ننطلق منها إلى الحفر التاريخيّ باتجاه الماضي:
«سفينة سيّاح هائلة تتوقّف ليومين أو ثلاثة ثمّ تمضي مثل مدينة عائمة، في الليل ستبدو مثل مركبة فضائيّة عملاقة تبحر في سديم خرافيّ». (ستيمر بوينت. دار التنوير ـ بيروت). يفرض حضور التعدّديّة الثقافيّة التي صنعتها الكولونياليّة في عدن من جذور القاطنين فيها نتيجة للحراك الاستعماريّ (فارسي، هندي، أميركي، إنجليزي، فرنسي…)، المقارنة مع مدينة الحُديدة التي جاءت منها إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية، والمصبوغة بلون صراع قوميّ أحاديّ: «مثل الميت، مدينة لا ملامح لها مدفونة الآن في ركام من الصمت والتاريخ وجثث الجنود المصريين واليمنيين، ملكيين وجمهوريين».(ستيمر بوينت). وتصير تشبه إسطنبول التي تقزّمت، وتحوّلت مع المدّ القوميّ التركيّ، والصراع الحزبيّ منذ ستينيّات القرن العشرين إلى قرية، كما يقول باموق، بلونين فقط، أبيض وأسود.

تتيح المدن الكوزموبوليتانيّة إمكانيّة اختيار الهويّة، التي تكون غنيّة ومتجددة، غير تلك الجامدة التي تفرض علينا بالمولد وبالقبيلة وبالدين: «أنا عدنيّ… لا أريد الانتماء سوى لهذه المدينة» (ستيمر بوينت)، وتفاصيل هذه الهويّة هي تفاصيل المدنيّة ذاتها: السينما، والمسرح، والبنايات الشاهقة، والمكتبات، والبنوك، والشركات، وقضايا الحداثة، من المنتديات، التي تناقش قضايا الدعوة إلى تحرير المرأة وإلغاء الحجاب، ولا نستثني أمراض المدينة والحرب والبحر، كالسلّ والتيفوئيد التي لا تكون في القرى والأماكن القصيّة غالبًا (ستيمر بوينت). تعيد إنعام كجه جي عبر علاقتها بالمدينة إنتاج كلّ من بغداد، والديوانيّة، والموصل في روايتها «طشّاري» (دار الجديد – بيروت)، هذه المدن المتفاوتة في حضورها التاريخيّ، تتساوى في المنفى الفرنسيّ، ويصبح معادلها الموضوعيّ مقبرة إلكترونيّة يصمّمها الحفيد ذو الهويّة المزدوجة (العراقية الفرنسيّة)، ويجمع فيها جثث الأقرباء التي تفرّقت بسبب نزيف الحروب. يتتبّع النصّ التاريخ السياسي والحزبي للعراق ودور النساء فيه، عن طريق الدكتورة وردية التي تحكي حياة أسرتها المسيحية، بالاتّساق مع تحوّلات المدن الثلاث، وحركة البشر، والكفاءات، والتعدّد الثقافيّ في فيلا الدكتور اللبناني فرنجيّة رئيس الصحة في الديوانية، وفي العلاقة مع أم يعقوب الصديقة اليهودية التي عقدت على مرآة سيارة الدكتورة ورديّة الجديدة في عام 1959م أم سبع عيون مربوطة بشريط فضي، ثمّ رحلت مع زوجها صاحب معمل الطابوق خوفًا من التنكيل باليهود في بغداد، فهاجروا إلى لندن، وبعدها إلى إسرائيل. (طشاري).

إنّ حضور العلاقة بين الروائيّ والمدينة في النصّ ليس عبثًا أو رغبة إكزوتيكيّة، لعلّها رغبة بتفسير شيء ما غالبًا ما يتعلّق بالإنسان، من مثل «الرغبة في معرفة مصيرنا، أو إرجاع المعنى العميق إلى المأساة الإنسانيّة، من خلال الملاحظة الدقيقة، أو إبداع حقائق إنسانيّة خياليّة، أو البحث عن حقائق خفيّة».( ألبير ليونار، أزمة مفهوم الأدب في فرنسا في القرن العشرين. ص138).

لذا يصل باموق بعد تشريحه علاقته بإسطنبول إلى تفسير الحزن الذي يقيم فيها ولا يفارقها، ويطبع الشخصيّة التي تنتمي إليها، كذلك يمكن تفسير الاضطراب والإحباط الذي يعتري الشخصيّة العربيّة، والتردّي الذي ينتاب علاقتنا بمدننا، الذي تعكسه الروايات، بشكل رومانسيّ غالبًا عبر النوستالجيا إلى المكان من موقع المنفى، أو النوستالجيا إلى التعدّد الذي حملته المرحلة الكولونياليّة، ويعيدنا هذا التفسير إلى عدم تقبّل العلاقة الملتبسة مع الجذور.

نماذج مهمة لكتابة ما بعد الاستعمار

فواز حداد

انطلقت من الحرب العالميّة الثانية، التي تشكّل التجلي الأكثر فداحة لتوحّش الإمبرياليّة، نصوص روائيّة عربيّة، تشكّل نماذج مهمة لكتابة ما بعد الاستعمار، فهي نصوص تجمع الواقعيّة، بوصفها مدرسة فنيّة في التصوير، إلى الرومانتيكيّة بوصفها مزاجًا عامًّا لمراحل الحروب وما بعدها، فضلًا عن الوثائقيّة، التي تنتج عن ضغط الحوادث التاريخيّة الكميّ والنوعيّ، ويجتمع ذلك كلّه تحت عنوان: «كتابة ما بعد الاستعمار»، أو الردّ على الإمبراطورية بصورة روائيّة، تحضر فيها جدليّة السياقين التاريخيّ والخياليّ.

استطاع فوّاز حدّاد أن يكون من أوائل الذين أخرجوا دمشق روائيًّا من التسلّط الأيديولوجي القوميّ الواحدي، حين كشف عن هجنتها؛ إذ أشار إلى تلك الهجنة منذ عنوان روايته: «موزاييك- دمشق 39» (الأهالي للطباعة والنشر – دمشق). لقد حرمت دمشق طويلًا ذلك الضوء الروائيّ للتعدّد؛ لأنّ الأيديولوجيا شغلت الرواية السوريّة بشكل مباشر بمفهوم المقاومة، مقاومة الشعب والأبطال الفردانيين لكلّ من الاحتلال العثمانيّ، والاستعمار الفرنسيّ، من غير إبراز حياة المدينة الأنثروبولوجيّة، التي يشير إليها فوّاز حدّاد عند تصويره بانسيون مدام كورينا، الذي يرتاده الدكتور يوسف الذي درس في باريز، فيقرن العاصمتين الثريّتين: «لم تكن هذه غرفة الجلوس التي عهدها تعجّ بفتيات الفرق الليليّة والضبّاط الفرنسيين والموظّفين والتجّار السوريين، وتغصّ بالمأكولات والمشروبات المتنوّعة والمازة اللبنانيّة واليونانيّة… مدام كورينا هذه، لم يستطع أحد أن يعرف هويّتها الحقيقيّة، زعمت مرّة أنّها من منكوبي الأرمن، ومرّة أخرى أنّها سائحة تجمع الذكريات والتذكارات، ثمّ متعهّدة أرتيستات، لكنّها لم تكن واحدة من هؤلاء، إنّها في حقيقتها عصبة أمم مصغّرة، يدّعي الفرنسيّون أنّها تعمل لحساب الإنكليز، والإنكليز يزعمون أنّها عميلة ألمانيّة، والأصحّ أنّها جاسوسة عالميّة…».(موزاييك- دمشق 39).

اترك تعليقاً