السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. تراث
  3. سعاد الحكيم تستعيد الصوفية.. سعيًا إلى عالم أكثر انفتاحًا

سعاد الحكيم تستعيد الصوفية.. سعيًا إلى عالم أكثر انفتاحًا

خالد محمد عبده - باحث مصري
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 05:08 م
643 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

خصص ميشيل شودكيفِتش – الذي أطلق على نفسه اسم عليّ بعد أن دخل الإسلام من بوابة التصوف وخصص جزءًا كبيرًا من كتاباته لدرس الشيخ الأكبر ابن عربي- مقالًا علميًّا يتناول فيه جهود سعاد الحكيم في دراسة اللغة الصوفية. كان شودكيفِتش قد نشر دراسته في عام 1984م في المجلد العشرين من «حولية العلوم الإسلامية» التي تصدر في القاهرة باللغة الفرنسية، بعنوان: «سعاد الحكيم في المعجم الصوفي». وانطلقت خالدة سعيد من مقال شودكيفِتش لتُعرِّف القرّاء بسعاد الحكيم المرأة والمشروع الإبداعي، في كتابها: «المرأة التحرر الإبداع» ضمن سلسلة نشرتها دار الفنك الدار البيضاء 1991م، بإشراف فاطمة المرنيسي. جاء عمل خالدة سعيد كاشفًا عن حياة ونضال وتجربة عدد من الروائيات والشاعرات والفنانات والباحثات ممن تحدين الموانع، وقدمن مساهمة قيمة من شأنها أن تساعد على احتلال المرأة مكانها الطبيعي في المجتمعات الإنسانية. ونظرًا للاهتمام العربي الحالي بقضية النسوية والنسوية الإسلامية بشكل خاص، أعادت خالدة نشر دراساتها التي صدرت سابقًا في دار الساقي ببيروت عام 2009م في كتاب بعنوان جديد يعبر عن اهتمامها بالكتابة النسائية، وهو: «في البدء كان المثنى».

سعاد الحكيم

ركّزت دراسة خالدة على استعراض جهود سعاد الحكيم في عملها الموسوعي «المعجم الصوفي» وهو الكتاب الأكثر شهرة من بين أعمال الحكيم، فقد اعتمد عليه الباحثون شرقًا وغربًا في التعرّف إلى عالم ابن عربي، وفي اكتشاف اللغة الصوفية الخاصة، يستوي في ذلك الباحثون أو أهل الطرق الصوفية؛ إذ نجد صدى واسعًا للمعجم في عمل شيخ الطريقة الكسنزانية «موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان» فما من مجلد من مجلدات الموسوعة العشرين إلا ويعود لمواد معجم سعاد الحكيم الذي اعتبره شودكيفِتش أداة للبحث شامخة وثمينة، ومرجعًا لا غنى عنه؛ إذ يتوافر فيه التحليل المنهجي الدقيق لمصطحات ابن عربي، وهو عملٌ في منتهى الصعوبة نظرًا لاتساع المادة التي توجّب سبرها ولتعقّد هذه المادة، وللأهمية التي تحظى بها إذا أخذنا في الاعتبار تأثير ابن عربي في الصوفية الذين جاؤوا من بعده.

عدَّت نايلا طبّارة في كلمتها التي ألقيت في تكريم سعاد الحكيم في أنطلياس، التي نُشرت بعد ذلك في مجلة المقاصد أن مجملَ نتاج الدكتورة سعاد الحكيم حتى اليوم، يتمحورُ حول الإسلام في بعديه الأخلاقي والصوفي، وتحدثت في إيجاز حول مسارها العلمي مستعينةً بالمثل القرآني: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم 24-25) فتحدثت عن أصول الحكيم جغرافيًّا ودينيًّا، مشددة على دقّتها العلمية في اختيارِ كلِّ كلمةٍ في أي مقالٍ أو نصٍّ كَتَبَتهُ، سواء كان في الفلسفة أو التصوف أو الفكر الإسلامي، ومن يقترب من عالم سعاد الحكيم يرى ذلك جليًّا وبوضوح.

رحلة مع النص «الأكبري»

خالدة سعيد

كيف نقرأ ابن عربي اليوم؟ وماذا قدّمت سعاد الحكيم في مشروع القراءة الممتد على طول رحلتها مع النصّ الأكبري؟ لا تزعم هذه المقالة المختصرة الإجابة عن هذين السؤالين بشكلٍ واف، إنما نحاول مقاربة ذلك في إطار حديثنا عن جهود الحكيم، الذي نرى أن ابن عربي يمثّل جزءًا كبيرًا في مشروعها العلمي لكن لا يمكن اختزال جهدها في هذا الموضوع وحده، وعدم الحديث عن بقية مشروعها العلمي. قُدّمت مع بدايات القرن الفائت قراءات كثيرة لابن عربي لا يمكن إغفالها ونحن نتحدث عن جهود الحكيم، كان من أشهرها في مصر قراءة أبي العلا عفيفي الذي تتلمذ لنيكلسون، وروى في مقالة مطوّلة نُشرت في الكتاب التذكاري عن ابن عربي قصته مع درس الشيخ الأكبر، وكيف كان هذا العالم مغلقًا حتى مكّنه أستاذه المستشرق من مفاتيح قراءة النصوص الصوفية، ظلّ الكتاب الأبرز لعفيفي مجهولًا عند القارئ العربي حتى نقله إلى العربية قبل أعوام قليلة مصطفى لبيب عبدالغني، بعد أن عرّف في المجلات والدوريات العربية بجهود عفيفي في درس التصوف الإسلامي وعدّه من روّاد الثورة الروحية في الإسلام في العصر الحديث. من أين استقى محيي الدين بن عربي فلسفته الصوفية؟ وما مكوّناته الفكرية؟ وكيف تمكّن من كتابة هذه الأسفار العظيمة في التصوف؟ وما أثره في التصوف المشرقي والمغربي والفارسي؟ كانت هذه الأسئلة مجالًا لبحث دائم عند عفيفي ظهر على أثرها عدة بحوث ودراسات وتحقيقات.

الحاجة إلى استعادة العلوم الصوفية

فاطمة المرنيسي

ترى الحكيم أننا اليوم في حاجة ماسة لاستعادة العلوم الصوفية؛ لما تحويه خزائنها من تسامح، وقبول الآخر، وانفتاح على الكون الكبير وعلى التاريخ الجاري من الأزل إلى الأبد. فمنذ أكثر من مئتي عام، حين بدأت النهضة العربية في القرن التاسع عشر، أقصى جملة مفكريها العلوم الصوفية من المشاركة في الإصلاح، بل عدوا التصوف عائقًا أمام التقدم وحاضنًا للتخلف والتخاذل، فجاءت الصحوة الإسلامية في القرن العشرين أحادية النزعة، وحيث إنّ الآفة الحتمية لكل أحادية إنسانية هي التطرف والغلو والامتلاء بالذات وإقصاء الآخر.. شهدنا ما حدث في العالم المعاصر. ومن هنا حاولت أن تعيد تقديم التصوف برؤية ولغة تناسب العصر الراهن، فأعادت كتابة موسوعة إحياء علوم الدين لتناسب القرن العشرين، ووصل عملها هذا الذي طُبع عدة مرات إلى الجماهير المسلمة شرقًا وغربًا، وكما فعلت مع نصوص الغَزَّالي كان اهتمامها برسائل الجُنَيْد شيخ الطائفة –بحسب تعبير ابن تيمية- فحققت أعماله ودققت في أقواله ووثّقتها، وجاءت نشرتها بشكل لا يختلف عن المعجم الصوفي في ترتيبه وتنسيقه، فتبدأ أقوال الجُنَيْد في الكتاب من الألف إلى الياء، وتعود إلى عشرات المصادر لتوثق الكلمة المنسوبة إليه، ثم تراجع المطبوع والمخطوط وكل ما له صلة بالجُنَيْد حتى تظهر صورة هذا العَلَمِ الكبير الذي هُضم حقه في الكتابات العربية. فتخرج للقارئ ثمرة تجتمع فيها أقواله وكتبه وأدعيته وعظاته.

المرأة في التصوف

وإذا روى ابن الجوزي كثيرًا من حكايات العُبّاد والزهاد، فإن نصيب النسوة في هذه الحكايات قليل ما يُلتفت إليه، فلا نظفر بكتابات عربية تركّز على قراءة هذه الحكايات ودراساتها إلا نادرًا؛ لذلك تُخصص سعاد الحكيم جزءًا من اهتمامها البحثي للكتابة عن نساء في حياة ذي النون المصري، ونساء في حياة ابن عربي. ويظهر عملها الصادر مؤخرًا اهتمامها بالمرأة الصوفية، ورؤية أعلام التصوف للمرأة، فقبل أن يسافر معها القارئُ لزيارة حدائق الصوفية تُحدِّثنا عن حضور التصوف وأثره في حياتها، فنقرأ عن المرأة الراعية في العلم وتهدينا «باقة ورود صوفية» بنصّها المكتوب عن ابن عربي في حياتها.

نقرأ كثيرًا عن بلقيس الملكة والمرأة التي حُفّت سيرتها وشخصيتها بكثير من المرويات والأساطير، لكن كتابة الحكيم عن هذه المرأة تختلف عما اعتدنا مطالعته في استكناه أغوار شخصيات التراث، فالالتفاتة إلى إسلام بلقيس مع سليمان واعتبارها ظلّت متحررة في اعتقادها بالله من الوسائط –كما يشير ابن عربي- جعل الحكيم تُخصِّص دراسة واسعة لهذه الشخصية بعنوان: «تجليات ملكة في القرآن الكريم» فإضافة إلى القراءة العقائدية قرأت فعلها في التاريخ قراءة سياسية، فقد حافظت هذه الملكة القرآنية في علاقتها بسليمان على موقعها كأولى في شعبها فلم تَنْقَدْ لسليمان بل أعلنت أنها معه، شأن ما يسمى اليوم بالاتحادات السياسية، فتكون كل دولة من دول الاتحاد صاحبة كيان منفرد ويشترك الجميع في نظم عامة، ويشكلون معًا وحدة اجتماعية وبشرية.

المرأة في التصوف موضوعُ درسٍ بدأت الدراسات الاستشراقية منذ وقت مبكر الاهتمام به، ولعل أبرز الدراسات عنه ما كتبته مارغريت سميث التي قدّمت رابعة العدوية وأخواتها، لا نعرف كثيرًا عن النسوة الصوفية؛ لذا فإن النصّ الذي حققته سعاد الحكيم مع بكري علاء الدين ونُشر بالمعهد الفرنسي تحت عنوان: «شرح المشاهد القدسية لتكميل دائرة الختم الموصوف بالولاية المحمدية» يكشف عن دور المرأة في التصوف تأليفًا وشرحًا ومناقشة، وينقلها من كونها موضوعًا إلى كونها مساهمة ومشاركة للرجل في هذا الميدان، ولأن هذا الكتاب كان كاشفًا عن مشاركة حقيقية في مناقشة نصّ صوفيّ وفلسفي خصصت الحكيمُ دراسةً له في كتابها «المرأة والتصوف والحياة» أبرزت فيها ثقافة الست عجم الإسلامية والصوفية والفلسفية، وكشفت عن إبداعها الذي يختلف كثيرًا عن النصوص الصوفية المناقبية والعجائبية.

وبما أن التصوّف هو خُلقٌ فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين والتصوف؛ فمنذ سنواتٍ طوال تعمل الحكيم على الإعداد والإشراف على موسوعة علمية تؤسس لعلم مكارم الأخلاق في الإسلام مع فريق من الأساتذة والأكاديميين المختصين، قناعة منها أنه لا يزال لدى المسلمين ثروة من القيم الأخلاقية الإنسانية التي تنفع الناس اليوم –مسلمين وغير مسلمين- وقد أوشكت هذه الموسوعة على الصدور، ونأمل أن تحقق أهدافها.

اترك تعليقاً