السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. بورتريه / حوار
  3. مِركل.. من «فتاة كول» إلى «قائدة العالم الحر»

مِركل.. من «فتاة كول» إلى «قائدة العالم الحر»

سمير جريس - كاتب ومترجم مصري يقيم في ألمانيا
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 06:08 م
229 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

ذات مرة سأل صحافيون أنغيلا مِركل: ماذا تغير في حياتك بعد أن أصبحت مستشارة؟ فأجابت: التسوق!

في ذلك اليوم حكت مركل للصحافيين أنها اعتادت الذهاب إلى «السوبرماركت» بنفسها، وشراء ما تحتاج إليه. لكن ذلك أصبح صعبًا بعد أن تولَّت منصب المستشارية. فما تكاد تدخل محلًّا حتى يلتف العاملون حولها. «لم يكن يحدث هذا من قبل»، تقول مركل بنبرة جافة. ثم تسمع في المحل السؤال التقليدي: «عن أي شيء تبحثين؟» تقول لهم: عن خرشوف (أرضي شوكي) مُعلّب. «ماذا؟»، يأتي الرد باندهاش. في تلك الأثناء يكون مدير الفرع قد ظهر أمامها ليعيد السؤال نفسه: «عن أي شيء تبحثين؟» فتكرر مركل الإجابة. يقول المدير: «ماذا؟ لدينا بالطبع خرشوف طازج، سيادة المستشارة.» تعيد مركل أنها تفضل المُعلَّب؛ لأنه جاهز للاستخدام. هذه المواقف دفعتها إلى أن تطلب من زوجها يواخيم زاور، البروفيسور في الكيمياء، أن يقوم هو بالتسوق، لكن تضيف مركل: «بعد أن أكتب له ورقة بما نحتاج إليه».

هذا الموقف يبين على خير وجه شخصية مركل التي لم تغيرها السلطة كثيرًا. ما زالت هي المرأة التي تحب أن تطبخ بنفسها، إذا توافر لديها الوقت، وتخبز في فصل الصيف فطيرة البرقوق؛ وما زالت هي البروتستانتية المتواضعة، المتقشفة، المحبة للعمل، التي تبتعد من الأضواء في حياتها الشخصية. لن تجد إلا نادرًا صورة لمركل وهي تقضي إجازتها السنوية في إيطاليا مثلًا، أو على جبال الألب، أو على أحد الشواطئ الساحرة، مثلما كان يفعل المستشار السابق غيرهارد شرودر، أو كما كان يفعل راعيها هلموت كول. لن نجد لمركل سوى صورها في أثناء تأدية عملها كمستشارة. بموضوعية العالِم وتجرده اقتربت من السياسة رغم أنها لم تفكر يومًا في الانضمام إلى حزب، ناهيك عن أن تصبح مستشارة.

ولدت أنغيلا مركل في هامبورغ (ألمانيا الغربية) في عام 1954م، وفي العام نفسه انتقلت عائلتها إلى ألمانيا الشرقية حيث نشأت وتعلمت في مدارس الدولة الاشتراكية، ومن جامعة لايبزيغ نالت درجة الدكتوراه في الفيزياء. وفي عام 1978م حصلت على وظيفة في معهد الكيمياء الفيزيائية بأكاديمية العلوم في برلين الشرقية. ولولا سقوط جدار برلين عام 1989م، وانهيار الكتلة الشرقية، وتوحد شرق ألمانيا مع غربها، ما تركت مركل السلك العلمي أبدًا.

عالمة براغماتية

يقول بعض: إنها تتعامل مع السياسة بمنطق العالِم الذي يقف أمام مشكلة ويريد حلها. ويطلقون عليها «البراغماتية» – يقولون ذلك ليس على سبيل المديح، بل ليؤكدوا أنه ليس لديها رؤية سياسية. هي تحل ما يعترضها من مشاكل فحسب، أو «تدير الأزمات»، بحسب تعبير المنتقدين. ونحن إذا نظرنا إلى كيفية تعاملها مع مشكلة العملة الأوربية، وانهيار بعض البنوك، والأزمة المالية في اليونان وإسبانيا وإيطاليا، نجد أن هذا التحليل صحيح إلى حد كبير. بعد انهيار المعسكر الشرقي أرادت عالمة الفيزياء أن تشارك في البداية السياسية الجديدة في شرق ألمانيا، فانضمت إلى الحزب الديمقراطي المسيحي في عام 1990م (عام الوحدة الألمانية)، وتقدمت إلى أول انتخابات برلمانية تجرى في ألمانيا المتحدة، ونجحت في الحصول على مقعد في البوندستاغ. لفتت أنظار المستشار الأسبق هلموت كول، فاختارها لتكون وزيرة للمرأة والشباب. نُظِر إليها باستخفاف آنذاك، وأُطلِق عليها «فتاة كول»، واتُّهِمت بأنها مجرد تابعة لراعيها، من دون أن يكون لديها شخصية سياسية مستقلة.

لكن المقربين من الوزيرة الشابة تعرَّفوا «غريزة السلطة» لديها، كما أُعجبوا بأسلوبها الموضوعي في مقاربة القضايا السياسية، وإصرارها على الوصول إلى ما تعده صحيحًا، من دون الصدام مع الكبار في الحزب، وعلى رأسهم راعيها هلموت كول بالطبع. غير أن الصدام مع كول كان حتميًّا، وبخاصة بعد أن خسر انتخابات عام 1998م، وبعد أن افتضح أمره بسبب تبرعات حزبية تلقاها على حسابات بنكية سرية. كانت مركل مِن أول منتقدي كول علنيًّا، بل كتبت مقالًا في واحدة من أهم الصحف الألمانية لتعلن تبرؤها مما فعله. في عام 2000م اختارها الحزب –الذي كان متشوقًا إلى بداية جديدة بعد «فضحية كول»- رئيسة له، لتصبح أول امرأة ترأس حزبًا سياسيًّا كبيرًا في ألمانيا. ولم تمض خمس سنوات حتى حلَّت محل شرودر على كرسي المستشارية، لتغدو أول مستشارة في تاريخ ألمانيا، وأصغر من تولَّى هذا المنصب أيضًا (كانت آنذاك في الحادية والخمسين).

برز دور مركل القيادي في الاتحاد الأوربي خلال الأزمة المالية والاقتصادية التي اجتاحت العالم منذ نهاية 2007م، وكافحت من أجل إنقاذ العملة الأوربية الموحدة. ثم تعزز دور ألمانيا، ومعه مكانة مركل، بعد إجراء الاستفتاء في بريطانيا حول البقاء في الاتحاد الأوربي. كانت نتيجة الاستفتاء صدمة كبيرة لدول الاتحاد، بل صدمة للحكومة البريطانية نفسها؛ إذ لم يتوقع أحد أن تكون نتيجة التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي (البريكست). لكن مركل، كعادتها، استطاعت تحويل الأزمة إلى فرصة: فرصة للوصول إلى مزيد من التضامن الأوربي عبر إظهار الثمن المرتفع الذي ستدفعه لندن مقابل هذه الخطوة، أو على الأقل هذه هي إستراتيجية مركل.

المدافعة الأخيرة عن الغرب الليبرالي

ثم ارتفعت مكانة مركل عالميًّا بعد انتخاب دونالد ترمب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية الذي رفع شعار «أميركا أولًا». خشي كثيرون، في أميركا وخارجها، صحوة التيارات القومية المتشددة في العالم كله، التي لا ترى سوى مصالحها الذاتية. ظهرت مركل –بمواقفها الأوربية وتعاملها الإنساني مع أزمة اللاجئين- كأنها المضاد لشخصية ترمب، فوصفتها صحيفة «نيويورك تايمز» بـ«المدافعة الأخيرة عن الغرب الليبرالي». ولعل أكبر تحدٍّ واجهته مركل خلال سنوات حكمها الاثنتي عشرة هو مشكلة اللاجئين، وقرارها الخاص بفتح الحدود أمامهم في الرابع من أغسطس عام 2015م. يقول بعض الصحافيين: إن هذه الليلة تشبه ليلة سقوط جدار برلين في التاسع من نوفمبر 1989م، ويدّعون أن ليلة الرابع من أغسطس عام 2015م ستغيّر ألمانيا في العقود المقبلة بشكل عميق، مثلما فعل سقوط الجدار وما أعقبه من انهيار المعسكر الشرقي، ثم إعادة توحيد ألمانيا. آنذاك قالت مركل تلك الجملة التي اشتهرت فيما بعد في ألمانيا: «نستطيع ذلك»، أي نستطيع أن نتغلب على مشكلة اللاجئين التي عدَّتها المستشارة «مهمة وطنية ضخمة»، وبخاصة بعد أن استقبلت ألمانيا نحو مليون لاجئ في عام واحد.

لاقت سياسة مركل التأييد لدى قطاع كبير من الألمان، واكتسبت في تلك الأيام شعبية كبيرة داخل ألمانيا وخارجها، وأصبح لقبها لدى اللاجئين «ماما مركل»، وتناقلت وسائل الإعلام صور اللاجئين وهم يلتقطون صور «السِّيلفي» معها. ومع نهاية العام توقع كثيرون أن تنال المستشارة الألمانية جائزة نوبل للسلام لموقفها الإنساني النبيل. من ناحية أخرى، أصيب عدد كبير من الألمان بالصدمة والخوف عندما رأوا بلادهم تفقد السيطرة على حدودها؛ والدول في نهاية المطاف تُعرّف بحدودها، وهو ما أدى، مع تزايد عدد اللاجئين، إلى انقسام عميق في المجتمع الألماني ما زال مستمرًّا حتى اليوم.

مواجهة النازية الجديدة

في تلك المُدة زارت مركل مركزًا لإيواء اللاجئين في مدينة «هايندناو» في ولاية سكسونيا (شرق ألمانيا) التي أصبحت رمزًا للتعصب والاتجاهات النازية الجديدة في ألمانيا، فهُوجِمت بأقذع الشتائم («عاهرة»، «خائنة»)، ووُوجِهت للمرة الأولى بهذا الغضب المنفلت لدى بعض قطاعات الشعب الألماني، ولا سيما تيارات اليمين المتطرف، التي ربما لم تكن تعلم بحجمها. ثم توالت أحداث في ألمانيا رفعت صوت منتقدي مركل عاليًا، بدءًا من أحداث ليلة الاحتفال برأس السنة الميلادية، وهي الليلة التي شهدت فيها مدن ألمانية عدة، وخصوصًا مدينة كولونيا حالاتٍ جماعيةً من الاعتداءات الجنسية والسرقة، وكان معظم الجُناة من اللاجئين، أغلبهم من شمال إفريقيا. ثم جاءت سلسلة من الاعتداءات الإرهابية نفذها لاجئون في مدن متفرقة من ألمانيا، بل شهدت العاصمة برلين في 19 ديسمبر 2016م عملية إرهابية راح ضحيتها نحو ثمانين شخصًا بين قتيل وجريح. أُصيب ملايين من الألمان عندئذ بالصدمة والذهول، واندفعوا يتساءلون: هل ارتكبنا خطأً باستقبال كل هذا العدد في هذه المدة القصيرة؟ هل كانت حكومتنا مدرِكةً حجمَ القرار الذي اتَّخذته؟ هل ارتكبت مركل أخطاء في التعامل مع ملف اللاجئين؟ كانت الإجابة عن كل هذه الأسئلة من وجهة نظر اليمين المتطرف هي: لا بد من إزاحة مركل!

في تلك الأيام قويت شوكة حزب جديد هو «البديل من أجل ألمانيا» الذي تأسس عام 2013م كحزب قومي مُعادٍ للاتحاد الأوربي والعملة الأوربية، غير أنه سرعان ما وجد في أزمة اللاجئين موضوعه المفضل، وبسرعة أصبح حاضنةً لكل خصوم سياسة «الباب المفتوح» التي انتهجتها مركل، سواءٌ من المواطنين «القَلِقِين» على مستقبل بلادهم، أو من النازيين الجُدد. قد يكون تشبيه ليلة الرابع من أغسطس بسقوط جدار برلين مبالغة كبيرة، لكن الأكيد أن تلك الليلة أدَّت إلى حدوث انقسام حادّ في المجتمع الألماني، وهو ما سيؤثر بالطبع في نتيجة الانتخابات المقبلة.

وعلى الرغم من كل ذلك، ففي اعتقادي أن مركل ستنجح في تحقيق انتصار لحزبها، وستجلس أربع سنوات أخرى على كرسي المستشارية؛ فكثير من الألمان يتحدثون عن غياب بديل حقيقي جدير بإزاحة مركل. لن يعني فوز مركل تأييد الملايين لسياسة الباب المفتوح التي انتهجتها، بقدر ما يعني ثقتهم في المستشارة «البراغماتية»، «مديرة الأزمات» التي أدركت، واعترفت، بأنها ارتكبت أخطاء في تعاملها مع أزمة اللاجئين، ووعدت شعبها بأن ما حدث ليلة الرابع من سبتمبر لن يتكرر ثانية.

اترك تعليقاً