الإثنين - 2 ربيع الأول 1439 هـ , 20 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. دراسات
  3. المرجعية العقائدية للصورة الشعرية عند خالد جمعة

المرجعية العقائدية للصورة الشعرية عند خالد جمعة

يوسف القدرة - شاعر وباحث فلسطيني
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 06:08 م
392 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

تتمثّل المرجعيّة الثقافيّة للصورة الشعريّة في تجربة الشاعر، بتلك العناصر التي يعتمد عليها في إبداع صوره، وهذا ذو طابعٍ لصيقٍ بالتكوين الثقافيّ للشاعر وتجربته الحياتيّة، كذلك قدرته الإبداعيّة على توظيف معرفته وتأمّلاته، وجعله المُتلقي مشاركًا فاعلًا في عمليّة الإبداع من خلال مرجعيّة ثقافيّة مشتركة، تعتمد الإيحاء والإشارة، وليس المباشرة والعبارة، فالقارئ لشعر خالد جمعة، والمُطّلع على تجربته الشعرية الكاملة، يجد أنّه ذهب إلى خلق «عوالم ممكنة» غير تقليدية؛ إذ إن البنى والتراكيب البلاغية عنده تشير إلى هيمنة غياب المرجع، غير أنّ ذلك لا يعني انقطاعه وانفصاله عن موروثه التراثي، فالقراءة الثقافيّة المُتأنّية لنصوصه، والبحثُ في أعماقها، يدلّنا على مراجع مُتنوّعة، وتُعدُّ الديانات السماويّة والأرضيّة، من أهم مصادر المعرفة، لما لهذا التراث الديني من أثرٍ عميقٍ.

تأثّر الشاعر بالكتب المقدّسة، وظهر ذلك جليًّا في نصوصه. وهنا نشير للكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، هذا التأثّر نجده تحت جلدِ قصائده لا على سطحها، أي في عروق وأوردة نصوصه، هذا التأثّر تعدّى مجادلة الفكرة إلى أسلوب الصياغة والتصوير، ومن الصور ذات المرجع العقائدي عند الشاعر خالد جمعة، نقرأ له نصّ «أمّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْه» نموذجًا، حيثُ يعودُ بنا من خلال معجمه اللغوي، إلى الكتاب المقدّس، في صورة رسم فيها التقابل بين نصه والنص المقدس، إذ يقول الشاعر:

«لوني، في خرائطِ الربِّ غافيًا مثلَ عَمَلٍ حسنٍ في عينِهِ، إلى قلبي ينظرُ…، وفي حكاياتِ جدّتي دائمًا أطلَّ كبلسمٍ على مأساةِ الموجوعينَ قبلَ النهايةِ بقليل».

يُشخِّصُ الشاعر لون الأنثى، فيستعير صفة الغفوة من الإنسان، وينسبها إلى اللون، ولونها الغافي شبهه بعمل حسن في عيني الرب، الذي ينظر إلى قلبها، ثمّ يذهب إلى تبديل الجنود بالوردة مضافة إلى الرب، كناية عن رحمة الرب وجماله، ثم يذهب إلى صورة أخرى يشبّه فيها طلة الرب بالبلسم في حكايات الجدة، الذي يظهر فيها منتصرًا للموجوعين، ونحن نرى في هذه الفقرة تناصًا مع سِفر التكوين؛ إذ يظهر جليًّا في الإصحاح الأول من السِّفر، في أول صفحات الكتاب المقدس، كيف أن الرب كان مُعجبًا بخليقته ومؤكدًا ومُشددًا على جمال كل شيء وصلاحه، حيثُ يذكر: «رأى اللهُ جميع ما صنعه فإذا هو حسنٌ»، وفي هذا تقارب للصورة الشعرية مع مرجعها الثقافيّ.

ويُكمل الشاعر نصّه، فيقول: «جثوتُ أمامَهُ حينَ تجلّى كضوءٍ على جبلٍ على ماءٍ على غيمةٍ على ريشٍ على جناحِ نَسرٍ على نارٍ على انتظارٍ لا ينتهي، سكبتُ أدعيتي وقرباني دمعُ عينيّ الفائضِ عن الحَبسِ».

يقول الشاعر على لسان أنثى النصّ «جثوتُ أمامَه»، فنرى صورة بلاغية فيها دلالة على انكسارها أمام الرب، الذي يجيء في صورة ثانية فيها تشبيه، حيثُ شبّه الشاعر تجلّي الرب بالضوء، ثم تحوّلات أمكنة تجلّيه في صورة تتسع لمكونات من الطبيعة: جبل، ماء، غيمة، ريش، جناح نسر، نار، وأضاف إلى الصورة مكوّنًا معنويًّا وهو الانتظار، الذي صبغه بالديمومة والاستمرارية، ثمّ ينتقل إلى صورة فيها استعارة يتم تحويل الأدعية إلى مادة تنسكب في إشارة إلى دمع عينيها، وكذلك القربان. هذه اللوحة التي تشكلها مقدرة الشاعر الشعرية، أبدت لنا صورة المحبوبة كما تجلت في سِفر نشيد الإنشاد، في إعادة إنتاج لدلالاته، مبتعدًا كثيرًا من الدلالات الأصليّة للسِّفر، ومُقتربًا من المفردات إفرادًا وتركيبًا، وكذلك التعبيرات الجمالية، وفي نصّ الشاعر جمعة، نجدُ براعةَ الشاعر في توظيف شخصيّة الأنثى المؤمنة بربّ الوردة، يقول:

«تجوّلَ النّورُ فيَّ وانهمرتْ سَكينَةُ السماواتِ كثلجٍ على حريقِ صدري وصارَ قلبي راقصةً كغزالةٍ في مَرجٍ في ربيعٍ في إحساسِها بخِشْفِها الأوّل يركُلُ قلبَها فتؤلِّفُ روحًا جديدةً وتغزلُ حُبَّها الغريزيَّ كَفَرْوَةٍ لشتائِهِ الآتي».

اتساع الصورة لمكونات الطبيعة

يستعير الشاعر صفة التجوّل من الإنسان، وينسبها للنور الذي يتجوّل في دواخل الأنثى، وفي صورة ثانية يشبّه الشاعر «سكينة السماوات» المعنوية بالثلج الماديّ في الانهمار، ثمّ يشبّه قلب الأنثى بالراقصة، ثمّ يضيف إلى الصورة تشبيهًا آخر بأداة التشبيه الكاف، حيثُ شبه قلب الراقصة بالغزالة، ثمّ تتسع الصورة لمكوناتٍ طبيعية وهي المرج والربيع، والخُشْفُ وهو ولد الظبيةُ أول ما يولد ويطلق على الذكر والأنثى، والصورة الشعرية مجتمعة في دلالة عن فعل المخاض واقتراب حالة الولادة، حيثُ يستحضر أحد لوازمه وهو فعل «الركل» الذي يحيلنا إلى «الطَّلق»، وفي الصورة يشبّه الشاعر الخشف بالنصّ الذي يُؤلّف، أي الروح الجديدة. ويحوّل الشاعر الحبّ المعنوي إلى مادة يمكن غزلها، ويشبهه بالفروة، ومكونات الصورة كلها منسجمة من حيثُ بدائيتها، وهي تحيلنا إلى بدائية الأنثى في سِفر نشيد الإنشاد، حيثُ تتلاقى أبعاد الصور الشعرية هنا مع مرجعها الثقافيّ.

ويستمر خطابُ النصّ بفقرة جديدة، يبدؤها الشاعر بتحديد للمكان، حيثُ إن صوتَ الأنثى لا يزال يتجدّد مع كلِّ سطرٍ جديد، وتتضح المرجعية الثقافية للصورة كذلك في النصّ، إذ يقول الشاعر:

«في خيمَتي، رتَّبتُ وعودَ الرَّبِّ تحتَ وسادتي، وخرجتُ لأَنطُرَ كرومَ بني أمّي، خفيفةً بلا همٍّ يكادُ يسوقُني الهواءُ كريشةِ عصفورٍ على رملٍ في فراغٍ في عاصِفة، وحينَ ودَّعتُ الشَّمسَ وألقيتُ تعبي على حصيرتي التي جدّلتُها من بقايا القمحِ الذي أفْلَتَ من مناجلِ الحصّادين، لم أجِدْ وسادتي ولم أجِدْ ما تحتَها».

نلاحظ هنا أن الوعود المعنويّة تحوّلت إلى شيء مادّيّ يختبئ تحت الوسادة، ثمّ تحوّلت الأنثى في صورة ثانية إلى ريشة يحركها الهواء، ونلاحظ خروجًا من هذه المجازات إلى مجازٍ آخر تتحرك فيه الصورة إلى استحضار اللوازم في تحويل الشمس إلى كائن يمكن توديعه، ثمّ تحويل التعب إلى مادة تلقيها الأنثى على حصيرتها، وهي صورة متسعة تستوعب مكونات الوسادة، والكروم، والهواء، والعصفور، والرمل، والشمس، والحصيرة، والمنجل، وهي مكونات يكاد يتنافر بعضها مع بعض، لكن المقدرة الشعرية صالحت بينها لتكوّن هذه اللوحة التي تجمع بين النعومة في الوسادة والهواء، والخشونة في العواصف ومناجل الحصادين، لتتجلى صورة الأنثى كما تجلت في سفر نشيد الإنشاد مع بعض التحريفات التي تباعد الصورة عن مرجعها الثقافي.

وتتضح ملامحها، فنجدها كذلك «أنثى يتيمة» و«مضطهدة»، إضافةً إلى كونها «مؤمنة» و«فقيرة» إذ يقول:

«لم أعرِفْ أبي ولم أعِ أمّي، ولم أكُنْ حزينةً لهذا، لم أعرف غيرَ الكرومِ التي نطرتُها كي أهوِّنَ غضبَ الغاضبينَ الذي لم أعرفْ من أينَ كانَ يأتي دائمًا كمطرٍ لا ينقطِعْ، كنتُ دائمًا أنتظرُ هديّةً خبّأَها الرّبُّ في اختباراتِه الهائلةِ لجسدي القصبيّ، وقلبي الذي لا يقوى على هشِّ قُبَّرةٍ عن حبّةِ قمحٍ في كرمٍ أنطُرُهُ».

يرسم لنا الشاعر صورة جليّة لأنثى النصّ، فيبدأ بصورة مجازية فيها غياب لمعرفة الوالدين، وفيها دلالة على يتمها، بكل ما يحتوي ويتضمن ذلك الفقدان من معانٍ قاسية، ومع ذلك تنفي كونها حزينة بسبب يتمها.

ثمّ صورة مجازية أخرى فيها حضور لمعرفة مُغايرة وتبدو أنها معرفتها الوحيدة، ألا وهي الكروم التي تنطرها في محاولةٍ منها لتخفيف وتجنب، إن أمكن، غضب الغاضبين المستمر، وفي الصورة تشبيه غضب الغاضبين بالمطر المتواصل، وفي هذا تغيب دلالة المطر الخيّرة والبنائية والإحيائية، وتحل مكانها دلالة المطر التدميرية لارتباط المطر بغضب الغاضبين. ثمّ ينتقل إلى مجاز آخر في صورة يشبه فيها جسد الأنثى بالقصب، من طول الانتظار والنطر للكروم، انتظارها كـ«أنثى مؤمنة» لا خيارات أمامها، تظل في انتظار هديّة من الربّ، ثمّ ينتقل إلى صورة مجازية أخرى فيها كناية عن كونِها أنثى مسالمة ذات جسد واهن وقلب هشّ يضعف عن هش طائر في كرم تنطره. والصور مجتمعة تشكل لنا لوحة هذه الأنثى المؤمنة واليتيمة والفقيرة والمضطهدة والراضية والمسالمة وذات الجسد الضعيف والقلب الهش، وحالة انتظارها ونظرها للكروم تحيلنا إلى نشيد الإنشاد في تقارب للصورة مع مرجعها الثقافي من حيثُ تصوير الشاعر للانتظار والنطر.

صوت الأنثى

ويواصل الشاعر نصّه، بصوت هذه الأنثى التي اتّضحت لنا أغلب ملامحها الاجتماعية والروحيّة والجسديّة، إذ يقول:

«أحبَبْتُ الرَّبَّ كما قالت الوصايا، لم أنطِق باسمِهِ باطلًا، وقدَّستُ سابعَ أيامِهِ فلم أشعِل نارًا ولا نطرتُ كرمًا فيهِ، وسَقَطَتْ خامسُ الوصايا لأني لم أعرفْ والديَّ فأشفقتُ على كل رجلٍ وامرأةٍ، لم أعرف رجلًا بين ذراعيّ ولم أقتل نملةً ولا نظرتُ بعين الحسدِ إلى شيءٍ؛ لذا برّأَني الرَّبُّ من كلِّ دَنَس، أحسُّ براءتَهُ في قلبي كلما أيقظني ديكُ المعبدِ قبلَ أن تفرك الأرضُ عينيها من وخزِ الشَّمس».

يعود بنا الشاعر إلى مرجع النصّ الثقافي، وهو التوراة، في مطلع هذه الفقرة، من خلال وصايا الرب، وهي الوصايا العشر التي ذُكرت في الإصحاح العشرين من «سفر الخروج»، فنجد الشاعر يدلل بجمله الشعرية النافية على نقاء هذه الأنثى وطهارتها، وعلى عملها بالوصايا والتزامها بها، وأنهى الفقرة بصورة مجازية حوّل فيها البراءة المعنوية إلى مادة تحسّ، وجعل الأرض إنسانًا ذا عينين يفركهما، ويواصل الشاعر نصّه، ذاكرًا شهادة الأنثى على بني أمِّها، راسمًا لنا لوحة من الصور الصريحة عن الطقوس والعادات التي تُمارس مع الكذب، في دلالةٍ على ادّعاء الإيمان، ثمّ ينتهي النصّ بفقرةٍ تُحيلنا إلى مبتدئه، إلى لون الأنثى الغافي في خرائط الربّ، إذ يقول الشاعر:

«أنا سوداءُ وجميلة يا بنات أورشليم، أمي ما كانت إلا وصيَّةً في حِجْر جدّتي، أما كرمي، فلم أنطُرْهُ، ولم أرَهُ، وربما كان واحدًا من الكرومِ الكثيرةِ التي نطرتُها، فمن غيرُ الرَّبِّ يعرِفُ؟ ومَنْ غيرُ الرّبِّ قادرٌ على أن يعيدَ العالمَ إلى بداياتِهِ المسالِمة…».

هكذا يحيلنا الشاعر عبر صوت الأنثى، في تجسيدها لصورة معرفة الرب الشاملة، وقدرته القديرة، في تساؤلين منفصلين، عن معرفة أي كرم هو كرم الأنثى من بين الكروم التي نطرتها، وأي قدرة غير التي يمتلكها الرب قادرة على إعادة العالم إلى سلميته ومسالمته، في دلالة على الإيمان المُستمر الذي تحدثنا عنه في بداية النصّ. ففي النص بكليّته، يستلهم الشاعر من نشيد الإنشاد لغته؛ إذ إن الصورة الشعرية تعتمد على تجسيد الرغبات الإنسانية الأولى، بكل ما فيها من استبداد بالنفس البشرية، وكذلك نرى أن الشاعر عمد إلى استخدام التشكيل البلاغي في صور النص من خلال التشبيه والاستعارة والكناية. حريّ بنا أن نذكر، أن الشاعر قد افتتح نصّه بهذا المقطع من مقدمة سِفر نشيد الإنشاد، فنقل منه:

«أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، كخيام قيدار، كشقق سليمان، لا تنظُرْنَ إليَّ لكوني سوداء لأن الشمسَ قد لوّحَتْني، بنو أمي غضبوا عليّ، جعلوني ناطورة الكروم، أما كرمي فلم أنطرهُ».

(الاقتباسات من ديوان «كما تتغير الخيول»).

اترك تعليقاً