السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. الملف / كتاب الملف
  3. الدين والعلمانية.. المعنى وفضاء التأويل

الدين والعلمانية.. المعنى وفضاء التأويل

محمد بن علي المحمود - كاتب سعودي
نشر في: الخميس 31 أغسطس 2017 | 06:08 م
922 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

الدين والعلمانية، وجدل العلاقة بينهما، من أهم محاور التجاذبات الفكرية المعاصرة، وبخاصة بعد صعود الأصوليات في الشرق والغرب، ودخولها على خط المواجهة -صراحة أو ضمنًا- مع الزمن الحداثي الذي كانت العلمانية جوهر رؤيته ومصدر تصوراته، بل هي -في الغالب- الوسيلة والغاية في آنٍ. ولا يعني ارتفاع وتيرة الجدل حول هذه العلاقة بالتزامن مع صعود الأصوليات أن صراع الدين والعلمانية الذي احتدم في القرون الثلاثة الأخيرة سيعود من نقطة البداية، إنما يعني -في أهم ما يعنيه- أن ثمة انتفاضة دينية على النسخة السائدة من العلمانية؛ بغية تصحيحها بدرجة ما؛ لأنها (الانتفاضة الدينية/ عودة الأصوليات) ترى في هذه النسخة إقصاء أو تهميشًا غير منطقي وغير واقعي للديني؛ على الرغم من حضوره الفاعل والمؤثر، في السياق الفردي وفي السياق المجتمعي.

مع هذا، فالمسألة أعمق وأشمل؛ إذ على الرغم من أن مصطلح: «العلمانية» جديد نسبيًّا؛ فإن إشكالية الدين والعلمانية هي إشكالية قديمة قِدم الحضور الإنساني في التاريخ، ذلك الحضور الذي استلزم تشكل الظاهرة الدينية (أي دين، وبأي درجة) في المجال الدنيوي، الذي هو -ابتداء- التمظهر العلماني في الواقع. وتجذّر هذه الإشكالية في التاريخ لا يعني أنها كانت -في كل المراحل التاريخية- موجودة على هذا النحو الذي بدت -وتبدو- فيه الآن، إنما المقصود أن هناك توجّهًا لمعنى متجاوز للوجود المادي/ الواقعي/ الدنيوي، يصدر عنه تصورات أو معانٍ أو أفكار، تتماس -بالضرورة، وبشكل أو بآخر- مع هذا الوجود المادي، الذي ستؤثر هذه الأفكار والتصورات -أو تحاول التأثير- فيه، وسيتأثر بها لا محالة؛ بصرف النظر عن درجة هذا التأثير.

تحولات المعنى تاريخيًّا وجغرافيًّا

لا يتسع المجال هنا لبحث «ماهية الدين» من حيث هو «دين»، ولا بحث أصل التصور «العلماني»، وتحولات المعنى فيه تاريخيًّا وجغرافيًّا. لكن، نأمل أن تتضح الصورة -كما تتجلى في أطوارها التاريخية- بواسطة هذه الإشارات المقتضبة إلى تمظهرات الديني، في مقابل الحضور المادي/ الواقعي/ الدنيوي. فمنذ القِدم كانت هناك ثنائية: السماء والأرض، الآخرة والدنيا، الله والإنسان، النقل والعقل، الغيب والشهادة، رجال الدين، ورجال السياسة…إلخ، وهذه ثنائيات حاضرة منذ فجر التاريخ، متقابلة منذ فجر التاريخ، حاضرة على مستوى التصورات النظرية، كما هي حاضرة على مستوى الممارسات العملية، فدائمًا، وفي كل مكان تقريبًا، كان هناك من ينظر إلى السماء ليتجاوز عالم الأرض، أو من يرتبط بالأرض، بالوجود الطبيعي المباشر، متجاهلًا اللامرئي/ الماورائي. وفي السياق نفسه، كان هناك من يرى الدنيا/ الوجود المادي مجرد محطة عابرة في سفر طويل يتغيا «مقصدًا نهائيًّا» هو أسمى وأبقى، وفي المقابل، هناك من يراها هي المقصد النهائي المشهود، حتى لو كانت وجودًا عابرًا وهشًّا؛ سرعان ما يضمحل ويتلاشى.

لا يعني وضعنا هذه الثنائيات التي ترتد إلى عالَمَين مُتَمايزين، أو شبه متمايزين في حالة تَقَابل اختلافي، أنها كانت -بالضرورة- محكومة بعلاقات صراعية. بل على العكس، كان التداخل والتعاضد، بل تبادل الأدوار في بعض الأحيان، هو سيد الموقف؛ حتى إن كان الجدل النظري ربما أخذ كل طرف من أطراف هذه الثنائية إلى مداه الأقصى في الانفصال والتمايز، بل التضاد والاحتراب، ولو سِلْميًّا على مستوى: فضول الكلام.

عمومًا، وأيًّا كان الأمر، فلا بد من إيضاح أن هذا التقابل يكشف عن «نسبية التمايز»؛ بقدر ما يكشف عن الملامح العامة لظاهرة الدين من ناحية، والملامح العامة للعلمانية من ناحية أخرى. وبالتالي، يتضح أن مناقشة حالة: «التدين»، لا تنفصل -فهمًا- عن مناقشة حالة: «التَّعَلْمن»، وأن استحضار أحدهما؛ يستلزم استحضار الآخر بداهة. وهذا يَدُلّ -أول دلالة- على أن العلمانية بمجرد وعيها بذاتها/ بهويتها، فإنما تمارس الاعتراف بحضور «الديني» في الواقع، كما أن الدين بمجرد وعيه بذاته/ هويته إنما يعترف بحضور «العلماني» في الواقع، فهو دين، مقابل ما ليس بدين، أو ما لا يحكمه الدين. فلا يمكن -والحال كذلك- أن يعترف أحدهما بنفسه؛ إلا في حال كونه معترفًا بالطرف الآخر/ المقابل.

لكن، في هذا السياق يجب التأكيد على حقيقة أن «العلمانية» وما يلحق بها من أطراف تلك الثنائية، ليست فكرة قارّة/ مُستقرة؛ حتى يمكن ربطها بمعنى قارّ/ مُستقر. وكذلك «الدين» من حيث هو دين. والمقصود أن العلمانية كفكرة/ كتصور/ كتَوجّه، ليست هي ذاتها في كل مراحل التاريخ، وفي كل فضاءات الجغرافيا. هي متطورة، ومتغيرة، وأيضًا، متنوعة؛ وفقًا للثقافة التي تتموضع فيها. حتى العلمانية في صورتها المتأخرة (في القرنين: 19/20) ليست في سياق واحد ينتظمها، كما أن العلمانية الفرنسية، ليست هي -طبق الأصل- العلمانية الأميركية أو البريطانية، فضلًا عن العلمانية الشيوعية التي كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي.

العلمانيات لا تتخذ موقفًا موحدًا من الدين؛ إذ بقدر اختلافها في تصور العلمانية، يختلف موقفها من الدين أو علاقتها بالدين. كذلك طبيعة الدين، من حيث فهمه/ تصوّره، هو ما يحدد الموقف من العلمانية، أو من العلمانيات (فـ«دين ما»، قد يتصالح مع «علمانية ما»، ويخاصم أخرى في الوقت نفسه). ولا ريب أن كل الذين انخرطوا في الصراع الديني – العلماني، إنما يعتقدون بـ«نوع من الدين» ضد «نوع من العلمانية»، أو العكس. ولا يمكن بحال أن يكون الصراعُ صراعَ «كل أنماط التدين» مع «كل أنماط التَّعلمن»؛ ليس فقط لأن تصور هذا الديني أو ذاك العلماني يختلف في الدرجة، وفي النوع، وإنما -أيضًا- لحتمية التفاعل بين نمطين من التصور، كل منها يريد الاستيلاء على أكبر قدر من الهيمنة المشروعة على الشأن العام.

يؤكد «التوجه العلماني» بكل تنويعاته على مركزية العقل الإنساني في تدبير المجال الدنيوي. وفي المقابل، يؤكد «التوجه الديني» على دور النقل (كمرجعية كُلية شمولية مستقلة، أو نسبية؛ باعتماد «المنقول» مصدر إلهام وتوجيه عام) في تدبير المجال الدنيوي؛ على اعتبار أن هذا المجال ليس مجرد فَصْلٍ في مسرحية أكبر، ليس مجرد رقم في معادلة أشمل، يؤثر فيها، بقدر ما تؤثر فيه. ومن هنا، لا يستطيع الديني/ النقلي تصوّر نفسه معزولًا عن تنظيم/ تدبير هذا المجال الدنيوي؛ إلا بأن يفصل الخلاص الأخروي عن كل صور الممارسات الدنيوية، وهذا -في بدهيات التصور الديني- من ضروب المُحال.

العقل الإنساني منتج واقعي

ليست مشكلة الاتصال/ التداخل بين هذين العالمين: الديني والدنيوي محصورة في تصور المتدين التقليدي عن حدود الفاعلية الدينية، فـ«العقل الإنساني» الذي يُراد له -في التصور العلماني- الاستقلال بتدبير الشأن العام، هو منتج واقعي بصورة ما، هو أداة محدودة بحدود العلاقة بين الطبيعة والإنسان. وهنا لا يجوز لنا أن ننسى أن الدين جزء من مكونات هذا الواقع الذي يصنعه الإنسان من خلال الطبيعة، أو تصنعه الطبيعة من خلال الإنسان. ومن حيث هو كذلك، فحتمًا، في العقل من الديني؛ بمقدار ما فيه من الطبيعي/ المادي، ومن الإنساني/ الفطري.

إن تصور العلاقة -في تفاعلها، وفي تمايزها- على هذا النحو النسبي/ الملتبس/ المتداخل من شأنه أن يُخفّف من حدة الموقف الديني من العلمانية التي تتغيا تحييد الاختلاف الديني في المؤسسات العمومية، كما من شأنه أن يخفف من حدة الموقف العلماني من الدين. فحتى أولئك الذين يريدون التخفيف من الصرامة العلمانية بجعلها محددة في: «فصل الدين عن الدولة»، وليس «فصل الدين عن الحياة/ عن الفضاء العمومي»، لا يستطيعون تحقيق ذلك بصورة قاطعة، تُنهي الجدل حول المحاور التفاعلية، على الرغم من أن ما قدموه يُعَدّ من أفضل ما يقال في هذا السياق.

هل يمكن فصل الدين عن الدولة بصورة قاطعة؟ بل هل يمكن فصل المؤسسات العمومية الدنيوية عن الدين بصورة قاطعة أيضًا؟ نعم، الفصل -من حيث المبدأ العلماني المجرد نظريًّا- هدف منشود. فالمراد تحييد المؤسسات العمومية؛ إن لم يكن من الممكن تحييد الدولة كلها ككيان. لكن صعوبة هذا الهدف لا تعني التخلي عنه، كما لا تعني أن تحققه -بمستوى ما- ليس في صالح المجال الديني أو الدنيوي. صحيح أن بعض التفاصيل ستبقى -بحكم التداخل/ التفاعل بين المجالين- محلّ جدل وتوتّر وشدّ وجذب لا ينتهي. لكن كل العلمانيات تجتهد في تحقيق الفصل بين الخطوط العريضة للديني والخطوط العريضة للمدني، وتبقى التفاصيل -وستبقى أبدًا- مجالًا لتجاذب الرؤى وصراع الإرادات.

التشكل السياسي ومهمة إدارة الشأن العام

إن أي تشكل سياسي مؤسساتي إنما يأخذ على نفسه مهمة إدارة الشأن العام، أو الإسهام في ذلك. ولا ريب أن الدين، من حيث تجليه في الممارسات الفردية، أو من حيث تجليه في ممارسات المؤسسة الدينية، هو جزء من هذا الشأن العام. ولا يمكن لأي فعالية سياسية أن تتجاهل الديني؛ من حيث هي مَعنيّة بتدبير فضاء يتضمن الديني. وتزداد صعوبة التجاهل؛ كلما كان الدين أكثر تأثيرًا وأبلغ حضورًا، سواء من حيث عدد الأتباع، أو من حيث نوعية التّدين. حتى تلك الممارسات السياسية المتعلمنة التي تحاول كبح جماح السلوك الديني المتطرف الذي تطال أضراره الفضاء المدني العام، هي تتداخل مع الفضاء الديني الخاص؛ بحكم اضطرارها لفهم الحالة الدينية -بكل ما يستلزمه الفهم من تواصل واشتباك- وتوجيهها بما يكفل تراجع خطرها عن المجتمع ككل -بكل ما يستلزمه التوجيه من تفاعل وتعاضد- حتى يتحقق الحد الأدنى من السلام. أيضًا، في المقابل، أي تشكّل ديني مؤسساتي، أو حتى شبه مؤسساتي هو تشكّل سياسي بالضرورة، سواء عَمِلَ بالسياسة على نحو مباشر، أو اكتفى بالتأثير في خيارات الناخبين، أو عمل كقوة ضغط على الجماهير ولو من بعيد. الدين لم يكن -ولن يكون- خارج سياق الفاعلية السياسية؛ لأن الدين له فاعلية -تختلف نوعًا أو كَمّا- في الشأن المدني العام. حتى عندما يكون الدين روحانيًّا خالصًا؛ فله -حتمًا- تمظهرات عامة/ غير فردية، تُمليها الواجبات الدينية، ولا يمكن تجاهلها؛ لأن للدين حُكمًا نافذًا على أتباعه، يفعلون -طواعية، وإن بإكراه ديني- ما يمليه عليهم، وإلا أصبحوا غير مؤمنين أو غير كاملي الإيمان.

وفي الأخير، نؤكد على أهم محاور التواصل الديني – العلماني، وهو أن الاتجاه/ التوجه العلماني ذاته -كحراك فكري وعملي- يُعيد بالضرورة تأويل الدين، ومن ثم صياغته، في الفضاء الذي يشتغل عليه، كما أن «التعلمن» في بيئة ما، لا يستطيع الاستقلال بهويته العلمانية عن الحالة الدينية السائدة، التي تفرض تأثيرها (ولو بردة الفعل المضادة) تبعًا لدرجة نفوذها. والمحصلة من وراء كل ذلك، أن العلمانية من حيث هي ضرورة لتحقيق العدالة في تصورها الحديث، مرتبطة بالدين الذي تقابله، وتتفاعل مع مُتعيّناته في الواقع. وكما أن لكل مجتمع دينًا أو مجموعة أديان تُؤطّره ثقافيًّا، فكذلك لكل مجتمع علمانيته أو علمانياته الخاصة التي تُقابل دينه/ أديانه. ما يعني أن العلمانية تُصنع تفاعليًّا، وأن «علمانية ناجزة» لا محل لها من الإعراب في الزمن الليبرالي الذي يحتضن المتنوع، وينبذ -في الوقت نفسه- كل الشموليات التي تحاول إلغاء كل الأصوات لصالح الصوت الواحد الذي يدعي امتلاك الحقيقة في كل مجال، وفي كل الأحوال.

اترك تعليقاً