السبت - 3 محرم 1439 هـ , 23 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. مقالات / مقالات رئيس التحرير
  3. السياسة بين الخاصة والعامة

السياسة بين الخاصة والعامة

ماجد الحجيلان - رئيس التحرير
نشر في: الجمعة 01 سبتمبر 2017 | 07:09 ص
319 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

ينسب إلى الإيرلندي الساخر برنارد شو قوله: «أي رجل لا يكون شيوعيًّا في العشرين فهو أحمق، فإن استمر شيوعيًّا بعد الثلاثين فهو أكثر حمقًا» وتعود هذه المقولة الشهيرة إلى النصف الأول من القرن العشرين حين سرت الأفكار الشيوعية في أوربا مسرى الهشيم، وهي أيضًا لا تبتعد من انشغالات شو نفسه أيام شبابه، وهو الذي عاش عمرًا مديدًا حتى تجاوز التسعين، ما أتاح له فرصة التأمل في الأفكار وطبائع البشر والعقائد السياسية ومآلاتها، إنها فرصة لا تتاح لكثير من المفكرين والفلاسفة، فحين تقرأ في سِيَر عظماء التاريخ تفاجأ بأن بعضهم لم يعمّر أكثر من أربعين عامًا، ولك أن تتأمل ماذا كان سيقول لو امتدّ به العمر عقدين أو ثلاثة؟

وماذا لو أننا مرّرنا هذه المقولة على أيامنا هذه لنفحص الأفكار السياسية السائدة في عالمنا العربي والإسلامي؟ سنجد أن عقائد الإسلام السياسي بصيغها المختلفة من المغرب العربي إلى أفغانستان هي الأكثر رواجًا وشعبية، وليس أدلّ على ذلك من مآلات ما عرفناه بالربيع العربي، سواء عبر صناديق الانتخاب أو عبر صراع الجماعات المتناحرة والخطاب الديني السائد في النزاعات العربية. هكذا نكتشف لو قُدّر لنا أن نراجع المشهد بعد عقود أن أفكارًا محددة أتيح لها لظروف تاريخية ما أن تتسيّد المشهد، وتبدو كأنها الخيار الناجز الوحيد أمام الجماهير وعامة الناس، وأن الخروج عليها والتفكير خارجها يبدو خيانة وانتحارًا صريحًا. وعليه، فلك أن تتساءل مجددًا: ترى ما الأفكار التي هي في طريقها للاضمحلال، وتلك التي ستنتعش في العقد القادم والعقود القريبة التي تتليه؟ وما الضريبة التي دُفعت في الماضي وستدفع في المستقبل بسبب الاحتراب على أفكار سياسية آلت للسقوط والتلاشي؟ إن المتأمل في سِيَر جيل كامل من المثقفين العرب الذين ناضلوا من أجل الشيوعية في الخمسينيات وما بعدها حتى أنهكت السجون أعمارهم، وبدّدتهم المنافي في أطراف الأرض، ثم أعلنوا تحوّلاتهم الجذرية؛ سيجد فيها درسًا يستحق التعلم.

والفرق الذي لا تخطئه العين بين تلك الأزمان وما نعيشه اليوم، هو في توسّع الاشتغال بالسياسة وشؤونها ليضاهي فيها بسطاء الناس خاصتهم، والانتشار المذهل للعقائد السياسية بين جميع طبقات المجتمع العربي. فبعد أن كان الهوى السياسي والتحزّب مقتصرًا على رجال السلطة والمثقفين والمتعلمين؛ صار اليوم لكل فرد مهما تواضعت معرفته رأيه السياسي وجماعته المفضلة، وصار لدى الجميع الاستعداد للقتال والموت من أجل فكرة قد لا يعي معتنقها بالضرورة خلفياتها وعواقبها.

وبفضل من الثورة الاتصالية لا شك صار لدينا مجتمعات مسيّسة بالكامل، وعبر وسائل الإعلام التقليدية والجديدة أصبح لكل فرد منصته التي يعبر فيها عن رأيه بلغته وإمكاناته المعرفية، وهو ما أنتج مستوى غير مسبوق من الشقاق والتناحر والكراهية والأحقاد الدينية والطائفية والسياسية والاجتماعية، وإذا أضفت لدور التقنيات الجديدة عوامل أخرى تعانيها المنطقة مثل: الغزو، والاحتلال، والاضطهاد، والحروب الأهلية الصغيرة والكبيرة، والإرهاب، والانهيار الاقتصادي، وتفكك الدولة؛ أضحى لكل فرد حقه الطبيعي في التعبير عن يومياته وانشغالاته، ورواية الأحداث وفق شهادته.

وتعتمل كل هذه العناصر سيكولوجيًّا لتنتج غليانًا مستمرًّا قابلًا للتمدّد والانفجار في أي لحظة، سواء كان باعث الانفجار حدثًا ما، أو مجرد حوار إعلامي أو خاص، ويعيش الواحد منا أبرز مظاهر هذا التسييس الشامل في مجتمعه القريب، سيراها عبر خلافات في المستوى العائلي، وجدالات في محيط الأصدقاء، ونزاعات في بيئة العمل، وسيراها بوضوح في وسائل الإعلام المموّلة وعبر التدوينات الإلكترونية المختلفة. صحيح أن الأيديولوجيا السياسية كانت دومًا مبعث تباين وخلاف، لكنها لم تكن أكثر انتشارًا والتزامًا منها اليوم لدى شرائح لم تكن مهجوسة بما وراء مصدر الرزق وسبل المعاش اليومي.

إن هذه الهواجس حول التسيُّس الشامل تحيلنا إلى مبحث فلسفي قديم قِدم التاريخ، يتعلق بمعنى الخاصة والعامة، ومن يحق له الاشتغال بالسياسة أو الامتناع عنها، وغنيّ عن القول أن الديمقراطية الغربية السائدة اليوم أعطت جوابها مبكرًا، ومنحت كل فرد حقه في التعبير والتصويت والترشح والاشتغال بكل ما هو عام وخاص، وأن هذه الديمقراطية المباشرة تُرجمت بشكل مثير للذهول عبر ثورة الاتصال، وأنها استخلصت العِبر من انهيار الأنظمة الشمولية والدكتاتورية التي قمعت الأفراد وحقوقهم بما فيها حق التعبير وحق العمل السياسي؛ غير أن المشكلة الفلسفية القديمة حول اشتغال «العامة» بشأن «الخاصة» لا تلبث أن تظهر بين حين وآخر في خطابات السياسيين والمثقفين على حد سواء، وبرزت غربيًّا كردّ فعل على صعود الشعبوية، ووصول متطرفين يمينيين إلى الفوز بالانتخابات على قاعدةٍ ممن يراهم الخاصةُ عامةً، وهي برزت عربيًّا في دعوات سياسية لتقنين من يحق لهم الانتخاب في بعض الدول العربية خشية صعود الدعاة والشيوخ وزعماء الحركات الإسلامية.

ويعثر الباحث على بدايات هذا التمييز النوعي بين الخاصة والعامة في المدينة اليونانية القديمة لدى أرسطو، ثم تتجدد بمكيافيلي في كتابه (الأمير) وصولًا إلى غوستاف لوبون في (سيكولوجية الجماهير)، ومن المفروغ منه أن أوصاف العامة تباينت من تسمية طبقات العبيد والرعاع وغير النبلاء والدهماء والجموع والجمهور والشعب.. وكلها تؤدي إلى معنى قريب من فكرة «العامة» المعروف عربيًّا وغايته الدلالية التي كثيرًا ما تعلقت بالتحقير والازدراء.

ومن الجدير بالانتباه أن مفهوم «العامة» و«الجماهير» يكاد يكون نادرًا في النصوص العربية الإسلامية المبكرة، حيث يؤكد الدكتور معجب العدواني في دراسته الثمينة (مفهوم العامة في الحضارة العربية الإسلامية) أن هاتين المفردتين طارئتان على الثقافة العربية، على أنك تجد في عصور إسلامية لاحقة على يدي الجاحظ وسواه من أدباء ومؤرخين استخدامًا واسعًا لمفردة العامة في معرض التجهيل والذمّ والتهميش، ولا يبتعد ابن خلدون في مقدمته من هذا التوجه حين يخصّ الحكم والأمر والسياسة بمن أسماهم ذوي العصبية.

ومهما يكن الأمر؛ فإننا أمام حقيقة جديدة يختلط فيها الثقافي والاجتماعي بالسياسي، ويتساوى فيها الجاهل مع المتعلم، فلكل منهما صوت ولكل منهما حق ولكل منهما رأي، ولم يعد خيارًا متاحًا أمام النخب أن تنفرد بتحديد توجّهات الناس عامتهم وخاصتهم، وصار من المنبوذ ثقافيًّا أن تعيّن طبقات نبلاء لها دم أزرق، وطبقات سُفلى من العامة المهمشين، ولا يجيء هذا الامتناع والنبذ تحفظًا ونفاقًا، ولا بسبب ثورة المهمشين على الإقطاعيين؛ بل لأن التجارب أكدت أن البشر سواسية، وأن تمايزهم مرتبط بمهاراتهم الفردية، فأستاذ جامعي تعطيه صوتك سيخيّب ظنك، وبائع خضار ازدريته قد يغير كل قناعاتك عن النخبة، ولا يبقى أمام المنشغل بأمر العامة والخاصة إلا الرهان على ما قرّره مفكرو السياسة الحديثة من أن الديمقراطية متجددة، وأن الحرية سرعان ما تصلح أخطاءها وتنبعث في فجر جديد.

اترك تعليقاً