الخميس - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 27 يوليو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. قضايا
  3. الصراع الطائفي في إسرائيل ومآل الترجمة العبرية للأدب العربي

الصراع الطائفي في إسرائيل ومآل الترجمة العبرية للأدب العربي

عودة بشارات - روائي وكاتب فلسطيني
نشر في: الجمعة 30 يونيو 2017 | 06:06 م
178 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

قلّةٌ من الباحثين العرب حاولت معرفة الأفكار والأيديولوجيات والصراعات التي تعصف بإسرائيل من الداخل، خارج ما نعرفه من سياسة وأحزاب، وما يسمى يمينًا ويسارًا في الدولة العبرية، والمحاولات التي يمكن رصدها في هذا المجال قليلة ومحدودة الانتشار. فقد ساد في الصحافة العربية متخصصو التحليل السياسي للمفاوضات، وسياسيُّو السلام والممانعة، فيما يكاد يغيب عن المشهد أولئك العارفون بإسرائيل من الداخل، الذين كشفوا لنا أن هذا الكيان ليس جبهة صماء صامدة ومتماسكة.

في هذه القضية التي تنشرها «الفيصل» يستعرض كاتبان متخصصان صراع النخب داخل المجتمع الإسرائيلي وأبرز القضايا الفكرية المطروحة هناك؛ من حرب العبرية على العربية، ومن رفض الوجود العربي الفلسطيني في الداخل ثقافيًّا وديموغرافيًّا، إضافة إلى المواجهة الطائفية بين الطغمة الأشكنازية واليهود الشرقيين، ثم إيجاز بالعمل الإسرائيلي الدائب على ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغة العبرية.

يحاول أساف غولاني، مؤسس دار نشر مينرفا التي تُعنى بنشر كتب تهتم بالثقافة الشرق أوسطية، تقصي أسباب وجود عدد قليل من اليهود القادرين على استخدام اللغة العربية. ويعرض في مقاله توجهات عدة تميز حملات تسويق تعليم اللغة العربية. يمكن اختصار هذه التوجهات في أن تعلم اللغة العربية هو أمر سهل؛ لأن اللغتين العبرية والعربية متشابهتان، وأنه ما دامت اللغة العامية ستُستَخدَم فلا حاجة لتعلُّم قواعد اللغة العربية، فقط معرفة الاصطلاحات والأمثال يساعد على إجادة العربية. من خلال المقال من الممكن التحسس أن هنالك استهتارًا باللغة العربية، من حيث الامتناع عن بذل الجهود لدراستها كما هي الحال في اللغة الإنجليزية. وفي كثير من الأحيان يُتعامَل معها كأنها تجسيد لنزعة الانجذاب نحو الشرق، كما هو الأمر لدى الحديث عن البهارات والملابس وأدوات الزينة الشرقية وغير ذلك.

محمود درويش وإيال غولان

محمود درويش

في المقابل هنالك عودة صاخبة في إسرائيل إلى الموسيقا الشرقية. قبل أشهر عدة جرت مواجهة إعلامية حادة بين أفيف غيفن وهو أحد أيقونات الغناء الإسرائيلي الغربي، وإيال غولان نجم الموسيقا الشرقية. المهم في الأمر أنه بالرغم من المواجهة الحادة والبذيئة فقد التقى الخصمان في نقطة مشتركة واحدة بينهما وهي العداء للعرب. الأول غيفن، وهو ممثل الثقافة الغربية أراد الحط من غولان فقال: إن غولان ومحمود درويش هما الشيء نفسه وما يفرق بينهما هو الختان. ومن جهته قال غولان: إن نظيرة غيفن هي النائبة حنين زعبي من القائمة المشتركة، وما يميز أحدهما من الآخر هو الفرق بين أسنان غيفن الأمامية. الأمر المهم في هذا السجال غير الدبلوماسي بينهما أن غولان سخر من نظيره أفيف غيفن قائلًا له: «أنت إنسان محبط، ومن السهل معرفة السبب. وأنا لو كنت مكانك سأتصرف بالمثل، إذا رأيت أن فناني الموسيقا الشرقية وأنا على رأسهم، يستطيعون أن يملؤوا المدرج الروماني (في قيسارية)، وقاعة نوكيا وإستاد بلومفيلد (في القدس) وغيرها، بينما تقوم أنت بجمع الناس من البيوت من أجل مشاهدتك في أمكنة الواحد منها أصغر من صالون بيتي».

الجدير بالذكر أن المواجهة على أساس طائفي بين الشرقيين والغربيين في إسرائيل تطفو على السطح مرارًا؛ لتثير صخبًا في البلاد ترافقه عودة إلى الجذور، وإلى السنوات الأولى للدولة التي اتسمت بسطوة الثقافة الغربية، من أدب وفن وموسيقا وشعر. وفي تلك السنوات اعتقد الشرقيون أن ثقافتهم تتسم بالدونية، وأن الثقافة الغربية هي الثقافة المطلوب تبنِّيها، وفي المقابل التنكر لتراثهم؛ لأنه لا يتلاءم مع مميزات الدولة الحديثة. منذ عدة سنوات هنالك نهضة واسعة ضد هذه الهيمنة الثقافية الغربية، وهنالك عودة للجذور بتعلم اللغة العربية، واستعادة مكانة الفولكلور الشرقي.

في الحقبة الماضية، وفي المجال نفسه، جرت مواجهة حادة مع أحد أقطاب اليسار في إسرائيل، الصحفي والسياسي العريق أوري أفنيري، الذي انتقد تماثل الجمهور الشرقي مع الجندي ذي الأصول الشرقية، اليؤور أزاريا، الذي أجهز على فلسطيني جريح لم يشكل خطرًا على أحد. عنوان المقال أشار إلى المادة المتفجرة الكامنة: «كيف ومتى نشأ الشرخ بين اليهود الشرقيين والأشكناز؟» يتحدث أوري أفنيري عن عائلة هذا الجندي ومؤيديه الذين أنشدوا النشيد القومي في قاعة المحكمة معبِّرين عن رفضهم محاكمته وتماثلهم التام مع فعلته في قتل العربي الجريح، فيقول: إن هذا الحدث كان بمنزلة «مظاهرة ضد المحكمة العسكرية، ضد القيادة العليا للجيش وضد الديمقراطية الإسرائيلية بمجملها» ويمضي أفنيري قائلًا، بأن هنالك دلالات كبرى لهذا الحدث، فقد كان ذلك بمنزلة «إعلان الاستقلال لشعب إسرائيل مغاير. لقد أشار هذا الحدث إلى تفكك المجتمع الإسرائيلي لشعبين… المشترك بين الشعبين آخذ في التضاؤل، موقفهما من الدولة مختلف تمامًا، بالنسبة لأسسها الأخلاقية ولأيديولوجيتها ولمبناها»، ويواصل: «حتى الآن اعتقدنا أنه على الأقل توجد مؤسسة واحدة نقدسها جميعًا، مؤسسة تقف فوق كل النقاشات وفوق كل الاختلافات وهي الجيش. هذا الأمر لم يعد قائمًا، إن قضية أزاريا تعلِّمنا أن الرابط الأخير الذي جمع بين أجزاء المجتمع الإسرائيلي قد انكسر».

إيال غولان

المهم أن أفنيري، في مقاله هذا الذي أثار عاصفة من النقاش في إسرائيل، حتى كان هنالك من دمغه بالعنصرية والاستعلاء، لم يتردد في تسمية المُسمَّيات بأسمائها من وجهة نظره: «من هذان المعسكران؟ وما المسبِّب لهذا الانقسام؟ لا مكان للالتفاف على الحقيقة: إنه العامل الإثني. يحاول الجميع الهروب من الحقيقة. جبال من التعابير المجمَّلة كُتبت لتُخفيها، لكن الحقيقة أن هنالك شعبين، أحدهما يُدعى الأشكناز (والمصدر هو الاسم العبري القديم الذي أُطلق على ألمانيا)، الذي يجمع الإسرائيليين من أصول أميركية وأوربية». والشعب الثاني يُدعى الشرقيين.

وفي هذا الإطار، تعميق الكراهية للعرب بين الجماهير اليهودية الشرقية في إسرائيل. يقول المؤرخ الدكتور ديمتري شومسكي: «كنتيجة غير مباشرة لتشويه صورة العرب من المؤسسة الصهيونية الأشكنازية المسيطرة في الماضي، فإن مظاهر كراهية العرب أصبحت مع الزمن من الأصوات المسيطرة في صفوف الشرقيين في إسرائيل الحالية، ويمكن أن تضاهي اليوم، في حجمها في وسائل الإعلام، الظاهرة نفسها لدى القادمين اليهود من روسيا»، وهنا يوجّه ديمتري شومسكي انتقادًا لاذعًا للمثقفين اليهود الشرقيين، ذوي المواقف الليبرالية، إذ عليهم أن «يعترفوا اعترافًا كاملًا بهذا الأمر، وعليهم أن يشجبوا بقوة مظاهر إلغاء الإنسانية عن الآخر، أي العربي، وهو ما يميّز مساحات واسعة من الخطاب اليهودي الشرقي الإسرائيلي».

نفي الهوية القومية

من ناحية أخرى، تحمل الباحثة ميراف ألوش ليفرون، وهي من أصول شرقية -جزائرية وتونسية- موقفًا مغايرًا، فهي تهاجم الموقف العلماني -الليبرالي لليسار الأشكنازي الذي ينفي، من خلال استعلائه، الهوية القومية الدينية للجمهور اليهودي الشرقي، وهو ما ساهم، حسب تقديرها، في تعزيز التوجهات اليمينة لدى الجمهور اليهودي الشرقي. لكن الأمور تأخذ أبعادًا أوسع من المساجلة بين الشرقيين والغربيين، إلى الحديث عن تغيير النخب في البلاد. فمع توطد حكم اليمين في إسرائيل المستمر، بتقطع لمُدَد قصيرة، منذ عام 1977م حتى اليوم، تجري منذ سنوات تغييرات جوهرية في الخطاب الفكري السائد في إسرائيل. يقول مدير برنامج القيادة السياسية الاشتراكية في مؤسسة «مولاد»، رامي ليفني: إن إسرائيل خلال سنوات وجودها، جعلت من «الأونفرسالية» الأوربية نهجها الرسمي. وبالرغم من الشروخ والانقسامات في المجتمع الإسرائيلي، فقد أصغى الجميع إلى نشرات الأخبار من الإذاعة نفسها (الرسمية أو إذاعة الجيش)، تعلموا في الجامعات نفسها، اعترفوا بسلطة المحاكم، عبّروا عن ثقتهم بقائد أركان الجيش، وخرجوا فيما بعد لمشاهدة العروض المسرحية في المسرح نفسه.

أوري أفنيري

وفيما بعد يستعرض رامي ليفني الهجوم الذي شنَّه اليمين المتطرف على هذا النهج الرسمي الجامع. ففي الثمانينيات، يقول: قام المستوطنون بإنشاء إذاعة خاصة بهم؟ وفيما بعد في دورته الثانية لرئاسة الحكومة عمل بنيامين نتنياهو على توطيد فكرة «تبديل النخب». وبالتعاون مع مدير مكتبه آنذاك أفيغدور ليبرمان، الذي يشغل اليوم منصب وزير دفاع إسرائيل، عمل على استيعاب شخصيات من «جماعتنا» ودفعهم للمراكز المهمة في الدولة. وفي الوقت نفسه فقد أثار نتنياهو الأجواء بالحديث عن «الهيمنة اليسارية» في مراكز القرار في إسرائيل. وحسب ليفني فإن نتنياهو يحتقر «ما يعدّه قناعًا زائفًا من الحيادية والمهنية؛ لأن العمل بموجب ذلك، حسب اعتقاده، يمنح خصومه السياسيين تفوقًا غير نزيه عليه» ويواصل ليفني: «فقط في عام 2016م، نضجت الظروف للمرحلة المكشوفة والمعلنة للثورة، بحيث يُغيَّر اتجاه المؤسسات الفكرية المميزة للمجتمع الإسرائيلي نحو الأسلوب الأميركي». ويضيف ليفني: «اليوم لا حيادية بعد، لا مهنية بعد، ولا نزاهة بعد. (المذيعون) روني دانيال، ويونيت ليفي، وإيهود يعاري، ونائب قائد الأركان، والأساتذة في لجنة التعليم العالي، وعدد من موظفي وزارة الخارجية، والممثلون في مسرح الكامري ومسرح البيما- كل هؤلاء الذين رافقونا طوال حياتنا- كلهم جزء من معسكر اليسار». ويخلص ليفني إلى أن هدف نتنياهو هو القضاء على القاسم المشترك الثقافي القائم على أسس التقاليد التنويرية التي نشأت في البلاد. يمكن ملاحظة الهوة الفكرية الآخذة في التعاظم في إسرائيل، ليس فقط بين اليمين واليسار التقليديين، بل بين اليمين الكلاسيكي، واليمين الجديد الذي يريد صبغ كل الأجواء بألوانه المتطرفة.

العربي الشفاف

يقترن اسم الشرق الأوسط باسم لا يقل أصالة: المشرق العربي. والقادم إلى هذه المنطقة، غازيًا أو جانحًا للسلم، محبًّا أو حاقدًا، عليه التأقلم مع هذا المشرق العربي وإلا سيبقى، مهما طال الزمن، نبتة غريبة عن مناخه وتضاريسه وأهله. وزير المواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أعلن الحرب على الأسماء الأصلية للبلدات العربية، وعمل على تحويلها إلى أسماء عبرية. أكثر من ذلك، فقد أراد من اللغة العربية أن ترسم الاسم العبري بحروفها. يافة الناصرة الواقعة بجانب الناصرة في الجليل ستصبح كما هي الحال في العبرية «يَفِيَّع»، وبالضبط بهذا الشكل كُتبت على اللافتة في مدخل البلدة، وفي اليوم التالي محا عابر سبيل هذه الكلمة غريبة التزاوج. مدينة عكا يريدون أن تُكتَب بالعربية «عكو»، وأن تُكتَب القدس «يروشلايم». ومن الفنانة اللبنانية فيروز مطلوب من الآن فصاعدًا أن تغيِّر مطلع أغنيتها «القدس لنا» إلى «يروشلايم لنا». فيما بعد بادر أعضاء برلمان من الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى سن قانون يقضي بأن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الوحيدة (وبذلك أرادوا إلغاء القانون الذي ينص على أن العربية والعبرية هما لغتا البلاد الرسميتان). يمكن الجزم بأن أحرف الهجاء العربية لن تنقص حرفًا بسبب هذا الهجوم الحاقد على العربية، لغة المواطنين العرب الذين يشكلون أكثر من 20% من سكان الدولة. الخاسرون هم اليهود الذين سيواصلون العيش في المنطقة في ظلام دامس من دون معرفة لغتها التي تعكس تاريخها وتراثها وحضارتها.

يقول الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي ميرون بنفنستي، في كتابه «حلم اليهودي الإسرائيلي الأبيض»: إن الثراء الموجود في الأسماء التي أطلقها العرب على الأماكن «مذهلة بجمالها، في تفاعلها مع جمال الطبيعة، في دقة التشخيص واختيار التشبيهات.. بدون احتفاظ العرب بالأسماء العبرية- الآرامية القديمة- لم يكن باستطاعة الصهيونيين تقصي أثر الخارطة العبرية» وبأسًى يضيف بنفنستي: «لكنهم كافؤوا العرب بمحو كل الأسماء العربية من الخارطة». إن تغييب تاريخ الفلسطيني هو الطبقة الفوقية لتغييب الواقع المادي الذي يعيشه الفلسطينيون في إسرائيل. إضافة إلى مصادرة غالبية أراضي الفلسطينيين في إسرائيل، وتقليص مساحة وجودهم، وعدم إتاحة بناء بلدات جديدة لهم، وغيابهم عن مشاريع التطوير وتوزيع الموارد أسوة بباقي السكان، فالفلسطيني الإسرائيلي غائب تقريبًا عن أهم الساحات وهي ساحة الإعلام. هنالك ثلاث قنوات تلفزيونية مركزية في إسرائيل: القناة الأولى والثانية والعاشرة. في القنوات الثلاث لا يوجد مراسلون عرب، لا يوجد تقريبًا مذيعون عرب، لا يوجد مقدِّمو برامج عرب، لا يوجد ضيوف عرب في البرامج التلفزيونية المختلفة. والأهم من ذلك أن وسائل الإعلام لا تقوم بتغطية ما يجري على الساحة بين المواطنين العرب كأنهم هواء أو مخلوقات شفافة لا يمكن ملاحظتها. وحينما يُستضاف عرب فإما لزجرهم بسبب عمل إرهابي قام به فلسطيني، أو الطلب منهم باستعلاء استنكاره.

في حين أنه، ومن أجل مصادرة أراضي العرب، سُنَّ قانون خاص عُرف فيما بعد باسم قانون «الحاضر غائب»، يعني أن العربي حاضر بجسده وغائب عن حقه بامتلاك أملاكه التي صودرت منه. هذا القانون يطبق في باقي المجالات الأخرى بتلقائية، فالعربي حاضر الجسد وغائب الحقوق. وهكذا فالغريب الذي يشاهد البرامج التلفزيونية والإذاعية المختلفة سيعتقد أنه موجود في دولة لا يوجد فيها عرب. اليوم، ردًّا على هذه الحالة العبثية، يجري حراك جدي من مؤسسات مدنية يهودية – عربية من أجل تعزيز الحضور العربي في وسائل الإعلام المختلفة، وفي السنة الأخيرة شهدنا ارتفاعًا في مشاركة العرب، في موضوعات عامة وليس في تلك التي تخص العرب فقط. هذا التطور على محدوديته بالغ الأهمية، من حيث تغيير الصورة النمطية عن العرب؛ لأن الفلسطيني الإنسان الذي يمارس حياته الشخصية بجوانبها كافة، يعمل ويتعلم ويلعب ويتألم، غائب عن المشهد الإعلامي الإسرائيلي وغائب عن الثقافة الإسرائيلية. الفلسطيني الذي يشاهده الإسرائيليون هو «المخرب»، «القاتل» و«كاره اليهود». نموذج الإنسان الفلسطيني هو ذلك الملثَّم الذي يحمل حجرًا أو سكينًا أو بندقية للقضاء على إسرائيل.

المثقف اليهودي والعرب

الأهم من ذلك أن المثقف اليهودي لا يستمد معلوماته من العرب مما يكتبه العرب عن أنفسهم. ومع أن هنالك أوساطًا ليبرالية بين المتخصصين في الشؤون العربية في الإعلام الإسرائيلي، فإن كثيرين منهم يحمل الصورة النمطية عن العالم العربي ويحاول تعزيزها. ولا بد هنا من التنويه بأن المواطن اليهودي العادي لا يمكنه أن يقرأ ما يكتبه العرب؛ لأنه لا يعرف اللغة العربية. فاللغة العربية تدرس بشكل محدود وهي غير متداولة بسبب هيمنة اللغة العبرية على جميع مجالات الحياة. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن للمثقفين العرب في الدول العربية دورًا بارزًا في حجب المعلومات عن الجمهور اليهودي؛ بسبب الموقف السلبي من التواصل الثقافي مع أوساط سلامية إسرائيلية. فمثلًا ترجمة الروايات العربية للغة العبرية قليلة جدًّا. وهنالك من المهتمين اليهود، ونسبتهم لا بأس بها بين المثقفين، الذين يعملون على تعريف القارئ اليهودي بالأدب العربي يواجهون صعوبات في الترجمة، في الأغلب بسبب رفض الكتّاب أو الناشرين في العالم العربي عمومًا التعامل مع دور نشر إسرائيلية. في حين الجهات الرسمية والاقتصادية حتى الأمنية في العديد من الدول العربية تقيم صلات مع نظيراتها في الجانب الإسرائيلي، فإن الأبواب موصدة في المجال الفكري الثقافي، وكل من يحاول اختراق هذا الجدار يوصم بالخيانة. وهكذا، فإن للتوجهات المنغلقة وغير المفهومة لمثقفين ودور نشر في العالم العربي دورًا أيضًا في إبقاء صورة العربي أسيرة أجواء الصراع والتشويه من الأوساط المتطرفة في إسرائيل.

مجرد غرض ساكن

اليوم هنالك مثل بالغ الوضوح حول تغييب العرب عن النقاشات المطروحة على بساط البحث، وعدّهم مجرد غرض ساكن لا حول له ولا قوة، وهو موضوع حل الدولة الواحدة، وبخاصة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إبّان زيارة الأخير واشنطن مؤخرًا، حيث قال: إنه مستعدّ لحل الدولة أيضًا إذا ما أراد الطرفان ذلك. حول هذا الموضوع يجري الآن نقاش يقظ في إسرائيل بين أناس جديين، وقسم منهم معروف بمواقفه المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني، ويجري ذلك من دون أخذ رأي الفلسطينيين أنفسهم في موضوع يخص مصيرهم. وهنالك مثقفون يهود يتساءلون باستغراب واستهجان؛ كيف من الممكن إجراء هذا الحوار الساخن من دون استطلاع رأي أصحاب الشأن؟ هذا التوجه الذي يضع مصلحة إسرائيل في المركز، وتُتجاهَل المصلحة الفلسطينية هو نهج قديم اتُّبِع في كل سجال إسرائيلي فلسطيني. في قضية الأمن مثلًا تجد أن العالَم مشغول بالتفاصيل الصغيرة التي يثيرها الإسرائيليون حول الترتيبات الأمنية التي يتوجب اتخاذها، من حيث نقاط مراقبة، ونصب منصات إنذار، والسيطرة على مرتفعات جبلية داخل المناطق الفلسطينية، ومنع وصول قوات الأمن الفلسطيني إلى الحدود الشرقية من الدولة العتيدة، ومئات البنود الأخرى. وفي خضمّ هذا المعمعان فأمن الفلسطيني غائب كأنه لا يساوي التفاتةً واحدةً من متخذي القرارات.

هذا النهج، نهج الحوار الإسرائيلي الداخلي كأن الآخر غير موجود، عميق الجذور في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. في أعقاب إخفاق قمة كامب ديفيد في عام 2000م بين القيادات الإسرائيلية والفلسطينية والأميركية، «قرّر» الإسرائيليون أنهم قدموا الأفضل لياسر عرفات وكان عليه أن يقبل هذه المقترحات «السخيّة». وبسبب رفض عرفات هذا العرض نزعوا عنه الشرعية وادَّعوا أنه «لا يوجد شريك فلسطيني». العبثية في الأمر أن الصراع كان إسرائيليًّا داخليًّا؛ هذا يقول: إن الاقتراحات الإسرائيلية سخية جدًّا ويجب ضبطها، وذلك يقول: إنها معقولة، أما أن يكون لعرفات رأي آخر فهذا يزجّه في خانة التطرف والعداء لليهود. حتى في قضية الانسحاب من المناطق المحتلة، فموقف الداعين للانسحاب ليس نابعًا من اعتبارات العدل والقانون الدولي، بل هو نابع من اعتبارات المصلحة الإسرائيلية، بأن ضم المناطق الفلسطينية، سيُخلّ بالتوازن الديمغرافي في إسرائيل، حيث سيصبح العرب نحو 50% من السكان. عدُّ العرب خطرًا ديمغرافيًّا هو موقف عنصري، والسؤال هو: هل موقفهم سيكون مغايرًا لو لم يشكّل ضم المناطق الفلسطينية تهديدًا ديمغرافيًّا حسب تسميتهم ؟ المثير في الأمر هو وجود أوساط معدودة على اليسار تتبنى هذا الموقف. وعندما يُناقَش هذا الأمر معهم يقولون: إنهم يعرفون أن وصف العرب بالخطر الديمغرافي هو أمر غير أخلاقي، لكنهم يقولون: إنها الطريقة الوحيدة التي من الممكن إقناع الجمهور اليهودي بضرورة الانسحاب من الضفة.

الربيع‭ ‬العربي‭ ‬يشعل‭ ‬حركة‭ ‬احتجاج‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ 

لا يمكننا في هذا الإطار إلا التطرق لما سُمي في حينه الربيع العربي. كان الافتراض السائد أن اعتماد الديمقراطية لدى الشعوب العربية سيجلب الحركات الأصولية إلى سدة الحكم، مع كل ما يعني ذلك من خطر على إسرائيل وعلى وجودها. وفي المقابل فإن الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي هي الضمان لمنع استيلاء الأصوليين على الحكم. بداية الربيع العربي بشّرت بعهد جديد، بأن العرب، على عكس التوقعات، ينهضون نحو ديمقراطية حقيقية في مركزها احترام كرامة الإنسان. في تل أبيب مثلًا نهضت حركة احتجاج ضخمة في صيف عام 2011م متماهية مع التحركات الشعبية في ميدان التحرير في مصر. لكن منحى التطور، من حيث صعود داعش وعودة الأنظمة العسكرية إلى السلطة أحدث ردة فعل مناقضة، من حيث فقدان الثقة بقدرة العالم العربي على تذويب الديمقراطية بمفهومها العميق الذي يجيز التعددية، لكن في الوقت نفسه يعتمد مرجعية قيادية واحدة هي مؤسسات الدولة. أحداث السنوات الأخيرة في العالم هي مادة إعلامية خصبة لليمين الإسرائيلي في رفضه الانسحاب وتحقيق تسوية مع الفلسطينيين، بحجة أنه لا يمكن الثقة بالعالم العربي والدليل هو الحروب الأهلية الطاحنة.

«خمس دقائق من كفار سابا» هو اصطلاح إسرائيلي شائع، أتى للدلالة على البعد الجغرافي القصير بين قلقيلية الواقعة الآن تحت نفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية والمدينة الإسرائيلية كفار سابا. فعلًا، المسافة قصيرة بين المدينتين، لكنّ المسافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية بينهما تقدر بسنوات ضوئية. وهذه هي الحال الآن أيضًا داخل إسرائيل، بين المواطنين العرب واليهود. إنهم يعيشون معًا على قطعة الأرض نفسها، لكن كلا المجتمعين منغلق على نفسه؛ لأن السياسة العامة تعمل على الفصل وتضييق مساحات الالتقاء بين الشعبين، ومن ثَمَّ خلق حالة من الاغتراب بينهما. تنشط اليوم حركات يهودية عربية من أجل توطيد ما يدعونه «المجتمع المشترك» الذي يهدف إلى إيجاد نقاط التقاء مشتركة بين أبناء الشعبين، وخوض نضالات حياتية مشتركة ضد التمييز، ومعالجة قضايا حياتية مشتركة تواجه الشعبين. ومع ذلك فسياسة التمييز الحكومية ضد العرب تعمل، من دون إعلان ذلك، على ضرب هذا التوجه الذي يقوده تقدميون من كلا الشعبين؛ لأن العربي في نهاية المطاف يشعر أنه حتى في هذا الإطار الصاخب بالنوايا الطيبة يوجد هنالك خلل ما، فهؤلاء الذين يريدون حقًّا مدَّ يدِ التعاون يعيشون في بحبوحة من حيث مساحات الأراضي وجودة الحياة، بينما هم، العرب، يعيشون في ظروف سكنية بالغة الصعوبة. فقط عندما تستطيع القوى المتنفذة في إسرائيل أن تجد الطريق لمصالحة مبنية على العدل بين المجتمعين العربي اليهودي في إسرائيل نفسها، سيكون بإمكانها أن تطرح حلًّا للصراع الدموي المستمر منذ عشرات السنين، فمن لا يجد لغة مشتركة مع المواطنين العرب الذين يعيشون في الدولة التي يقودها، كيف سيقيم علاقات سلام مع جيرانه العرب؟

اترك تعليقاً