الإثنين - 2 ربيع الأول 1439 هـ , 20 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كتب
  3. «نحن أيضًا من الأمة».. رصد عميق للآليات المؤسِّسَة لفوبيا الإسلام

«نحن أيضًا من الأمة».. رصد عميق للآليات المؤسِّسَة لفوبيا الإسلام

نزهة صادق - باحثة مغربية
نشر في: الجمعة 30 يونيو 2017 | 08:06 م
950 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

يحلل الكاتب المصري الفرنسي محمد مروان ظاهرة الإسلاموفوبيا من عمق واقع تمكن من الغوص في حيثياته بشكل عملي وجلي.  فعندما قرر مروان نشر كتابه «نحن أيضًا من الأمة؛ لماذا يتوجب مناهضة الإسلاموفوبيا؟» (الصادر عن «منشورات لاديكوفيرت» باريس 2017م) كان على علم عميق بالتغيرات الجلية التي عرفها المجتمع الفرنسي، ولم يقتصر الفحص الدقيق على مستوى الساحة الإعلامية والسياسية للظاهرة، بل حاول تفكيك الآليات المؤسِّسة لفوبيا الإسلام، والإجابة عن السؤال العميق؛ لماذا يجب محاربة الإسلاموفوبيا؟ ويتميز كتاب «نحن أيضًا من الأمة: لماذا يتوجب مناهضة الإسلاموفوبيا؟» بقدرته على رسم معالم مؤسِّسة لدور ومصلحة المسلمين في محاربة العنصرية والإسلاموفوبيا؛ للخروج من الفخ الذي يحيط بالمجتمع الفرنسي برمته، كما يمكن القارئ من تعرف وضعية فوبيا الإسلام ومستوياته في النسق الفرنسي عن قرب، وذلك من خلال خمسة فصول أساسية مع عناوين فرعية.

سافر الكاتب محمد مروان في الفصل الأول من الكتاب والموسوم بـ« ليس تمامًا مثل الآخرين» بالقارئ بين ثنايا قصته التي تشكل نموذجًا للتعددية وللتنوع؛ فمن طفل ولد في باريس من والدين مهاجرين أب مصري وأم جزائرية، إلى إطار وشخصية مهمة في المجتمع الفرنسي، تمكن مروان من سرد قصته المتميزة التي توجت بالنجاح لإيمانه بالدور المعرفي.  في كل محطة يرصدها، أكد مروان أن اختيارات أمه المستقلة لوضع الحجاب، أو تدين أبيه، ما هي إلا اختيارات شخصية لا تدعو إلى تحويل فرنسا إلى أرض الإسلام، بل هي قناعات تتفاعل مع السياق الفرنسي من منطلق مبادئ الجمهورية التي تؤمن بالاختلاف وبحُرِّيَّة الاعتقاد والدين، ولعل ذِكْر الكاتب لتعلمه في المدرسة العمومية الكاثوليكية أبلغ دليل على ذلك، فعندما قررت أم مروان، التي لها صلاحية كبيرة وحرية في اتخاذ قرارات البيت، بحجابها أو بغيره، تسجيل ابنها في المؤسسة الكاثوليكية لم يكن إلا لإيمانها بقدرة مبادئ الجمهورية على ترسيخ قيم التعايش.

وقبل أن يسبر مروان في الفصل الثاني وعنوانه: «صراع الجمعية الفرنسية لمناهضة الإسلاموفوبيا» أغوار الدور الرئيس الذي تلعبه الجمعية، طرح في البداية أرضية مفاهيمية لمفهوم الإسلاموفوبيا، مشيرًا إلى الأعمال التي سبقته ومنها، أعمال الكاتبين عبدالعالي حاجات ومروان محمد، وهو سوسيولوجي يحمل اسم الكاتب نفسه.

كما أشار في هذا الفصل إلى أن الكاتبين عالجا ظاهرة الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) من منظور سياسي وثقافي معرفي وسوسيولوجي غير مسبوق، كما نسخا المفاهيم المغلوطة للإسلاموفوبيا، وبخاصة مفهوم الكاتبة كارولين فوريست وباسكال بروكنر اللذين قالا: إن أصل مفهوم الإسلاموفوبيا يعود إلى عام 1970م، وهو بالأساس خلق لمنع أي انتقاد للإسلام. في حديثه عن «الجمعية الفرنسية لمناهضة الإسلاموفوبيا» التي يرأسها، لم يقتصر مروان على رصد فلسفة الجمعية والضرورة التاريخية التي فرضتها، بل أكد على دورها الأساس في المجتمع الفرنسي الذي على الرغم من أنه ينبني على قوانين تحترم حقوق الإنسان، فإن ما يعيشه المسلمون من عنصرية، لا تتم معالجته بالأهمية نفسها المحددة لخطورته؛ وهو ما يستدعي التدخل القانوني والحقوقي للجمعية لمتابعة شكاوى المحكمة التي تتوزع  بين العنف اللفظي والجسدي.

اليسار والمسلمون

محمد مروان

في الفصل الثالث الموسوم بـ«تعليمات حول تفكيك الأيديولوجيات المعادية للإسلام»، استطاع الكاتب توضيح كيف أن الأوضاع تغيرت للأسوأ، على الرغم من أن للإسلاموفوبيا تاريخًا خاصًّا في السياق الفرنسي، وأكد من خلال العودة للتاريخ الذي بصم علاقة المسلمين بالسياسات الفرنسية أنه «لا يمكننا أن نكون متطرفين بما أننا يساريون». وقد عبر عن هذه العلاقة بكون العديد من مسلمي فرنسا، وبخاصة الفئة التي تحيا في المناطق المهمَّشة، التي تشكل فئة الأسد من مجموع مسلمي فرنسا، يتعاطف مع اليسار نظرًا للتاريخ الذي جمع بين اليسار والمسلمين، الذي يتجلى في التأطير الإداري أو الاجتماعي لمنظمات المجتمع المدني اليسارية للمسلمين. وأضاف مروان أنه من أجل أسباب سوسيولوجية محضة عاش مسلمو فرنسا تحت وصاية اليسار، ورحب عدد كبير منهم بتولي الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتيران الرئاسة عام 1980م، نظرًا لأن هذا الأخير منحهم شرعية في فرنسا ودافع عن وجودهم، وتميز بنشره لخطاب يؤمن بالاختلاف ويعترف بالجالية العربية، حيث إن ميتيران تمكن من خلال التلفزة الفرنسية، الوسيلة التي كانت معبر تواصل بامتياز في تلك الحقبة، من إلقاء خطابات بلاغية متميزة أبهرت المتلقي المسلم، ويعد الخطاب الذي ألقاه في ندوة في جامعة السوربون من أهم رسائله، حيث قال: «نحن الفرنسيون وأجدادنا المتجذرون من جبال الغال ما هم إلا مزيج من القليل من الرومان، والألمان، واليهود، والإيطاليين والإسبان، والبولنديين، حتى العرب»، وبذلك أكد الرئيس الفرنسي أن فرنسا تتميز بكونها بلد التعددية الثقافية بامتياز؛ إذ إن الثقافة الفرنسية ما هي إلا خليط، كما شكلت جملته الشهيرة هذه نموذجًا متميزًا لمحاربة التعصب ومواجهة أفكاره التي تتبنى الحقد والكراهية. وبيّن الكاتب أن التاريخ القوي بين اليسار والمسلمين، يتجلى في إيمان الأحزاب اليسارية بقدرة المسلمين على المشاركة السياسية الفعالة التي تتميز بالموضوعية وبالاستجابة الذاتية.

وعلى الرغم من ثقة اليسار في المسلمين فإن محمد مروان يقول: «لم تكن تعيش تنظيمات اليسار في غالب الأحيان نفس التوترات التي يمر منها المجتمع الفرنسي فقط، بل تفاعلت معها من خلال ردود أفعال حماسية، ويعد نموذج رئيس المجلس البلدي  (فيتري- سور- سين) الاشتراكي بول ميرسيسا نموذجًا تاريخيًّا معبرًا عن هذا التفاعل،  ففي 24 ديسمبر عام 1980م أمر بول بهدم مبنى كان مخصصًا لـ320 عاملًا ماليًّا. ويتضح في هذا الفصل، أن الكاتب تمكن من خلال هذه الأحداث أن يوضح للقارئ أن تطور العنصرية وتصاعدها ضد المهاجرين والمسلمين ليست نتاجًا لإعادة إحياء اليمين المتطرف كحزب ذي أغلبية في فرنسا، بل يعود إلى حقائق سابقة الوجود على مستوى الخطابات وتفعيلها أيضًا، وأن ما يعيشه المسلمون اليوم ما هو إلا استمرارية لتاريخ اليسار، وما يعتري خطابه من توترات حول موضوع الإسلام والمسلمين والهجرة.

تتجلى أهمية مناهضة الإسلاموفوبيا في نزع القناع عن الثمن الذي  تدفعه فئات المسلمين اجتماعيًّا، وسياسيًّا، وإعلاميًّا؛ إذ لا يمكن حصرها في علاقات شخصية بين الأفراد، الأمر الذي خصص له الكاتب محمد مروان الفصلين الرابع والخامس من الكتاب داعيًا الدولة الفرنسية للتدخل للحد من الاضطهاد الذي يطول المسلمين، ومراجعة خطابات الدولة التي تثبت الفكر الرُّهابيّ ضد الإسلام من خلال الخطابات السياسية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد خطاب مانويل فالز الذي عَدّ محاربة الحجاب «نضالًا حقيقيًّا للجمهورية».   

ما يميز كتاب «نحن أيضًا من الأمة، لماذا يجب مناهضة الإسلاموفويبا؟» أنه لا يعد اعتذارًا، ولا هجاء ولا حتى تصفية حسابات، وهو ليس دعوة للعنف، ولا للسلام،  كما أنه ليس برواية، ولا مقال، هو مجرد محاولة للغوص في واقع فائِر، لا يتحدث فيه المتحدث باسم المسلمين، كونه لا يتوافر على القدرة الكافية للتعبير على كل الأصوات التي تسكنه، ولا يتحدث إلى المسلمين؛ لأن ما يقوله يهم المجتمع الفرنسي كافة، كما جاء على لسان محمد مروان.

اترك تعليقاً