الخميس - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 27 يوليو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كُتاب-الفيصل / مقالات
  3. جناية «الميديا» على الأدب

جناية «الميديا» على الأدب

روائي وكاتب مصري - إبراهيم عبدالمجيد
نشر في: الجمعة 30 يونيو 2017 | 07:06 م
270 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

لماذا حقًّا تصدر روايات بأعداد هائلة في العالم العربي؟ هذا سؤال يشغل الكثيرين، وأقرب الإجابات عنه هي أن الجوائز العربية كانت سببًا في الإقبال على كتابة الرواية. في هذا جانب قليل من الحقيقة، رغم أن التحول إلى فن الرواية من الشعراء والنقاد والصحفيين والسياسيين وغيرهم  صار أمرًا ملحوظًا بشدة. لكن ليست الجوائز هي ما وراء هذا. وراءه القارئ أيضًا. فقارئ الرواية الآن هو الأول بين القراء. ومن ثم هو الأكثر وبدرجات تفاوت كبيرة جدًّا من قُراء الشعر مثلًا أو قُراء القصة القصيرة. تعرف ذلك بسهولة جدًّا حين تسأل باعة الكتب عن دواوين الشعراء والمجموعات القصصية، ففي الغالب يعتذر لك البائع عن عدم وجودها. ويعاني الناشرون توزيع هذين الجنسين من الأدب إلا للمشاهير من الشعراء والكتاب.

وإذا حدث وتطوع بائع كتب بعرض دواوين شعر جديدة فبالكاد لمدة أسبوع، ثم يخفيها من المكتبة؛ إذ تشغل مكانًا يريده لكتاب أكثر مبيعًا. وتكون الفرصة لهذين الجنسين الأدبيين أكبر في المعارض العربية للكتب لكنها لا تصل أبدًا لفرصة الرواية. قيل منذ وقت بعيد: إن هذا زمن الرواية. والأمر لا يقتصر على العالم العربي فقط، بل يشمل كل العالم. فالإنسان مع التطور الرهيب للتقنيات الصناعية صار يبحث عن عالم موازٍ من الخيال. وأيضًا مع بشاعة التحولات السياسية ذهب إلى هذا العالم الموازي.

نوع روائي يتصدر المبيعات

في عالمنا العربي تعددت أنواع الروايات، فظهرت روايات أسميها روايات البوب آرت. أي روايات شعبية عادة ما تكون  بوليسية أو خيالًا علميًّا أو مغامرات متخيلة في عالم الجاسوسية. ظهر قارئ كبير لهذا النوع من الروايات كان غائبًا عن القراء، كما كان هذا النوع من الروايات غائبًا أيضًا. وبالنسبة لكاتب مثلي ليست هناك مشكلة في هذا النوع من الروايات فهو موجود ويتصدر المبيعات في العالم كله. أذكر دائمًا أن أغاثا كريستي الكاتبة البريطانية وزعت من رواياتها البوليسية في حياتها مليار نسخة. وهو رقم لم يصل إليه أي كاتب إنجليزي  شهير عبر تاريخه حيًّا وميتًا مثل جيمس جويس أو ديفيد هربرت لورانس أو غيرهما. وبالطبع ولا كاتب فرنسي ولا كاتب من أي دولة من دول العالم. أقصد كاتب رواية بمعناها الأدبي الحقيقي بعيدًا من تشويق الرواية البوليسية وروايات البوب.

تكون المشكلة من الإعلام المرئي والمسموع حين يعدّ هذا النوع من الروايات هو الأدب الحقيقي ويروِّج له ويحتفي بأصحابه فما دام لهم قراء كثر فهم أدباء كبار، ولا يُشار إلى أن هذا النوع من الرواية هو للتسلية طوال تاريخه، ولا يتداخل مع الأدب الحقيقي المعنيّ بتقديم شكل جديد وقضايا إنسانية عابرة للزمان والمكان. قضايا الوجود الإنساني. وهكذا يظهر على الناحية الأخرى من الكُتاب الحقيقيين وبخاصة الشباب من يضيّع وقته في سب أو التقليل من شأن هذا النوع من الأدب، بينما حكمة الزمن أن ذلك كله للتسلية وسيمضي ولن يمكث في الأرض إلا الأدب الحقيقي الذي أشرت إليه. هذه إحدى جنايات الميديا الحقيقية. إنها لا تقسم الدعاية بين كل الأنواع، بل تركز أكثر على التسلية طمعًا في جمهور أكثر من المشاهدين، ثم تصف هذا النوع من الكتابة بأنه الأدب الحقيقي.

لذلك أرى أنا عكس ما يراه الكثيرون أن الجوائز للرواية محلية أو عربية هي فرصة أكثر لإلقاء الضوء على الأدب الحقيقي رغم ما تثيره بعض الجوائز من لغط لا يستمر طويلًا. الجناية الأخرى للميديا هي المواقع والصفحات الأدبية التي ينشئها الكثير من الشباب. كثيرون منهم في مصر مثلًا يطلبون مني أحيانًا التعليق. ولقد تفرغت بعض الوقت لأتابع بعضها فوجدت أكثر أصحابها يكتبون دون معرفة سابقة بطبيعة الجنس الأدبي، رواية أو قصة أو شعرًا ولا تاريخه. يكتفون بالحكاية. ولا يفرقون حتى بين الحكاية كمادة للتشويق وبين المقال فكثير من الحكايات تنتهي برأي أو عظة.

ولقد سألت بعضهم يومًا هل قرأ كتابًا في فن القصة فكانت الإجابة وما أهمية ذلك وأنا أعرف الكتابة. بل هناك كاتبة أو كاتب شاب لا أذكر بالضبط تفاخره أنه يكتب ولا يقرأ. لو كان عجوزًا كنت غفرت له فقد يعزف الكبار عن القراءة لكثرة ما قرؤوا. للأسف هذه الصفحات والمدونات أكثرها على هذا النحو الساذج وللأسف هناك قراء ومعجبون بالآلاف لها.

الأمر يعكس تدنِّيًا بلا شك في مستوى التلقي. لكنه أيضًا يعكس استسهالًا. فما الذي يجبر قارئًا على أن يبحث عن معنى أعمق لما يقرأ؟ وللأسف هناك من النقاد من أشاع في حياتنا الأدبية مصطلحات لا أعرف لها معنى ولا قيمة مثل: القصة الومضة أو القصة القصيدة وهكذا. فتقرأ مثلًا من يقول: «خرجت من بيتي مسرعًا ممنيًا نفسي بلقائها ووصلت إلى المقهى، فجلست أنتظرها لكن خاب أملي ولم تأتِ» انتهت القصة الومضة كما يقولون والحقيقة أنها خبر لا يعني أحدًا. وجدت حبيبتك أو لم تجدها هذا أمر يهمكما ولا يهمنا نحن! وبعض النقاد أيضًا غالبًا يمشون وراء نوع من الكُتاب يخترع هذا الكلام فيحدثك عن القصة الشعرية بينما تاريخ القصة منذ ثلاثينيات القرن الماضي كان تاريخ التخلص من شعرية اللغة مجسمًا في المحسنات البديعية وغيرها.

كتابة سهلة بلا معنى

شعرية القصة تأتي من بنائها وتكوينها ولغات شخصياتها وزمنها ومكانها، وليست من لغة مجنحة بالمحسنات والتشبيهات.. إلخ. للأسف تجد مؤتمرًا يحاول أن يدشن ذلك. لا أقف عند هذه الأشياء وأعرف أن الزمن سيمحوها وحده لكنها بلا شك تترك وراءها كتابة سهلة لا معنى لها. وتنتشر هذه الكتابة على صفحات الميديا، وتخلق قارئًا مرتاحًا لا يريد أكثر من التسلية وهو يزداد كل يوم، وأنا عكس الجميع لا أرى أن هذا القارئ سينتقل كما يقولون إلى الأدب الحقيقي فالإنسان ابن العادة أو ما تعود عليه، وسيظل غارقًا فيه حتى يتوقف عن القراءة.

لا ينتقل من هذا النوع من القراءة إلا نسبة ضئيلة جدًّا للأدب الرفيع. الذين يحبون الأدب الرفيع يقرؤونه منذ البداية، وكثيرًا جدًّا ما ألتقي شبابًا في الخامسة عشرة والسادسة عشرة وأقل من ذلك في معرض الكتاب بالقاهرة يقرؤون لكتاب كبار مصريين وعرب؛ كُتاب حقيقيين. شيء آخر تفعله الميديا وهي نقل بعض سطور الحِكَم والأمثال في الرواية بوصفها تخص الكاتب بينما هي في الأغلب الأعم من حوار شخصيات الرواية ولا علاقة للكاتب بها، فالكاتب ليس كل  شخصيات الرواية ولا أيًّا منها إلا على استحياء.

الرواية فن غير السيرة وهذا موضوع آخر! ووصل الأمر ببعض المواقع الإلكترونية أن تنشر أشعارًا لشعراء كبار مثل: صلاح جاهين، ومحمود درويش، والسياب وغيرهم، والشعر ركيك تافه لا يمكن أن يقوله أيٌّ منهم. لا أعرف لماذا تفعل المواقع ذلك بينما يمكنها بسهولة العثور على دواوين هؤلاء الشعراء. إنها مواقع يأخذ بعضها من بعض. هذه جناية أخرى للميديا؛ لأنه مع الزمن سيظهر من يحفظ هذه الأشعار غير الحقيقية لهؤلاء العظماء.

اترك تعليقاً