الأحد - 4 محرم 1439 هـ , 24 سبتمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. إعلام
  3. تركي السديري.. رمز صحافي لم يعش في منطقة الوسط

تركي السديري.. رمز صحافي لم يعش في منطقة الوسط

هيا عبدالعزيز المنيع - أكاديمية وكاتبة سعودية
نشر في: الجمعة 30 يونيو 2017 | 09:06 م
622 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

حين يرحل رجل بحجم تاريخ وعطاء تركي السديري فلا بد أن يكون حجم الفقد كبيرًا… فهذا الرجل يمكن القول: إنه من أهم مؤسسي الصحافة السعودية الحديثة… الحديث عن تاريخ تركي السديري الصحفي والإداري والإنسان تتسع مساحته باتساع وتميز عطائه في هذه المجالات… سأتوقف بين زوايا مختلفة لن أتوقف كما يتوقع القارئ عند مفترق القسم النسائي بجريدة الرياض، وهو: أي القسم الصحافي النسائي يمثل نقلة نوعية في تاريخ الإعلام النسائي السعودي؛ حيث تُوِّجت هذه النقلة بخطوة لاحقة وهي تفرغ عمل الصحافيات، وهو ما يعني معه الخروج من دائرة الهواية للمهنية والالتزام، أي العمل المؤسسي.

خلال عشرين عامًا من العمل اليومي معه تلمس في هذا الرجل عشقًا غير طبيعي للرياض الجريدة والمدينة. في بدايات عملي برئاسة القسم النسائي بجريدة الرياض عندما أردت الاستغناء عن صحافية عربية لم تشكل إضافة للقسم النسائي وافق على الفور، موجهًا أول نصيحة: «اتخذي القرار وفق معطيات لا تصنع أي خصومة مع شركاء العمل».

ومما لفت انتباهي وأثار اهتمامي في شخصيته أنه يرى نقاط القوة في منافسيه، وبخاصة المميزين منهم، كان يتحدث بإعجاب عن عثمان العمير وعبدالرحمن الراشد ويرى مساحة تميز عالية في المرحوم محمد أبا حسين حتى عندما ترك الجريدة وذهب للصحيفة المنافسة (الجزيرة) كان يرى فيه مهنيًّا مميزًا لم ينتقده، ولم يقم بتعداد سلبياته في لحظة غضب… لم أسمعه يومًا يقلل من هؤلاء، بل يتكلم عنهم بإعجاب واحترام.

تقديره وحماسه للمواهب الشابة، وتبنيها بقوة وجدية، وتقديمه لهم دعمًا مطلقًا ومتنوعًا يتيح لهم الاستزادة من التعليم والتأهيل في جوانب كثيرة، كم من صحافية من منسوبات القسم النسائي حصلت على شهادة عليا وهي على رأس العمل، وكذلك الزملاء مع إعطاء العاملين دورات في اللغة الإنجليزية، بل إن بعض الشباب ابتُعث على حساب الجريدة…. تركي لم يخشَ في يوم ما منافسًا كبيرًا أو شابًّا طموحًا، وتلك درجة عالية من الثقة. وعدّ دعمه للشباب والفتيات ممارسة واعية للوطنية بتوطين مهنة الصحافة بكفاءات مؤهلة ومدربة، وقد تحقق ذلك في جريدة الرياض بأعلى نسبة بين الصحف السعودية.

إداريًّا، ميزته الصرامة والجدية، لا تجده في منطقة الوسط فهو حادّ في مواقفه وقراراته، ورغم ذلك فأنت أمام إنسان لا يبخل على ضعيف أو أن يفرِّج كُربة…، ورأيت ذلك غير مرة مع بعض منسوبات القسم النسائي، وكذلك مع الزملاء… استفاد من وجاهته الاجتماعية لمساعدة هذا أو هذه.

الرياض الصحيفة، ماذا تعني لتركي السديري؟ في جدل معتاد معه قال: «أنا أتابع الجريدة على مدار الساعة ولا بد أن أتلقفها مع ساعات الصباح الباكرة كما يتابع الأب ابنته في أول يوم من زواجها باللهفة نفسها والحب والقلق… لم يكن أبو عبدالله رئيس تحرير ينظر إلى ساعته وهو في العمل، بل كانت تحركه عاطفة قوية تجاه الرياض الصحيفة والوطن. عندما قدمت استقالتي في المرة الأولى قال لي: «إن كان عملك في الرياض لأسباب مؤقتة فأنت حرة في قرارك، أما إن كان قناعة بأهمية الإعلام في خدمة الوطن عمومًا، ونسائه على وجه الخصوص، فانسي الاستقالة وأكملي المسير». حينها عدت إلى قناعتي أن الإعلام الصحافي أقوى داعم لتحريك ملف المرأة في ذلك الوقت تقريبًا (عام ٢٠٠٠ ميلادية).

السديري لا توجد في قاموسه كلمة آسف، لكنه في الوقت نفسه لا يجد صعوبة في تصحيح الموقف عمليًّا من دون أي كلمة اعتذار. عانى كثيرًا من المصاعب الصحية في السنوات الأخيرة، لكن لم تظهر عليه علامات الضعف، كان نموذجًا للصبر والتحدي والإصرار.

عراب‭ ‬الصحافة‭ ‬النسائية

يعد الراحل عراب الصحافة النسائية بشكل خاص، فهو من وضع للمرأة الصحافية إطارها المؤسسي في قانون وزارة العمل؛ إذ لم يكن هناك بند وظيفيّ مقرر للمرأة السعودية العاملة في مجال الصحافة فمكّنها إعلاميًّا وإداريًّا وتقنيًّا قبل إتاحة المجال أمام الجامعيات السعوديات لدراسة الإعلام في الجامعات السعودية. سعى الراحل منذ أكثر من 37 عامًا إلى أن تكون المرأة عنصرًا أساسيًّا يتكامل به العمل الصحافي، فبعد سبعة أعوام من رئاسته تحرير صحيفة الرياض، افتتح القسم النسائي في الجريدة عام 1980م، الذي عُدَّ أول قسم تحرير على صعيد الصحافة السعودية ضم أكبر تجمع صحافي نسائي سعودي آنذاك.

القفزة التي ستظل تدين بها الصحافيات السعوديات لعرابها، بدأت باستحداث منصب أول مديرة تحرير نسائي غير متفرغة في صحيفة سعودية يكتب اسمها ومنصبها على ترويسة الجريدة إلى جانب مديري التحرير، وهي الدكتورة خيرية السقاف وهو قرار حظي باهتمام كبير وتهنئة شخصية من الأميرين الراحل نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية حينذاك، وسلمان بن عبدالعزيز أمير الرياض آنذاك أيضًا، وتناولت خبر ذلك القرار التاريخي كبرى وكالات الأنباء العالمية والعربية وصحافتها.

من ناحية، لعل لقب «ملك الصحافة» الشهير الذي أطلقه عليه الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، في إحدى لقاءاته التاريخية الأثيرة مع الإعلاميين السعوديين، دليل قاطع على ذلك التفرد وتلك المهنية التي تمتع بها الراحل تركي السديري أحد أشهر الصحافيين السعوديين والخليجيين الذين ستبقى لهم بصماتهم المؤثرة لأجيال صحافية سعودية مقبلة. لم يكن مجرد صحافي أو رئيس تحرير عبر الحياة الصحافية إنما يمكن القول: إنه كان كاتبًا ومفكرًا وناقدًا بالمعنى الواسع والعميق للنقد، وقارئًا ممتازًا واسع الاطلاع. كان لقراءاته الواسعة أثر في تشكيل وعيه وأسلوبه صحافيًّا وثقافيًّا وفكريًّا فانعكست ثقافته الأدبية على كتاباته الصحافية التي تفوقت على كثير من مقالات الكتاب الرياضيين وغيرهم في ذلك الوقت. فلفت بقلمه الرشيق ورأيه المعتدل انتباه الملك سلمان بن عبدالعزيز، يوم كان أميرًا للرياض، غير أن الراحل مع اعتزازه بذلك القرب ووفائه له؛ فلم يطمح لأن يصبح مسؤولًا حكوميًّا أو وزيرًا أو سفيرًا، بل سعى إلى أن يكون صحافيًّا حتى غيّبه الموت ورحل وهو «ملك الصحافة السعودية».

في عام 1972م كان ميلاد عموده الصحافي «لقاء» في العدد 2300، وكان العمود الأطول عمرًا في تاريخ الصحافة السعودية؛ إذ استمر نحو 43 عامًا، ومنذ ذلك الحين أصبح «لقاء» البوابة التي تنفتح على التحولات التي حدثت في السعودية والانكسارات والنجاحات العربية والعالمية حتى يومها الأخير، ووصف «لقاء» بالوثيقة التاريخية على المستوى السياسي، وعدّ السديري شاهدًا على العصر. فشرعت صحف من لندن، والأيام من البحرين، وغيرها في نشر «لقاء» متزامنة مع نشره في جريدة الرياض. وكانت للسديري نظرته البعيدة وخبرته التي تنبأت بمرحلة تفشّي التيار الصحوي، فقد قال في إحدى المناسبات: «لم توجد لديّ قناعة في التفاهم معهم أو بالرد عليهم، لا نحبهم ولا هم يحبون صحيفتنا، مشينا بالجريدة وحاربوها ومع ذلك لم ينجحوا في شيء». السديري الذي حذر من ذلك الغول دعا إلى صده بكل الجهد والعزيمة؛ لأن المعركة معه معركة حياة أو موت.

قبيل وفاته سأله أحد الصحافيين: ماذا بقي من الصحافي تركي السديري بعد أكثر من ٥٠ عامًا من الكتابة والصحافة والتفاعل اليومي مع الناس؟ وجاء جوابه بسيطًا ومعبِّرًا: «كما بدأ، تبقّى منه القارئ والمتابع للأحداث؛ لكن الفرق في أن «تركي» الشاب كانت تنقصه الخبرة والدراية، أما تركي المسنّ فكأنه على معرفة إلى أين ستتجه الأحداث»!

اترك تعليقاً