الإثنين - 29 ذو القعدة 1438 هـ , 21 أغسطس 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. حوار / حوار
  3. الطاهر لبيب: التشبّث بماض غير تاريخي أظهر كائنات متوحشة – حياة السايب

الطاهر لبيب: التشبّث بماض غير تاريخي أظهر كائنات متوحشة – حياة السايب

حاورته في تونس: حياة السايب - صحافية تونسية
نشر في: الثلاثاء 02 مايو 2017 | 09:05 ص
3025 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

إنه، كما يصف هو نفسه، «لا يتحمل الاستقرار في الأفكار المنمّطة ولا في الأفكار السائدة»؛ لذلك تتعدد الاهتمامات المعرفية للطاهر لبيب عالِم الاجتماع والمفكر العربي والباحث والكاتب التونسي الذي حقق منذ نشر كتابه «سوسيولوجيا الغزل العربي» في السبعينيات من القرن الماضي بالفرنسية، ثم ترجم للعربية وصدر في طبعات عدة بتونس والمشرق العربي، صيتًا في الشرق وفي الغرب. وقد لفت كتاب «سوسيولوجيا الغزل العربي» الانتباه بسبب أن مؤلفه لم يطمئن كثيرًا لكل ما كتب من قراءات حول شعر الغزل العربي، وركز مبحثه على المكانة الاجتماعية لشعراء الغزل العربي، مُعِدًّا أن وجودهم في منطقة الهامش في المجتمع من جهة ومعايشتهم لـ«الهجر» و«الحرمان» و«العذابات» التي يتردد صداها بقوة في قصائدهم من جهة أخرى، إنما هو ناتج من التهميش الاجتماعي وليس من التمرد على قيم أخلاقية أو دينية كانت تحكم المجتمع.

الطاهر لبيب الذي درس في البداية في تونس، ثم انتقل إلى باريس، وحصل هناك على الدكتوراه في علم الاجتماع، وعلى الأستاذية في اللغة والآداب العربية، عاش في مسيرته العلمية الطويلة مراحل عدة، من بينها المرحلة الأوربية واللاتينو- أميركية غير أنه، وفق تأكيده، لا يشعر أنه موجود حيث يجب أن يكون إلا في مرحلته العربية. لماذا يعدّ الأمر كذلك؟ وكيف تفاعل مع الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة العربية منذ انطلاقة ما يسمى بالربيع العربي من تونس وما تبعها من اهتزازات اجتماعية ونزاعات وصراعات وإرهاب في أرجاء عربية؟ وكيف يقيّم دور المفكر العربي اليوم في ظل التغييرات المتسارعة وفي ظل تعدد مصادر الخبر وسيل المعلومات وبخاصة أنه من المهتمين بسوسيولوجيا الثقافة في الوطن العربي؟ ثم هل يمكن أن نتشبث اليوم بمفهوم المفكر العضوي وفق ما طرحه غرامشي، والأخير من بين المفكرين الذين تأثر بهم الطاهر لبيب وترك بصماته في مسيرته؟

… أسئلة طرحتها «الفيصل» على الباحث وعالم الاجتماع الذي اعترف بـ«أن إيقاع الحركة الثقافية، رغم كل المبادرات الفكرية الفردية، لم يساير، في العالم العربي، إيقاع التغيّر في مستويات ومجالات أخرى». وبطبيعة الحال كان لا بد من طرح الإشكال المتعلق باللغة العربية، فالمعروف عن الباحث أنه عبّر في مناسبات عدة عن خشيته على لغة الضاد ولديه أدلة علمية، تؤكد انحسار استعمالها وترجّح تحولها إلى مجرد لغة للمقدس… إلى نص الحوار:

موسولوجيا-الثقافة● هناك اليوم مسافة زمنية طويلة تفصلك عن تلك اللحظة التي نشأت وعشت فيها في قرية صغيرة تحمل دار الثقافة بها اليوم اسمك، وهي تقع بمحافظة وسط البلاد لها مكانة رمزية واعتبارية مهمة بما أنها المحافظة التي انطلقت منها الشرارة الأولى لما يسمى بالربيع العربي. هل كان لعامل النشأة دور في «صناعة» شخصية الطاهر لبيب أستاذ علم الاجتماع والباحث والمفكر المعروف عربيًّا ودوليًّا؟

أن يكون للنشأة تأثير في مسار الشخص فهذا مبدأ عام يمكن إثباته من أوجه مختلفة. ولكن عندما يطول المسار وتكثر محطاته ومنعطفاته وتتراكم تجاربه يصبح من الصعب التمييزُ، في بناء الشخصيّة، بين ما يعود إلى ظروف النشأة وما لا يعود إليها. وإذا كان لا بد من المجازفة بإرجاع بعض الملامح إلى ظروف نشأتي فيمكن القول بأن هذه الظروف هيّأتني للترحال وجعلت منه، مع الزمن، سلوكًا فكريًّا. هذا الترحال جعلني لا أتحمل الاستقرار في الأفكار المنمّطة ولا في الأفكار السائدة. لقد بقيت أميل إلى المعارف ذات الحدود المتحركة وأستمتع كثيرًا في مناطق التداخل بينها، من دون السكون في اختصاص ضيّق. ولعلّ انتمائي إلى العلوم الاجتماعية ساعد على هذا الترحال الذي هو، في نهاية الأمر، اعتراف بنسبيّة الحقائق والظواهر. الأهمّ من هذا أنّ الحديث عن النشأة يثير إحساسًا قاسيًا بالتباس العلاقة بين المثقّف وبيئته الأصليّة. أنا كغيري من المثقفين الذين يمدّ بهم الريفُ المدينةَ أشعر بالعجز أو التقصير في إيجاد علاقة عضوية وفاعلة مع موطن النشأة، تتجاوز مجرد الإحساس بالانتماء والوجدانيات المتصلة به. قد يكون هذا الانتماء وراء اهتمامي الفكري بالعدالة الاجتماعيّة وبالصراع من أجلها وبالمفكرين الذين نظّروا لها. ولكن هذا لا يعوّض الإحساس بالعجز أو التقصير.

● كنت قد حذّرت منذ الأيام الأولى التي تلت الثورة التونسية من السلطة، واستمعنا إليك تقول في لقاء انتظم بتونس بحضور المفكر والشاعر أدونيس وتنشيط الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد: إن السلطة وإن كانت بأيدي الثوريين تنزع نحو التسلط، ويبدو أن ما حذرت منه قد وقع فعلًا في تونس وفي سوريا وفي اليمن وفي ليبيا ومصر بعد نحو ست سنوات على قيام ثورات أو انتفاضات شعبية، فهل ما زلت تتمسك بفكرة الفصل بين الحدث الثوري والمد الثوري؟

حين قامت الثورة في تونس كتبت مقالًا قصيرًا قلت فيه: إن الثورات تأكل أولادها وإن الخوف هو من أن تأكلهم باكرًا. هذا الخوف بدا لبعض متشائمًا، ولكن تبيّن أنه كان حدسًا في محلّه. لقد غاب الفاعلون بسرعة وعادوا إلى مواقعهم، سالمين وغير سالمين. لماذا عادوا؟ ليس اختيارًا وإنما لأن السلطة حتى لو كانت ثورية أو سمّت نفسها ثوريّة تنبني على صراع من أجل التموقع فيها، مع تبرير هذا الصراع بمواجهة الثورة المضادة. هذا الصراع الذي سرعان ما يتحول إلى صراع سياسي، بعيدًا عن المطلب الاجتماعي، دفع مَن في السلطة الجديدة إلى إقصاء الفاعلين الاجتماعيين حتى لو بقي يتكلم باسمهم. هذا، فعلًا، ما حدث مع أبناء الثورة، أي أولئك الناس العاديون الذين قاموا بها وضحَّوا من أجلها. من هذه الوجهة، لا يمكن القول بأن الثوريين استلموا السلطة، وبالتالي لا يمكن تحميلهم مسؤولية تعطيل أو انحراف المسار الثوري في تونس. أما المفارقة الأساسية فهي أن الثورة التي هي حركة تغييريّة كبرى نحو المستقبل أفضت، سياسيًّا، إلى سلطة سياسيّة ماضويّة ذات جناحيْن من الماضي.

● الطاهر لبيب من المفكرين التونسيين والعرب الذين لم يختاروا الغرب كوجهة مطلقة للعيش والعمل، بل اخترتَ السفر بين الشرق والغرب، وأقمتَ في دول عربية من بينها دولة البحرين اليوم. كيف تقيّم تجربتك في التعاون مع مراكز بحوث عربية وهل يمكن القول: إن المنطقة العربية أصبحت تنافس البلدان الغربية في استقطاب الكفاءات العلمية العربية؟

شاءت ظروف تكويني ومساهمتي أن يمرّ مساري الفكري بمرحلة أوربية ثم بمرحلة لاتينو أميركيّة كان لهما تأثير في مستوى النظريات والمقاربات والاهتمامات، ولكني لم أحس بأني حيث يجب أن أكون إلّا في مرحلتي العربيّة التي هي الأطول والأكثر حفزًا للتفكير والإنتاج. صلتي بالمشرق العربي قامت على أساس اهتمامي بالمسألة العربيّة، من وجهة سوسيوثقافية بالدرجة الأولى، وكذلك للمساهمة في مبادرات العمل الجماعي المستقل، خصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية، ومنه تأسيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع. من الصعب، في الواقع، وإلى حد الآن، الحديث عن استقطاب فكري في العالم العربي. هناك انتداب كفاءات علمية متخصصة، بحسب حاجات بعض الدول، لا يتسع لها المجال، في الأغلب، لكي تشتغل أو تنتج، فكريًّا، خارج وظيفتها التي تنتدب من أجلها. الوضع إذًا مختلف عما هو في بلدان غربيّة حيث حرية التعبير والإنتاج هما عامل استقطاب أساسي.

● أنت اليوم الرئيس الفخري للجمعية العربية لعلم الاجتماع والمنطقة العربية، كما تعلم تعيش تحولات متواصلة، وهي تحولات نتجت عنها تغيرات اجتماعية وثقافية بالأساس جعلتها محل دراسة المستشرقين والباحثين بالغرب. كيف تقيم ردة فعل علماء الاجتماع العرب؟ وهل كانت الهزات الكبرى والارتدادات كفيلة بدفعهم نحو تجديد مناهج البحث وتطوير أدواتهم لفهم أفضل للظواهر الاجتماعية؟

إجمالًا، يمكن القول بأن علماء الاجتماع العرب، كغيرهم من المفكرين والمتخصصين فوجئوا بما حدث، وكما حدث، مكانًا وزمنًا. هذا لا يعني أنهم لم يتوقعوا حدوثه، في المطلق أو من جهة الحدس التاريخي، فهم كثيرًا ما أشاروا إلى التناقضات المجتمعيّة التي من المفترض أن تؤدي إلى مطالب تغييرية كبرى، وبالتالي إلى تحريك التاريخ العربي، لكن استشرافهم للمستقبل لم يدرج ضمن توقعاته سيناريو الثورة، في المدى المنظور. ومهما يكن، فقد تأكد أن النظريات والمقاربات والأجهزة المفاهيميّة المعتمدة لم تكن لها القدرة المعرفيّة والتحليليّة لاكتشاف ما كان يتفاعل ويتراكم من فعل اجتماعي، وراء الظواهر الظاهرة التي شغلت الباحثين. إن ما يحدث في العالم العربي منذ ربع قرن، سواء كان كثورة أو كفوضى أو كتوحش غير مسبوق، هو مخبر جديد تمامًا للبحث العلمي ولكنه لا يبدو أنّه حفز، بالقدر الكافي، على تجديد آليات البحث الاجتماعي. إن الخطاب العربي، إجمالًا، لم يتغيّر، بل إنّه تراجع في مواقع كثيرة، حيث تسرّبت إليه رؤى وأفكار كان يُظنّ أنه تمّ تجاوزها.

العلوم الإنسانية بقيت تلقينية

سوسولوجيا-الثقافة● تصاعدت التحذيرات بعد انتشار العنف في البلدان العربية وتوسع بؤر التوتر وظهور آفة الإرهاب من إهمال العلوم الإنسانية، هل ترى أن الإشكال يطرح بهذه الطريقة فعلًا ثم هل ترى أن المنطقة العربية تولي العلوم بمختلف أصنافها الاهتمام اللازم من خلال تخصيص الاعتمادات وتشجيع البحوث العلمية وبناء مراكز البحوث؟

إذا استثنينا بعض المجالات التي لها استمرار تاريخي كاللغة والآداب وإلى حد ما الفلسفة فإن العلوم الإنسانية عمومًا والاجتماعية بصورة خاصّة بقيت مدرسية تلقينيّة، في الأغلب، ولم تترسخ في المعرفة العربيّة كعلوم تحليلية نقديّة، وهذا لأسباب متنوعة يطول الحديث عنها. ومع الطفرة التكنولوجية حدثت هجرة واسعة إلى العلوم التطبيقيّة التي نادت بها أسواق العمل، ولم يبقَ في «الإنسانيات» إلّا ضعفاء الحال في المعرفة. وقد نتج عن هذا ما نلاحظه من تدنِّي مستوى العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات العربيّة. قد يقال: إن الظاهرة كونية، ولكن ننسى أن البلدان المتقدمة لها متاريس حصينة وقديمة في هذه العلوم، خلافًا للبلدان العربيّة التي فقدت فيها هذه العلوم حتى سلامة اللغة التي تسمح لها بأن تكون دقيقة. لا يمكن أن نوجد حلولًا لمسائل لا نفهمها فهمًا سليمًا. وإذا اعتبرنا التحديات المركّبة التي منها ما هو غير مألوف في العالم العربي فإن إعادة الاعتبار إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية تصبح ضرورة بديهيّة. إن المجتمعات العربية، وكذلك أنظمتها السياسية، هي الآن تدفع ثمن الجهل بذاتها الناتج عن تهميش أو إقصاء هذه العلوم، خارج معارفها. وإذا أمكن تدارك الوضع فلن يكون ذلك إلّا بناءً على قناعة وعلى قرار سياسي يعيد هيكلة التدريس وينشئ مؤسسات جديدة للبحث، بتصورات وإمكانات وآليات متطورة، وييسّر عمل الباحثين ويحفزهم إليه. هذا هو الحل الذي يتبادر تلقائيًّا إلى الذهن.

● استفاق التونسيون وشعوب عربية أخرى عاشت محنة العنف والإرهاب التي تلت سقوط الأنظمة الدكتاتورية على ما يسمونه بالتصحر الثقافي. فقد تبيّن أن الشعوب ليست محصنة بالقدر الكافي ضد محاولات التدجين، وليست مسلحة بالمعارف وبالثقافة كي تواجه المشاريع الظلامية والدعوات للعودة إلى ما تسميه بالمجتمع القروسطي… كيف نفسر ذلك وبلدان مثل تونس عرفت منذ القرن التاسع عشر حركات إصلاح للمجتمع قادها مثقفون ومفكرون ورجال دين إضافة إلى وجود مجتمع مدني نشيط ويقظ؟

إيقاع الحركة الثقافية، رغم كل المبادرات الفكرية الفردية، لم يساير، في العالم العربي، إيقاع التغيّر في مستويات ومجالات أخرى، وهذا لأسباب سياسية ودينية بالدرجة الأولى. الحراك الثقافي مصدر ريبة عند كل الأنظمة العربية ويزداد حذرها منه بقدر ما يتجه نحو الإبداع الذي لا يخلو، بالضرورة، من «البدعة» الفنّية، على الأقل. شخصيًّا، أرى أن غياب مفهوم القطيعة في الثقافة العربية الإسلامية هو وراء كل العوامل الذهنيّة التي تعرقل المسار الثقافي العربي وتجعل انتكاسته ممكنة في كل لحظة. مقولة التراكم في الفكر العربي السائد مقولة ساذجة لا تتضمّن التجاوز، ولذلك يتناضد فيها كل شيء، وتتداخل فيها كل الأزمنة وكذلك كل الأنساق الفكرية والذهنية، من الأساطير والخرافات والشعوذات إلى أكثر المبادئ عقلانيةً. هذا ما نراه يتتابع ويتحاذى، يوميًّا، في القنوات والكتب والصحف. والواقع، كما أثبتت تجارب المجتمعات المتقدمة، أن التغيُّر الذي ينقل مجتمعًا من مرحلة إلى أخرى لا يكون من دون قطيعةٍ مع ثقافة وذهنيات مراحل سابقة. إن ظهور الكائنات المتوحشة الآتية من تخيلات القرون المظلمة لم يكن ممكنًا لولا التشبُّث السائد، في الحس المشترك، بماضٍ متخيَّل وغير تاريخي. هذا التشبث الساذج والعبثي، في أغلب حالاته، لا يتطلب أي مجهود معرفي؛ لأن الطريق إليه ميسَّرة ورصيده جاهز. ولهذا السبب يمكن أن يتجلى في أي بلد عربي، ولو بدرجات وأشكال مختلفة. تبدو تونس من بين المجتمعات العربية الأكثر تحصُّنًا باعتبار تجربة مجتمعها المدني وغياب الطائفية ونزعة الاجتهاد الفكري والديني والميل إلى الوسطية،… إلخ، لكن وسائل الاتصال الحديثة تعرّض بعض الفئات فيها إلى تأثير الفكر الظلامي. وقد تبيّن للأسف، أن هذا المجتمع التحديثي المنفتح هو، أيضًا، أنتج وحوشًا نادتها الدماءُ فاستجابت لها في أرضها وخارج أرضها. مثال تونس يبيّن أنه لا بلد عربيًّا في مأمن من هذه الوحوش. من يظنّ خلاف ذلك لم يفهم الدرس.

الاستغناء عن مفهوم النخبة

الطاهر-لبيب-٢● هل نطبق على الحال التونسية ما أشرت إليه في كتابك «سوسيولوجيا الثقافة» عندما وجهت نقدك للمفاهيم المقترحة للثقافة، وبخاصة تلك التي تضع مقابلات بين الثقافة والحضارة أو الثقافة والطبيعة إلى وجود مفهوم للثقافة ينتهي إلى عزل المعرفة عن الواقع، استقلالًا بعالم «أرقى» خاص بنخبة لها قيمها وتصورات «عليا». ثم كيف نميز المثقف اليوم؟ وما هي وظيفته في ظل تعدد القنوات ومصادر المعرفة ووفرة المعلومات بفضل الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات؟

مفهوم النخبة انبنى في مراحل سابقة كمراحل التحرير الوطني وبناء الدولة الوطنية أو في مراحل نضالية كتلك التي عرفتها الستينيات وبعض السبعينيات في أغلب البلدان العربيّة. في تلك المراحل أسند المثقف إلى نفسه أو أُسندت إليه أدوار كانت مرتبطة بأحلام جماعية وبمشاريع وبدائل مجتمعية لم تعد قائمة اليوم. انتهت هذه الأدوار التي على أساسها كان المثقف عنصرًا أساسيًّا في تركيبة النخبة. مفهوم النخبة نفسه أصبح غير ذي معنى، بل استُغنِي عنه. إن العلاقة التي تعوّدنا على رصدها وتحليلها بين الثقافة والواقع قد تفكّكت أو تميّعت، خصوصًا مع انتشار ثقافة معولمة من الصعب ربطها بمكوّنات البنية الاجتماعية المحليّة. إن الكثير مما كان يعدّ ثقافة النخبة أصبح من الحسّ المشترك الذي تنشره وسائل الاتصال الحديثة. وإذا أردنا المحافظة على حد أدنى من التصنيف فليكن بين المثقف والمفكر. كل الناس مثقفون بطريقة أو بأخرى، ولكن ليسوا كلهم مفكرين.

● يعدّ الطاهر لبيب من المهتمين بفكر غرامشي، ووجهت لومًا للعرب على اكتشاف فكر المثقف الإيطالي بعد تأخير كبير، لكنك حذرت في الوقت نفسه من نسخ أفكاره؛ لأن لكل بيئة خصوصياتها والبيئة العربية تختلف بطبيعة الحال عن البيئة الإيطالية وعن البيئة الغربية عمومًا. فكيف يمكن لفكر غرامشي أن يكون مفيدًا للمنطقة إذًا في ظل التحولات التي تشهدها سياسيًّا واجتماعيًّا بالخصوص؟

لفت النظر إلى المفكر والمناضل الإيطالي غرامشي كان في فترة تبحث فيها الماركسية العربيّة عن مخارج نظرية من بعض الانغلاق الدوغمائي الذي عطّل تحليل الخصوصية العربية. فكر غرامشي فكر ماركسي لكنه منفتح على أبعاد ومجالات لم تكن الماركسية التقليدية تأخذها بعين الاعتبار. لقد قارن بين الوضع في روسيا التي حدثت فيها الثورة بصورة غير منتظرة وبين الوضع في أوربا الغربية، واستخلص أن وجود مجتمع مدني معقّد في أوربا يجعل من الصعب على الطبقة العاملة القيام بثورة فيه من دون هيمنة أيديولوجية، وهو ما يعني أن الصراع الاجتماعي يتطلب عملًا فكريًّا يلعب المثقفون فيه دورًا أساسيًّا. لقد أبرز غرامشي بُعدًا ثقافيًّا لم يكن مألوفًا في الرؤية الماركسية للصراع الاجتماعي السياسي. هذا البعد بالذات هو الذي أغرى المثقفين العرب، خصوصًا في المغرب العربي؛ لأن مثقفي المشرق العربي اهتم أغلبهم بالجانب النضالي العملي. المغاربة جعلوا من غرامشي «مثقفًا» بالدرجة الأولى والمشارقة جعلوا منه «مناضلًا» بالدرجة الأولى. اليوم يعود غرامشي، بعد غياب، لأن الظواهر الثقافية، في معناها الواسع، اتخذت أشكالًا خطرة على الصعيدين العالمي والمحلّي. أما في تونس فاستدعاء غرامشي، في المدة الأخيرة، هو لفهم صعوبات التحوّل الثوري، ومن المتوقّع أن يكتشف المحللون أن هذه الصعوبات مرتبطة بعدم قدرة القوى الثورية على الهيمنة الأيديولوجية. لقد كانت الثورة بمنزلة «حرب حركة» سريعة في وضع يتطلب «حرب مواقع» أيديولوجيّة. «حرب الحركة» قد تزيل نوعًا من السلطة لكنها لا تستطيع إزالة الترسانة الأيديولوجية التي تقوم عليها، وقد تضمن استمرارها بطريقة أو بأخرى.

● هل تعد ما يسمى بالربيع العربي قد أفقد مفهوم المثقف العضوي الذي دافع عنه غرامشي بقوة آنيته؟ وهل المثقف اليوم في المنطقة العربية فاعل في المجتمع في ظل انتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج ما يسمى بتلفزيون الواقع واكتساح من يسمون بالخبراء المشهدَ الإعلامي؟

أتذكّر أن تدريسي في الجامعة لم يستقطب الطلبة مثلما استقطبه الدرس حول المثقف العضوي عند غرامشي. كان الطلبة أنفسهم يريدون أن يكونوا مثقفين عضويين. كانوا يبحثون عن طريق الارتباط بطبقات وحركات اجتماعية كانت تبدو لهم صاعدة. والواقع أن تعبير المثقف عن عضويته، في المعنى الذي أراده غرامشي، كان صعبًا في الظروف العربيّة، رغم السّعي الفكري والنضالي إلى اكتسابها. على أنّ المفارقة التي ظهرت في المجتمع العربي عمومًا وإلى حد ما في المجتمع التونسي هي أن من كان يُعَدّ مثقفًا تقليديًّا، حسب غرامشي، أصبح أكثر عضويّةً من العضوي كما هي حال مثقفي الحركات الماضوية التي كان يظنّ أنّها مرتبطة بطبقات وحركات في طريقها إلى الزوال. ومهما يكن فإن درس غرامشي هو في ضرورة تطويع النظريات والمقاربات حسب خصوصية المجتمع الذي يراد التفكير أو العمل من أجل تغييره.

لغة لا يتكلمها أهلها مآلها الاندثار

أنطونيو-غرامشي

أنطونيو غرامشي

● يَعدّ الطاهر لبيب أن اللغة العربية مهددة بالتهميش وبانحسار دورها الاجتماعي وتحولها إلى لغة المقدس لا غير. هل يمكن مطالبة شعب أو أمة بالحفاظ على لغتها في ظل انتشار لغة عالمية جديدة، لغة الويب: وهي لغة يتحكم فيها من بلغ مرحلة ما بعد الحداثة أي صناع تكنولوجيا المعرفة وتكنولوجيا المعلومات، في حين ما زالت المجتمعات العربية تناقش مسألة الانتقال إلى الحداثة؟

اللغة التي لا يتكلّمها أهلها أو يستغنون عنها بلغة أخرى هي لغة مآلها الاندثار. هذا مبدأ عام لا أرى سببًا مقنعًا لاستثناء اللغة العربية من الخضوع له. وإذا نظرنا إلى وضع اللغة العربية الفصحى نظرة ميدانية موضوعيّة فإن تراجعها، بل غيابها في فضاءات حيويّة، إضافةً إلى عدم الاكتراث بسلامتها، يؤشّر على توجّه نحو اندثارها. الاندثار يعني أنها لن تبقى، عمليًّا، لغة قوميّة أو وطنيّة، بل لغة فئة خاصة ومحدودة، هي في الجملة فئة مرتبطة بالمقدس. هذا ما حدث مثلًا للُّغة اللاتينية، وهذا هو المقصود، في نهاية الأمر، حين يقول بعضٌ بأنه لا خوف على العربية لأن القرآن يحفظها. صحيح أنه قد يحفظها، لكنه يحفظها لهذه الفئة لا للمجتمع، مثلما حفظها في بلدان إسلاميّة غير عربيّة. وفعلًا، هناك بلدان عربيّة لم يعد فيها وجود حقيقي للغة العربية خارج هذه الفئة وبعض المناسبات الرسميّة. لا أناقش ما هو مفروغ منه من ضرورات المعرفة باللغات الأجنبيّة وبخاصّة المعولمة منها كالإنجليزيّة، لكني أشير فقط إلى أن اللغة العربية الفصحى هي، كغيرها من اللغات، ستندثر إذا تواصل مسارها الحالي، وأن التغنّي بها وتمجيدها لن ينقذها من ذلك. لقد أشار طه حسين، قبل ستين سنة، إلى أن اللهجات قد تتحول إلى لغات، وأنه قد يأتي وقت يحتاج فيه التونسي، مثلًا، إلى من يترجم له ما يقول السعودي. المسألة مسألة وقت. المهم أن يدرك العرب ذلك، وأن يتحمل أصحاب القرار السياسي مسؤوليتهم التاريخيّة.

● يرى بعض المفكرين العرب من بينهم مثلًا الدكتور هشام جعيط أن الصراعات اليوم في بعض البلدان العربية، وإن كانت بين العرب فيما بينهم، أنها موجهة ضد الغرب؛ لأن الغرب تحكّم مطولًا في شؤون العرب والمسلمين في حين ترى أن الآخر بالنسبة لنا لا ينبغي أن ينحصر في الغرب فقط. هل يمكن أن نطمئن اليوم لصورتنا لدى الآخر؟ وهل يمكن أن نراها في مرآة الآخر من دون أن ترافقها مخاوف من رفضه لنا بسبب ارتباط صورة المغاربي والعربي والمسلم اليوم بالعنف والإرهاب؟

عندما كان العرب في مدّهم الحضاري كان الآخر عندهم متعدّدًا ولم يكن للغرب ما يعطيه للعرب فلم يهتموا به ونظروا إلى أمم أخرى وأخذوا منها. تغير هذا منذ أن وجد العرب أنفسهم تحت سيطرة الغرب، بدءًا بالحروب الصليبية ومرورًا بالاستعمار إلى اليوم. هذا ما يفسر أن الغرب هو الآخر بالنسبة إليهم، وكأنه لا يوجد غيره في الدنيا. صحيح أن هناك خلفية صراع متخيّل مع الغرب ولكن التغيّرات، خصوصًا منذ تسعينيات القرن الماضي، بعثت مواجهات بين العرب أنفسهم وخلقت آخَرَ جوَّانِيًّا تراجعت العداوة معه إلى الداخل العربي. أما صورة العربي فلن تتغيَّر إلّا إذا تغيّر العربي. وضعه الحالي يجعل من السهل إسقاط كل الأحكام السلبية عليه. من العجيب أن العربي الذي يجلد ذاته لا يقبل أن يجلدها غيره. ثم إن العربي الذي يتشكّى كثيرًا من تشويه صورته لا يتنبّه إلى أنه هو أيضًا يشوِّه صورة الآخر؛ لأن معرفته به مشوَّهة ومحدودة. عندما نسمع بعضًا يتحدث عن الغرب، خصوصًا من وجهة معياريّة، لا نشك في أن ما يتحدث عنه لا وجود له إلّا في خياله. هذا، بالمناسبة، لا يختلف عما يقوم به عند الحديث عن البعيد من تاريخه. ومهما يكن فإن خوف العربي الدائم من تشويه صورته هو علامة ضعف وقلّة ثقة بالذات.

● تكتسح الأحزاب اليمينية أوربا، كما أن وصول دونالد ترمب للبيت الأبيض أكد رغبة البلدان الغربية في الانغلاق على الذات والاحتماء بالقوميات ضد الآخر، وهو بالأساس الإنسان العربي والمسلم، هل ترى أننا دخلنا في منطق جديد تسيطر فيه على المجتمعات ثقافة جديدة تدير ظهرها لكل المكتسبات الناتجة عن الثورات الشعبية في العالم وبخاصة الأفكار التقدمية والقيم الكونية؟

Arab-Other الضعف العربي هو الذي يخلق عند العرب هذا التوهّم بأن صعود اليمين في أوربا وأميركا هو صعود يستهدفهم. إنهم يردّون الفعل وكأن أوربا وأميركا لا ترى غيرهم في العالم، هذا في حين أنهم ليسوا إلّا بؤرة من بؤر الصراع الجيوسياسي، خلقتها مصالح مرحليّة. وراء الشعارات والإجراءات المعادية للعرب والمسلمين أسباب تتصل بالصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات الأوربية والمجتمع الأميركي، أي في صلب النظام الرأسمالي الباحث عن تجاوز أزماته. نمط ترمب وأشباهه في أوربا هو من إفرازات مرحلة من مراحل ما يسمى نظامًا عالميًّا جديدًا. ومهما كان رأينا فيه، ورأينا طبعًا غير مطلوب وغير مؤثّر، فإن صعود هذا النمط إلى السلطة هو نتيجة تصويت الناس له. الديمقراطيات الأوربيّة أنتجت أغرب من ترمب ومن اليمين العنصري؛ أنتجت الاستعمار المباشر، والنازية، والفاشية، وحربين عالميتين. هناك رؤى ومقاربات متفائلة تستشرف مستقبلًا لا يتحمّل استمرار عدم توازن النظام العالمي الحالي وكوارث النيوليبرالية المعولمة. هناك قوى كبرى صاعدة أو عائدة إلى قوتها من المتوقّع أن تعدّل مصالحها من هذا النظام، ولكن أين العرب في هذا؟ قطعًا، لن يكون لهم مكان ولا وزن إن واصلوا مسارات التفرقة الحالية، ولم يجدوا صيغًا تجمع بينهم وتتجاوز الشعارات المستهلكة التي أصبحت للتندّر أكثر مما هي للفعل.

ما ينتشر باسم الإبداع لا إبداع فيه

● تمكَّن كتابك «سوسيولوجيا الغزل العربي» من الانتشار عربيًّا وفي الغرب كذلك بفضل ما ورد فيه من رفض للمسلمات حول الشعراء العذريين وعدم التعامل معهم كمجرد تجارب فردية إنما كمعبرين عن فئة اجتماعية عاشت مهمشة في بيئتها، لكن كل ذلك أفرز من جهة سِيَرًا تاريخية مثيرة حتى وإن كانت الوقائع التاريخية تختلط بالأسطورة، ومن جهة ثانية إبداعًا ظل خالدًا إلى اليوم… لماذا برأيك عجزنا اليوم إلا ما ندر عن إنتاج فكر وإبداع حقيقيين حتى إن الثورات لم تستطع إنتاج خطاب ثوري حقيقي، وهذا أمر تؤكده بنفسك؟

لا أحد يمكنه الشكّ في قدرة العربي على الإبداع. المشكلة هي في صعوبة انتقال هذه القدرة من القوة إلى الفعل، أي في عدم توافر ظروف الإبداع. من المفروغ منه أن الحريّة شرط أوّل للإبداع، وهي، في الجملة، محاصرة في البلدان العربيّة، سياسيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا، ولو بدرجات مختلفة. تتضح هذه المحاصرة عندما ننظر، لا إلى ما ينتجه المبدعون إنما إلى ما يتحاشون إنتاجه أو يُمنَعون من إنتاجه. الكثير مما ينتشر باسم الإبداع لا إبداع فيه؛ لأنه مجرد تغطية رسمية مبتذلة لهذه المحاصرة. كل مجالات المعرفة والحياة تتسع للإبداع، لكنها محدودة، عمليًّا، في العالم العربي لغياب الظروف المناسبة، لا من جهة الحريات فحسب، إنما أيضًا لغياب المؤسسات والقوانين والتمويلات الحافزة على ذلك. الإبداع العلمي، مثلًا، سواء كان في العلوم التطبيقية أو في العلوم الإنسانية والاجتماعية غير ممكن من دون توافر هذه الظروف، ولذلك نلاحظ انحسارًا عامًّا نحو الإبداع الأدبي والفنّي؛ لأن فيه مرونة تستطيع، نسبيًّا، مواجهة الظروف الصعبة. الإبداع العربي سردي بالدرجة الأولى، وهو، بالمناسبة، الإبداع الوحيد الذي يُترجَم إلى لغات أخرى، أي أنه النمط الوحيد الذي يُعترَف بالإبداع العربي فيه. الإبداع هو إنتاج المعنى. هناك نصوص فكرية وأعمال أدبية وفنية عربيّة لها طابع ريادي أو تأسيسي، هذا لا شك فيه، ولكن الثقافة السائدة، عربيًّا، تنتج اللامعنى وتعيد إنتاجه. كل ما هو تكرار، وكل ما هو مفروغ منه، وكل ما هو لغة خشبية أو كلام فارغ لا ينتج المعنى، ورغم ذلك فهو السائد، للأسف. الثورة نفسها أعطت الكلام إلى من كانوا محرومين منه، لكنها لم تنتج خطابًا متماسكًا، ولم تقلّل من إنتاج اللامعنى.

الترجمة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬عناوين‭ ‬العجز‭ ‬الفكري‭ ‬السياسي‭ ‬العربي

من الأسئلة التقليدية التي تُطرَح باستمرار لكن الإجابة عنها بقيت معلَّقة، هي تلك التي تخص علاقة العرب بالترجمة وأنت تهتم بالترجمة من قريب، وكنت لسنوات مدير عام المنظمة العربية للترجمة ببيروت. فكل الأرقام والدراسات تؤكد أن الترجمة ضعيفة في بلداننا العربية كمًّا وكيفًا رغم الإقرار بأهمية الترجمة والانفتاح على ما ينشر في الخارج. أين يكمن الخلل برأيك وانطلاقًا من تجربتك؟ وهل عملية الإصلاح ممكنة؟

الترجمة من أبرز عناوين العجز الفكري السياسي العربي. فكريًّا، لم يُفهم بعدُ أن الترجمة ليست خيارًا، إنما هي ضرورة لنقل المعارف، وللحياة الفكريّة، ولإنعاش اللغة العربيّة أيضًا. سياسيًّا، لم يُفهم بعدُ أن المبادرات التي يقوم بها بعض الدول العربية، هنا وهناك، مهما كان حجمها، لا تمثّل شيئًا ذا بال، مقارنةً بما هو مطلوب على الصعيد العربي؛ لتدارك الفجوة في المعارف التي يزداد إيقاعها سرعةً. أظن أنه لو كان العرب في حجم دولة صغيرة واحدة لكان وعيهم الوطني بالترجمة أكثر عمقًا من وعيهم القومي بها. يطول الحديث عن الوضع الكارثي للترجمة، في العالم العربي، وهو وضع لا أراه قابلًا للإصلاح إلا بمعجزة سياسية عربيّة، تتمثّل في قرار سياسي عربي صارم ونافذ ببعث مؤسسة قومية، ذات هياكل وفروع وآليات متطوّرة وذات إمكانيات مادية وكفاءات بشريّة واسعة. في انتظار ذلك ستبقى الترجمة رهن مبادرات عابرة وخيارات تجاريّة، وسيبقى ضرر أغلبها أكثر من فائدته؛ لانعدام دقته المعرفية وأمانته الأخلاقية.

اترك تعليقاً