السبت - 29 رمضان 1438 هـ , 24 يونيو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. قضايا
  3. داعش والمهربون أخطر ما يهدد التراث الإنساني في البلدان العربية – صبحي موسى

داعش والمهربون أخطر ما يهدد التراث الإنساني في البلدان العربية – صبحي موسى

صبحي موسى - القاهرة
نشر في: الثلاثاء 02 مايو 2017 | 09:05 ص
524 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

في الوقت الذي كانت أوربا لا تزال في عصور الظلام كأنها لم تولد بعد، كانت حضارات الفراعنة والبابليين والآشوريين والسومريين والكلدانيين ترفع مشاعل الفكر في العالم، هذه المشاعل التي حملها من بعدهم اليونان والرومان والفرس، ثم سرعان ما دارت الدورة وعادت الريادة إلى المنطقة العربية عبر الفكرة الإسلامية التي مزجت قانونها السماوي بتراث كل هذه الأمم منتجة حضارة أنارت العالم لعدة قرون، قبل أن يفقد قطار الشرق قدرته على مواصلة السير إلى الأمام، تاركًا ريح التقدم في يد الأوربيين بتنويعاتهم من إسبان وبرتغال وإنجليز وفرنسيين وأميركان.

باندلاع ثورات الربيع العربي، أصبح التراث الإنساني الموجود بهذه البلدان في خطر، فقد اقتحم اللصوص عام 2012م متحف حماة في سوريا، ونهبوا الأسلحة القديمة التي به، كما نهبوا مدينة أبيلا الأثرية في إدلب، وهو ما جعل اليونسكو تصدر بيانًا تدعو فيه الهيئات الدولة لحماية الآثار السورية، وضمان عدم تعرضها للنهب، كما جعل كاتبًا بحجم روبرت فيسك يكتب في الخامس من أغسطس عام 2012م عن أن التراث الإنساني في سوريا، بما فيه من قلاع الصليبيين والمساجد العتيقة والفسيفساء الرومانية، بات لقمة سائغة للصوص، بعدها نشرت نيويورك تايمز تقريرًا قالت فيه رئيسة صندوق الحفاظ على المواقع التراثية العالمية يوني بيرنهام: إن حلب بها العديد من الكنوز الأثرية النادرة التي تتعرض للأضرار الفادحة، كهيكل آلهة العاصفة الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وأكدت اليونسكو في فبراير عام 2014م على أن عمليات التنقيب عن الآثار التي تجري في مواقع متفرقة من سوريا غير قانونية، ودعت جميع الأطراف لوقف العنف في المدن الأثرية لحماية الآثار، مؤكدة أن «داعش» دمر مواقع إسلامية ومسيحية ويهودية، ونسف أضرحة ودُور عبادة يعود تاريخ بنائها لأكثر من عشرة قرون.

ومُقدِّرة قيمة الآثار المنهوبة في كل من سوريا والعراق بنحو 15 مليار دولار، وفي يونيو عام 2015م صفع «داعش» العالم أجمع بصور تدمير أعضائه معبد بعل شمين، ثم المدرج المسرحي الروماني في تدمر، ومعبد بل وأقواس النصر وغيرها، وهو ما ذكَّر الجميع بالصفعة التي وجهها طالبان عام 2001م إلى العالم كله بتفجيره تمثال بوذا…

كل ذلك يجعل «الفيصل» تعيد التساؤل عن القيمة الحضارية التي تمثلها الآثار الموجودة في بلداننا العربية؟ هل يتعارض وجود هذه الآثار مع سؤال الهوية العربية أو الإسلامية للمنطقة، حتى تتعرض لما تتعرض له اليوم من تدمير تارة، وتهريب تارة أخرى؟ وما المشترك والمختلف في هذه الآثار؟

زاهي حواس: أمر فوق المعقول

زاهي-حواسبالنسبة لمصر في عامي 2011 و2012م خرجت كميات كبيرة من الآثار الحقيقية خلسة، وحدثت تعديات رهيبة على أراضي الآثار وجباناتها، وقام بعض الأهالي بنهب العديد من المقابر، أما في سوريا وليبيا والعراق فقد دُمِّرت عشرات المواقع والمتاحف، وما يحدث في ليبيا وسوريا فهو أمر فوق المعقول، فلا أحد يستطيع أن يحصي الخسائر التي وقعت في آثار هذه البلدان، سواء بالتدمير أو النهب والتهريب، والجامعة العربية لا بد أن يكون لها دور في حماية آثار هذه البلدان، ففي مصر توقفت التعديات بحدوث الاستقرار، وقدرة الدولة على حماية المواقع والمتاحف الأثرية، لكن في كل من ليبيا وسوريا والعراق فالأمر خارج نطاق السيطرة، ويكفي أن نعلم أن عالم آثار سوريًّا جليلًا، تخطى الثمانين من عمره، اغتيل على يد المتطرفين.

ومن ثم يجب الانتباه إلى ضرورة حماية الآثار بعيدًا من أيدي المتطرفين وعبثهم، إضافة إلى الفوضى التي يتيحها مناخ عدم الاستقرار، مما يجعل بعض الأهالي والعصابات الصغيرة وغيرهما يفكران في الاستيلاء على آثار وبيعها؛ لذا لا بد من تخبئة الآثار الموجودة في المتاحف في بدرومات المتاحف، ولا بد أن تقوم الجامعة العربية والمجتمع الدولي بدور واضح وقوي في حماية آثار البلدان العربية، ولا بد من إرسال رسالة إلى كل المتطرفين والحمقى المعادين للثقافة الأثرية بأن خَلْقهم الفوضى وتعدياتهم على المواقع الأثرية ونهبهم متاحفنا لن يثنينا عن تكريم علماء الآثار، وفي مقدمتهم العالم السوري الذي اغتيل على أيدي الجماعات المتطرفة.

ولا أعتقد أن الإسلام في حد ذاته لديه مشكلة مع الآثار، لكن المشكلة مع المتطرفين، هؤلاء الذين يسعون لإحضار سلاح وعتاد، ومن ثم يبحثون عن كل ما يمكن بيعه، وهذه الآثار تحقق مبيعات كبرى لدى مهربي الآثار، ومن ثم فكلما ضعفت يد الأمن انتشر مهربو الآثار، وكلما ظهرت جماعة ترغب في التمويل قامت بعمليات تهريب كبري إلى الخارج. الكتب الإسلامية ليس فيها ما يحضّ على تدمير الآثار، والقرآن نفسه حدثنا عن فرعون واحد بوصفه حاكم ظالم وليس كل الفراعنة ولا كل عصورهم، المتطرفون هم الذين يسعون إلى تدمير الآثار تحت ستار الإسلام من أجل مصالحهم الخاصة.

وزير آثار مصري سابقًا.

عالم الآثار السوري خالد الأسعد الذي اغتالته داعش

عالم الآثار السوري خالد الأسعد الذي اغتالته داعش

إياد السليم: النظام العالمي الخاطئ

أياد-السليمأثر الحضارات والتراث فينا قد يكون أكبر مما تتصوره أنت، فقيمنا ومبادئنا، وكثير من عاداتنا، جاءت من هناك، صقلتها التجارب والحضارات، وهنا يحضر ظرفنا القاهر القاسي هذه الأيام، في منطقتنا، الذي للأسف لا يصقل وحسب بل ينهش نهشًا. ظرفنا هذا، يفوق الخيال، وقد يصعب تصديق أحداثه ولو شاهدناها أمام أعيننا، ونقول: يا أسفاه، ماذا حصل للبشرية؟ نحن وصلنا القرن الحادي والعشرين وقلنا لقد تخطينا بشاعة الأمور الإنسانية، لكن وللأسف كانت مفاجأة كبيرة لنا. غدا سياسيو النظام العالمي الجديد يتعسفون بأنانية كبيرة، بل بلؤم وحقد، وغريزة حيوانية، نعم هذا من أسباب الفتك بصروح حضاراتنا هذه الأيام، فمسيِّرو سياساتٍ خارجية ومخابراتية تجاه منطقتنا هذه الأيام، هم مِن أعتى الحاقدين للأسف، ولا يشبعون من تدمير ومحو حضاراتنا، غير مبالين بكونها إرثًا عالميًّا وملكًا للأجيال القادمة.

هؤلاء يستغلون كلّ فراغ أمني وحاجة عسكرية، ليقايضوها بأمر تخريبٍ أثريّ، صفقات مباشرة لحصص سياسية، ولحصص على الأرض، مقابل تهديم الصرح الأثري هذا أو ذاك، فرضوا ظرفًا، تسمع فيه مقاتلًا يقول: «بوط عسكريّ واحد، هو أهمّ من كامل آثار البلد».

مدير مؤسسة الاستكشاف السورية.

خالد عزب: شكوك حول الأساطير والمرويات القديمة

خالد-عزبهناك تطور كبير في علم الآثار خلال الثلاثين عامًا الماضية أدى إلى إعادة النظر في المنطقة العربية ككل، فنحن نتحدث الآن عن وجود لغة أم، ليست بالضرورة هي اللغة العربية التي نعرفها اليوم، لكنها كانت لغة فيها مشتركات كثيرة بين النحو والصرف في اللغة المصرية القديمة والنحو والصرف في اللغة العربية، وهناك مشتركات بين اللغة المصرية القديمة واللغة الأمازيغية. هذه المنطلقات إما أن تستخدم استخدامًا سياسيًّا لتعزيز المشترك العربي، أو تستخدم للتفرقة العربية، فلُبّ القضية هو التوظيف السياسي للآثار.

وإذا كان لدينا كعلماء آثار شكوك كبيرة حول صحة روايات التوراة، التي كتبت بعد السَّبْيِ البابليّ، ومدى مطابقة مروياتها مع ما يمكن تسميته بالمكتشفات الأثرية، فهل يصبح لدينا الآن شكوك حول بعض الأساطير والمرويات العربية؟ فمن المؤكد أن شبه الجزيرة العربية في عصور ما قبل التاريخ كانت بها حضارات وأنهار وغابات، ومنطقة الربع الخالي كانت منطقة زراعية، وعليه فإننا نتساءل: هل نستطيع إعادة كتابة تاريخ شبه الجزيرة العربية مرة أخرى؟ وذلك بناء على ما تُوُصِّل إليه من اكتشافات حديثة.

وهذا كله يعني أننا خلال السنوات المقبلة سنعيد كتابة تاريخ المنطقة مرة أخرى، وربما بطريقة مختلفة، ويصبح التساؤل الملحّ هو: هل سنبحث عن المشتركات التي تقرِّبنا كأمة عربية أم سنبحث عن الاختلافات التي تباعد بيننا؟ أعتقد أن الأمر مرهون بالفعل السياسي الثقافي أكثر منه بالفعل الثقافي الأثري نفسه.

متخصص في الآثار الإسلامية.

داعش-والآثار

حسين عبدالبصير: العالم العربي المحظوظ

حسين-عبدالبصيريعد سؤال البحث عن الهوية وماهية الوجود الحضاري في العالم العربي من الأسئلة المؤرقة دومًا وأبدًا في عالمنا العربي العريق قديمًا، الذي يعاني حاليًّا تــــراجـعًا حضــــاريًّــــا كــبــيــــرًا على كل المستويات الحضـــــارية. ويزيد من حيرة ذلك العالم وحيرة أهله الوقوع بين هويات عدة تمتدّ إلى الماضي البعيد، ويحيط بها الحاضر غير البهيج، ولا أحد يعلم مصيرها في عالم المستقبل الغامض. وتدخل الآثار في البلاد العربية في هذا الخضم الهائل لتزيد من عمق السؤال، وهوّة التناحر، وحدّة التعارض بين تلك الهويات المتعارضة.

ويمكن اعتبار عالمنا العربي محظوظًا من كثافة ووفرة المواد الحضارية الأثرية؛ نظرًا لاحتوائه على حضارات مهمة متعاقبة في أقطار عديدة، لعل من بين أهمها الحضارة المصرية القديمة وحضارة بلاد النهرين وحضارات بلاد الشام وغيرها. ومن بين أروع ما يميز حضارات تلك البلدان العربية هو الاستمرارية والتواصل الحضاري، لا الانقطاع الزمني، على أرضها الحضارية العريقة؛ مما يشكل لها تميزًا بين حضارات العالم قديمه وحديثه، وفي الوقت ذاته تحديًا كبيرًا لتلك البلاد التي تعيش في ظروف حضارية مغايرة لنهضتها القديمة التي أبهرت العالم قديمًا ولا تزال تبهره. ومن دون شك، فإن وجود آثار تلك الحضارات في الأرض العربية، يجعل المواطن العربي مذهولًا من عمق الهوة الحضارية الفاصلة بين ماضيه المشرّف، حين كانت بعض الحضارات الموجودة حاليًّا على الأرض العربية سيدة للعالم القديم في وقت كانت البشرية جمعاء تبحث لنفسها عن بصيص أمل في الظلام الدامس الذي كانت تعيش فيه مسترشدة بأنوار حضارات العالم العربي الباهرة.

لكن السؤال الذي يثار باستمرار :«لماذا نحن متخلفون؟». ويفكر العرب المحدثون بصوت عالٍ: «كيف وصل أجدادنا إلى هذا التقدم المذهل الذي ما زال العالم يبحث في أسراره وكيفية حدوثه؟». وفي حقيقة الأمر، فإن الإنسان العربي الحالي غير معنيّ بالكلية بالبحث عن تراثه، بل أكثر من ذلك يساهم على نحو من الأنحاء في العبث بهذا التراث العريق وتدميره.

رئيس آثار منطقة الهرم والمتحف المصري الكبير.

علي الحضوري: هدموا المقابر وتركوا الأوثان

على-الخضوريالآثار الليبية تعرضت للنبش والتشويه، فبعد سقوط النظام سادت الفوضى، وانتشر اللصوص، والراغبون في البحث عن الآثار من أجل بيعها، ولم يسلم موقع أثري في ليبيا من النبش والحفر بحثًا عن آثار فيه، ولم يسلم العديد من الآثار من التشويه سواء بالكتابة عليها أو دهنها بمواد كيميائية، لكن الأمر ليس مرتبطًا بالإسلاميين إلا فيما يخص المقابر والأضرحة، وهي تعود إلى عقود وقرون بعيدة، أغلبها كان يمثل تحفًا فنية مزدهرة بالنقوش والآيات، وهذه تعاملت معها الجماعات الإسلامية بعنف؛ لأنهم يرونها حرامًا، في حين تركوا الأعمدة الرومانية وغيرها رغم أنهم يسمونها بالأوثان، ولا نعرف آثارًا دُمِّرت كما حدث بالشكل المروع في سوريا، لكننا نعرف ما حدث من تشويه ونبش في المواقع الأثرية الليبية، والقصة في مجملها تجيء بإغراءات من السياح أو مهربي الآثار، ومن ثم فالكل أصبح يبحث عن الآثار بطريقته ومجهوده الفردي؛ كي يبيعها ويصبح من الأثرياء.

الرئيس الأسبق لمصلحة الآثار في الجماهيرية الليبية.

داعشيون

حسين العيدروس.. نقاط مشتركة

حسين-العيدروسالتراث الحضاري على المعمورة، يُعدّ من الشواهد الحية على وجود الإنسان وتفاعله ونشاطه الدؤوب والمستمرّ على مدى العصور، سواء في البلدان العربية أم في العالم أجمع. وإذا ما اقتصرنا على البلدان العربية، فإننا لا بد أن نتعايش تحت أي ظرف من الظروف، وننسى هذه التقسيمات العقيمة، التي شتتت شمل الأمة وفرقتها، فمن خلال معظم التنقيبات الأثرية في العالم، وُجِدت شواهد تثبت الصلات والعلاقات بين الشعوب، وعُرف التلاقح الحضاري فيما بينها، ولولا هذه الصلات لما تحضَّرت الأمة بالأخذ والعطاء (التبادل)، هذه السمة الأخلاقية التي تدلنا على الفضيلة في عدم الاستئثار والأنانية، فالشعوب المحرومة، هي الشعوب المنعزلة، المنكفئة على ذاتها، لا تسمح بالتواصل مع الآخرين، وبالتالي ظلت متقوقِعة، حتى انتهت وأَفَلَ نجمها مهما كان سطوعه.

قد تكون الوحدة الجغرافية في كثير من الأحيان، لها أثر في التقارب بين المجموعات البشرية التي تعيش فيها، وهذا الأمر طبيعي وإيجابي، ليس بالاختيار، لكن في الوقت نفسه قد تنشأ خلافات فكرية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو خلاف ذلك، تؤدي إلى نشوب نزاعات، وهذه غالبًا طبيعة بشرية، لكن بالمقابل قد تُحل وتعود إلى وضعها الطبيعي، وقد تتعقد وتُنهِي طرفًا من الأطراف.

أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة صنعاء.

نينوى-داعش

الشرقي‭ ‬دهمالي‭: ‬محور‭ ‬أطماع‭ ‬ومصالح‭ ‬عالمية

الشرقي-دهماليالمتأمل في التاريخ العربي يجد أن منطقتنا العربية شكلت وستشكل دائمًا مجالًا لبروز أطماع ومصالح بين قوى خارجية، وميدانًا لتصفية مجموعة من الحسابات بين أجهزة استخباراتية عالمية يكون فيها المواطن العربي وهويته الحضارية حطَبًا لحروب مفروضة يصاحبها نشاط مكثف لتهريب الممتلكات الثقافية العربية تؤدي إلى فقداننا جزءًا غاليًا من تراثنا، هذا التراث الذي يباع بأثمان خيالية في المزادات العلنية، وأصبح قسم منه في ملكية متاحف عالمية تتباهى بعرضه للزوار، وتحقق من ورائه مكاسب مالية مهمة جدًّا.

وبالرجوع إلى الخمس عشرة سنة الأخيرة فقط، نجد أن عالمنا العربي عرف مجموعة من الأحداث المتسارعة والمؤلمة التي أضرت كثيرًا بمعالم تراثنا المشترك، من خلال استهداف «ممنهج» للمعالم البارزة للتراث العربي كما سيتبيّن من خلال هذه الأمثلة التي سنوردها على سبيل المثال لا الحصر:

– استمرار عمليات الحفر تحت المسجد الأقصى المبارك منذ عام 1967م إلى اليوم، وما نتج عن ذلك من تشققات في بنيته الأساسية وبخاصة في الجدار الجنوبي، إضافة إلى هدم أحياء عربية قديمة بالقدس الشريف من طرف الكيان الإسرائيلي.

– تعرض المتاحف والمواقع الأثرية لبلاد الرافدين، خلال الاجتياح الأميركي للعراق سنة 2003م، لعمليات واسعة من السرقة والتهريب قامت بها، في أغلب الأحيان، عصابات دولية منظمة ومحترفة تحت أنظار قوات الاحتلال. وهنا أسرد حديثًا دار بيني وبين الزميل المرحوم الدكتور توني جورج، مدير متحف بغداد آنذاك، خلال لقائنا في الجمعية العامة للمجلس الدولي للمتاحف بكوريا الجنوبية سنة 2004م، أكد لي فيه عن «وجود حقائق تثبت أن ما سُرق من التحف من المتحف العراقي في بغداد خلال الأيام الأولى للاحتلال تم بشكل منظم على أيدي عصابات مدرَّبة، كما يدل على ذلك طريقة اقتحام المتحف، ومن خلال درايتهم الدقيقة بمحتويات المتحف: ففي المتحف نسخة طبق الأصل من «المسلة السوداء» لشريعة حمورابي الموجودة في «متحف اللوفر» في باريس لم يسرقوها لمعرفتهم بعدم أصليتها.

تتوالى عمليات التخريب للشواهد المادية للتراث العربي لتصل ذروتها مع ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وما نتج منه من فراغ وانفلات أمْنيينِ وتدخل أجنبي سافر، وتفريخ لمجموعة من الجماعات المسلحة التي جندت، للأسف فئة من أبناء جلدتنا، وجعلت من تدمير التراث وسيلة للتعبير عن وهمها، ومن الاتّجار في التحف مصدرًا لملء خزينتها من العملة الصعبة. وهنا أكتفي بسرد مجموعة من الأحداث المؤلمة:

– تعرض مجموعة من الآثار الليبية إلى التخريب والتنقيب غير المشروعين بعد التدخل الأجنبي سنة 2011م.

– سرقة مجموعة من القطع من المتحف المصري بالقاهرة في ليلة «جمعة الغضب» يوم 28 يناير 2011م.

– تفجير واجهة وبهو متحف الفن الإسلامي بالقاهرة في يناير 2014م، وتدمير مدخل متحف العريش في يناير 2015م.

– نهب وتخريب محتويات متحف الموصل في فبراير 2015م، وتدمير تماثيل الثور الآشوري المجنح في المتحف وفي «بوابة نركال» الأثرية، التي ترجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

– قتل مجموعة من زوار متحف باردو الوطني بتونس في هجوم مسلح يوم 18 مارس 2015م.

– تدمير معابد وأقواس مدينة تدمر الأثرية بسوريا، وإعدام مدير متاحف وآثار المدينة د. خالد الأسعد بتهمة العمالة و«حراسة الأصنام» في أغسطس 2015م.

– تدمير مجموعة من المتاحف والبنايات التاريخية باليمن خلال العمليات العسكرية المتتالية.

اترك تعليقاً